النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ (١) - بَابُ كَرَاهَةِ شِرَاءِ الإِنْسَانِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٥٦) رسول الله على المنبر: ((إن رجالاً من العرب يُهدي أحدُهم الهديَّة، فأعوِّضه منها بقدر ما عندي، فيظل يتسخَّطُ عليَّ، وايم الله! لا أقبل بعد يومي هذا من رجل من العرب هديَّة إلا من قرشيٍّ، أو أنصاريٍّ، أو ثقفيٍّ، أو دوسيٍّ))(١)، وهذا الحديث وإن لم يكن إسناده بالقويّ(٢)، فيعضده كل ما تقدم، وما حكاه مالك من أن هبة الثواب مُجْمَعٌ عليها عندهم، وكيف لا تجوز وهي معاوضةٌ تشبه البيع في جميع وجوهه، إلا وجهاً واحداً؟! وهي: أن العوض فيها غير معلوم حالة العقد، وإنما سامح الشرع في هذا القدر؛ لأنهما دخلا في ذلك على وجه المكارمة، لا المشاحّة، فعفا عن تعيين العوض فيه، كما فعل في نكاح التفويض. وأما هبة الأب لولده: فللأب الرجوع فيها، وإلى هذا ذهب مالك، والشافعيّ، وأبو ثور، والأوزاعيّ، وقد اتفق هؤلاء على أن ذلك للأب، وهل يُلْحَق بالأب الأم والجد؟ اختَلَف في ذلك قول مالك، والشافعيّ، ففي قول: يُقْصَرُ ذلك على الأب، وفي قول آخر: إلحاقهما به، والمشهور من مذهب مالك: إلحاق الأم، ومن مذهب الشافعيّ: إلحاق الأم، والأجداد، والجدَّات مطلقاً، والأصل في هذا الباب: ما خرَّجه النسائي من حديث ابن عمر، وابن عباس ه عن النبيّ وَّ أنه قال: ((لا يحل لرجل يعطي عطية يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومَثَل الذي يعطي عطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب، أكل حتَّى إذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه))، وهذا حديث صحيح. وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا: أن من أعطى ولده عطيّة ليس بصدقة أن له أن يعتصرها؛ ما لم يستحدث الولد ديناً، أو ينكح، فليس للأب الاعتصار، وسبب اختلافهم في إلحاق غير الأب بالأب: هو أنَّه هل يتناول الملحق اسم الأبوة، أو الوالد، أم لا؟ وهل هم في معنى الأب، أو يُفرَّق بينهم وبينه؟ فإن للأب من الحق في مال الولد ما ليس لغيره، وله من خصوصية القُرْب ما ليس لهم. قال القرطبيّ: وأما إلحاق الأم فلا إشكال فيه، وقد أوغل الشافعيّ في (١) حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ كنتُ ٢٥٣/٤. (٢) هذا الكلام فيه نظر لا يخفى، فإن رجال إسناده موثّقون، فلا ينقص حديثهم عن درجة الحسن، فراجع: ((جامع الترمذيّ)) رقم (٣٩٤٦). ٢٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات استرجاع الأب لِمَا وهب، وتعلَّق بالولد من الدَّين والتزويج كل طلب، وللأب أن يعتصرها من كل من يقع عليه اسم ولد حقيقة، أو مجازاً، مثل ولده لصُلْبه، وولد ولده من أولاد البنين والبنات. وحملت طائفة حديث النَّهي عن الارتجاع في الهبة على عمومه، ولم يستثنوا من ذلك ولداً ولا غيره، وبه قال طاووس، وأحمد، والرجوع عندهم في الهبة محرم مطلقاً، والحجّة عليهم ما تقدَّم من الحديث، وعمل أهل المدينة الدَّالّين على استثناء الأب، وقالت طائفة أخرى: إن المراد بذلك النهي: من وهب لذي رحم، أو زوج، فلا يجوز له الرُّجوع، وإن وهب لغيرهم جاز الرُّجوع، وهو قول الثوريّ، والنخعيّ، وإسحاق، وقصره أبو حنيفة، والكوفيون على كل ذي رحم محرم فلا رجوع له فيما يهبه لهم، ويرجع فيما وهبه لغیرهم؛ وإن کانوا ذوي رحم. قال القرطبيّ: وهذه تحكّمات على ذلك العموم. فيا لله من تلك الفهوم !!. انتهى كلام القرطبيّ تَخْتُهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): قال في ((الفتح)): وقد استُشكل ذكر عمر څئه - يعني: حمله في سبيل الله - مع ما فيه من إذاعة عمل البرّ، وكتمانُهُ أرجح. وأجيب بأنه تعارض عنده المصلحتان: الكتمان، وتبليغ الحكم الشرعيّ، فرجَّحَ الثاني، فعَمِل به. وتُعُقّب بأنه كان يمكن أن يقول: حمل رجل فرساً مثلاً، ولا يقول: حملت، فيجمع بين المصلحتين، والظاهر أن محلّ رجحان الكتمان إنما هو قبل الفعل، وعنده، وأما بعد وقوعه، فلعلّ الذي أُعْطِيَهُ أذاع ذلك، فانتفى الكتمان، ويضاف إليه أن في إضافته ذلك إلى نفسه تأكيداً لصحّة الحكم المذكور؛ لأن الذي تقع له القصّة أجدر بضبطها ممن ليس عنده إلا وقوعها بحضوره، فلمّا أمِنَ ما يُخشى من الإعلان بالقصد، صرّح بإضافة الحكم إلى نفسه. ويَحْتَمِل أن يكون محلّ ترجيح الكتمان لمن يَخشَى على نفسه من (١) ((المفهم)) ٥٨١/٤ - ٥٨٣. ٢٦٣ (١) - بَابُ كَرَاهَةِ شِرَاءِ الإِنْسَانِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٥٧ -٤١٥٨) فلا . انتهى ضوعنه الإعلان العجبَ والرياء، أما من أَمِنَ من ذلك كعمر (١) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأخير عندي أقوى. وحاصله أن عمر حظيبه لما أَمِنَ من مَعَرّة الإعلان، من العجب والرياء اختار الإعلان به؛ لِمَا يترتّب عليه من ترغيب الناس إلى مثل عمله، فيَقتَدُوا به فيحملوا في سبيل الله تعالى، ويكون له الأجر في ذلك؛ لقوله وَله: ((من سنّ سنّة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أجورهم شيئاً ... )) الحديث، رواه مسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤١٥٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيِهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ - عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: ((لَا تَّبْتَعْهُ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَم)). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : وكلّهم تقدّموا في الإسنادين الماضيين. [تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك هذه ساقها الإمام أحمد في ((مسنده))، فقال: (٢٨١) - حدّثنا عبد الرحمن، عن مَالِكِ، عن زَيْدِ بن أَسْلَمَ، عن أبيه، عن عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ر ◌ُه قال: حَمَلْتُ على فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَأَرَدْتُ أن أبتاعه، وَظَنَنْتُ أنه بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَقلت: حتى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ، فقال: ((لَا تَبْتَعْه، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَم، فإن الذي يَعُودُ في صَدَقَتِهِ، فكالكلب يَعُودُ في قَيْئِهِ)). انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٥٨] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْع - حَدَّثَنَا رَوْجٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِم - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّةَّ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَوَجَدَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَقَدْ أَضَاعَهُ، وَكَانَ قَلِيلَ (١) ((الفتح)) ٦/ ٤٧٧. (٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٤٠/١. ٢٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات الْمَالِ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((لَا تَشْتَرِهِ، وَإِنْ أُعْطِيتَهُ بِدِرْهَم، فَإِنَّ مَثَلَ الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) الْعَيْشِيّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م س) تقدّم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) الْعَيْشِيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. ٣ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِم) التميميّ الْعَنبَريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت١٤١) (خ م د س ◌َق) تقدّم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَخَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤١٥٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكِ، وَرَوْحِ أَتَمُّ وَأَكْثَرُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) تقدّم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين. و((زيد)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن زيد بن أسلم هذه ساقها الحميديّ في ((مسنده))، فقال: (١٥) - حدّثنا سفيان، قال: سمعت مالك بن أنس يسأل زيد بن أسلم، فقال: سمعت أبي يقول: قال عمر بن الخطاب: حَمَلت على فرس في سبيل الله، فرأيته يباع، فسألت رسول الله وَالقول: أشتريه؟ فقال: ((لا تشتره، ولا ٢٦٥ (١) - بَابُ كَرَاهَةِ شِرَاءِ الإِنْسَانِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٦٠ -٤١٦١) تَعُدْ في صدقتك)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَفُ أوّل الكتاب قال: [٤١٦٠] (١٦٢١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَأَدَ أَنْ يَبْتَاعَهُ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتَكَ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التيميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدّم في ((المقدمة)) ٩/٣. ٢ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ٣ - (ابْنُ عَمَرَ) عبد الله ﴿ه، أبو عبد الرحمن المدنيّ المتوفّى سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٠٢/١. والباقيان ذكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٦١] (.) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ رُمْح، جَمِيعاً عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا الْمُقَدَّمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَاً: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطََّنُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ ثُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِك). رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (١) ((مسند الحميديّ)) ٩/١. ٢٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات (ت٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٢ - (ابْنُ رُمْح) هو: محمد بن رُمح بن المهاجر التجيبيّ المصريّ، ثقةٌ ثبت [١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدّم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦. ٣ - (الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر المقدّميّ، تقدّم قبل بابين. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم أيضاً قبل بابين. ٥ - (يَحْتَى الْقَطَّانُ) هو ابن سعيد، تقدّم أيضاً قبل بابين. ٦ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم أيضاً قبل بابين. ٧ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٨ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨. ـّ ذُكروا في الباب، وقبله. والباقون وقوله: (كُلَّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ) يعني: أن يحيى القطّان، وعبد الله بن نُمير، وأبا أُسامة ثلاثتهم رووه عن عبيد الله بن عمر الْعُمريّ. وقوله: (كِلَاهُمَا) يعني: أن الليث بن سعد في الطريق الأولى، وعبيد الله بن عمر في بقيّة الطرق، روياه عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَيّلـ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكِ. [تنبيه]: رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع هذه ساقها أبو عوانة في ((مسنده))، فقال: وحدّثنا كيلجة، قثنا أبو صالح الفراء، قثنا أبو إسحاق الفزاريّ عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر حمل على فرس في سبيل الله، فأعطاه رسول اللهوَ* رجلاً، فوافقه عمر يبيعه، فقال عمر: يا رسول الله أبتاع الفرس الذي حملت عليه؟ قال: ((لا تبتاعه (١)، ولا ترجع في صدقتك)). انتهى (٢). وأما رواية الليث، عن نافع، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. (١) هكذا النسخة: ((لا تبتاعه)) غير مجزوم، والظاهر أن الأولى: ((لا تبتعه)) بالجزم، فليُحرّر. (٢) ((مسند أبي عوانة)) ٤٥١/٣. ٢٦٧ (٢) - بَابُ كَرَاهَةٍ شِرَاءِ الإِنْسَانِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٦٢) [تنبيه آخر]: قوله في هذه الرواية: ((فأعطاه رسول الله وَ ل رجلاً)) لا يعارض ما سبق أن عمر هو الذي أعطى الرجل؛ لأنه يُحمل على أن عمر لَمّا أراد أن يتصدّق به فَوَّضَ إلى رسول الله وَّهِ اختيار من يتصدّق به عليه، أو استشاره فيمن يَحمله عليه، فأشار به عليه، فنُسبت إليه العطيّة؛ لكونه أمره بها . قاله في ((الفتح)) (١). ويستفاد منه أن من أراد أن يتصدّق بشيء ينبغي له أن يستشير أهل العلم والفضل؛ ليدلّه على المستحقّ للصدقة؛ لتبلغ محلّها، وتوافي مستحقّها، فينال بذلك أجراً كاملاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٤١٦٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِعَبْدٍ - قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسِ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ رَآهَا تُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنَّ يَشْتَرِيَهَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ نَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ يَا عُمَرُ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدّم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (ثُمَّ رَآهَا تُبَاعُ ... إلخ) أنّث الضمائر في هذه الرواية، وذكّرها في الروايات السابقة؛ لأن الفرس يجوز تذكيره وتأنيثه، كما تقدّم بيان ذلك في شرح الحديث أول الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفَى، وكذا بيان مسائله في الحديث الماضي أولَ الباب، فارجع إليه تستفد علماً جمّاً، والله تعالى وليّ التوفيق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((الفتح)) ٤٧٦/٦، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٦٢٣). ٢٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات (٢) - (بَابُ تَشْبِهِ النبيِّ وَّهِ العائِدَ في هِبَتِهِ بِالكَلْبِ الذي يَقيءُ، ثُمَّ يعودُ في قَيْئِهِ)(١) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َدَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٦٣] (١٦٢٢) - (حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ قَالَ: ((مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ كَمَثَلِ الْكَلْبِ (٢) يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ، فَيَأْكُلُهُ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الرَّازِيُّ) التميميّ، أبو إسحاق الفرّاء، يُلقّب بالصغير، ثقةٌ حافظٌ [١٠] مات بعد (٢٢٠) (ع) تقدّم في ((الحيض)) ٧٢١/٧. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين. ٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، تقدّم أيضاً قبل بابين. ٤ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الدمشقيّ، ثقةٌ فقيهٌ إمام [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٥ - (أَبُو جَعْفَرِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب المعروف بالباقر المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٦/ ٦١. ٦ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) سعيد الإمام الشهير، تقدّم قريباً. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) قَبًا، تقدّم أيضاً قريباً. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه (١) هذه الترجمة هي التي تدلّ عليها أحاديث الباب، فهي أولى من ترجمة النوويّ وغيره من الشرّاح، حيث قالوا: ((باب تحريم الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض، إلا ما وهبه لولده، وإن سفل»، فهذا وإن كان هو الراجح من أقوال العلماء في المسألة، إلا أن الأولى في الترجمة كونها قاصرةً على ما تدلّ عليه أحاديث الباب، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق. (٢) وفي نسخة: ((كمثل الكلب الذي)). ٢٦٩ (٢) - بَابُ تَشْبِهِ النبيِّ ◌َ﴿ العائِدَ فِي هِبَتِهِ بِالكَلْبِ الذي يَقيء، ... إلخ - حديث رقم (٤١٦٣) ابن عبّاس ◌َ ◌ّا أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وحبر الأمة، وبحرها. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿ُّ، وفي رواية بكير بن الأشجّ، عن سعيد بن الْمُسَيِّب الآتية: قال: ((سمعت ابن عبّاس ﴿ًّا يقول: سمعت رسول الله وَّ﴿ يقول)) (أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ ﴿ قَالَ: ((مَثَلُ الَّذِي يَرْجِعُ فِي صَدَقَتِهِ)؛ أي: يرجع إلى أخذ صدقته ممن تصدّق بها عليه، وفي الرواية التالية: ((العائد في هبته)) (كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ) وفي بعض النسخ: «كمثل الكلب الذي يقيء)» (ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْتِهِ، فَيَأْكُلُهُ))) وفي رواية البخاريّ من طريق عكرمة، عن ابن عبّاس ◌ًَّا قال: قال النبيّ وَّ: ((ليس لنا مَثَلُ السَّوْء، الذي يعود في هبته، كالكلب يرجع في قیئه)»، قال في ((الفتح)): أي لا ينبغي لنا معشرَ المؤمنين أن نتصف بصفة ذميمة، يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها، قال الله ثَالَ: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْأَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءٌ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، ولعل هذا أبلغ في الزجر عن ذلك، وأدلّ على التحريم مما لو قال مثلاً: لا تعودوا في الهبة، وإلى القول بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تُقْبَض ذهب جمهور العلماء، إلا هبة الوالد لولده؛ جمعاً بين هذا الحديث، وحديث النعمان بن بشير ◌ًا الآتي في الباب التالي. وقال الطحاويّ: قوله: ((لا يحلّ)) لا يستلزم التحريم، وهو كقوله: ((لا تحل الصدقة لغنيّ))، وإنما معناه: لا تحل له من حيث تحل لغيره من ذوي الحاجة، وأراد بذلك التغليظ في الكراهة، قال: وقوله: ((كالعائد في قيئه)) وإن اقتضى التحريم؛ لكون القيء حراماً، لكن الزيادة في الرواية الأخرى، وهي قوله: ((كالكلب)) تدلّ على عدم التحريم؛ لأن الكلب غير متعبَّد، فالقيء ليس حراماً عليه، والمراد التنزيه عن فعلٍ يشبه فعل الكلب. وتُعُقّب باستبعاد ما تأوله، ومنافرة سياق الأحاديث له، وبأن عُرْفَ الشرع في مثل هذه الأشياء يريد به المبالغة في الزجر، كقوله: ((مَن لَعِب بالنردشير، فكأنما غَمَس يده في لحم خنزير)). انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد في ذكر هذا التعقّب على الطحاويّ الذي (١) ((الفتح)) ٦/ ٤٧٤ - ٤٧٥. ٢٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات خالف ظواهر النصوص محاماة لمذهبه، وهذه هي المصيبة الطامة على المقلّدين، فإنهم يردّون ظواهر النصوص إذا خالفت مذاهبهم بتأويلات باردة، واحتمالات كاسدة، ومن واجب كلّ مسلم أن ينصر السُّنّة إذا صحّت لديه، وإن خالفت مذهبه، ومذاهب الناس جميعاً؛ لأن الله تعالى ضمن فيها الفلاح، والهداية، والفوز في الدنيا والآخرة، حيث قال: ﴿قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ [النور: ٥٢]، ولم يضمن لمذاهب ٥٢) وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الْفَابِرُونَ الناس بشيء من ذلك، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. وقال النوويّ تَخّْتُهُ: هذا الحديث ظاهر في تحريم الرجوع في الهبة والصدقة بعد إقباضهما، وهو محمول على هبة الأجنبيّ، أما إذا وهب لولده، وإن سفل فله الرجوع فيه، كما صُرِّح به في حديث النعمان بن بشير رضي﴿ًا، ولا رجوع في هبة الإخوة، والأعمام، وغيرهم من ذوي الأرحام، هذا مذهب الشافعيّ، وبه قال مالك، والأوزاعيّ، وقال أبو حنيفة، وآخرون: يرجع كلُّ واهب إلا الولد، وكلّ ذي رحم محرم. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ظّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٤١٦٣ و٤١٦٤ و ٤١٦٥ و٤١٦٦ و ٤١٦٧ و ٤١٦٨ و٤١٦٩] (١٦٢٢)، و(البخاريّ) في ((الهبة)) (٢٥٨٩ و٢٦٢١ و٢٦٢٢) و((الحيل)) (٦٩٧٥)، و(أبو داود) في (البيوع)) (٣٥٣٨)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٢٩٨)، و(النسائيّ) في ((الهبة)) (٢٦٥/٦ و٢٦٦) و((الكبرى)) (١٢١/٤ و١٢٢ و١٢٣ و١٢٤)، و(ابن ماجه) في ((الهبات)) (٢٣٨٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٦٥٣٦ و١٦٥٣٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٦٤٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٣٠)، (١) ((شرح النوويّ)) ٦٤/١١ - ٦٥. ٢٧١ (٢) - بَابُ تَشْبِهِ النبيِّوَِّ العَائِدَ فِي هِبَتِهِ بِالكَلْبِ الذي يَقيء، ... إلخ - حديث رقم (٤١٦٣) و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٢١/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨٠ و٢٩١ و٣٣٩ و٣٤٢ و٣٤٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٦٩٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٤٠٥)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٩٩٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣/ ٤٤٩ و٤٥٠)، و(البزار) في «مسنده)) (٣٩٠/١ و٣٩١)، و(ابن حبّان) في ((صحیحه)) (٥١٢١ و٥١٢٢)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٧٧/٤)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٤٣/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨٠/٦) و((المعرفة)) (١٧/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢٢٠٠ و٢٢٠١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الرجوع في الهبة: ذهب الشافعيّ، وأبو ثور، وأحمد إلى أنه لا يحلّ الرجوع لمن وهب شيئاً، إلا الوالد، كما سيأتي في المسألة التالية، واحتجّوا بحديث الباب. وذهب النخعيّ، والثوريّ، وإسحاق، وأصحاب الرأي إلى أن من وهب لغير ذي رحم له الرجوع ما لم يُثَب عليها، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطّاب وظُه، واحتجّوا بقوله وَله: ((الرجل أحقّ بهبته ما لم يُثب منها))، رواه ابن ماجه. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي ما ذهب إليه الأولون؛ لصحة حديث الباب الظاهر في تحريم الرجوع في الهبة، إلا للوالد، وأما حديث ابن ماجه، فضعيفٌ؛ لأن في سنده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمّع، وهو ضعيف، بل قال بعضهم: متروك الحديث، فلا يصلح لمعارضة حديث الباب الصحيح، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد. وقد حاول صاحب ((تكملة فتح الملهم)) تقوية هذا الحديث، وأتى بأحاديث أُخَر لا يخفى ضعفها على من تأملها، وردّ الأحاديث الصحيحة بالتأويل العاطل، والتمويه الباطل، فلا ينبغي الاغترار بما أطال به نَفَسه، دون أن يتأمل في الأحاديث الصحيحة حقّ التأمل، ويُعطيها ما تستحقّه من العمل بها، دون تفنيدها، ومعارضتها بالأحاديث الضعاف، والله تعالى المستعان على من حَافَ في الحكم، دون أن يخشى معرّة الْجُرْم، قاتل الله التعصّب، اللهم اهدنا فيمن هديت، اللهم أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين. ٢٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم رجوع الوالد فيما أعطى ولده: ذهب مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد إلى أن للوالد الرجوع فيما وهب لولده. وذهب أصحاب الرأي، والثوريّ، وهي رواية عن أحمد إلى أنه ليس له الرجوع فيها؛ لقول النبيّ وَّر: ((العائد في هبته، كالعائد في قيئه)»، متّفقٌ عليه، وعن عمر بن الخطّاب ﴿به قال: ((من وهب هبةً، يرى أنه أراد بها صلة رحم، أو على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة أراد بها الثواب، فهو على هبته، يرجع فيها إذا لم يُرْضَ منها))، رواه مالك في ((الموظّا))، ولأنها هبةٌ يحصل بها الأجر من الله تعالى، فلم يجز الرجوع فيها، كصدقة التطوّع. واحتجّ الأولون بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه ( مرفوعاً: ((لا يرجع أحد في هبته، إلا والد من ولده، والعائد في هبته كالعائد في قيئه))، رواه النسائيّ، وهو حديث صحيح، وهو صريح في جواز رجوع الوالد فيما وهب لولده، وبقول النبيّ و18َّ لبشير بن سعد ظُبه في الحديث الآتي في الباب التالي: ((فاردده))، وفي رواية: ((فارجعه))، فأمره بالرجوع في هبته، وأقلّ أحوال الأمر الجواز، وقد امتثل بشير بن سعد ذلك، فرجع في هبته لولده، ألا ترى أن النعمان قال في الحديث: فرجع أبي، فردّ تلك الصدقة. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الأولون هو الحقّ، وحاصله جواز رجوع الوالد فيما وهب لولده؛ لصحة الحديث الماضي، وهو صريح في جواز ذلك للوالد، ففي لفظ: ((لا يرجع))، وفي لفظ: ((لا يحلّ لرجل ... إلخ))، فتأويل مثل هذا النصّ الصريح في التحريم بأنه للكراهة، مما لا يُلتفت إليه، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتهوّر بالاعتساف. وقد عرفت ما قلته في محاولة صاحب ((فتح الملهم)) في التأويل البارد، والتوجيه الكاسد، فلا تلتفت إليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب. (٢) - بَابُ تَشْبِهِ النبيِّ وَّهِ العَائِدَ فِي هِبَتِهِ بِالكَلْبِ، ... إلخ - حديث رقم (٤١٦٤ - ٤١٦٥) ٢٧٣ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤١٦٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ بْنِ الْحُسَيْنِ، يَذْكُرُ بِهَذَا الإِسْنَادِ (١) نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قبل بابين. ٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الإمام الحجة الثبت المجمع على جلالته [٨] (ت١٨١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٢/٥. والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية ابن المبارك عن الأوزاعيّ هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٦٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو، أَنَّ مُحَمَّدَ ابْنَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ حَدَّثَهُ بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: ابن يوسف بن حجاج الثقفيّ النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظ [١١] (ت٢٥٩) (م د) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٤٠. ٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، تقدّم قريباً. ٣ - (حَرْبُ) بن شدّاد اليشكريّ، أبو الخطّاب البصريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) اسم أبيه صالح بن المتوكل، تقدّم أيضاً قريباً. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أَنَّ مُحَمَّدَ ابْنَ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿) هذا مجاز؛ لأنها جدّته العليا، فإنه حفيد ابنها الحسين فيها، فتنبه. (١) وفي نسخة: ((فذكر بهذا الإسناد)). ٢٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات [تنبيه]: رواية يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن الأوزاعيّ هذه، ساقها النسائيّ في ((الكبرى))، فقال: (٦٥٢٤) - أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: حدّثنا عبد الصمد، قال: حدّثنا حرب، وهو ابن شدّاد، قال: حدّثني يحيى، هو ابن أبي كثير، قال: حدّثني عبد الرحمن بن عمرو، هو الأوزاعيّ، أن محمداً، وهو ابن عليّ بن حسين ابن فاطمة بنت رسول الله وَ ﴿ حدّثه عن سعيد بن المسيِّب، عن ابن عباس، أن النبيّ وَّ قال: ((مَثَلُ الذي يتصدق بالصدقة، ثم يرجع فيها، كمثل الكلب قاء، ثم عاد في قيئه، فأكله)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّل الكتاب قال: [٤١٦٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثْنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - عَنْ بُكَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ إِلَّه يَقُولُ: ((إِنَّمَا مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ، ثُمَّ يَعُودُ فِي صَدَقَتِهِ، كَمَثَلِ الْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَأْكُلُ قَيََّ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. ٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التستريّ، صدوقٌ تُكُلّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ الحافظ الحجة، تقدّم قبل باب. ٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. (١) ((سنن النسائي الكبرى)) ٤/ ١٢٢. ٢٧٥ (٢) - بَابُ تَشْبِيهِ النبيِّوَِّ العَائِدَ فِي هِبَتِهِ بِالكَلْبِ، ... إلخ - حديث رقم (٤١٦٧ - ٤١٦٨) ٥ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت١٢٠) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٤/ ٥٥٤. والباقيان ذُكرا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَقُ أوّل الكتاب قال: [٤١٦٧] (.) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (١)، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ أَنَّهُ قَالَ: ((الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدٍ فِي قَيْئِهِ))). رجال هذا الإسناد: سبعة: وکلّهم ذكروا في الباب، وقبل بابين. وقوله: (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِّهِ) زاد في رواية أبي داود ما نصّه: (وقال قتادة: لا نعلم القيء إلا حراماً)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى، ولله تعالى الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٦٨] (.) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦. ٢ - (سَعِيدٌ) بن أبي عروبة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. (١) هو المعروف بغندر، وقد غلط صاحب ((تكملة فتح الملهم))، حيث ظنه محمد بن جعفر بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ، وليس كذلك، فتنبّه. ٢٧٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات والباقيان ذُكرا قبله. [تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة هذه ساقها النسائيّ في ((الكبرى))، فقال: (٦٥٢٧) - أخبرنا أبو الأشعث(١)، قال: حدّثنا خالدٌ(٢)، قال: حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيِّب، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله : ((العائد في هبته، كالعائد في قيئه)). انتهى (٣). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنّة. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٦٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَجه قَالَ: ((الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبٍ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِ»). رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (الْمَخْزُومِيُّ) هو: المغيرة بن سلمة، أبو هشام البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ من صغار [٩] (ت٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. والباقون ذُكروا في الباب، وقبل أربعة أبواب، و((إسحاق بن إبراهيم)) هو: ابن راهويه. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد والمنة. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣) - (بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلِ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ) [٤١٧٠] (١٦٢٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الثَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، يُحَدِّثَانِهِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَقَالَ: (١) هو: أحمد بن المقدام العجليّ. (٣) ((سنن النسائي الكبرى)) ١٢٣/٤. (٢) هو: ابن الحارث الْهُجيميّ. ٢٧٧ (٣) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلٍ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ - حديث رقم (٤١٧٠) إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَاماً، كَانَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَكُلَّ وَلَدَِ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟))، فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فَارْجِعْهُ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ، تقدّم قبل باب. ٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قبل باب. ٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ، تقدّم أيضاً قبل باب. ٤ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ، ثقة [٣]. رَوَى عن أبيه، وجدّه، ورَوَى عنه الزهريّ، مقروناً بحميد بن عبد الرحمن. قال العجليّ: مدنيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبّان في ((الثقات))، وقد ذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة. رَوَى له الجماعة، سوى أبي داود هذا الحديث فقط مقروناً، ورواه النسائيّ وحده من حديث الزهريّ، عن محمد وحده عن جدّه بشير، قال الحافظ: وهو خطأ من الراوي عن الزهريّ، قال: وقرأت بخط الذهبيّ: حديثه عن جدّه مرسل. انتهى. وهذا بناء على روايته عنه. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: ((من حديث الزهريّ، عن محمد وحده)) هذا غير صحيح، فإن رواية النسائيّ مقرونة بحميد بن عبد الرحمن، كما هو مذكور برقم (٣٧٠٢) فليُتَنبّه . ٦ - (الُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابي ابن الصحابيّ حيها، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قُتل بحمص سنة (٦٥)، وله (٦٤) سنة، تقدمت ترجمته في ((الإيمان)) ٥٢٢/٩٧، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير محمد بن النعمان، فما أخرج له أبو ٢٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات داود، وأنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وشيخه وإن كان نيسابوريّاً إلا أنه دخل المدينة؛ للأخذ عن مالك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّين، والابن عن أبيه، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) بن سعد ◌ًِّا، قال في ((الفتح)): كذا لأكثر أصحاب الزهريّ، وأخرجه النسائيّ من طريق الأوزاعيّ عن ابن شهاب: أن محمد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن حدّثاه عن بشير بن سعد، جعله من مسند بشير، فشَذَّ بذلك، والمحفوظ أنه عنهما عن النعمان، وبشيرٌ والد النعمان، هو ابن سعد بن ثعلبة بن الْجُلاس - بضم الجيم، وتخفيف اللام - الخزرجيّ، صحابيّ شهير، من أهل بدر، وشهد غيرها، ومات في خلافة أبي بكر سنة ثلاث عشرة، ويقال: إنه أولُ من بايع أبا بكر من الأنصار، وقيل: عاش إلى خلافة عمر. وقد رَوَى هذا الحديث عن النعمان عدد كثير من التابعين، منهم عروة بن الزبير، عند مسلم، والنسائيّ، وأبي داود، وأبوِ الضُّحَى عند النسائيّ، وابن حبان، وأحمد، والطحاويّ، والمفضَّل بن المهلَّب، عند أحمد، وأبي داود، والنسائيّ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، عند أحمد، وعون بن عبد الله، عند أبي عوانة، والشعبيّ في ((الصحيحين))، وأبي داود، وأحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، وابن حبان، وغيرهم، ورواه عن الشعبيّ عدد كثير أيضاً، قال: وسأذكر ما في رواياتهم من الفوائد الزائدة على هذه الطريق مفصلاً - إن شاء الله تعالى - (١) انتھی(١). قال الجامع عفا الله عنه: وأنا أيضاً سأذكر تلك الفوائد تبعاً للحافظ تَظّتُهُ وغيره. (أَنَّهُ)؛ أي: النعمان ◌َبه (قَالَ: إِنَّ أَبَاهُ أَتَّى بِهِ رَسُولَ اللهِ وَّ﴿) بالنصب على المفعوليّة، وفي رواية الشعبيّ الآتية: ((تصدّق عليّ أبي ببعض ماله، فقالت (١) ((الفتح)) ٤٣٨/٦، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٥٨٦). ٢٧٩ (٣) - بَابُ كَرَاهَةٍ تَفْضِيلِ بَعْضِ الأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ - حديث رقم (٤١٧٠) أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشْهِد رسول الله وَّر، فانطلق أبي إلى النبيّ وَ﴿؛ ليُشهده على صدقتي))، وقد تبيّن في رواية أبي حيّان التيميّ، عن الشعبيّ سبب سؤالها شهادة رسول الله وَله، قال: حدّثني النعمان بن بشير: ((أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهبة لي من ماله، فالْتَوَى بها سنةً)) - أي: مَطَلها - وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: ((بعد حولين))، قال الحافظ وَُّهُ: ويُجْمَع بينهما بأن المدة كانت سنة وشيئاً فجَبَر الكسر تارةً، وألغى أخرى، قال: ((ثم بدا له، فقالت: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله بَّه على ما وهبتَ لابني، فأخذ أبي بيدي، وأنا يومئذ غلام)). وفي رواية داود بن أبي هند، عن الشعبيّ، عن النعمان: ((انطلق بي أبي يَحملني إلى رسول الله وَ﴿))، ويُجمَع بينهما بأنه أخذ بيده، فمشى معه بعض الطريق، وحمله في بعضها؛ لصغر سنه، أو عَبَّر عن استتباعه إياه بالحمل. وقد تبيّن من رواية الباب أن العطية كانت غلاماً، وكذا في رواية ابن حبان المذكورة، وكذا لأبي داود من طريق إسماعيل بن سالم، عن الشعبيّ، وكذا في رواية عروة، وحديث جابر الآتيين عند مسلم. ووقع في رواية أبي حَرِیز - بمهملة، وراء، ثم زاي، بوزن عظيم - عند ابن حبان، والطبرانيّ، عن الشعبيّ أن النعمان خطب بالكوفة، فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبيّ رَّه، فقال: إن عمرة بنت رواحة نُفِسَت بغلام، وإني سميته النعمان، وإنها أبت أن تربّيه حتى جعلتُ له حديقة من أفضل مالٍ هو لي، وإنها قالت: أشهدْ على ذلك رسول الله وَ له، وفيه قوله وَليقول: ((لا أشهد علی جَوْر)). وجَمَع ابن حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين: إحداهما عند ولادة النعمان، وكانت العطية حديقة، والأخرى بعد أن كَبِر النعمان، وكانت العطية عبداً، قال الحافظ: وهو جمع لا بأس به، إلا أنه يَعْكُر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة، حتى يعود إلى النبيّ وَ ل9، فيستشهده على العطية الثانية بعد أن قال له في الأولى: ((لا أشهد على جَوْر))، وجَوَّز ابن حبان أن يكون بشير ظنّ نسخ الحكم، وقال غيره: يَحتَمِل أن يكون حَمَل الأمر الأول على كراهة التنزيه، أو ظَنّ أنه لا يلزم من الامتناع في ٢٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات الحديقة الامتناع في العبد؛ لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد. قال الحافظ تَّلُ: ثم ظهر لي وجه آخر من الجمع يَسْلَم من هذا الخدش، ولا يحتاج إلى جواب، وهو أن عمرة لما امتنعت من تربيته إلا أن يَهَب له شيئاً يخصّه به، وَهَبَه الحديقة المذكورة تطييباً لخاطرها، ثم بدا له، فارتجعها؛ لأنه لم يقبضها منه أحد غيره، فعاودته عمرة في ذلك، فمطلها سنة أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاماً، ورضيت عمرة بذلك، إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضاً، فقالت له: أشهدْ على ذلك رسول الله 8﴿ تريد بذلك تثبيت العطية، وأن تأمَن من رجوعه فيها، ويكون مجيئه إلى النبيّ وَّ للإشهاد مرّةً واحدةً، وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة حَفِظ ما لم يَحْفَظ بعضٌ، أو كان النعمان يَقُصّ بعض القصة تارةً، ويقصّ بعضها أخرى، فسمع كلٌّ ما رواه، فاقتصر عليه، والله أعلم. قال الشوكانيّ ◌َُّ بعد نقل جَمْع الحافظ المذكور ما نصّه: ولا يخفى ما في هذا الجمع من التكلّف. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا تكلّف في الجمع المذكور، بل هو أولى من غيره، فتأمله، والله تعالى أعلم. (فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ) - بفتح النون، والمهملة - والنِّحْلة - بكسر النون، (غُلَاماً. وسكون المهملة -: العطيّة بغير عوض (ابْنِي هَذَا)؛ يعني: النعمان كَانَ لِي) قال القرطبيّ كَُّ: كان هذا النُّحل منه بعدما سألته أمه، وهي عمرة بنت رواحة بعض الموهبة من ماله، كما قال في الرواية الأخرى. انتهى (٢). (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَكُلَّ وَلَدَِ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا؟)) وفي رواية أبي حيّان التيميّ، عن الشعبيّ: ((فقال رسول الله مَّر: يا بشير ألك ولد سوى هذا؟، قال: نعم))، وقال مسلم لمّا رواه من طريق الزهريّ: أما يونس، ومعمر فقالا: ((أكلّ بنيك))، وأما الليث، وابن عيينة فقالا: ((أكلّ ولدك)). قال في ((الفتح)): ولا منافاة بينهما؛ لأن لفظ الولد يشمل ما لو كانوا ذكوراً أو إناثاً وذكوراً، وأما لفظ البنين فإن كانوا ذكوراً فظاهر، وإن كانوا إناثاً (١) ((نيل الأوطار)) ١٨٩/١١. (٢) ((المفهم)) ٤/ ٥٨٤.