النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ (٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠٨) وقوله: (وَقَالَ بِيَدِهِ)؛ أي: أشار النبيّ وَّ بيده إلى كيفيّة سؤالهم الناس. والحديث من أفراد المصنّف تَّلُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٢٠٨] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ، عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدٍ سَعْدٍ، قَالُوا: مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَعُودُهُ. بِنَحْوِ حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣. ٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم في الباب الماضي. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن أيوب هذه لم أجد من ساقها بتمامها، إلا أن أبا عوانة قال في «مسنده»: (٥٧٨٣) - حدّثنا الصغانيّ، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، قثنا حماد بن زيد، قثنا أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن الحميريّ، عن ثلاثة من بني سعد بن مالك كلهم يحدث عن أبيه، كلهم يقول: مرض سعد بمكة فأتاه النبيّ وَ﴿ يعوده، فقال: يا رسول الله إني أَرْهَب أن أموت بالأرض التي هاجرت منها - فذكر مثله سواء ــ ((أهلك أغنياء، أو قال: بخير - أو كما قال رسول الله (قلهو - خير من أن تدعهم يتكففون الناس)). انتهى(١). [تنبيه آخر]: هذه الرواية أيضاً مرسلة؛ كسابقتها، وقد تقدّم الكلام فيها، ولله الحمد والمنّة. - (١) ((مسند أبي عوانة)) ٤٨٥/٣. ٤٠٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا وبالسند المتصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٢٠٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ بْنِ مَالِكِ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُنِيهِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ صَاحِبِهِ، فَقَالَ: مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ، فَأَتَاهُ التَّبِيُّ ◌َهِ يَعُودُهُ. بِمِثْلِ (١) حَدِيثِ(٢) عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، تقدّم قبل بابين. ٢ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٣ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين، تقدّم قبل بابين. والباقون تقدّم الكلام فيهم قبله. [تنبيه]: رواية محمد بن سيرين، عن حميد بن عبد الرحمن الْحميريّ لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤٢١٠] (١٦٢٩) - (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى - يَعْنِي: ابْنَ يُونُسَ - (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((القُّلُثُ، وَالقُلُثُ كَثِيرٌ))، وَفِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ: ((كَبِيرٌ، أَوْ كَثِيرٌ))). رجال هذا الإسناد: تسعة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ) أبو إسحاق الفرّاء الملقّب بالصغير، تقدّم قريباً . ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، تقدّم أيضاً قريباً. (١) وفي نسخة: ((مثل)). (٢) وفي نسخة: ((بنحو حديث عمرو)). ٤٠٣ (٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ - حديث رقم (٤٢١٠) ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريباً . ٥ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب. ٦ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الهمدانيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٧ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم قبل بابين. ٨ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم أيضاً قبل بابين. ٩ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﴿هَا، تقدّم قريباً. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الغساني الجيّانيّ كَّثُ في ((التقييد)): قوله: ((وحدّثنا أبو كريب، حدّثنا ابن نُمير)): هكذا عن أبي العلاء بن ماهان: مسلم عن أبي كريب، عن ابن نمير، وعن أبي أحمد الْجُلُوديّ: مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: نا ابن نُمير. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه الجيّانيّ أنّ رواة ((صحيح مسلم)) اختلفوا في هذا الإسناد، فأما ابن ماهان، فجعل شيخ مسلم في هذا الإسناد أبا كريب؛ كالسند السابق، وأما الجلوديّ، فجعل شيخه أبا بكر بن أبي شيبة؛ كالسند السابق أيضاً، ولا يستبعد أن يروي مسلم عن كليهما، عن ابن نمير، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿ هَا أنه (قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ خَضُوا مِنَ الثُّلُثِ) ((غَضُّوا)) - بمعجمتين، الثانية مشدّدة؛ أي: نقصوا في الوصيّة من الثلث إلى الربع، و(لو)) للتمنّي، فلا تحتاج إلى جواب، ويَحْتَمِل أن تكون شرطيّة، والجواب محذوف، وقد وقع في رواية ابن أبي عمر في ((مسنده))، عن سفيان بلفظ: ((كان أحبّ إليّ))، أخرجه الإسماعيليّ من طريقه، ومن طريق أحمد بن عبدة أيضاً، وأخرجه من طريق العبّاس بن الوليد، عن سفيان بلفظ: ((كان أحبّ إلى رسول الله (وَالچ)). ٤٠٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا (إِلَى الرُّبُع) زاد الحميديّ ((في الوصيّة))، وكذا رواه أحمد، عن وکیع، عن هشام، بلفظ: ((وددتُّ أن الناس غضّوا من الثلث إلى الربع في الوصيّة ... )) الحديث. (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن رسول الله وَيو ... إلخ، وهو تعليلٌ من ابن عبّاس ﴿ًّا لِمَا اختاره من النقصان عن الثلث، وكأنه أخذ ذلك من وصفه وَّ ر الثلث بالكثرة، وقد تقدّم بيان الاختلاف في توجيه ذلك في شرح الحديث الأول من هذا الباب، ومن أخذ بقول ابن عباس في ذلك، كإسحاق بن راهويه، والمعروف في مذهب الشافعيّ استحباب النقص عن الثلث، أفاده في ((الفتح)). وقال النوويّ كَُّ: وفيه استحباب النقص عن الثلث، وبه قال جمهور العلماء مطلقاً، ومذهبنا أنه إن كان ورثته أغنياء استُحبّ الإيصاء بالثلث، وإلا فيستحبّ النقص منه. وعن أبي بكر الصدّيق ◌ُبه أنه أوصى بالخمس. وعن عليّ ◌َظُّه نحوه، وعن ابن عمر، وإسحاق بالربع، وقال آخرون: بالسدس، وآخرون بدونه، وقال آخرون: بالعشر، وقال إبراهيم النخعيّ تَظُّ: كانوا يكرهون الوصيّة بمثل نصيب أحد الورثة، ورُوي عن عليّ، وابن عبّاس، وعائشة، وغيرهم ﴿ه أنه يستحبّ لمن له ورثةٌ، وماله قليل ترك الوصيّة. انتهى كلام النوويّ ◌َُّهُ(١). (قَالَ: ((القُّلُثُ) تقدّم أنه تجوز فيه أوجه الإعراب الثلاثة، وأَوْلاها النصب؛ أي: أعط الثلث (وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ) بالثاء المثلّثة، وهو مبتدأ وخبره (وَفِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ: ((كَبِيرٌ، أَوْ كَثِيرٌ))) بالباء الموحّدة، و((أو)) فيه للشكّ من الراوي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) (شرح النوويّ)) ٨٣/١١. ٤٠٥ (٣) - بَابُ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْمَيِّتِ - حديث رقم (٤٢١١) أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢١٠/٢] (١٦٢٩)، و(البخاريّ) في ((الوصايا)) (٢٧٤٣)، و(النسائيّ) في ((الوصايا)) (٢٤٤/٦) و((الكبرى)) (١٠٤/٤)، و(ابن ماجه) في ((الوصايا)) (٢٧١١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٤٠/١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٣٠/١ و٢٣٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (٣) - (بَابُ وُصُولٍ ثَوَابِ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْمَيِّتِ) وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٢١١] (١٦٣٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرِ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: إِنَّ أَبِي مَاتَ، وَتَرَكَ مَالاً، وَلَمْ يُوصٍِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المَقابريّ، أبو زكرياء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢. ٢ - (قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السَّعْديّ المروزيّ، ثقة حافظٌ، من صغار [٩] (ت٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في)) المقدمة)) ٢/ ٦. ٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق المدنيّ، ثقة ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في (الإيمان)) ١١٠/٢. ٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الْحُرَقِيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] مات سنة بضع و(١٣٠) (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهَنيّ الْحُرقيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َؤُهُ تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. ٤٠٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل بن جعفر، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَجُلاً) لم أعرفه، ولا أباه (قَالَ لِلنَّبِيِّ وَِّ: إِنَّ أَبِي مَاتَ) لا يعارض هذا ما يأتي في حديث عائشة ها التالي: ((إن أمي افتُلتت نفسُها))؛ لإمكان الجمع بحملهما على واقعتين، ويدلّ على ذلك قوله في هذا الحديث: ((وَتَرَكَ مَالاً))؛ لأن أم سعد بن عبادة لم يكن لها مال، ولذا لما قيل لها: ((أوصي، قالت فيم أوصي؟ المال مال سعد))، والله تعالى أعلم. (وَتَرََكَ مَالاً، وَلَمْ يُوصٍ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ) من التكفير، وهو التغطية، والمراد: محو ذنوبه (أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهُ؟) ((أن)) مصدريّة، والمصدر المؤول فاعلٌ (يكفّر))؛ أي: فهل يمحو عنه ذنوبه تصدّقك عنه؟. وقال القرطبيّ تَّتُهُ: ظاهر قوله: ((فهل يكفّر عنه أن أتصدق عنه)) أنه عَلِمَ أن أباه كان فرَّط في صدقات واجبة، فسأل: هل يجزئ عنه أن يقوم بها عنه؛ فأجابه النبيّ ◌َلّقال: ((نعم))، وعلى هذا فيكون فيه دليل على أن من قام عن آخر بواجبٍ ماليٍّ في الحياة، أو بعد الموت أجزأ عنه، وهذا مما تجوز النيابة فيه بالإجماع، وأنه مما يُستحب، وخصوصاً في الآباء؛ فإنَّها مبالغة في بِرِّهم، والقيام بحقوقهم، وقد قال وَالَ: ((من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه(١))، متّفقٌ عليه، وقد تقدم في كتاب الصوم. وإذا كان هذا في الصيام؛ كان الحقّ المالي بذلك أولى. وقيل: إنَّما سأل: هل يُكفَّر بذلك خطاياه؟ ولا ينبغي أن يُظَنَّ بصحابيّ تفريط في زكاة واجبة إلى أن مات، فإن هذا بعيد في حقوقهم، فالأولى به أن يُحْمَل على أنَّه سأل: هل لأبيه أجرٌ بذلك فيكفر عنه به؟ كما قال السائل الآخر في حقّ أمه: أفلها أجر؟. (١) زاد القرطبيّ: ((إن شاء))، وهي في رواية البزّار، وهي زيادة منكرة؛ لتفرّد ابن لَهيعة بها، كما قال الحافظ في ((الفتح))، وقد أجاد الشيخ الألبانيّ كَّفُ في ((تمام المنّة))، فراجعه. ٤٠٧ (٣) - بَابُ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْمَيِّتِ - حديث رقم (٤٢١١) قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن هذا القول هو الأرجح، فتأمله، والله تعالى أعلم. قال: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك في الوقت الذي كانت فيه الوصية واجبة. قال: وهذا مُحْتَمِل، لا سبيل إلى دفعه، وعلى القول الأول، فإذا عَلِم الوارث أن مُوَرِّثه فَرَّط في زكوات، أو واجبات مالية، فقال الشافعيّ، وأحمد: على الوارث إخراج ذلك من رأس المال؛ كالدُّيون، وقال مالك: إن أوصى بذلك أخرج من الثلث، وإلا فلا، وقال بعض أصحابه: إذا علم أنه لم يخرج الزكاة؛ أُخرجت من رأس المال؛ أوصى بها، أو لم يوص، قاله أشهب، وهو الصحيح؛ لأن ذلك دين الله، وقد قال ◌َّه: ((دين الله أحقّ بالقضاء)»، أو نقول: هو من جملة ديون الآدميين؛ لأنه حقّ الفقراء، وهم موجودون، ولیس للوارث حقّ إلا بعد إخراج الدَّين والوصايا. انتهى كلام القرطبيّ تَخَذَتُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (قَالَ) بَرِ (نَعَمْ)))؛ أي: يكفِّر تصدّقك عنه ذنوبه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢١١/٣] (١٦٣٠)، و(النسائيّ) في ((الوصايا)) (٦/ ٢٥١) و((الكبرى)) (١٠٩/٤)، و(ابن ماجه) في ((الوصايا)) (٩٠٦/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٧٩/١١)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (١٢٣/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٩٣/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٨/٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه جواز الصدقة عن الميت، واستحبابها، وأن ثوابها (١) ((المفهم)) ٤/ ٥٥٢ - ٥٥٣. ٤٠٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - کتاب الوصايا يصله، وينفعه، ولا سيّما إن كان من الولد، قال النوويّ كَّثُ: وهذا كلّه أجمع عليه المسلمون. وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى في ((كتاب الزكاة)) في المسألة الرابعة برقم [٢٣٢٦/١٥]. ٢ - (ومنها): أنه مخصّص عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّئْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعی ﴾ [النجم: ٣٩]، ويلتحق بالصدقة العتق عنه عند الجمهور، خلافاً (٣٩) للمشهور عند المالكيّة، وهل يلتحق به غير ذلك من أعمال البرّ؛ كالحجّ والصوم؟ فيه خلاف، سبق تحقيقه مستوفى في ((كتاب الزكاة))، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. ٣ - (ومنها): جواز ترك الوصيّة؛ لأنه * لم يدمّ الرجل في تركه الوصية . ـي من استشارة النبيّ وَّر في أمور ٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة الدِّین. ٥ - (ومنها): أن فيه المسارعة إلى عمل البرّ، والمبادرة إلى برّ الوالدين. ٦ - (ومنها): أن إظهار الصدقة قد يكون خيراً من إخفائها إذا صدقت النيّة، وقد سبق البحث في الحديث عند شرح حديث عائشة ها التالي في (كتاب الزكاة)) بالرقم المتقدّم، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق. وبالسند المتصل إلى المؤلّف تََّفُ أوّل الكتاب قال: [٤٢١٢] (١٠٠٤) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَإِنِّي أَظَنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَلِي أَجْرٌ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: وتقدّموا قريباً، والحديث تقدّم مستوفى الشرح، والمسائل في ((كتاب الزكاة)) برقم [٢٣٢٦/١٥] (١٠٠٤) فراجعه تستفد علماً جمّاً، والله تعالى وليّ التوفيق. وقوله: (أَنَّ رَجُلاً قَالَ ... إلخ) هو سعد بن عبادة ظُه، كما تقدّم بيانه بالرقم المذكور. ٤٠٩ (٣) - بَابُ وُصُولِ ثَوَابِ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْمَيِّتِ - حديث رقم (٤٢١٢) وقوله: (إِنَّ أُمِّيَ) هي: عمرة بنت سعد بن عمرو بن زيد مناة، وقيل: بنت سعد بن قيس، وقيل: بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجّار، ماتت ◌ُوّا في حياة النبيّ ◌َّ سنة خمس، كما تقدّم أيضاً بالرقم المذكور. وقوله: (اقْتُلِتَتْ نَفْسُهَا) - بضمّ المثنّاة، وكسر اللام -؛ أي: سُلِبَت، على ما لم يُسمّ فاعله، و((نفسها)) بالرفع نائب الفاعل، يقال: افْتُلِتَ فلانٌ؛ أي: مات فجأةً، وافتُلتت نفسه كذلك، وضبطه بعضهم بفتح السين، إما على التمييز، وإما على أنه مفعول ثان، والفَلْتَةُ، والإفلات: ما وقع بغتة، من غير رويّة، وذكر ابن قتيبة بالقاف، وتقديم المثنّاة، وقال: هي كلمة تقال لمن قتله الحبّ، ولمن مات فَجْأةً، والمشهور في الرواية بالفاء. وقال النوويّ كَخّْتُهُ: قوله: ((افتُلِتَتْ نفسُها)) ضبطناه ((نفسَها))، و((نفسُها)) بنصب السين ورفعها، فالرفع على أنه مفعولُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، والنصب على أنه مفعولٌ ثانٍ، قال القاضي عياضٌ: أكثر روايتنا فيه بالنصب، وقوله: ((افتُلِتت)) بالفاء، هذا هو الصواب الذي رواه أهل الحديث وغيرهم، ورواه ابن قتيبة: ((اقتُتِلت نفسها)) بالقاف، قال: وهي كلمة تقال لمن مات فَجْأَةً، ويقال أيضاً لمن قتلته الجنّ والعشق، والصواب الفاء، قالوا: ومعناه: ماتت فَجْأَةً، وكلُّ شيءٍ فُعِل بلا تَمَكّث، فقد افتُلِتَ، ويقال: افْتَلَتَ الكلامَ، واقترحه، واقتضبه: إذا ارتجله. انتهى(١). وقوله: (وَإِنِّي أَظُنُّهَا ... إلخ) إنما قال هذا لِمَا عَلِمه من حرصها على الخير، أو لِمَا عَلِمه من رغبتها في الوصيّة، قاله النوويّ تَذْتُهُ(٢). وقوله: (فَلِي أَجْرٌ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟) وفي الرواية التالية: ((أفلها أجر إن تصدّقت عنها؟))، ولا تنافي بينهما؛ لأنه يحصل له الأجر ببرّه أمه، کما يحصل لها الأجر بصدقته عنها، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَّلُهُ: وقوله: ((فلها أجر؟))، وفي الرواية الأخرى: ((فلي أجر)) لا تناقض بين الروايتين؛ لأنه يمكن أن يكون سأل النبيّ وَل قر بالصيغتين، (١) (شرح النوويّ)) ٨٩/٧ - ٩٠. (٢) (شرح النوويّ) ٨٤/١١. ٤١٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا فأجابه بمجموعهما، غير أنه حدَّث تارة بإحداهما، وتارة أخرى بالأخرى، أو يكون مِنْ نَقْلِ بعض الرواة عنه، ومعنى الجمع بينهما صحيح؛ لأنها يكون لها أجر بما تصدَّق عنها، وله أجرٌ بما برَّها به، وأدخله عليها . وقوله: (قَالَ: ((نَعَمْ)))؛ أي: قال النبيّ ◌َّى: نعم تصدّق عنها، زاد في رواية النسائيّ: ((فَتَصَدَّقَ عَنْهَا))، وفي رواية له: ((فقال سعد: حائطُ كذا وكذا صدقة عنها، لحائط سمّاه))، وفي رواية ابن عبّاس ظه عنده: ((قال: فإن لي مَخْرَفاً، فأشهدك أني قد تصدّقت به عنها)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان بقيّة المسائل في ((كتاب الزكاة)) بالرقم المذكور، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّل الكتاب قال: [٤٢١٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمِّي اقْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَلَمْ تُوصٍ، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أَفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا قريباً، والحديث متّفقٌ عليه، كما أسلفته آنفاً . وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َخْذُ أوّل الكتاب قال: [٤٢١٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ (ح) وَحَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حُدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ - حَذَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ - (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثُنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، أَمَّا أَبُو أُسَامَةَ، وَرَوْحٌ، فَفِي حَدِيثِهِمَا: ((فَهَلْ لِي أَجْرٌ؟))، كَمَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَأَمَّا شُعَيْبٌ، وَجَعْفَرٌ، فَفِي حَدِيثِهِمَا: ((أَفَلَهَا أَجْرٌ؟))، كَرِوَايَةِ ابْنِ بِشْرٍ). ٤١١ (٣) - بَابُ وُصُولٍ ثَوَابِ الصَّدَقَاتِ إِلَى الْمَيِّتِ - حديث رقم (٤٢١٤) رجال هذا الإسناد: عشرة: ١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قريباً. ٢ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير البغداديّ، أبو صالح الْقَنْطريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٤/٤٦. ٣ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثمّ الدمشقيّ، ثقةٌ رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت١٨٩) (خ م د س ق) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤١٨/٣٤. ٤ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) العيشيّ البصريّ، تقدّم قريباً. ٥ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٦ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِم) البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٧ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩] (ت٦ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. [تنبيه]: رواية روح بن القاسم، عن هشام بن عروة، ساقها الطبرانيّ في ((الأوسط))، فقال: (٧٠٣) - حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أمية بن بسطام، قال: حدّثنا يزيد بن زريع، عن رَوْح ابن القاسم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رجلاً أتى النبيّ وَّه، فقال: يا رسول الله، إن أمي افتُلِتَت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: ((نعم))(١). وأما رواية جعفر بن عون، عن هشام بن عروة، فساقها ابن أبي شيبة في «مصنّفه))، فقال: (١٢٠٧٧) - حدّثنا جَعْفَرُ بن عَوْنٍ، عن هِشَامٍ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ، قالت: جاء رَجُلٌ إِلَى النبيّ وََّ، فقال: إنَ أُمِّ افتُلتت نَفْسَهَا، وإنها لو تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لها من أَجْرٍ إن تَصَدَّقْت عنها؟ قال: ((نعم)). انتهى. وأما رواية كلٍّ من أبي أسامة، وشعيب بن إسحاق كلاهما عن هشام بن (١) ((المعجم الأوسط)) ٢١٦/١ - ٢١٧. ٤١٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا عروة، فقد أسلفت في ((كتاب الزكاة)) من ساقهما، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقد أسلفت هناك أني لم أجد من ساق رواية عليّ بن مسهر، والآن - ولله الحمد - قد وجدته، فقد ساقها أبو الفضل الزهريّ(١)، فقال: نا جعفر، نا مِنجاب بن الحارث، أنا عليّ بن مُسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﴿ّا، قالت: جاء رجل إلى رسول الله وَله، فقال: يا رسول الله، إن أمي افتُلتت نفسها، وأظن أنها لو تكلمت لتصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قال: ((نعم))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾. (٤) - (بَابُ مَا يَلْحَقُ الإِنْسَانَ مِنَ الثَّوَابِ بَعْدَ وَفَاتِهِ) قوله: ((يَلْحَقُ)) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ، يقال: لَحِقته، ولَحِقتُ به أَلْحَق، من باب تَعِبَ لَحَاقاً بالفتح: أدركته، وألحقته بالألف مثلُهُ، وألحقتُ زيداً بعمرو: أتبعته إياه، فَلَحِقَ هو، وألحق أيضاً، وفي الدعاء: ((إن عذابك بالكفار مُلْحَقٌ))، يجوز بالكسر اسم فاعل بمعنى لَاحِق، ويجوز بالفتح اسم مفعول؛ لأن الله تعالى أَلْحَقَهُ بالكفار؛ أي: ينزله بهم، وأَلْحَقَ القائف الولدَ بأبيه: أخبر بأنه ابنه؛ لِشَبَهِ بينهما يظهر له، واسْتَلْحَقْتُ الشيءَ: اذَّعيته، ولَحِقَهُ الثمنُ لُحُوقاً: لزمه، فاللُّحوقُ: اللزوم، واللَّحاقُ: الإدراك، قاله الفيّوميّ كَذَتْهُ(٣) . وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤٢١٥] (١٦٣١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ - يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ - وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ (١) هو: أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم الزهريّ (المتوفى: سنة ٣٨١هـ). (٢) حديث أبي الفضل الزهري ٢١٧/١. (٣) ((المصباح المنير)) ٥٥٠/٢. ٤١٣ (٤) - بَابُ مَا يَلْحَقُ الإِنْسَانَ مِنَ الثَّوَابِ بَعْدَ وَفَاتِهِ - حديث رقم (٤٢١٥) أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ، إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ))). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد هو الإسناد المذكور أول الباب الماضي، وقد مضى بيانه هناك. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ِ، قَالَ: ((إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ)، وفي رواية: ((ابن آدم)) (انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ)؛ أي: ثواب عمله، ولمّا كان بمنزلةٍ انقطع الثواب من كلّ أعماله، تعلّق به قوله: (إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ)؛ أي: ثلاثة أعمال. وقيل: بل الاستثناء متعلّقٌ بالمفهوم؛ أي: ينقطع ابن آدم من كلّ عمل إلا من ثلاثة أعمال، والحاصل أن الاستثناء في الظاهر مشكلٌ، وبأحد الوجهين المذكورين يندفع الإشكال، قاله السنديّ دَّثُ في ((شرح النسائيّ)). وقال القاضي عياضٌ تَخْلَثُ: معناه أن عمل الميت منقطع بموته، لكن هذه الأشياء لمّا كان هو سببها، من اكتساب الولد، وبثّه للعلم عند من حَمَله عنه، أو إيداعه تأليفاً بقي بعده، وإيقافه هذه الصدقة، بقيت له أجورها ما بقيت، ووُجدت. انتهى(١). وقال النوويّ رَُّهُ: قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وتجدّد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة؛ لكونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلّفه، من تعليم، أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية، وهي الوقف. انتهى (٢). وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْلَتُهُ: هذه الثلاث الخصال إنما جرى عملها بعد الموت على من نُسبت إليه؛ لأنه تسبّب في ذلك، وحَرَصَ عليه، ونواه، ثم إن فوائدها متجدّدة بعده دائمة، فصار كأنه باشرها بالفعل، وكذلك حكم كلّ ما سنّه الإنسان من الخير، فتكرّر بعده، بدليل قوله وَّ: ((من سنّ سُنّةً في الإسلام حسنة، كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة))، رواه مسلم. وإنما (١) ((زهر الربى)) ٢٥١/٦. (٢) ((شرح النوويّ)) ٨٧/١١ - ٨٨. ٤١٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا خصّ هذه الثلاثة بالذكر في هذا الحديث؛ لأنها أصول الخير، وأغلب ما يَقصد أهل الفضل بقاءه بعدهم، والصدقة الجارية بعد الموت هي: الْحُبُسُ، فكان حجةً على من يُنكر الْحُبُس. وفيه ما يدلّ على الحضّ على تخليد العلوم الدينيّة بالتعليم، والتصنيف، وعلى الاجتهاد في حمل الأولاد على طريق الخير والصلاح، ووصيّتهم بالدعاء عند موته، وبعد الموت. انتهى كلام القرطبيّ تَخَذّهُ(١). (إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ) بدل تفصيل من مجمل ((إِلَّا من ثلاثة))، ومعنى ((جارية))؛ أي: غير منقطعة؛ كالوقف، أو ما يُديم الوليّ إجراءها عنه، وقيل: لبقاء ثمرات الأعمال بقي ثوابها (أو عِلْم يُنْتَفَعُ بِهِ) بالبناء للمفعول؛ أي: يحصل نفعه للناس، كأن يعلّم شخصاً، فيَّقوم ذلك الشخص بنشر ذلك العلم بعد موته، أو يصنّف كتاباً، فينتفع به الناس بعد موته. وذكر القاضي تاج الدين السبكيّ تَظّفُ: أن حمل العلم المذكور على التأليف أقوى؛ لأنه أطول مدّة، وأبقى على ممرّ الزمان، ورأيت من تكلّم على هذا الحديث في كرّاسة، قال الأخنائيّ في ((كتاب البُشْرَى بما يَلحَق الميت من الثواب في الدار الأخرى)): قوله: ((وعلم يُنتفع به)) هو ما خلّفه من تعليم، أو تصنيف، وروايةٍ، وربّما دخل في ذلك نَسْخُ الكتاب، وتسطيرها، وضبطها، ومقابلتها، وتحريرها، والإتقان لها بالسماع، وكتابة الطبقات، وشراء الكتب المشتملة على ذلك، ولكن شرطه أن يكون منتفعاً به. انتهى(٢). (أَوْ وَلَدٍ صَالِح يَدْعُو لَهُ))) قال السنديّ كَُّهُ: وفي عدّ الولد من الأعمال تجوّزٌ، لا يخفى. انَّتھی. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: جعل الشارع الولد من جملة كسب الإنسان، فقد أخرج ابن ماجه بإسناد صحيح، من حديث عائشة خيرها، مرفوعاً: ((إن أطيب ما أكل الإنسان من كسب يده، وإن ولده من كسبه))، فسمّاه كسباً، كما عدّه في هذا الحديث من أعماله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (١) «المفهم)) ٥٥٤/٤ _ ٥٥٥. (٢) راجع: ((زهر الرُّبَى في شرح المجتبى)) للسيوطيّ تَّهُ ٢٥١/٦ -٢٥٢. ٤١٥ (٤) - بَابُ مَا يَلْحَقُ الإِنْسَانَ مِنَ الثَّوَابِ بَعْدَ وَفَاتِهِ - حديث رقم (٤٢١٥) مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة (المسألة الثانية): في تخريجه: ظُهُ من أفراد المصنّف نَُّهُ . أخرجه (المصنّف) هنا [٤٢١٥/٤] (١٦٣١)، و(أبو داود) في ((الوصايا)) (٢٨٨٠)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٣٧٢)، و(النسائيّ) في ((الوصايا)) (٦/ ٢٥١) و((الكبرى)) (١٠٩/٤)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (٢٤٢)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٣٨)، و(أحمد) في ((باقي مسنده)) (٣٧٢/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٥٥٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٤٣/١١)، و(ابن خُزيمة) في (صحيحه)) (١٢٢/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٨٦/٧)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٤٦ و١٢٤٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٧٨/٦)، و((الصغرى)) (٦٢/٦)، و((المعرفة)) (١٠٥/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٣٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما يلحق الإنسان بعد موته من الثواب، وهو ثواب الصدقة الجارية، وهو يعمّ ما فعله الإنسان قبل موته، مِنْ وَقْف، ونحوه، مما له البقاء بعد موته. ٢ - (ومنها): أن فيه دليلاً على صحّة الوقف، وعظيم ثوابه، والردّ على من أنكر ذلك. ٣ - (ومنها): أن فيه فضيلة العلم، والحثّ على الاستكثار منه، والترغيب في توريثه بالتعليم، والتصنيف، والإيضاح، وأنه يُختار من العلوم الأنفع، فالأنفع. ٤ - (ومنها): أن فيه فضيلة الزواج؛ لرجاء ولد صالح، وقد سبق في ((كتاب النكاح)) بيان اختلاف أحوال الناس فيه، وأوضحنا ذلك هناك، ولله الحمد والمنّة. ٥ - (ومنها): أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت، وكذلك الصدقة، وهما مجمعٌ عليهما، وكذلك قضاء الديون، وأما الحجّ فيجزي عن الميت عند الشافعيّ، وموافقيه، وهو الحقّ، كما تقدّمت أدلّته في ((كتاب الحجّ))، قال ٤١٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا النوويّ: وهذا داخل في قضاء الدَّين إن كان حجّاً واجباً، وإن كان تطوّعاً وأوصى به، فهو من باب الوصايا، وأما إذا مات، وعليه صيامٌ، فالصحيح أن الوليّ يصوم عنه؛ لصحّة أمر النبيّ وَله بذلك، وأما قراءة القرآن، وجَعْل ثوابها للميت، والصلاة عنه، ونحوهما، فمذهب الشافعيّ، والجمهور أنها لا تَلْحَق الميت، وفيها خلاف. انتهى كلام النوويّ تَُّهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الجمهور عندي هو الأرجح؛ لعدم دليل صحيح على وصول ثواب القرآن، ونحوه إلى الأموات، فمن جاءنا بنصّ صحيح صريح لذلك، فعلى الرأس والعين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٥) - (بَابُ الْوَْفِ) قال الفيّوميّ ◌َُّ: وَقَفَتِ الدابة تَقِفُ وَقْفاً، ووُقُوفاً: سكنت، ووَقَفْتُها أنا، يتعدَّى، ولا يتعدَّى، ووقَفْتُ الدارَ وَقْفاً: حبستها في سبيل الله، وشيءٌ مَوْقُوفٌ، ووَقْفٌ أيضاً؛ تسميةً بالمصدر، والجمع: أوْقَافٌ، مثلُ ثوب وأثواب، ووَقَفْتُ الرجلَ عن الشيء وَقْفاً: منعته عنه، وأوْقَفْتُ الدارَ والدابةَ، بالألف، لغةُ تميم، وأنكرها الأصمعيّ، وقال: الكلام: وَقَفْتُ، بغير ألف، وأوْقَفْتُ عن الكلام، بالألف: أقْلَعْتُ عنه، وكَلَّمني فلان، فَأَوْقَفْتُ؛ أي: أمسكت عن الحجة عِيّاً، وحَكَى بعضهم: ما يُمْسَك باليد يقال فيه: أوْقَفْتُهُ، بالألف، وما لا يُمْسَك باليد يقال: وقَفْتُهُ، بغير ألف، والفصيح: وقَفْتُ، بغير ألف في جميع الباب، إلا في قولك: ما أوْقَفَكَ ههنا؟، وأنت تريد: أي شأن حملك على الوقوف؟ فإن سألت عن شخص، قلتَ: من وقَفَك؟ بغير ألف، ووَقَفْتُ بعرفات وُقُوفاً: شَهِدت وقتها، وتَوَقَّفَ عن الأمر: أَمْسَك عنه، ووَقَفْتُ الأمرَ على حضور زيد: عَلَّقت الحكم فيه بحضوره، ووَقَفْتُ قسمةَ الميراث إلى (١) ((شرح النوويّ)) ١١/ ٨٥. ٤١٧ (٥) - بَابُ الْوَقْفِ الوضع(١): أخرته حتى تضع، والمَوقِفُ: موضع الوقوف. انتهى كلام الفيّوميّ تَظُّهُ(٢). قال العلامة ابن قدامة تَخْذَفُ، مفرّقاً بين الوقوف والعطايا: الوقوف: جمع وَقْف، يقال منه: وَقَفتُ وَقْفاً، ولا يقال: أوقفت، إلا في شاذّ اللغة، ويقال: حبستُ، وأحبست، وبه جاء الحديث: ((إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها)). والعطايا: جمع عطيّة، مثلُ خليّة وخَلايا، وبَليّة وبَلايا، والوقف مستحبّ، ومعناه: تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة، والأصل فيه ما رَوَى عبد الله بن عمر ما قال: أصاب عمر أرضاً بخيبر، فأتى النبيّ وَل﴿ يستأمره فيها، فساق حديث الباب. ثم ذكر حديث: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله)) المذكور في الباب الماضي. ثم قال: وأكثر أهل العلم من السلف، ومن بعدهم على القول بصحة الوقف، قال جابر ظه: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ وَل* ذو مقدرة إلا وَقَفَ، ولم يَرَ شُرَيح الوقف، وقال: لا حبس عن فرائض الله، قال أحمد: وهذا مذهب أهل الكوفة، وذهب أبو حنيفة إلى أن الوقف لا يلزم بمجرده، وللواقف الرجوع فيه، إلا أن يوصي به بعد موته، فيلزم، أو يَحْكُم بلزومه ـة، وخالفه حاكم، وحكاه بعضهم عن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس . صاحباه، فقالا كقول سائر أهل العلم. قال: واحتَجّ بعضهم بما رُوي أن عبد الله بن زيد صاحب الأذان جَعَل حائطه صدقةً، وجعله إلى رسول الله بَ له، فجاء أبواه إلى رسول الله وَيه، فقالا: يا رسول الله لم يكن لنا عيش إلا هذا الحائط، فردّه رسول الله وَل قوله ثم ماتا، فورثهما، رواه المحامليّ في ((أماليه)). ولأنه أخرج ماله على وجه القربة من ملكه، فلا يلزم بمجرد القول؛ كالصدقة. (١) أي: حتى تضع الحامل ولدها الذي هو من جملة الورثة. (٢) ((المصباح المنير)) ٦٦٩/٢. ٤١٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا قال: وهذا القول يخالف السُّنّة الثابتة عن رسول الله صل وإجماع الصحابة ﴿ه، فإن النبيّ وَلّ قال لعمر في وقفه: ((لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يوهب، ولا يورث))، قال الترمذيّ تَخُّْ: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم، من أصحاب النبيّ وَّر وغيرهم، لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافاً . قال الحميديّ: تصدق أبو بكر رظُله بداره على ولده، وعمر بربعه عند المروة على ولده، وعثمان برُومة، وتصدق عليّ بأرضه بينبع، وتصدق الزبير بداره بمكة، وداره بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده، وتصدق سعد بداره بالمدينة، وداره بمصر على ولده، وعمرو بن العاص بالوَهْط، وداره بمكة على ولده، وحكيم بن حزام بداره بمكة، والمدينة، على ولده، فذلك كله إلى اليوم. وقال جابر ظه: لم يكن أحد من أصحاب النبيّ ذو مقدرة إلا وقف، وهذا إجماع منهم، فإن الذي قدر منهم على الوقف وَقَفَ، واشتَهَر ذلك، فلم ينكره أحدٌ، فكان إجماعاً . ولأنه إزالة ملك يلزم بالوصية، فإذا نَجَّزه حال الحياة لزم من غير حكم؛ کالعتق. وحديث عبد الله بن زيد إن ثبت فليس فيه ذكر الوقف، والظاهر أنه جعله صدقة غير موقوف، استناب فيها رسول الله وَطير، فرأى والديه أحق الناس بصرفها إليهما، ولهذا لم يردّها عليه إنما دفعها إليهما. ويَحْتَمِل أن الحائط كان لهما، وكان هو يتصرف فيه بحكم النيابة عنهما، فتصرف بهذا التصرف بغير إذنهما، فلم ينفِّذاه، وأتيا النبيّ وَّ، فردّه إليهما. والقياس على الصدقة لا يصحّ؛ لأنها تلزم في الحياة بغير حكم حاكم، وإنما تفتقر إلى القبض، والوقف لا يفتقر إليه، فافترقا. انتهى كلام ابن قدامة كَّتُهُ (١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (١) ((المغني)) ٢٠٦/٦. ٤١٩ (٥) - بَابُ الْوَقْفِ - حديث رقم (٤٢١٦) وبالسند المتصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤٢١٦] (١٦٣٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ، عَنِ ابْنِ عَوْذٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ أَرْضاً بِخَيْبَرَ، فَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضاً بِخَيْبَرَ، لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ، قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا))، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُبْتَاعُ، وَلَا يُورَثُ، وَلَا يُوهَبُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقاً، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّداً، فَلَمَّا بَلَغْتُ هَذَا الْمَكَانَ: غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: غَيْرَ مُتَأْثِّل مَالاً، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَأَنْبَنِي مَنْ قَرَأَ هَذَا الْكِتَابَ أَنَّ فِيهِ غَيْرَ مُتَأَثَلِ مَالاً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب. ٢ - (سُلَيْمُ بْنُ أَخْضَرَ) - بتصغير الأول - البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٨] (ت١٨٠) (م د ت س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٠٨/٢٠. ٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله، أبو عون البصريّ، تقدّم قريباً. ٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر المدنيّ الفقيه المشهور، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله ظها، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب. شرح الحديث : (عَن) عبد الله (ابْنِ عَوٍْ) قال في ((الفتح)): أخرجه أبو داود عن مسدّد، عن يزيد بن زُريع، وبشر بن الْمُفَضَّل، ويحيى القطان، ثلاثتهم عن عبد الله بن عون، وقد زعم ابن عبد البرّ أن ابن عون تفرّد به عن نافع، وليس كما قال، فقد أخرجه البخاريّ من رواية صخر بن جويرية عن نافع، وأخرجه مختصراً، وأحمد، والدارقطنيّ مطوَّلاً من رواية أيوب، وأخرجه الطحاويّ من رواية ٤٢٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا يحيى بن سعيد الأنصاريّ، والنسائيّ من رواية عبيد الله بن عمر الأكبر المصغّر، وأحمد، والدارقطنيّ من رواية عبد الله بن عمر الأصغر المكبَّر، كلهم عن نافع، قال: وسأذكر ما في روايتهم من الفوائد مفصّلاً - إن شاء الله تعالى. (١) انتھی(١) . قال الجامع عفا الله عنه: وأنا أيضاً سأذكر تبعاً للحافظ الفوائد المذكورة - إن شاء الله تعالى -. (عَنْ نَافِع) وقع عند الطحاويّ من وجه آخر عن ابن عون: ((أخبرني نافع))، ووقع فيَّ رواية الأنصاريّ، عن ابن عون عند البخاريّ بلفظ: ((أنبأني نافع))، قال الحافظ: وهو بمعنى الإخبار عند المتقدّمين جزماً (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿َا أنه (قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ) قال الحافظ تَقُ: كذا لأكثر الرواة عن نافع، ثم عن ابن عون، جعلوه في مسند ابن عمر، لكن أخرجه مسلم، والنسائيّ من رواية سفيان الثوريّ، والنسائيّ من رواية أبي إسحاق الفزاريّ، كلاهما عن عبد الله بن عون، والنسائيّ من رواية سعيد بن سالم، عن عبيد الله بن عمر، كلاهما عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، جعله من مسند عمر، والمشهور الأول. انتهى. · قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة القول في هذا الحديث أنه اختلف فيه على عبد الله بن عون تَّثُهُ، وذلك أن سفيان الثوريّ، وأبا إسحاق الفزاريّ، روياه عنه، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، فجعلاه من مسند عمر نظبه، وتابعهما على ذلك سعيد بن سالم المكيّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، كما عند النسائيّ (٣٦٣٢/٣). وخالفهم في ذلك سُليم بن أخضر، وأزهر السمّان، وابن أبي زائدة، وابن أبي عديّ، ويزيد بن زُريع، وبشر بن المفضّل، وغيرهم، فرووه عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر ها، قال: أصاب عمر، فجعلوه من مسند ابن عمر ﴿يا، وتابعهم على ذلك سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عند النسائيّ. (١) ((الفتح)) ١٤/٧.