النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
(٣) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلِ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ - حديث رقم (٤١٧٠)
وذكوراً فعلى سبيل التغليب، ولم يذكر ابنُ سعد لبشير والد النعمان ولداً غير
النعمان، وذكر له بنتاً اسمها أُبَيَّة - بالموحدة - تصغير أبيّ. انتهى(١).
وقوله: (نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟) وفي رواية أبي حيان الآتية: ((فقال: أكلّهم
وهبت له مثل هذا؟ قال: لا))، وفي رواية إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبيّ:
(فقال: ألك بنون سواه؟ قال: نعم، قال: فكلهم أعطيت مثل هذا؟ قال: لا))،
وفي رواية ابن القاسم في ((الموطآت)) للدارقطنيّ عن مالك: ((قال: لا، والله يا
رسول الله)).
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: وقوله: ((أكلّ ولدك نحلته مثل هذا)) تنبيهٌ على أن
الإنسان إذا أعطى بنيه سوَّى بينهم، ذَكَرَهم وأنثاهم، وأن ذلك الأفضل، وإليه
ذهب القاضي أبو الحسن ابن القصار من أصحابنا - يعني: المالكيّة - وجماعة
من المتقدِّمين، وذهب آخرون؛ منهم: عطاء والثوريّ، ومحمد بن الحسن،
وأحمد، وإسحاق، وابن شعبان من أصحابنا: إلى أن الأفضل: للذكر مثل حظ
الأنثيين، على قسمة الله تعالى المواريث.
قال: وقوله في الرِّواية الأخرى: ((أفعلت هذا بولدك كلهم؟)) هذه الرواية
بمعنى اللفظ الأول، فهو نقلٌ بالمعنى، وكان هذا القول من النبيّ وَّر بعد أن
سأله، فقال له: ((ألك ولدٌ غيره؟))، كما جاء في الرواية الأخرى، فلما أجابه
عن قوله: ((أفعلت هذا بولدك كلهم؟)) بقوله: لا، قال: ((اتقوا الله، واعدلوا بين
أولادكم))، وحينئذ قال: ((لا تشهدني، لا يصلح هذا، أشهدْ غيري، فإني لا
أشهد على جَوْر))، وفي الأخرى: ((فإني لا أشهد إلا على حقّ))، وهو بمعنى:
((لا أشهد على جَوْر))، وكان هذا منه وَّه لمّا سأله بشير أن يشهد على الهبة،
كما قال: ((إن ابنة رواحة أعجبها أن أُشهدك على ما وهبتُ لابنها))، ثم نبّهه ◌َّل
على علَّة أمره بالتسوية بينهم بقوله: ((أتحبُّ أن يكونوا لك في البرِّ سواء؟))
قال: نعم، قال: ((فلا إذاً)).
قال القرطبيّ: وإذا تأملت هذا تبيَّنْتَ أن لا اضطراب في الروايات،
وانتظم ما يظهر في بادئ الأمر من الشَّتات. انتهى(٢).
(١) ((الفتح)) ٦/ ٤٤٠.
(٢) ((المفهم)) ٥٨٤/٤ - ٥٨٥.

٢٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
(فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((فَارْجِعْهُ)))؛ أي: رُدّ نحلتك، يقال:
رجعه ثلاثيّاً متعدّياً بنفسه، وفي لغة يتعدّى بالهمزة، فيقال: أرجعه، قال
الفيّوميّ ◌َّتُهُ: رجع من سفره، وعن الأمر يرجع رَجْعاً، ورُجوعاً، ورُجعَى،
ومَرْجِعاً، قال ابن السِّكِّيت: هو نقيض الذهاب، ويتعدّى بنفسه في اللغة
الفصحى، فيقال: رجعته عن الشيء، وإليه، ورجعتُ الكلامَ وغيرَه؛ أي:
رَدَدْته، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٨٣]، وهُذيل
تعدّیه بالألف. انتهى(١).
وفي رواية إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب الآتية: ((قال: فاردده))، وفي
رواية عروة مثله، وفي رواية الشعبيّ عند البخاريّ: ((قال: فرجع، فردّ عطیته))،
ولمسلم: ((فردّ تلك الصدقة))، زاد في رواية أبي حيان: ((قال: لا تشهدني على
جور))، ومثله رواية عاصم، عن الشعبيّ، وفي رواية أبي حريز: ((لا أشهد على
جور))، ومثله من طريق إسماعيل، عن الشعبيّ، وفي رواية أبي حيان: ((فقال:
فلا تشهدني إذاً، فإني لا أشهد على جور))، وفي رواية المغيرة، عن الشعبيّ:
((فإني لا أشهد على جور، ليشهد على هذا غيري))، وفي رواية داود بن أبي
هند: ((قال: فأشهدْ على هذا غيري))، وفي حديث جابر: ((فليس يصلح هذا،
وإني لا أشهد إلا على حقّ))، ولعبد الرزاق من طريق طاوس مرسلاً: ((لا أشهد
إلا على الحقّ، لا أشهد بهذه))، وفي رواية عروة عند النسائيّ: ((فكره أن يشهد
له»، وفي رواية المغيرة، عن الشعبيّ، عند مسلم: ((اعدلوا بين أولادكم في
النحل، كما تحبون أن يَعْدِلوا بينكم في البرّ))، وفي رواية مجالد، عن الشعبيّ،
عند أحمد: ((إن لبنيك عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، فلا تشهدني علی جور،
أيسرّك أن يكونوا إليك في البرّ سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذاً))، ولأبي داود
من هذا الوجه: ((أن لهم عليك من الحقّ أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم
من الحقّ أن يبرّوك))، وللنسائيّ من طريق أبي الضُّحَى: ((ألا سوَّيت بينهم))، وله
ولابن حبان من هذا الوجه: ((سَوِّ بينهم)).
واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة يرجع إلى معنى واحد، وهو
(١) ((المصباح المنير)) ٢٢٠/١.

٢٨٣
(٣) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلٍ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ - حديث رقم (٤١٧٠)
وجوب الرجوع في الهديّة، وقد تمسك به من أوجب التسوية في عطية
الأولاد، وبه صرّح البخاريّ في ((صحيحه)) حيث قال: ((وإذا أعطى بعض ولده
شيئاً لم يجز حتى يعدل بينهم، ويُعطي الآخرين مثله))، وهو قول طاوس،
والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وهو الحقّ، كما سيأتي تحقيقه في
المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير (
(المسألة الثانية): في تخريجه:
! هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٧٠/٣ و٤١٧١ و٤١٧٢ و ٤١٧٣ و٤١٧٤
و ٤١٧٥ و٤١٧٦ و٤١٧٧ و٤١٧٨ و٤١٧٩] (١٦٢٣)، و(البخاريّ) في ((الهبة))
(٢٥٨٦ و٢٥٨٧ و٢٦٥٠)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٥٤٣)، و(الترمذيّ) في
((الأحكام) (١٣٦٧)، و(النسائيّ) في ((النُّحْل)) (٢٥٨/٦ - ٢٥٩) و((الکبری)) (٤/
١١٧ - ١١٨)، و(ابن ماجه) في ((الهبات)) (٢٣٧٦)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (١٦٤٩١ و١٦٤٩٢ و١٦٤٩٣)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٩٢٢)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٢٠/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٦٨/٤
و٢٧٠)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٩٩١)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٠٩٧ و٥٠٩٨ و٥٠٩٩ و٥١٠٠ و٥١٠١ و٥١٠٢ و ٥١٠٣
و٥١٠٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٨٤/٤ و٨٧)، و(أبو عوانة)
في ((مسنده)) (٤٥٦/٣)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٤٢/٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٧٦/٦) و((الصغرى)) (٤٩١/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الهبة إذا لم يكن هناك ما يمنعه، من تفضيل
بعض الأولاد على بعض.
٢ - (ومنها): الندب إلى التأليف بين الإخوة، وتركُ ما يوقع بينهم
الشحناء، أو يورث العقوق للآباء، قاله في ((الفتح)) (١)، وقال القرطبيّ كَّتُهُ:
(١) ((الفتح)) ٦/ ٤٤٣.

٢٨٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
دلّ الحديث على حضّ الأب على سلوك الطرق المفضية بابنه إلى برِّه، وتجنّب
ما يفضي إلى نقيض ذلك. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أن عطيّة الأب لابنه الصغير في حِجره لا تحتاج إلى قبض،
وأن الإشهاد فيها يُغني عن القبض، وقيل: إن كانت الهبة ذهباً، أو فضّةً فلا بدّ
من عزلها، وإفرازها .
٤ - (ومنها): أنه لا ينبغي تحمّل الشهادة فيما ليس بمباح.
٥ - (ومنها): مشروعيّة الإشهاد في الهبة، وليس بواجب.
٦ - (ومنها): جواز الميل إلى بعض الأولاد، والزوجات، دون بعض،
وإن وجبت التسوية بينهم في غير ذلك.
٧ - (ومنها): أن للإمام الأعظم أن يتحمّل الشهادة، وتظهر فائدتها، إما
ليحكم في ذلك بعلمه عند من يُجيزه، أو يؤدّيها عند بعض نُوّابه.
٨ - (ومنها): مشروعيّة استفصال الحاكم، والمفتي عما يحتمل
الاستفصال، لقوله وَله: ((ألك ولدٌ غيره؟))، فلما قال: نعم، قال: ((أفكلهم
أعطيت مثله؟))، فلما قال: لا، قال: ((لا أشهد))، فيفهم منه أنه لو قال: نعم،
لشهد .
٩ - (ومنها): جواز تسمية الهبة صدقةً.
١٠ - (ومنها): أن للإمام كلاماً في مصلحة الولد.
١١ - (ومنها): المبادرة إلى قبول الحقّ، وأمْر الحاكم، والمفتي
بتقوى الله رَكْ في كلّ حال.
١٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى سوء عاقبة الحرص، والتنطّع؛ لأن
عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولده لَمَا رجع فيه، فلما اشتدّ حرصها في
تثبيت ذلك أفضى إلى بطلانه.
١٣ - (ومنها): ما قال المهلّب: فيه أن للإمام أن يردّ الهبة، والوصيّة
ممن يعرف منه هروباً عن بعض الورثة.
١٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه،
(١) ((المفهم)) ٥٨٨/٤.

٢٨٥
(٣) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلٍ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ - حديث رقم (٤١٧٠)
وكذلك الأمّ، وهو قول أكثر الفقهاء، وقد تقدّم تحقيق المذاهب، وأدلّتها في
الباب الماضي، فراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
١٥ - (ومنها): أنه يدلّ على الاحتياط في العقود بشهادات الأفضل
والأكبر.
١٦ - (ومنها): أن فيه دليلاً: على أن حَوْز الأب لابنه الصغير ما وهبه له
جائز، ولا يحتاج إلى أن يحوزه غيره؛ فإن النُّعمان كان صغيراً، وقد جاء به
أبوه إلى النبيّ ◌َّر وهو يحمله.
قال عياض: ولا خلاف في هذا بين العلماء فيما يُعرف لا بعينه،
واختلف المذهب فيما لا يُعرف بعينه، كالمكيل، والموزون، وكالدراهم: هل
يجزئ تعيينه، والإشهاد عليه، والختم عليه في الحوز، أم لا يجزىء ذلك حتى
يخرجها من يده إلى يد غيره؟ وأجاز ذلك أبو حنيفة وإن لم يخرجه من يده(١)،
وكذلك اختلف في هبته له جزءاً من ماله مشاعاً.
قال القرطبيّ: وهذا الحكم إنما ينتزعه من هذا الحديث من حمل قوله:
((فارجعه)) على الاعتصار (٢).
واختلف العلماء فيما لم يُقْبَض من الهبات، هل تلزم بالقول، أم لا حتى
تُقْبَض؟ فذهب الحسن البصريّ، وحمَّاد بن أبي سليمان، وأبو ثور، وأحمد بن
حنبل إلى أنَّها تلزم بالقول، ولا تحتاج إلى حوزٍ، كالبيع.
وقال أبو حنيفة، والشافعيّ: لا تلزم بالقول، بل بالحوز.
وذهب مالك: إلى أنها تلزم بالقول، وتتم بالحوز، وقد تقدم ذلك،
والعلماء مُجْمِعُون على لزومها بالقبض، وهبة المشاع جائزة عند الجمهور،
ومنعها أبو حنيفة. انتهى كلام القرطبيّ تَّتُهُ(٣).
(١) لا يخفى أن ما ذهب إليه أبو حنيفة تَظْلَكُ من عدم إخراجه من يده هو الأرجح؛
لحديث الباب، فتأمله.
(٢) ((الاعتصار)): هو ارتجاع المعطي هبته دون عِوَض، لا بطوع الْمُعْطَى. قاله
الأبيّ ◌َُّ في ((شرحه)) ٣٣٠/٤.
(٣) ((المفهم)) ٥٨٨/٤ - ٥٨٩.

٢٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
قال الجامع عفا الله عنه: القول باشتراط القبض في الهبة مما يحتاج إلى
دليل، فالأرجح ما ذهب إليه الأولون، من لزوم الهبة بالقول، وإن لم تُقبض،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم: هل التسوية في العطيّة بين
الأولاد واجبة، أم لا؟:
ذهب طائفة منهم إلى وجوبه، وبه صرّح البخاريّ في (صحيحه))، كما
سبقت الإشارة إليه، وهو قول طاوس، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وقال به
بعض المالكيّة، ثم المشهور عن هؤلاء أنها باطلة، وعن أحمد تصحّ، ويجب
أن يرجع، وعنه: يجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته
ودَينه، أو نحو ذلك، دون الباقين، وقال أبو يوسف: تجب التسوية إن قصد
بالتفضيل الإضرار.
وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبّة، فإن فضّل بعضاً صحّ، وكُره،
واستُحبّ المبادرة إلى التسوية، أو الرجوع، فحملوا الأمر على الندب، والنهي
على التنزيه.
ومن حجة من أوجبه أنه مقدّمة الواجب؛ لأن قطع الرحم، والعقوق
محرّمان، فما يؤدّي إليهما يكون محرّماً، والتفضيل مما يؤدّي إليهما .
ثم اختلفوا في صفة التسوية، فقال محمد بن الحسن، وأحمد،
وإسحاق، وبعض الشافعيّة، والمالكيّة: العدل أن يعطي الذكر حظّين
كالميراث، واحتجّوا بأنه حظّها من ذلك المال لو أبقاه الواهب في يده حتى
مات، وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى، وهذا هو الأرجح؛ لأن ظاهر
الأمر بالتسوية يدلّ عليه، ويدلّ عليه أيضاً حديث ابن عباس طًا، رفعه:
((سوّوا بين أولادكم في العطيّة، فلو كنت مفضّلاً أحداً لفضّلت النساء))، أخرجه
سعيد بن منصور، والبيهقيّ من طريقه، قال الحافظ: وإسناده حسن.
وأجاب من حمل الأمر بالتسوية على الندب عن حديث النعمان بيته بأجوبة:
[أحدها]: أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، ولذلك منعه،
فليس فيه حجة على منع التفضيل، حكاه ابن عبد البرّ عن مالك، وتعقّبه بأن
كثيراً من طرق حديث النعمان ظُه صرّح بالبعضيّة.

٢٨٧
(٣) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلٍ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِيَةِ - حديث رقم (٤١٧٠)
وقال القرطبيّ: ومِنْ أبعدِ التأويلات أن النهي إنما يتناول من وهب جميع
ماله لبعض ولده، كما ذهب إليه سحنون، وكأنه لم يسمع في نفس هذا
الحديث أن الموهوب كان غلاماً، وأنه وهبه له لمّا سألته الأم الهبة من بعض
ماله، قال: وهذا يُعلَم منه على القطع أنه كان له مالٌ غيره.
[ثانيها]: أن العطيّة المذكورة لم تُتنجّز، وإنما جاء بشيرٌ يستشير النبيّ وَل
في ذلك، فأشار عليه بأن لا يفعل، فترك، حكاه الطحاويّ، وفي أكثر طرق
حديث الباب ما يُنابذه(١) .
[ثالثها]: أن النعمان كان كبيراً، ولم يكن قبض الموهوب، فجاز لأبيه
الرجوع، ذكره الطحاويّ، وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث أيضاً خصوصاً
قوله: ((ارجعه))، فإنه يدلّ على تقدّم وقوع القبض، والذي تضافرت عليه
الروايات أنه كان صغيراً، وكان أبوه قابضاً له لصغره، فأمر بردّ العطيّة
المذكورة بعدما كانت في حكم المقبوض.
[رابعها]: أن قوله: ((ارجعه)) دليل على الصحّة، ولو لم تصحّ الهبة لم
يصحّ الرجوع، وإنما أمَره بالرجوع لأن للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده، وإن
كان الأفضل خلاف ذلك، لكن استحباب التسوية رجح على ذلك، فلذلك أمَرَه
به، وفي الاحتجاج بذلك نظر، والذي يظهر أن معنى قوله: ((ارجعه))؛ أي: لا
تُمض الهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدّم صحة الهبة.
[خامسها]: أن قوله: ((أَشْهِد على هذا غيري)) إذن بالإشهاد على ذلك، وإنما
امتنع من ذلك لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد؛ لأن الإمام ليس من شأنه أن
يشهد، وإنما من شأنه أن يحكم، حكاه الطحاويّ أيضاً، وارتضاه ابن القصّار.
وتُعُقّب بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من
تحمّل الشهادة، ولا من أدائها إذا تعيّنت عليه، وقد صرّح المحتجّ بهذا أن
الإمام إذا شهد عند بعض نوابه جاز، وأما قوله: إن قوله: ((أَشهِدْ)) صيغة إذْن،
فليس كذلك، بل هو للتوبيخ لِمَا يدلّ عليه بقيّة ألفاظ الحديث، وبذلك صرّح
الجمهور في هذا الموضع.
(١) كأمره ◌َّ بالارتجاع، وكقول عمرة: لا أرضى حتى تُشهد ... إلخ.

٢٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
وقال ابن حبّان: قوله: ((أَشهِد)) صيغة أمر، والمراد نفي الجواز(١)، وهو
كقوله لعائشة يتا: ((اشترطي لهم الولاء)). انتهى.
[سادسها]: التمسّك بقوله: ((ألا سوّيت بينهم)) على أن المراد بالأمر
الاستحباب، وبالنهي التنزيه، وهذا جيّد لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على
هذه اللفظة، ولا سيّما أن تلك الرواية بعينها وردت بصيغة الأمر أيضاً، حيث
قال: ((سوّ بينهم)).
[سابعها]: وقع عند مسلم عن ابن سيرين ما يدلّ على أن المحفوظ في
حديث النعمان: ((قاربوا بين أولادكم))، لا ((سوّوا)).
وتعُقّب بأن المخالفين لا يوجبون المقاربة، كما لا يوجبون التسوية.
[ثامنها]: في التشبيه الواقع في التسوية بينهم بالتسوية منهم في برّ الوالدين
قرينة تدلّ على أن الأمر للندب، لكن إطلاق الجور على عدم التسوية،
والمفهوم من قوله: ((لا أشهد إلا على حقّ))، وقد قال في آخر الرواية التي وقع
فيها التشبيه: ((قال: فلا إذاً)).
[تاسعها]: عمل الخليفتين: أبي بكر، وعمر ﴿هَا بعد النبيّ ◌َّ على عدم
التسوية قرينة ظاهرة في أن الأمر للندب، فأما أبو بكر، فرواه في ((الموظٍّ»
بإسناد صحيح، عن عائشة أن أبا بكر قال لها في مرض موته: ((إني كنت
نحلتك نُحلاً، فلو كنت اخترتيه لكان لك، وإنما هو اليوم للوارث)»، وأما
عمر، فذكره الطحاويّ وغيره أنه نَحَل ابنه عاصماً دون سائر ولده، وأجاب
عروة عن قصّة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين بذلك، ويجاب بمثل ذلك عن
قصّة عمر
عَبْه .
قال الشوكانيّ ◌َّهُ: على أنه لا حجة في فعلهما، لا سيّما إذا عارض
المرفوع. انتهى (٢).
[عاشر الأجوبة]: أن الإجماع انعقد على جواز عطيّة الرجل ماله لغير
ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله، جاز له أن يُخرج عن ذلك
(١) قال الشوكانيّ كَلَفُ: ويؤيّد هذا تسميته ◌َ له لذلك جوراً، كما في الرواية الأخرى.
(٢) ((نيل الأوطار)) ١٨٥/١١.

٢٨٩
(٣) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلٍ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ - حديث رقم (٤١٧٠)
بعضهم، ذكره ابن عبد البرّ، ولا يخفى ضعفه؛ لأنه قياس مع وجود النصّ.
قال الشوكانيّ تَخْلُهُ بعد نقل كلام الحافظ هذا: فالحقّ أن التسوية واجبة،
وأن التفضيل محرّم. انتهى(١).
وزعم بعضهم أن معنى قوله: ((لا أشهد على جور))؛ أي: لا أشهد على
ميل الأب لبعض الأولاد دون بعض، وفي هذا نظر لا يخفى، ويردّه قوله في
الرواية: ((لا أشهد إلا على الحقّ)).
وحَكَى ابن التين عن الداوديّ أن بعض المالكيّة احتجّ بالإجماع على
خلاف ظاهر حديث النعمان رؤيته، ثم ردّه، ذكر هذا كلّه في ((الفتح))(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أجاد الحافظ تَّتُ في سوقه الأدلّة
التي احتجّ بها القائلون بعدم وجوب التسوية بين الأولاد، وردّها عليهم، فشفى
و کفی.
والحاصل أن المذهب الأول القائل بوجوب التسوية بين الأولاد، وحَمْل
النهي على التحريم هو الحقّ؛ لوضوح حجّته، واستنارة محجّته، فيجب التسوية
بينهم في العطيّة مطلقاً، سواء كانوا ذُكوراً أو إناثاً، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن
أسير التقليد.
ثم رأيت تحقيقاً للعلامة أبي العبّاس القرطبيّ، وإن كان مضى في كلام
الحافظ، إلا أنه أجاد فيه، وأفاد، فأردت إلحاقه بما مضى؛ تتميماً للفائدة،
وتثبيتاً للعائدة، قال رَّتُهُ:
لا يجوز أن يَخُصَّ بعض ولده بعطاء ابتداءً، وهل ذلك على جهة
التحريم، أو الكراهة؟ قولان لأهل العلم، وإلى التحريم ذهب طاووس،
ومجاهد، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأن ذلك يُفْسَخُ إن وقع، وذهب
الجمهور: مالك في المشهور عنه، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وغيرهم: إلى أن
ذلك لا يُفْسَخ إذا وقع، وقد حَكَى ابن المنذر عن مالك وغيره جواز ذلك؛ ولو
أعطاه ماله كله، وحَكَى غيره عن مالك: أنَّه إن أعطاه ماله كله ارتجعه، قال
(١) ((نيل الأوطار)) ١٨٦/١١.
(٢) ((الفتح)) ٤٤١/٦ - ٤٤٣، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٥٨٦).

٢٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
سحنون: من أعطى ماله كله ولداً أو غيره، ولم يبق له ما يقوم به؛ لم يَجُز
فِعْله .
فمن قال بالتحريم تمسّك بظاهر النهي، ويقوله ويلقى: ((لا يصلح هذا، ولا
أشهد على جور))، وبقوله: ((اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم))، وبأمره بردّ
ذلك، ومن قال بالكراهة انصرف عن ذلك الظاهر بقوله: ((أشهدْ على هذا
غيري))، قال: ولو كان حراماً لَمَا قال هذا، وأنه كان يذمُّ من فَعَلَ ذلك، ومن
يَشْهَد فيه، ويغلِّظ عليه، كعادته في المعقود المحرَّمة، وبقوله: ((أيسرُّك أن
يكونوا لك في البرِّ سواء؟»، فإنه نبَّه على مراعاة الأحسن، وبأن أبا بكر
الصديق ◌َّه نَحَل عائشة ﴿ّ جادَّ عشرين وسقاً من ماله بالغابة، ولم ينحل
غيرها من ولده شيئاً من ذلك، ولأن الأصل جواز تصرُّف الإنسان في ماله
مطلقاً، وتأوّل هؤلاء ما احتجَّ به المتقدِّمون من قوله وَلاير: ((لا يصلح هذا»،
وأن ذلك ((جَوْر)) على أن ذلك على الكراهة؛ لأن من عدل عن الأَوْلى
والأصلح يصدُق عليه مثل ذلك الإطلاق؛ لأنه مما لا ينبغي أن يُقْدِم عليه،
ولذلك لم يشهد فيه النبيّ وَلّر، وأما أمْره بارتجاع ذلك؛ لأنه يجوز للأب أن
يرجع فيما وهب لولده، كما تقدَّم، وهو يدل على صحّة الهبة المتقدمة، كما
قال ◌َله: ((مُره فليراجعها))، وكان ذلك دليلاً على صحة الطلاق الواقع في
الحيض.
وللطائفة الأولى أن تنفصل عن ذلك بمنع: أن قوله: ((أشهد على هذا
غيري)) ليس إذناً في الشهادة، وإنَّما هو زجرٌ عنها؛ لأنه بَّهِ قد سمَّاه جوراً،
وامتنع من الشهادة فيه، فلا يمكن أن يشهد أحد من المسلمين في ذلك بوجه.
وعن قوله في قوله: ((أيسرك أن يكونوا في البر سواء؟)): أن ذلك تنبيهٌ
على الأحسن، بأن ذلك ممنوع، بل ذلك تنبيهٌ على مدخل المفسدة الناشئة
عنه، وهو العقوق؛ الذي هو من الكبائر.
وعن نُحْلِ أبي بكر ظه: أن ذلك يَحتمل أنَّه كان قد نحل أولاده نُحلاً
يعادل ذلك، ولم يُنقَل، ثم إن ذلك الفعل منه لا يعارض به قول النبيّ وَّ،
وعن التمسك بالأصل: أن ذلك غير قادح؛ لأن الأصل الكلّيّ والواقعة المعيّنة
المخالفة لذلك الأصل في حكمه لا تعارض بينهما، كالعموم والخصوص، وقد

(٣) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلِ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ - حديث رقم (٤١٧٠)
٢٩١
تقرر في الأصول: أن الصحيح بناء العام على الخاص، وعن التأويل: أن ذلك
مجاز، وهو على خلاف الأصل، وعن الارتجاع: بمنع أن يُحْمَل ذلك على
الاعتصار؛ فإن لفظ الردِّ ظاهر في الفسخ، كما قال ◌َّي: ((من أحدث في أمرنا
ما ليس منه فهو ردِ))، أي: مفسوخ، ويؤيد ذلك قوله: ((فردَّ أبي تلك الصدقة))،
والصَّدقة لا يعتصرها الأب بالاتفاق.
وعند هذا الانفصال يتبيَّن للناظر: أن القائل بالتحريم هو الذي صال،
وأمَّا القول بالجواز، فلم يَظْهَر له وجه فيه يُجَاز.
[تنبيه]: مِن أبعد تأويلات ذلك الحديث قول من قال: إن النهي فيه إنَّما
يتناول من وهب ماله كلَّه لبعض ولده، وكأنه لم يسمع في الحديث نفسه: إن
الموهوب كان غلاماً فقط.
وإنما وهبه له لمَّا سألته أمُّه بعض الموهبة من ماله، وهذا يُعلم منه على
القطع: أنه كان له مالٌ غيره. انتهى كلام القرطبيّ كَّفُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ
جدّاً .
وقال العلّامة شمس الدين ابن القيم تَّهُ في ((حاشية السنن)): وفي لفظ
في ((الصحيح)): ((أكلّ ولدك نحلته مثل هذا؟)) قال: لا، فقال رسول الله وَليه:
((فارجعه))، وفي لفظ: قال: «فَرُدّه))، وفي لفظ آخر: قال فيه: ((فاتقوا الله،
واعدلوا بين أولادكم، فرجع أبي في تلك الصدقة))، وفي لفظ لهما: ((فلا
تُشهدني إذن، فإني لا أشهد على جَوْر))، وفي آخر: ((فلا تشهدني على
جور))، وفي آخر: ((فأشهد على هذا غيري))، وفي أخر: ((أيسرك أن يكون
بنوك في البرّ سواء؟، قال: بلى، قال: فلا إذن))، وفي لفظ آخر: «أفكلّهم
أعطيت مثل ما أعطيته؟ قال: لا، قال: فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا
على حقّ)).
وكل هذه الألفاظ في ((الصحيح))، وغالبها في ((صحيح مسلم))، وعند
البخاريّ منها: ((لا تشهدني على جَوْر))، وقوله: ((لا أشهد على جور))، والأمر
بردّه، وفي لفظ: ((سَوِّ بينهم))، وفي لفظ: ((هذا جورٌ، أشهدْ على هذا غيري))،
(١) ((المفهم)) ٥٨٦/٤ - ٥٨٨.

٢٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
وهذا صريح في أن قوله: ((أشهدْ على هذا غيري)) ليس إذناً، بل هو تهديد؛
لتسمیته إياه جَوْراً .
قال: وهذه كلها ألفاظ صحيحةٌ صريحةٌ في التحريم والبطلان، من عشرة
أوجه تؤخذ من الحديث.
وأما قوله وَالر: ((أَشْهِد على هذا غيري))، فإن هذا ليس بإذن قطعاً، فإن
رسول الله ﴿ لا يأذن في الجور، وفيما لا يصلح، وفي الباطل، فإنه قال:
((إني لا أشهد إلا على حقّ))، فدلّ ذلك على أن الذي فعله أبو النعمان لم يكن
حقّاً، فهو باطل قطعاً، فقوله إذن: ((أشهدْ على هذا غيري)) حجة على التحريم،
كقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقوله ◌ٍَّ: ((إذا لم تستحي فاصنع
ما شئت))؛ أي: الشهادة على هذا ليست من شأني، ولا تنبغي لي، وإنما هي
من شأن من يشهد على الجور والباطل، وما لا يصلح، وهذا في غاية
الوضوح، وقد كتبت في هذه المسألة مُصَنّفاً مفرداً استوفيت فيه أدلتها، وبيّنت
من خالف هذا الحديث، ونقضها عليهم، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن
القيّم تَّثُ بتصرّف يسير(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الإمام ابن القيّم كَّتُهُ في تحقيق هذه
المسألة، وأن الحقّ هو القول بوجوب التسوية بين الأولاد، وأن التفضيل بينهم
حرام؛ لأن الأدلة كلها ظاهرة، بل صريحة في الدلالة على هذا، فكن مع
الحقّ وأهله، ودُر حيث دار الدليل، ولا تكن إمّعةً بالتقليد الذليل، والله تعالى
الهادي إلى سواء السبيل.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٧١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ
بَشِيرٍ، قَالَ: أَتَّى بِي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَاماً،
فَقَالَ: ((أَكُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: (فَارْدُوْهُ)).
(١) ((حاشية ابن القيم على سنن أبي داود)) ٣٣٤/٩ - ٣٣٥.

٢٩٣
(٣) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلٍ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ - حديث رقم (٤١٧٢)
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو
إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان))
١٤١/٩.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان شرحه، ومسائله مستوفّى في
الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْلُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٧٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ
(ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَهُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح)
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، أَمَّا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ فَفِي حَدِيثِهِمَا: ((أَكُلَّ
بَنِيكَ))، وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَابْنٍ عُيَيْئَةَ: ((أَكُلَّ وَلَدِكَ))، وَرِوَايَةُ اللَّيْثِ عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرحمن، أَنَّ بَشِيراً جَاءَ بِالنُّعْمَانِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة عشر:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْتَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
والباقون کلّهم ذكروا في الباب والبابين قبله.
وقوله: (كُلَّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ)؛ أي: كلّ هؤلاء الأربعة: سفيان بن عيينة،
والليث بن سعد، ويونس بن يزيد الأيليّ، ومعمر بن راشد رووا هذا الحديث
عن الزهريّ بإسناده السابق.
[تنبيه]: أما رواية ابن عيينة، عن الزهريّ فقد ساقها الترمذيّ في
((جامعه))، فقال:
(١٣٦٧) - حدّثنا نَصْرُ بن عَلِيٍّ، وَسَعِيدُ بن عبد الرحمن الْمَخْزُومِيُّ،
الْمَعْنَى الواحد، قالا: حدّثنا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن حُمَيْدٍ بن عبد الرحمن،
وَعَنْ مُحَمَّدٍ بن النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ، يُحَدِّثَانِ عن النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَ

٢٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
ابْناً له غُلَاماً، فَأَتَى النبيَّ وَلِ يُشْهِدُهُ، فقال: ((أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ
هذا؟)) قال: لا، قال: ((فَارْدُدْهُ))، قال أبو عِيسَى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
انتھی(١).
وأما رواية الليث بن سعد، عن الزهريّ، فقد ساقها ابن حبّان في
((صحيحه))، فقال:
(٥٠٩٧) - أخبرنا أبو خليفة، قال: حدّثنا القعنبيّ، قال: حدّثنا ليث بن
سعد، عن ابن شهاب، عن محمد بن النعمان، وحميد بن عبد الرحمن، عن
النعمان بن بشير: أن بشير بن سعد جاء إلى رسول الله وَله، فقال: إني نحلتُ
ابني هذا هذا العبد، فقال النبيّ وَّرَ: ((أَوَ كلَّ ولدك نحلت هذا؟))، قال: لا،
قال: ((فاردده)). انتهى (٢).
وأما رواية معمر بن راشد، عن الزهريّ، فقد ساقها الإمام أحمد في
((مسنده))، فقال:
(١٨٣٨٤) - حدّثنا عبد الرَّزَّاقِ، ثنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزهريّ، أخبرني محمد بن
النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ، وَحُمَيْدُ بن عبد الرحمن بن عَوْفٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بن بَشِيرٍ،
قال: ذَهَبَ أبي بَشِيرُ بن سَعْدٍ إلى رسول اللهِ وَ ﴿ لِيُشْهِدَهُ على نُحْلِ نَحَلَنِيهِ،
فقال النبيّ وََّ: ((أَكُلَّ بَنِيكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هذا؟)) قال: لا، قال: ((فَارْجِعْهَا)).
انتهى(٣) .
وأما رواية يونس بن يزيد الأيليّ، عن الزهريّ، فقد ساقها أبو عوانة في
((مسنده))، فقال:
(٥٦٦٩) - حدّثنا محمد بن عبد الحكم، قثنا (٤) وهب الله بن راشد، قئنا
يونس، عن ابن شهاب، قال: حدّثني حميد بن عبد الرحمن، ومحمد بن
النعمان بن بشير، أنهما سمعا النعمان بن بشير يقول: نحلني أبي بشير بن سعد
غلاماً له، ثم مشى بي إلى رسول الله وَّة، فقال: يا رسول الله إني نحلت ابني
(٢) ((صحيح ابن حبان)) ١١ / ٤٩٦.
(١) ((جامع الترمذيّ)) ٦٤٩/٣.
(٣) ((مسند الإمام أحمد)) ٢٦٨/٤.
(٤) مختصر من ((قال: حدّثنا)) في الموضعين.

٢٩٥
(٣) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلِ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ - حديث رقم (٤١٧٣ - ٤١٧٤)
هذا غلاماً، قال: ((أكلّ بنيك قد نحلت؟)) فقال: لا، فقال رسول الله وَله :
((فارجعها)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٧٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ: وَقَدْ أَعْطَاهُ أَبُوهُ غُلَاماً، فَقَالَ
لَّهُ النَّبِيُّ ◌َ: «مَا هَذَا الْغُلَامُ؟»، قَالَ: أَعْطَانِيهِ أَبِي، قَالَ: ((فَكُلَّ إِخْوَتِهِ أَعْطَيْتَهُ
كَمَا أَعْطَيْتَ هَذَا؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَرُدَّهُ)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضّبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ
صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (٨) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٧٤] (.) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ،
عَنْ حُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرِ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - أَخْبَرَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ خُصَيْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنِ
النُّعْمَانِ بْنٍ بَشِيرٍ، قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَّالَتْ أُمِّ عَمْرَةُ بِنْتُ
رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ وَ ﴿ِ، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ ◌َّ
لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدَِ كُلِّهِمْ؟))،
قَالَ: لَا، قَالَ: ((اتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ))، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ
الصَّدَقَةَ).
(١) ((مسند أبي عوانة)) ٤٥٤/٣.

٢٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّام) بن عُمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقةٌ
[٨] (ت١٨٥) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٩/٨٣.
٢ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السّلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغيّر
حفظه في الآخر [٥] (ت١٣٦) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٥/٤٣.
٣ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ إمام
مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٤ - (أَبُو الأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ
[٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
قوله: (تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضٍ مَالِهِ) قال القرطبيّ: سمّى ذلك صدقةً
تجوّزاً. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يعني أن تسمية مطلق النفقات صدقة قد ورد في
· مرفوعاً: ((إذا أنفق
السُّنّة، ففي ((الصحيحين)) من حديث أبي مسعود البدريّ
ضُرُعِبَّه
الرجل على أهله يحتسبها فهي له صدقة)).
قال: قال رسول الله عبيد:
وأخرج النسائيّ بإسناد حسن عن أبي هريرة
(تصدّقوا))، فقال رجل: يا رسول الله عندي دينار، قال: «تصدّق به على
نفسك))، قال: عندي آخر، قال: ((تصدّق به على زوجتك))، قال: عندي آخر،
قال: ((تصدّق به على ولدك))، قال: عندي آخر، قال: ((تصدّق به على
خادمك))، قال: عندي آخر، قال: ((أنت أبصر به))(١) .
فقد سمّى وَِّ هذه العطايا كلها صدقةً، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ) بن ثعلبة الخزرجية، أخت
عبد الله بن رواحة الصحابيّ المشهور، ووقع عند أبي عوانة من طريق عون بن
عبد الله أنها بنت عبد الله بن رواحة، والصحيح الأول، وبذلك ذكرها ابن سعد
(١) حديث حسنٌ، أخرجه النسائيّ برقم (٢٥٣٥).

٢٩٧
(٣) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلٍ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ - حديث رقم (٤١٧٥)
وغيره، وقالوا كانت ممن بايع النبيّ وَّ و من النساء، وفيها يقول قيس بن
الْخَطِيم - بفتح المعجمة -:
وَعَمْرَةُ مِنْ سَرَوَاتِ النِّسَاءِ تَنْفَحُ بِالْمِسْكِ أَرْدَانَهَا (١)(٢)
وقوله: (بِوَلَدَِ كُلَّهِمْ) الولد - بفتحتين - المراد هنا الجمع؛ لأنه
أكّده بـ((كلّهم))، وقال في الآخر: ((اعدلوا في أولادكم))؛ وإطلاق الولد
على الجمع وغيره شائع في اللغة، قال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: الْوَلَدُ - بفتحتين -: كلُّ ما
وَلَده شيءٌ، ويُطلق على الذكر والأنثى، والمثنّى والمجموع، فَعَلٌ بمعنى مفعول،
وهو مذكّر، وجمعه أولاد، والْوُلْدُ وزانُ قُفْل لغة فيه، وقَيْس تجعل المضموم
جمع المفتوح، مثلُ أَسَدٍ جمع أُسُد. انتهى(٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٧٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا
أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، أَنَّ أُمَّهُ بِنْتَ
رَوَاحَةَ، سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِاِبْنِهَا، فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً، ثُمَّ بَدَا
لَهُ، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِوَ﴿ عَلَى مَا وَهَبْتَ لِاِبْنِي،
فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِبْنِهَا،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يَا بَشِيرُ، أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟))، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ:
((أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَلَا تُشْهِدْنِي إِذاً، فَإِنِّي
لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ))).
(١) أي: تتناولها بالمسك، يقال: نفح الشيءَ بسيفه: تناوله، قاله في ((القاموس))،
و((الأردن)» بالفتح: جمع رُذْن بالضمّ: أصل الْكُمّ، قاله في ((القاموس)) أيضاً.
(٢) ((الفتح)) ٤٣٩/٦ - ٤٤٠.
(٣) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦٧١.

٢٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصل، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩]
(ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧.
٤ - (أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ) يحيى بن سعيد بن حيّان الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦]
(ت١٤٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٦/١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ) هكذا في بعض النسخ، ووقع في
معظم النسخ بلفظ: ((بعض الموهوبة))، قال النوويّ تَخّْثُهُ: وكلاهما صحيح،
وتقدير الأول: بعض الأشياء الموهوبة. انتهى.
وقوله: (فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً)؛ أي: مَطَلها بتلك الموهبة، وأخّرها عنها.
وقوله: (ثُمَّ بَدَا لَهُ)؛ أي: ظهر له إعطاء ولدها ما طلبته منه.
وقوله: (أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟) ((سوى)) فيها أربع لغات: بضمّ السين،
كهُدى، وكسرها، كرِضَى، وبالفتح والمدّ، كسَماء، وبالكسر والمدّ، كبِناء،
وهي بمعنى ((غير))، كما قال ابن مالك في ((الخلاصة)):
وَلِسِوَّى سُوَى سَوَاءِ اجْعَلَا عَلَى الأَصَحِّ مَا لِغَيْرِ جُعِلًا
وقوله: (أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا) برفع ((كلُ)) على أنه مبتدأ خبره الجملة
بعده، ويجوز نصبه على الاشتغال، تقديره: أعطيت كلّهم، ولا يُقدّر ((وهبت))؛
لأنه لا يتعدى بنفسه على اللغة الفصحى، وإنما يتعدّى باللام، راجع كلام.
الفيّوميّ كَثُ في ((المصباح))(١).
وقوله: (عَلَى جَوْرٍ)؛ أي: على ظلم، يقال: جارَ في حكمه يجور جوْراً،
من باب قال: إذا ظلم، وجارَ عن الطريق؛ أي: مال، فتأويل النوويّ له بالميل
فقط ميلاً إلى مذهبه، حيث إنه لا يرى تحريم التفضيل بين الأولاد مما يتعجّب
(١) ((المصباح المنير)) ٦٧٣/٢.

٢٩٩
(٣) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلِ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ - حديث رقم (٤١٧٦ - ٤١٧٧)
منه المصنف الذي لم يستول عليه التقليد، فحديث الباب بطرقه الكثيرة، وصيغه
المختلفة ظاهر في تحريم التفضيل، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد،
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٧٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِّ قَالَ: ((أَلَكَ بَنُونَ سِوَاهُ؟))،
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا؟))، قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَلَا أَشْهَدُ عَلَى
جَوْرٍ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) والد ابن نُمَير الراوي عنه، كوفيّ ثقةٌ حافظٌ سنّيّ،
من كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ) بن أبي خالد البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٩.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ هَذَا؟) بنصب ((كُلَّ)) على أنه مفعولٌ أولُ مقدّم
لـ(«أعطيتَ))، و((مثلَ)) هو المفعول الثاني.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى القول فيه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخُّْ أوّل الكتاب قال:
[٤١٧٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَاصِم
الأَحْوَلِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ لِأَبِيهِ: ((لَّ
تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (عَاصِمُ الأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤]
مات بعد (١٤٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥.

٣٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات
والباقون ذُكروا في الباب، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤١٧٨] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَعَبْدُ
الأَعْلَى (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُلَيَّةً
- وَاللَّفْظُ لِيَعْقُوبَ - قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ،
عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: انْطَلَقَ بِي أَبِي يَحْمِلُنِي إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اشْهَدْ أَنِّي قَدْ نَحَلْتُ النُّعْمَانَ كَذَا وَكَذَا مِنْ
مَالِي، فَقَالَ: ((أَكُلَّ بَنِيَكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ الثُّعْمَانَ؟))، قَالَ: لَا، قَالَ:
(فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي)) - ثُمَّ قَالَ : - ((أَيَسُرَُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِّ سَوَاءً؟))،
قَالَ: بَلَى، قَالَ: ((فَلَا إِذاً)).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصّلت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ،
ثقةٌ [٨] (ت١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٧٣/١٧.
٣ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٧/٥.
٤ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) ابن إبراهيم بن كثير الْعَبديّ مولاهم، أبو يوسف
البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) وله (٩٦) سنةً، أحد مشايخ الجماعة
بلا واسطة تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٥ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ) بن مِقْسَم المعروف بابن عُلَيّة الأسديّ
مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) وهو ابن (٨٣) سنةً (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٦ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) دينار القشيريّ مولاهم، أبو بكر أو أبو محمد البصريّ،
ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧/ ٢٢١.
والباقون ذُكروا قبله.