النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
(٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١)
(١٢٩٦) و((الوصايا)) (٢٧٤٢ و٢٧٤٤) و((المناقب)) (٣٩٣٦) و((المغازي))
(٤٤٠٩) و((النفقات)) (٥٣٥٤) و((المرضى)) (٥٦٥٩) و((الدعوات)) (٦٣٧٣)
و((الفرائض)» (٦٧٣٣)، و(أبو داود) في ((الوصايا)) (٢٨٦٤)، و(الترمذيّ) في
((الوصايا)) (٢١١٦)، و(النسائيّ) في ((الوصايا)) (٢٤١/٦ و٢٤٢ و٢٤٣)
و((الكبرى)) (٦٨/٤ و١٠٢ و١٠٣)، و(ابن ماجه) في ((الوصايا)) (٢٧٠٨)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٦٤/٩ - ٦٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١/
٣٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٦٨/١ و١٧٣ و١٧٦ و١٧٩)، و(الدارميّ) في
((سننه)) (٤٩٩/٢)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٧٥/١)، و(سعيد بن منصور)
في ((سننه)) (١٢٨/١ و١٢٩)، و(البزّار) في («مسنده)) (٢٩٣/٣)، و(أبو يعلى)
في («مسنده)) (٩٢/٢ و١٤٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٧٨/٣ و٤٧٩ و٤٨٠
و٤٨١ و٤٨٣ و٤٨٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١/١٠ و٣٨٤/١٣ و١٦/
٢٥١)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٣/٢) و((الكبير)) (٢٩٢/٧)، و(البيهقيّ)
في ((الصغرى)) (٥٣/٦) و((المعرفة)) (٩٠/٥) و((الكبرى)) (٢٦٨/٦ و٤٦٧/٧
و١٨/٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): بيان مشروعيّة الوصيّة بالثلث، قال في ((الفتح)): واستقر
الإجماع على منع الوصية بأزید من الثلث، لکن اختُلِف فیمن کان له وارث،
وسيأتي تحقيقه في المسألة السادسة، وفيمن لم يكن له وارث خاصّ فمنعه
الجمهور، وجوّزه الحنفية، وإسحاق، وشريك، وأحمد في رواية، وهو قول
عليّ، وابن مسعود، واحتجوا بأن الوصية مطلقة بالآية، فقيّدتها السُّنَّة بمن له
وارث، فيبقى من لا وارث له على الإطلاق.
قال: واختلفوا أيضاً: هل يُعتبر ثلث المال حال الوصية، أو حال
الموت؟ على قولين، وهما وجهان للشافعية، أصحهما الثاني، فقال بالأول
مالك، وأكثر العراقيين، وهو قول النخعيّ، وعمر بن عبد العزيز، وقال بالثاني
(١) المراد بها الفوائد التي اشتَمَل عليها حديث سعد بن أبي وقّاص ◌َُّه بجميع طرقه
المشار إليها في الشرح، وغيرها، لا خصوص سياق المصنّف، فتنبّه.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
أبو حنيفة، وأحمد، والباقون، وهو قول عليّ بن أبي طالب نظر اته، وجماعة من
التابعين.
وتمسك الأولون بأن الوصية عَقْدٌ، والعقود تُعتبر بأولها، وبأنه لو نذر أن
يتصدق بثلث ماله اعتُبِر ذلك حالة النذر اتفاقاً .
وأجيب بأن الوصية ليست عقداً من كل جهة، ولذلك لا تُعتبر فيها
الفورية، ولا القبول، وبالفرق بين النذر والوصية بأنها يصح الرجوع عنها،
والنذر يلزم.
وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو حَدَثَ له مال بعد الوصية.
قال: واختلفوا أيضاً هل يُحسَب الثلث من جميع المال، أو تُنَفَّذ بما
علمه الموصي دون ما خَفِي عليه، أو تجدّد له، ولم يعلم به؟ وبالأول قال
الجمهور، وبالثاني قال مالك.
وحجة الجمهور أنه لا يُشترط أن يستحضر تعداد مقدار المال حالة
الوصية اتفاقاً، ولو كان عالِماً بجنسه، فلو كان العلم به شرطاً لَمَا جاز ذلك.
[فائدة]: أول من أوصى بالثلث في الإسلام البراء بن معرور - بمهملات
- أوصى به للنبيّ وَّل، وكان قد مات قبل أن يدخل النبيّ وَّل المدينة بشهر،
فقبِله النبيّ ◌َّر، وردّه على ورثته، أخرجه الحاكم، وابن المنذر، من طريق
يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن جدّه. انتهى ما في ((الفتح))(١).
٢ - (ومنها): مشروعيّة عيادة المريض للإمام، فمَن دونه، وتتأكّد باشتداد
المرض.
٣ - (ومنها): أن فيه وضع اليد على جبهة المريض، ومسْح وجهه،
ومسح العضو الذي يؤلمه، والفسح له في طول العمر؛ لِمَا تقدّم في رواية
عائشة بنت سعد عند البخاريّ: ((ثم وضع يده على جبهتي، ثم مسح وجهي،
وبطني، ثم قال: اللَّهم اشف سعداً، وأتمم له هجرته)).
٤ - (ومنها): جواز إخبار المريض بشدّة مرضه، وقوّة ألمه، إذا لم يقترن
بذلك شيء مما يُمنَع، أو يُكرَه، من التبرّم، وعدم الرضا، بل حيث يكون ذلك
(١) ((الفتح)) ٦٨٤/٦.

٣٨٣
(٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١)
لطلب دعاء، أو دواء، وربّما استُحِبّ، وأن ذلك لا ينافي الاتصاف بالصبر
المحمود، وإذا جاز ذلك في أثناء المرض، كان الإخبار به بعد البرء أجوز.
٥ - (ومنها): أن أعمال البرّ والطاعة، إذا كان منها ما لا يمكن
استدراكه، قام غيره في الثواب والأجر مقامه، وربّما زاد عليه، وذلك أن
سعداً نظوبه خاف أن يموت بالدار التي هاجر منها، فيفوت عليه بعض أجر
هجرته، فأخبره النبيّ وَّ ه بأنه إن تخلّف عن دار هجرته، فعمل عملاً صالحاً،
من حجّ، أو جهاد، أو غير ذلك، كان له به أجر بِعِوَض ما فاته من الجهة
الأخرى.
٦ - (ومنها): إباحة جمع المال بشرطه؛ لأن التنوين في قوله: ((وأنا ذو
مال)) للكثرة، وقد وقع في بعض طرقه صريحاً: ((وأنا ذو مال كثير)).
٧ - (ومنها): الحثّ على صلة الرحم، والإحسان إلى الأقارب، وأن
صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد، والإنفاقِ في وجوه الخير.
٨ - (ومنها): أن المباح إذا قُصد به وجه الله تعالى صار طاعةً، وقد نبّه
على ذلك بأقلّ الحظوظ الدنيويّة العاديّة، وهو وضع اللقمة في فِي الزوجة؛ إذ
لا يكون ذلك غالباً إلا عند الملاعبة، والممازحة، ومع ذلك فيؤجر فاعله، إذا
قَصَد به قصداً صحيحاً، فكيف بما فوق ذلك.
٩ - (ومنها): أن فيه منعَ نقل الميت من بلد إلى بلد؛ إذ لو كان ذلك
مشروعاً لأمر النبيّ وَّه بنقل سعد ابن خَوْلة ◌َظُه، قاله الخطابيّ.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم عن القاضي عياض تَّتُ أنه قال: وقد
رُوي في هذا الحديث أن النبيّ وَِّ قال لرجل: ((إن توفّي بمكة، فلا تدفنه
فیھا))، فإن صحّ هذا فإنه يردّ قول الخطابيّ المذکور، لكن لم یذکر عیاض سند
الحديث، حتى يُنظر فيه، والله أعلم.
١٠ - (ومنها): أن من لا وارث له تجوز له الوصيّة بما زاد على الثلث؛
لقوله وَليّ: ((أنْ تَدَع ورثتك أغنياء))، فمهومه أن من لا وارث له لا يبالي
بالوصيّة بما زاد؛ لأنه لا يترك ورثته يُخشى عليهم الفقر.
وتُعُقّب بأنه ليس تعليلاً محضاً، وإنما فيه تنبيه على الأحظّ الأنفع، ولو
كان تعليلاً محضاً لاقتضى جواز الوصيّة بأكثر من الثلث لمن كانت ورثته

٣٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
أغنياء، ولنَفَذ ذلك عليهم بغير إجازتهم، ولا قائل بذلك، وعلى تقدير أن يكون
تعليلاً محضاً، فهو للنقص عن الثلث، لا للزيادة عليه، فكأنه لما شُرع الإيصاء
بالثلث، وأنه لا يُعترض به على الموصي إلا أن الانحطاط عنه أولى، ولا سيّما
لمن ترك ورثة غير أغنياء، فنبّه سعداً على ذلك.
١١ - (ومنها): أن فيه سدّ الذريعة؛ لقوله وَله: ((اللَّهم أمض لأصحابي
هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم))، لئلا يتذرّع بالمرض أحدٌ لأجل حبّ
الوطن، قاله ابن المنيّر.
١٢ - (ومنها): أن فيه تقييد مطلق القرآن بالسُّنَّة؛ لأنه قال مُخْلَ: ﴿مِنْ بَعْدٍ
وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، فَأَطْلَق، وقيّدت السُّنَّة الوصيّة بالثلث.
١٣ - (ومنها): أن من ترك شيئاً لله لا ينبغي له الرجوع فيه، ولا في شيء
منه مختاراً .
١٤ - (ومنها): التأسّف على فوت ما يُحَصِّل الثواب، وأن من فاته ذلك
بادر إلى جبره بغير ذلك.
١٥ - (ومنها): تسلية من فاته أمرٌ من الأمور لتحصيل ما هو أعلى منه؛
لِمَا أشار ◌َّ لسعد من عمله الصالح بعد ذلك.
١٦ - (ومنها): الاستفسار عن الْمُحْتَمِل إذا احْتَمَل وجوهاً؛ لأن سعداً
لما مُنع من الوصيّة بجميع المال احتَمَل عنده المنع فيما دونه، والجواز،
فاستفسر عما دون ذلك.
١٧ - (ومنها): النظر في مصالح الورثة، وأن خطاب الشرع للواحد يعمّ
من كان بصفته من المكلّفين؛ لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد
هذا، وإن كان الخطاب إنما وقع له بصيغة الإفراد، ولقد أبعد من قال: إن
ذلك يختصّ بسعد، ومن كان في مثل حاله ممن يُخَلِّف وارثاً ضعيفاً، أو كان
ما يخلُفه قليلاً؛ لأن البنت من شأنها أن يطمع فيها إذا كان لها مال، وإن
كانت بغير مال لم يرغب فيها .
١٨ - (ومنها): أن من ترك مالاً قليلاً، فالاختيار له ترك الوصيّة، وإبقاء
المال للورثة، وقد اختلف السلف في ذلك القليل، وقد تقدّم البحث فيه،
مستوفّی.

٣٨٥
(٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالقُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١)
١٩ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به لفضل الغنيّ على الفقير، وفيه نظر،
قاله في ((الفتح)).
٢٠ - (ومنها): أن فيه مراعاةَ العدل بين الورثة، ومراعاةً العدل في
الوصيّة.
٢١ - (ومنها): أن الثلث في حدّ الكثرة، وقد اعتبره بعض الفقهاء في
غير الوصيّة، ويحتاج الاحتجاج به إلى ثبوت طلب الكثرة في الحكم المعيّن،
قاله في ((الفتح)).
٢٢ - (ومنها): أنه استَدَلَّ بقوله: ((ولا يرثني إلا ابنة)) من قال بالردّ على
ذوي الأرحام؛ للحصر في قوله: ((ولا يرثني إلا ابنة)).
وتُعُقّب بأن المراد: من ذوي الفروض، كما تقدّم، ومن قال بالردّ لا
يقول بظاهره؛ لأنهم يعطونها فَرْضَها، ثم يردّون عليها الباقي، وظاهر الحديث
أنها ترث الجميع ابتداء، قاله في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في استحباب النقص في الوصيّة عن الثلث:
قال العلامة ابن قدامة تَخْذُهُ: والأولى أن لا يستوعب الثلثَ بالوصية،
وإن كان غنيّاً؛ لقول النبيّ وَّه: ((والثلث كثير))، قال ابن عباس : لو أن
الناس غَضُّوا من الثلث، فإن النبيّ وَّ قال: ((الثلث كثير))، متّفقٌ عليه، وقال
القاضي، وأبو الخطاب: إن كان غنيّاً استُحِب الوصية بالثلث.
قال: ولنا أن النبيّ وَّلفيه قال لسعد: ((والثلث كثير))، مع إخباره إياه بكثرة
ماله، وقلّة عياله، فإنه قال في الحديث: إن لي مالاً كثيراً، ولا يرثني إلا
ابنتي، وقال أبو عبد الرحمن السلميّ: لم يكن أحد منا يبلغ في وصيته الثلث
حتى ينقص منه شيئاً؛ لقول النبيّ ◌َتليفون: ((الثلث والثلث كثير)).
إذا ثبت هذا فالأفضل للغنيّ الوصية بالخُمس، ونحو هذا يُرْوَى عن أبي
بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب ظها، وهو ظاهر قول السلف، وعلماء أهل
البصرة.
(١) راجع: ((الفتح)) ٦ / ٦٨١ - ٦٨٣.
١

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
وقال إسحاق: السُّنَّة الربع، إلا أن يكون رجلاً يَعرِف في ماله حرمة
شبهات أو غيرها، فله استيعاب الثلث.
قال: ولنا أن أبا بكر الصديق ربه أوصى بالخمس، وقال: رضيت بما
رضي الله به لنفسه - يعني قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ
خُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] -، وروي أن أبا بكر وعليّاً ﴿ها أوصيا بالخمس، وعن
عليّ ◌َّ ◌ُبه أنه قال: لَأن أوصي بالخمس أحب إلي من الربع.
وعن إبراهيم قال: كانوا يقولون: صاحب الربع أفضل من صاحب
الثلث، وصاحب الخمس أفضل من صاحب الربع.
وعن الشعبيّ قال: كان الخمس أحبّ إليهم من الثلث، فهو منتهى الجامح.
وعن العلاء بن زياد قال: أوصى أبي أن أسأل العلماء: أي الوصية
أعدل؟ فما تتابعوا عليه فهو وصيته، فتتابعوا على الخمس. انتهى كلام ابن
قدامة دَّتُهُ (١)، وهو مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع،
والمآب.
(المسألة الخامسة): الأفضل للإنسان أن يجعل وصيته لأقاربه الذين لا
يرثون، إذا كانوا فقراء، في قول عامة أهل العلم، قال ابن عبد البرّ: لا خلاف
بين العلماء علمتُ في ذلك، إذا كانوا ذوي حاجة؛ وذلك لأن الله تعالى كتب
الوصية للوالدين والأقربين، فخرج منه الوارثون بقول النبيّ وَالر: ((لا وصية
لوارث)»، وبقي سائر الأقارب لهم وأقلّ ذلك الاستحباب، وقد قال الله تعالى:
﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى
الْقُرْبَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، فبدأ بهم؛ ولأن الصدقة عليهم في الحياة أفضل،
فكذلك بعد الموت، فإن أوصى لغيرهم، وتركهم صحت وصيته، في قول أكثر
أهل العلم، منهم: سالم، وسليمان بن يسار، وعطاء، ومالك، والثوريّ،
والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
وحُكِي عن طاوس، والضحاك، وعبد الملك بن يعلى أنهم قالوا: يُنْزَع
عنهم، ويردّ إلى قرابته.
(١) ((المغني)) ٦/ ٤٥٧.

٣٨٧
(٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١)
وعن سعيد بن المسيِّب، والحسن، وجابر بن زيد: للذي أُوصي له ثلث
الثلث، والباقي يُرَدّ إلى قرابة الموصي؛ لأنه لو أوصى بماله كله لجاز منه
الثلث، والباقي ردّ على الورثة، وأقاربُهُ الذين لا يرثونه في استحقاق الوصية؛
كالورثة في استحقاق المال كله.
واحتجّ الأولون بما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) عن عمران بن
حصين ◌ًا: ((أن رجلاً أعتق في مرضه ستة أعبد، لم يكن له مال غيرهم، فبلغ
ذلك النبيّ وَّ﴾، فدعاهم، فجزأهم ثلاثة أجزاء، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين،
وأَرَقّ أربعةً، وقال له قولاً شديداً))، فأجاز العتق في ثلثه لغير قرابته، ولأنها
عطية، فجازت لغير قرابته؛ كالعطية في الحياة، قاله ابن قدامة تَظّفُ(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوصيّة بأكثر من
الثلث إن أجازه الورثة:
قال العلامة ابن قدامة تَخََّثُ: ومن أوصى لغير وارث بأكثر من الثلث،
فأجاز ذلك الورثة بعد موت الموصي جاز، وإن لم يجيزوا رُدّ إلى الثلث:
قال: وجملة ذلك أن الوصية لغير الوارث تلزم في الثلث من غير إجازة،
وما زاد على الثلث يُوقف على إجازتهم، فإن أجازوه جاز، وإن ردّوه بَطَلَ،
في قول جميع العلماء، والأصل في ذلك قول النبيّ وَّ لسعد حين قال:
أوصي بمالي كله؟ قال: ((لا))، قال: فبالثلثين؟ قال: ((لا))، قال: فبالنصف؟
قال: ((لا))، قال: فبالثلث؟ قال: ((الثلثُ، والثلث كثير))، وقوله وَله: ((إن الله
تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم))(٢) يدلّ على أنه لا
شيء له في الزائد عليه، وحديث عمران بن حصين ◌ًا المذكور في المملوكين
الذين أعتقهم المريض يدلّ أيضاً على أنه لا يصحّ تصرفه فيما عدا الثلث إذا لم
يُجِز الورثة، ويجوز بإجازتهم؛ لأن الحقّ لهم. انتهى كلام ابن قدامة نظّتُهُ (٣)،
(١) («المغني)) ٦/ ٤٥٧.
(٢) رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وكذا حسّنه الألبانيّ في ((الإرواء)).
(٣) ((المغني)) ٦/ ٤٥٧.

٣٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوصية للوارث:
قال العلّامة ابن قدامة تَخْذِفُهُ: إذا أوصى لوارثه بوصيّة، فلم يُجزها سائر
الورثة، لم تصحّ، بغير خلاف بين العلماء، قال ابن المنذر، وابن عبد البرّ:
أجمع أهل العلم على هذا، وجاءت الأخبار عن رسول الله صل * بذلك، وإن
أجازها الورثة جازت في قول الجمهور من العلماء، وقال بعضهم: الوصيّة
باطلة، وإن أجازوها، وهو قول المزنيّ، وأهل الظاهر، وهو قول للشافعيّ،
واحتجّوا بظاهر قوله وَلير: ((لا وصيّة لوارث)).
وظاهر مذهب أحمد، والشافعيّ أن الوصيّة صحيحة في نفسها، وهو قول
جمهور العلماء؛ لأنه تصرّف صدر من أهله في محلّه، فصحّ، كما لو أوصى
الأجنبيّ، والخبر قد رُوي فيه: ((إلا أن يُجيز الورثة))(١)، والاستثناء من النفي
إثبات، فيكون دليلاً على صحّة الوصيّة عند الإجازة. ولو خلا من الاستثناء
كان معناه لا وصيّة نافذة، أو لازمة، أو ما أشبه ذلك، أو يقدّر فيه: لا وصيّة
لوارث عند عدم الإجازة من غيره من الورثة.
وفائدة الخلاف أن الوصيّة إذا كانت صحيحة، فإجازة الورثة تنفيذٌ،
وإجازة محضةٌ، يكفي فيها قول الوارث: أجزت، أو أمضيتُ، أو نفّذت، فإذا
قال ذلك لزمت الوصيّة، وإن كانت باطلة، كانت الإجازة هبة مبتدأةً، تفتقر إلى
شروط الهبة من اللفظ، والقبول، والقبض؛ كالهبة المبتدأة، ولو رجع المجيز
قبل القبض فيما يُعتبر فيه القبض صحّ رجوعه. انتهى كلام ابن قدامة بتصرف
(٢)
يسير (٢).
وقال في ((الفتح)): واستُدلّ بحديث: ((لا وصية لوارث)) بأنه لا تصحّ
الوصية للوارث أصلاً، وعلى تقدير نفاذها من الثلث لا تصحّ الوصية له ولا
لغيره بما زاد على الثلث، ولو أجازت الورثة، وبه قال المزنيّ، وداود، وقوّاه
السبكيّ، واحتَجّ له بحديث عمران بن حصين ﴿ في الذي أعتق ستة أعبد،
(١) سيأتي أن هذا الاستثناء لا يصحّ، فتنبّه.
(٢) راجع: ((المغني)) ٣٩٦/٨ - ٣٩٧.

٣٨٩
(٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثَّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠١)
فإن فيه عند مسلم: ((فقال له النبيّ ◌َ ﴾ قولاً شديداً))، وفُسِّر القول الشديد في
رواية أخرى، بأنه قال: ((لو علمتُ ذلك ما صليت عليه))، ولم يُنقل أنه راجع
الورثة، فدلّ على منعه مطلقاً، وبقوله في حديث سعد بن أبي وقاص: ((وكان
بعد ذلك الثلثُ جائزاً))، فإن مفهومه أن الزائد على الثلث ليس بجائز، وبأنه وله
منع سعداً من الوصية بالشطر، ولم يستثن صورة الإجازة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أجاد السبكيّ تَظُّهُ في هذه
الاحتجاجات الواضحة التي تقوّي القول بأنه لا تصحّ الوصيّة للوارث، ولا بما
زاد على الثلث مطلقاً، أجازه الورثة أم لا؟.
والحاصل أن القول بعدم جواز الوصيّة للوارث، ولا بأكثر من الثلث
لغيره، أجازها الورثة، أم لا؟، هو الحقّ؛ لهذه الأدلة الواضحة، وأما
الاستثناء المذكور في رواية ((إلا أن يجيز الورثة))، فإنه ضعيف، لا تقوم به
الحجّة، بل قال بعضهم: إنه منكر(٢).
وأما ما ذكره ابن قدامة من التعليل بأنه تصرّف صدر من أهله في محلّه،
فصحّ، فإنه تعليل عقليٍّ في مقابلة النصّ، فلا يُلتفت إليه، ولقد سبق غير مرّة
أن ذكرنا قول من قال، وأجاد في المقال:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْماً تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
[تنبيه]: حديث: ((لا وصيّة لوارث))، رُوي عن جماعة من الصحابة
منهم: عمرو بن خارجة، وأبو أمامة الباهليّ، وعبد الله بن عبّاس، وأنس بن
مالك، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، وعليّ بن أبي طالب،
وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم پ.
قال في ((الفتح)) عند قول البخاريّ: ((باب لا وصيّة لوارث)): هذه
الترجمة لفظ حديث مرفوع؛ كأنه لم يثبت على شرط البخاريّ، فترجم به
كعادته، واستغنى بما يُعطي حكمه، وقد أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وغيرهما
(١) ((الفتح)) ٦٨٩/٦ - ٦٩٠.
(٢) راجع: ((إرواء الغليل)) للشيخ الألبانيّ كَخَُّ ٦/ ٩٦ - ٩٩.

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
من حديث أبي أمامة ظه: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول في خطبته في حجة
الوداع: ((إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقّ حقّه، فلا وصيّة لوارث)). وفي إسناده
إسماعيل بن عيّاش، وقد قوّى حديثه عن الشاميين جماعة من الأئمة، منهم
أحمد، والبخاريّ، وهذا من روايته عن شُرحبيل بن مسلم، وهو شاميّ ثقة،
وصرّح في روايته بالتحديث عند الترمذيّ، وقال الترمذيّ: حديث حسن، وفي
الباب عن عمرو بن خارجة، عند الترمذيّ، والنسائيّ، وعن أنس عند ابن
ماجه، وعن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، عند الدارقطنيّ، وعن جابر
عند الدارقطنيّ أيضاً، وقال: الصواب إرساله، وعن عليّ عند ابن أبي شيبة،
ولا يخلو إسناد كلّ منها عن مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلاً،
بل جنح الشافعيّ في ((الأمّ)) إلى أن هذا المتن متواتر، فقال: وجدنا أهل
الفتيا، ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش، وغيرهم، لا
يختلفون في أن النبيّ وَلّ قال عام الفتح: ((لا وصيّة لوارث))، ويُؤْثِرون عمن
حفظوه عنه ممن لَقُوه من أهل العلم، فكان نقل كافّة، عن كافّة، فهو أقوى من
نقل واحد.
وقد نازع الفخر الرازيّ في كون هذا الحديث متواتراً، وعلى تقدير تسليم
ذلك، فالمشهور من مذهب الشافعيّ أن القرآن لا يُنسخ بالسُّنَّة، لكن الحجة في
هذا الإجماع على مقتضاه، كما صرّح به الشافعيّ وغيره. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن حديث: ((لا وصيّة
لوارث)) صحيح؛ بمجموع طرقه، فقد مرّ آنفاً أنه مرويّ عن هؤلاء
الصحابة ، بطرق كثيرة، وقد قام بتخريجها، والكلام عليها الشيخ
الألبانيّ تَخْلَُّ في كتابه الممتع ((إرواء الغليل))، فأجاد، وأفاد، فراجعه
تستفد(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٠٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ
(١) ((الفتح)) ٦٨٨/٦.
(٢) راجع: ((إرواء الغليل)) ٦/ ٨٧ - ٩٩.

٣٩١
(٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالقُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠٢)
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَا (١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا:
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
وكلّهم ذُكروا في الباب والباب الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ ... إلخ)؛ أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: سفيان بن
عيينة، ويونس بن يزيد الأيليّ، ومعمر بن راشد رووا نحو هذا الحديث عن
الزهريّ بسنده الماضي؛ أي: عن عامر بن سعد، عن أبيه
. disse
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، ساقها الحميديّ في
((مسنده))، فقال:
ثنا سفيان، ثنا الزهريّ، أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه،
قال: مَرِضتُ بمكة عام الفتح، مرضاً أشفيت منه على الموت، فأتاني
رسول الله وَ﴾ يعودني، فقلت: يا رسول الله، إن لي مالاً كثيراً، وليس يرثني
إلا ابنتي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: ((لا))، قلت: فالشطرِ؟ قال: ((لا))،
قلت: فالثلثِ؟ قال: ((الثلثُ، والثلثُ كثير، إنك أن تترك ورثتك أغنياء خير من
أن تتركهم عالةً، يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقةً إلا أُجرت عليها، حتى
اللقمة ترفعها إلى في امرأتك))، فقلت: يا رسول الله أُخَلَّف على هجرتي؟
فقال: ((إنك لن تُخَلَّف بعدي، فتعملَ عملاً تريد به وجه الله، إلا ازددت به
رفعةً ودرجةً، ولعلك أن تُخَلَّف بعدي، حتى ينتفع بك أقوام، ويُضَرَّ بك
آخرون، اللهم أَمْضٍ لأصحابي هجرتهم، ولا تردَّهم على أعقابهم، ولكن
البائس سعد ابن خولة))، يرثي له رسول الله وَالقر أن مات بمكة، قال سفيان:
وسعد ابن خولة رجل من بني عامر بن لؤيّ. انتهى(٢).
وأما رواية معمر، عن الزهريّ، فساقها عبد الرزّاق في ((مصنّفه))، فقال:
(١٦٣٥٧) - عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن عامر بن سعد بن
أبي وقاص، عن أبيه، قال: كنت مع رسول الله وَّل في حجة الوداع، فمَرِضت
(١) وفي نسخة: ((وحدّثني)).
(٢) ((مسند الحميديّ)) ٣٦/١.

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
مرضاً أشفى على الموت، قال: فعادني رسول الله وَله، فقلت: يا رسول الله
إن لي مالاً كثيراً، وليس يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: ((لا))
قلت: فبشطر مالي؟ قال: ((لا)) قلت: فبثلث مالي؟ قال: ((الثلث، والثلث
كثير، إنك يا سعد أن تَدَعَ ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم فقراء، يتكففون
الناس، إنك يا سعد لن تنفق نفقةً، تبتغي بها وجه الله، إلا ازددت درجةً
ورفعةً، ولعلك أن تُخَلَّف حتى ينفع الله بك أقواماً، ويَضُرّ بك الآخرين، اللهم
أَمْضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تَرُدّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد ابن
خولة))، رثى له رسول الله ®، وكان مات بمكة. انتهى(١).
وأما رواية يونس، عن الزهريّ، فساقها أبو عوانة في ((مسنده)) مقروناً
بمالك، فقال :
(٥٧٦٨) - حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قثنا ابن وهب، قال: أخبرني
رجال من أهل العلم، منهم مالك بن أنس، ويونس بن يزيد، أن ابن شهاب
حدّثهم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أخبره عن سعد بن أبي وقاص، أنه
قال: جاءني رسول الله وَل﴿ عام حجة الوداع، من وجع اشتدّ بي، قال: قلت:
يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة
لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: ((لا))، قال: قلت: فالشطر يا رسول الله؟،
قال: ((لا))، قلت: فبالثلث؟ قال: ((الثلث كثير)).
في حديث يونس: ((إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةً
يتكففون الناس، وإنك أن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله، إلا أُجرت فيها، حتى
ما تجعل في فِي امرأتك))، قال: قلت: يا رسول الله أُخَلَّف بعد أصحابي؟
قال: ((إنك لن تُخَلَّف، فتعمل عملاً صالحاً، تبتغي به وجه الله، إلا ازددت
درجةً ورفعةً، ولعلك أن تُخَلَّف حتى ينتفع بك أقوام، ويُضَرَّ بك آخرون، اللهم
أَمْضٍ لأصحابي هجرتهم، ولا تَرُدَّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد ابن
خولة))، يرثي له رسول الله وَّر أن مات بمكة. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) ٦٤/٩.
(٢) ((مسند أبي عوانة)) ٤٨٠/٣.

٣٩٣
(٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠٣)
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٠٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي (١) إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ،
عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ: دَخَلَ
الشَّبِيُّ ◌َّهِ عَلَيَّ يَعُودُنِي، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ النَّبِيِّ وَّهِ فِي
سَعْدِ ابْنِ خَوْلَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيُّ) عُمر بن سعد بن عُبيد الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٩]
(ت٢٠٣) (م ٤) تقدم في ((النكاح)) ٣٤٩٨/١٥.
[تنبيه]: قوله: ((الْحَفَرِيّ)) قال النوويّ نَّثُ: هو بحاء مهملة، ثم فاء
مفتوحتين: منسوب إلى الْحَفَر - بفتح الحاء والفاء - وهي مَحِلّة بالكوفة، كان
أبو داود يسكنها، هكذا ذكره أبو حاتم بن حِبّان، وأبو سعد السّمْعانيّ،
وغيرهما، واسم أبي داود هذا عُمَر بن سعد الثقة الزاهد الصالح العابد، قال
عليّ ابن المدينيّ: ما أعلم أني رأيت بالكوفة أعبد من أبي داود الْحَفَريّ، وقال
وكيع: إن كان يُدفع بأحد في زماننا - يعني: البلاء والنوازل - فبأبي داود،
تُوُفِّي سنة ثلاث، وقيل: سنة ست ومائتين تَّلُ. انتهى(٢).
٣ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ القاضي،
ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٥] (ت ١٢٥)، أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ النَّبِيِّ ◌ِ ﴿ِ فِي سَعْدِ ابْنٍ خَوْلَةَ) إن أراد قوله
المذكور في حديث الزهريّ الماضي، وهو: ((لكن البائس سعد ابن خولة»،
فمسلّم، وإلا فقد ذكر ما يتعلّق به، حيث قال: ((يرحم الله سعد ابن عفراء))،
كما سيأتي في التنبيه من رواية البخاريّ، فتنبّه.
(١) وفي نسخة: ((ثنا)).
(٢) ((شرح النوويّ)) ٨٠/١١ - ٠٨١

٣٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
وقوله: (وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا) الظاهر أن فاعل
(يَكره)) ضمير النبيّ وَّ؛ أي: كان ◌َلّ يكره أن يموت سعد في مكة التي هاجر
منها إلى المدينة، وهذا هو ظاهر سياق البخاريّ الآتي في التنبيه المذكور بعدُ.
ويَحْتَمل أن يكون الفاعل ضمير سعد رؤيته، ولكن فيه التفات؛ لأن
الظاهر أن يقول: وأنا أكره الموت ... إلخ، ويؤيّد هذا الوجه ما يأتي في
رواية حميد بن عبد الرحمن، عن ثلاثة من ولد سعد بلفظ: ((فقال: قد خشيتُ
أن أموت بالأرض التي هاجرت منها، كما مات سعد ابن خولة)).
والحاصل أن كُلّاًّ من النبيّ وَّهِ وسعد ظُه يكره الموت في الأرض التي
هاجر منها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية سعد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد هذه ساقها البخاريّ
في ((صحيحه))، فقال:
(٢٥٩١) - حدّثنا أبو نُعَيْم، حدّثنا سُفْيَانُ، عن سَعْدٍ بن إبراهيم، عن
عَامِرٍ بن سَعْدٍ، عن سَعْدٍ بن أبي وَقَّاصٍ ◌َُه قال: جاء النبيّ وََّ يَعُودُنِي، وأنا
بِمَكَّةَ، وهو يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ التي هَاجَرَ منها، قال: ((يَرْحَمُ الله ابن
عَفْرَاءَ)، قلت: يا رَسُولَ اللهِ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قال: ((لَا))، قلت: فَالشَّطْرُ؟
قال: ((لَا))، قلت: الثُّلُثُ؟ قال: ((فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ
أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِن أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً، يَتَكَفَّفُونَ الناس في أَيْدِيهِمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ
مِن نَفَقَّةٍ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حتى اللُّقْمَةُ التي تَرْفَعُهَا إلى فِي امْرَأَتِكَ، وَعَسَى الله أَنْ
يَرْفَعَكَ، فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ))، ولم يَكُنْ له يَوْمَئِذٍ إلا ابْنَةٌ.
انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٠٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى،
حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا سِمَاُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ:
مَرِضْتُ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِّ وَ، فَقُلْتُ: دَعْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ، فَأَبَى،
(١) ((صحيح البخاريّ)) ١٠٠٦/٣.

٣٩٥
(٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠٤)
قُلْتُ: فَالنِّصْفُ؟، فَأَبَى، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟، قَالَ: فَسَكَتَ بَعْدَ الثُّلُثِ، قَالَ: فَكَانَ
بَعْدُ القُلُثُ جَائِزاً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الموصل
وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت٩ أو٢٠١) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢١/٥٥.
٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدیج، تقدّم قبل باب.
٤ - (سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ) بن أوس بن خالد الذهليّ البكريّ، أبو المغيرة
الكوفيّ، صدوق، تغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت١٢٣) (خت م ٤) تقدم في
((الإيمان)) ٦٤/ ٣٦٥.
٥ - (مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ) بن أبي وقّاص الزهريّ، أبو زُرارة المدنيّ، ثقةٌ
[٣] (ت١٠٣) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٤١/٢.
و «سعد ټڅبه)) ذُكر قبله.
وقوله: (مَرِضْتُ) بكسر الراء، من باب تَعِب.
وقوله: (فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيّ ◌ٍَّ ...... إلخ) ظاهره أنه لم يشافه النبيّ ◌َّ،
وليس كذلك، كما تبيّنه الروايات الأخرى، فيُحمَل على أن المراد أنه أرسل إليه
ليأتيه، فلما أتاه سأله، فقال: دعني أَقسم مالي ... إلخ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (دَعْنِي)؛ أي: اترُكني.
وقوله: (أَقْسِمْ مَالِي) بفتح الهمزة، من باب ضرب، وهو مجزوم في
جواب الأمر، كما قال في ((الخلاصة)):
وَبَعْدَ غَيْرِ النَّفْي جَزْماً اعْتَمِدْ إِنْ تَسْقُطِ الْفَا وَالْجَوَابُ قَدْ قُصِدْ
وقوله: (حَيْثُ شِئْتُ) ظرف لـ((أَقْسِمْ))؛ أي: في أي مكان أردتُ، يريد
بذلك أن يوصي به في سبيل الله، لا أنه يُضيع ماله؛ لأن إضاعة المال حرام،
كما قال ◌َّالله: ((إن الله كَرِه لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة
السؤال))، متّفق عليه.
وقوله: (قَالَ: فَكَانَ بَعْدُ القُّلُثُ جَائِزاً)؛ أي: قال سعد نَظُه: فكان

٣٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
الإيصاء بالثلث بعد سكوت النبيّ ◌َ﴿ المذكور جائزاً، والحديث بهذا اللفظ من
أفراد المصنّف تَخْذَلُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٠٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي(١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثْنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((فَكَانَ
بَعْدُ القُّلُثُ جَائِزًاً)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
وكلهم تقدّموا في الباب، والبابين السابقين.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن سماك هذه ساقها الإمام أحمد في ((مسنده))،
فقال :
(١٦١٤) - ثنا محمد بن جَعْفَرٍ، ثنا شُعْبَةُ، عن سِمَاكٍ، عن مُصْعَبٍ بن
سَعْدٍ، عن أبيه، قال: أُنْزِلَتْ فِيَّ أَرْبَعُ آيَاتٍ: يوم بَدْرٍ أَصَبْتُ سَيْفاً، فَأَتَى
النبيّ ◌َ﴿، فقال: يا رَسُولَ اللهِ نَفِّلْنِيهِ، فقال: ((ضَعْهُ))، ثُمَّ قام، فقال: يا
رَسُولَ اللهِ نَفِّلْنِيهِ، فقال: ((ضَعْهُ))، ثُمَّ قام، فقال: يا رَسُولَ اللهِ نَفِّلْنِيهِ، أُجْعَل
كَمَنْ لَا غَنَاءَ له؟ فقال النبيّ وََّ: (ضَعْهُ)) من حَيْثُ أَخَذْتَهُ))، فَنَزَلَتْ هذه الآيَةُ:
﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولٌ﴾ [الأنفال: ١]، قال: وَصَنَعَ رَجُلٌ مِنَ
الأَنْصَارِ طَعَاماً، فَدَعَانَا، فَشَرِبْنَا الْخَمْرَ، حتى انْتَشَيْنَا، قال: فَتَفَاخَرَتِ الأَنْصَارُ
وَقُرَيْشٌ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: نَحْنُ أَفْضَلُ مِنْكُمْ،
فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ لَحْبَيْ جَزُورٍ، فَضَرَبَ بِهِ أَنْفَ سَعْدٍ، فَفَزَرَهُ، قال: فَكَانَ
أَنْفُ سَعْدٍ مَفْزُوراً، قال: فَنَزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَ اُلَْفُرُ وَالْمَيْسِرُ
[المائدة: ٩٠]،
٩٠
وَاْأَنْصَابُ وَآلْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَغِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
قال: وَقَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ: أَلَيْسَ الله قد أمرهم بِالْبِرِّ، فَوَاللهِ لَا أَظْعَمُ طَعَاماً، وَلَا
أَشْرَبُ شَرَاباً، حتى أَمُوتَ، أو تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، قال: فَكَانُوا إِذا أَرَادُوا أَنْ
(١) وفي نسخة: ((ثنا)).

٣٩٧
(٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالقُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠٦)
يُطْعِمُوهَا، شَجَرُوا فَاهَا بِعَصاً، ثُمَّ أَوْجَرُوهَا، قال: فَنَزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿وَوَصَّيْنَا
الْإِسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]، قال: وَدَخَلَ رسول اللهِ وَّه على سَعْدٍ، وهو
مَرِيضٌ يَعُودُهُ، فقال: يا رَسُولَ اللهِ أُوصِي بمالي كُلِّهِ؟ قال: ((لَا))، قال: فَبِثُلُنَيْهِ؟
فقال: ((لَا))، قال: فَبِثُلُثِهِ؟ قال: فَسَكَتَ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَخَّفُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٠٦] (.) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ
زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَادَنِي
النَّبِيُّ وَّهِ، فَقُلْتُ: أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟، قَالَ(٢): ((لَ))، قُلْتُ: فَالنَّصْفُ؟، قَالَ(٣):
(لَا))، فَقُلْتُ: أَبِالقُّلُثِ؟ فَقَالَ(٤): ((نَعَمْ، وَالقُّلُثُ كَثِيرٌ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِیَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان،
وربّما نُسب لجدّه، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في
((الإيمان)) ١١٨/٤.
٢ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) الْجُعفيّ، أبو الوليد الكوفيّ المقرىء، ثقةٌ عابدٌ
[٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٤/١١.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧]
(ت١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣.
٤ - (عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) اللَّخْميّ الفرَسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه،
وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٦/٤٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قُلْتُ: فَالنِّصْفُ؟) يَحْتَمل أن يكون مجروراً عطفاً على ((مالي))،
ويَحْتَمِل أن يكون مرفوعاً بتقدير خبر؛ أي: فالنصف جائز؟ أو فاعلاً
المحذوف؛ أي: أيجوز النصف؟
(١) ((مسند أحمد بن حنبل)) ١٨٥/١.
(٣) وفي نسخة: ((فقال)).
(٢) وفي نسخة: ((فقال)).
(٤) وفي نسخة: ((قال)).

٣٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
وقوله: (فَقُلْتُ: أَبِالثُّلُثِ؟) متعلّق بـ(أُوصي)) محذوفاً بدليل ما تقدّم.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤٢٠٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ
أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيِّ،
عَنْ ثَلاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُهُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ دَخَلَ عَلَى سَعْدٍ
يَعُودُهُ بِمَكَّةَ، فَبَكَى، قَالَ: ((مَا يُبْكِيكَ؟))، فَقَالَ: قَدْ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالأَرْضِ
الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا، كَمَا مَاتَ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((اللَّهُمَّ اشْفِ
سَعْداً، اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْداً))، ثَلَاثَ مِرَارٍ (١)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي مَالاً كَثِيراً،
وَإِنَّمَا بَرِثُنِي ابْنَتِي، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلُّهِ؟ قَالَ: (لَ))، قَالَ: فَبِالقُلُثَيْنِ؟ قَالَ: (لَا))،
قَالَ: فَالنِّصْفُ؟ قَالَ: ((لَ))، قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: ((القُّلُثُ، وَالقُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّ
صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتْكَ
مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِخَيْرٍ - أَوْ قَالَ: بِعَيْشٍ - خَيْرٌ مِنْ أَنْ
تَدَعَهُمْ(٢) يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ))، وَقَالَ بِيَدِهِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر
الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الثَّقَفِيُّ) هو: عبد الوهاب بن عبد المجيد البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ) ابن أبي تميمة كيسان، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ) القرشيّ، أو الثقفيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ،
ثقةٌ [٥] (بخ م ٤) تقدم في ((الجمعة)) ٢٠٠٨/١٥.
٥ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ع) تقدم في
((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٩١.
وأولاد سعد الثلاثة، سيأتي الكلام فيهم بعدُ، وأما ((سعد)) فذُكر قبله.
(١) وفي نسخة: ((مرّات)).
(٢) وفي نسخة: ((من أن تَدَعَهم عالةً يتكفّفون)).

٣٩٩
(٢) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ - حديث رقم (٤٢٠٧)
وقوله: (عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ، كُلُّهُمْ يُحَدَّثُهُ عَنْ أَبِيهِ) هكذا هذه الرواية
متّصلة، إلا أن فيها إبهام أولاد سعد، وفي الرواية التالية: ((عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ
سَعْدٍ، قَالُوا: مَرِضَ سَعْدٌ بِمَكَّةَ))، وهذه الرواية مرسلة؛ لأن أولاد سعد لم
يشهدوا القضيّة؛ لكونهم غير صحابيين، قال النوويّ كَّثُ: قوله: ((عن حميد بن
عبد الرحمن الحميريّ، عن ثلاثة من ولد سعد، كلهم يحدثه عن أبيه، أن
النبيّ وَّ﴿ دخل على سعد يعوده بمكة))، وفي الرواية الأخرى: ((عن حميد، عن
ثلاثة من ولد سعد، قالوا: مَرِضَ سعد بمكة، فأتاه رسول الله (وَل﴾ يعودہ))،
فهذه الرواية مرسلة، والأولى متصلة؛ لأن أولاد سعد تابعيّون، وإنما ذكر مسلم
هذه الروايات المختلفة في وصله وإرساله؛ ليبيّن اختلاف الرواة في ذلك، قال
القاضي: وهذا وشِبْهَه من الْعِلَل التي وَعَدَ مسلم في خطبة كتابه أنه يذكرها في
مواضعها، فَظَنّ ظانّون أنه يأتي بها مفردة، وأنه تُوُفّي قبل ذكرها، والصواب
أنه ذكرها في تضاعيف كتابه، كما أوضحناه في أول هذا الشرح، ولا يقدح
هذا الخلافُ في صحة هذه الرواية، ولا في صحة أصل الحديث؛ لأن أصل
الحديث ثابت من طُرُق من غير جهة حميد، عن أولاد سعد، وثبت وصله
عنهم في بعض الطرُق التي ذكرها مسلم، قال: وقد قدّمنا في أول هذا الشرح
أن الحديث إذا رُوِي متصلاً ومرسلاً، فالصحيح الذي عليه المحققون أنه
محكوم باتصاله؛ لأنها زيادة ثقة، وقد عَرَّض الدارقطنيّ بتضعيف هذه الرواية،
وقد سبق الجواب عن اعتراضه الآن، وفي مواضع نحو هذا، والله أعلم.
انتهى كلام النوويّ كَظُّهُ(١).
وقال الحافظ الرشيد العطّار تخلّثُ في ((الغرر الفوائد المجموعة)) - بعد أن
أورد رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن
عبد الرحمن الحميريّ، عن ثلاثة من ولد سعد، قالوا: مرض سعد بمكة، فأتاه
رسول الله ◌َ * يعوده، الحديث - ما نصّه: قلت: وهذا مرسل، وليس في ولد
سعد بن أبي وقاص من له صحبة، ولا رواية عن النبيّ وَّو، قاله الدارقطنيّ
وغيره، وهذا الحديث وإن كان مرسلاً من هذا الوجه، فإنه متصل في كتاب
(١) ((شرح النوويّ)) ٨١/١١ - ٨٢.

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الوصايا
مسلم وغيره، من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، ومن حديث
مصعب بن سعد أيضاً عن أبيه، وأخرجه البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ من
حديث عائشة بنت سعد، عن أبيها أيضاً كذلك.
والطريق الذي ذكر الدارقطنيّ أنها مرسلة، إنما أوردها مسلم في
الشواهد، ومع ذلك فقد أخرجها في كتابه متصلةً من وجه آخر من حديث
عبد الوهاب الثقفيّ، عن أيوب، بإسناده المتقدم، وقال فيها: عن ثلاثة من ولد
سعد كلهم يحدثه عن أبيه، أن النبيّ وَلهم دخل على سعد يعوده بمكة الحديث،
فثبت اتصاله في الكتاب من حديث أيوب بن أبي تميمة أيضاً - والحمد لله -.
وإنما أورده مسلم من الوجهين المذكورين عن أيوب؛ لينَبِّه على
الاختلاف عليه في إسناده، والله أعلم.
قال: وبنو سعد بن أبي وقاص سبعة فيما ذكر عليّ ابن المدينيّ وهم:
مصعب، وعامر، ومحمد، وإبراهيم، وعمر، ويحيى، وعائشة، وذكر أبو زرعة
الدمشقيّ أنهم ثمانية، فَعَدّ هذه السبعة، وزاد إسحاق بن سعد، والله أعلم.
انتهى كلام الرشيد العطّار كَُّ(١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: ثم وجدت سعيد بن منصور قد أشار إلى تعيين
أحد الثلاثة بأنه عامر بن سعد، فقال:
(٣٣١) - حدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ قَالَ:
حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ،
هَذَا أَحَدُهُمْ - يَعْنِي: عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ - أَنَّ سَعْدَاً مَرِضَ بِمَكَّةَ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللهِ وَهـ
يَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَدَعُ مَالاً، وَلَيْسَ لِي وَارِثٌ إِلَا كَلَالَةٌ،
أَفَأُوصِي بِمَالِيٍ كُلِّهِ؟ قَالَ: ((لَا))، قَالَ: فَبِنِصْفِهِ؟ قَالَ: ((لَا)) قَالَ: فَبِثُلُثِهِ؟ قَالَ:
((القُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِعَيْشٍ - أَوْ قَالَ : - بِخَيْرِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ
تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ)). انتهى(٢).
(١) ((غرر الفوائد المجموعة)) ٦٣/١ - ٦٤.
(٢) ((سنن سعيد بن منصور)) ١٢٩/١.