النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ (٤) - بَابٌ: ((مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ) - حديث رقم (٤١٥٣) ٣ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. والباقيان ذُکرا قبله. شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) أنه (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وََّ) قد تقدّم شرح هذا الكلام غير مرّة، وهو إشارة إلى أن هذا الحديث مأخوذ من ((صحيفة)) همّام بن منبّه، وهي مطبوعة اليوم مستقلّة، وهذا الحديث فيها هو الحديث (١٢١) وفيها: ((فأيكم ترك ديناً أو ضيعةً، فادعوني، فإني وليّه، وأيكم ما ترك مالاً ... )) من غير زيادة ((ما)) في الأول دون الثاني. (فَذَكَرَ) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير همّام، وقوله: (أَحَادِيثَ) منصوب على المفعوليّة وقوله: (مِنْهَا) جارّ ومجرور خبر مقدّم لقوله: (وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّ) إذ هو محكيّ لقصد لفظه مبتدأ مؤخّر ((أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ) قال الحافظ وليّ الدين تَخْذُ: إنما قَيَّد ذلك بالناس؛ لأن الله تعالى أولى بهم منه، وقوله: (فِي كِتَابِ اللّهِ رَكَ) أشار به إلى قوله تعالى: ﴿الَِّىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِينَ مِنْ أَنفُسِمِّ﴾ [الأحزاب: ٦]، وقد صَرَّح بذلك في رواية البخاريّ، من طريق عبد الرحمن بن أبي عمرة، بلفظ: ((ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى ◌ِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾)). [فإن قلت]: الذي في الآية الكريمة أنه أولى بهم من أنفسهم، ودلّ الحديث على أنه أولى بهم من سائر الناس، ففيه زيادة. [قلت]: إذا كان أولى بهم من أنفسهم، فهو أولى بهم من بقية الناس، من بابٍ أولى؛ لأن الإنسان أولى بنفسه من غيره، فإذا تقدم النبيّ وَّ على النفس، فتقدُّمه في ذلك على الغير من طريق أولى، وحكى ابن عطية في ((تفسيره)) عن بعض العلماء العارفين أنه قال: هو أولى بهم من أنفسهم؛ لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة، قال ابن عطية: ويؤيد هذا قوله : ((وأنا آخذ بِحُجَزكم عن النار، وأنتم تقحمون فيها ٢٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض تَفَخُّم الفراش))(١) (٢). [تنبيه]: قال وليّ الدين ◌َّتُهُ: اسَتْنَبط أصحابنا الشافعية من هذه الآية الكريمة أن له - عليه الصلاة والسلام - أن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما، إذا احتاج - عليه الصلاة والسلام - إليهما، وعلى صاحبهما البذل، ويَقْدِي بِمُهْجَته مهجة رسول الله بَّه، وأنه لو قصده بَّ ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه، وهو استنباط واضح. قال: ولم يذكر النبيّ وَل عند نزول هذه الآية ما له في ذلك من الحظ، وإنما ذكر ما هو عليه فقال: ((أيكم ما ترك ديناً، أو ضيعةً، فادعوني، فأنا وليه))، وترك حظه، فقال: ((وأيكم ما ترك مالاً فليؤثر عصبته من كان)). انتھی (٣) (فَأَيُّكُمْ مَا تَرََكَ دَيْناً) ما زائدة للتأكيد (أَوْ ضَيْعَةً) - بفتح الضاد، وإسكان الياء المثناة من تحتُ بعدها عين مهملة - وفي رواية أخرى: ((ضياعاً)) - بفتح الضاد - والمراد بهما هنا: عيال محتاجون ضائعون، والمعنى: مَن ترك أولاداً أو عيالاً ذوي ضياع؛ أي: لا شيء لهم، وهو في الأصل مصدر مِنْ ضاع يضيع، وجُعِل اسماً لكل ما يُعَرَّض للضَّياع، وكذا قوله في رواية أخرى: (كَلّاً))، وهو بفتح الكاف، وتشديد اللام، قال الخطابيّ وغيره: المراد به هنا: العيال، وأصله الثّقَلُ. انتهى. وقال القرطبيّ نَّثُهُ: والضياع: العيال؛ قاله النضر بن شُمَيل، وقال ابن قتيبة: هو مصدر ضاع يضيع، ضياعاً، ومثله: مضى يمضي مضاءً، وقضى يقضي قضاءً، أراد: من ترك عيالاً عالة وأطفالاً، فجاء بالمصدر موضع الاسم؛ كما تقول: ترك فقراً؛ أي: فقراء. والضياع - بالكسر -: جمع ضائع؛ مثل: جائع وجياع، وضيعة الرجل أيضاً: ما يكون منه معاشه؛ من صناعة أو غلة؛ قاله الأزهري. وقال شمر: ويدخل فيه: التجارة والحرفة، يقال: ما (١) متفقٌ عليه بنحوه. (٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٩٥/٦. (٣) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٩٦/٦. ٢٤٣ (٤) - بَابٌ: ((مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ) - حديث رقم (٤١٥٣) ضيعتك؟ فتقول: كذا. انتهى(١). (فَادْعُونِي، فَأَنَا وَلِيُّهُ) قال ابن عطية نَّتُهُ: أزال الله بهذه الآية أحكاماً كانت في صدر الإسلام: منها أن النبيّ وَّ﴿ كان لا يصلي على ميت عليه دَين، فقال حين نزلت هذه الآية: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً أو ضَيَاعاً فعليّ، أنا وليّه، اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى پآڵمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ))). انتهى. قال وليّ الدين: والذي تقدم من ((الصحيحين)) وغيرهما أنه مس* فَعَل ذلك حين فَتْحِ الفتوح، واتساع الأموال، وكيف كان فهذا الحكم، وهو امتناعه وَله من الصلاة على من مات، وعليه دين منسوخ بلا شكّ، فصار يصلي عليه، ويُوَفِّي دينه، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وهل كان ذلك محرَّماً عليه أم لا؟ فيه خلاف لأصحابنا الشافعية، حكاه أبو العباس الرويانيّ في ((الجرجانيات))، وحَكَى خلافاً أيضاً في أنه هل كان يجوز له أن يصلي مع وجود الضامن؟ وقال النوويّ: الصواب الجزم بجوازه مع وجود الضامن. انتھی . والظاهر أن ذلك لم يكن محرَّماً عليه، وإنما كان يفعله لِيُحرِّض الناس على قضاء الدَّين في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منه؛ لئلا تفوتهم صلاة النبيّ ◌َّ﴿ عليهم، فلما فَتَحَ الله عليه الفتوح، صار يصلي عليهم، ويقضي دَين من لم يَخْلُف وفاءً كما تقدم، والله أعلم. (وَأَيُّكُمْ مَا تَرَكَ مَالاً) ((ما)) زائدة، كما تقدّم، وذِكْر المال خرج مخرج الغالب، فإن الحقوق تورّث، كالأموال، قاله وليّ الدين تَخْذُ(٢). وقوله: (فَلْيُؤْثَرْ بِمَالِهِ) ببناء الفعل للمجهول، من الإيثار، ونائب فاعله قوله: (عَصَبَتُهُ)؛ يعني: أنه ينبغي أن يؤثر عصبته بماله، فيُدفع إليهم، وفي رواية ((فليُورّث)) من التوريث، قال وليّ الدين كَّلُهُ: قوله: ((فليورث)) بضم الياء، وفتح الواو والراء، وتشديدها، وقوله: ((عصبتُهُ)) مرفوع لنيابته عن الفاعل، ويَحْتَمِل نصبه، ويكون النائب عن الفاعل ضميراً يعود على الميت - أي: (١) ((المفهم)) ٥٠٩/٢. (٢) ((طرح التثريب)) ٦/ ١٩٧. ٢٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض فيكون ((عصبته)) مفعولاً ثانياً - أي: فليورّث هو عصبتَهُ، والأول هو المعروف. انتھی. وقوله: (مَنْ كَانَ)))؛ أيّ: أيّاً كان ذلك العصبة؛ يعني: أنه يُعطى المال للعصبة من غير نظر إلى أوصافهم، وقال الكرمانيّ ◌َّتُ: فإن قلت: قد يكون لأصحاب الفروض. قلت: هم مقدّمون على العصبة، فإذا كان للأبعد فبالطريق الأَولى للأقرب أيضاً. انتهى(١). وقال وليّ الدين: قوله: ((من كان))؛ أي: العصبة هذا على الإعراب الأول، ويدلّ له قوله في الرواية الأخرى: ((من كانوا))، وعلى الاحتمال الذي قدمناه - يعني: نصب ((عصبتَه)) - يكون المراد: من كان الميت. و((العصبة)): الأقارب من جهة الأب، كذا عرّفه أهل اللغة، ومنهم الجوهريّ، وصاحب ((النهاية))، قال الجوهريّ: وإنما سُمُّوا عصبة؛ لأنهم عَصَبوا به؛ أي: أحاطوا به، فالأب طرف، والابن طرف، والعم جانب، والأخ جانب. وقال صاحب ((النهاية)): لأنهم يعصبونه، ويعتصب بهم؛ أي: يحيطون به، ویشتدّ بهم. وقال صاحب ((المحكم)): العصبة: الذين يرثون الرجل عن كلالة من غير والد، ولا ولد، فأما في الفرائض: فكل من لم يكن له فريضة مسماة، فهو عصبة، إن بقي شيء بعد الفرض أخذ. وقال صاحب ((المشارق): عصبة المواريث: هم الكلالة من الورثة، من عدا الآباء والأبناء الأدنياء، وتكون أيضاً في المواريث: كلُّ من ليس له فرض مسمى، وكلام الجوهريّ يقتضي أن العصبة مفرد، فإنه قال: إن جمعه العصبات، وحكى القاضي في ((المشارق)) أنه قيل: إن العصبة جماعة، ليس لها واحد. قال: وعَرَّف أصحابنا الفقهاء العصبة بأنه من وَرِث بالإجماع، ولا فرض (١) ((شرح الكرمانيّ على صحيح البخاري)) ١٦٧/٢٣. ٢٤٥ (٤) - بَابٌ: ((مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ) - حديث رقم (٤١٥٣) له، واحترزوا بقولهم: بالإجماع عن ذوي الأرحام، فإن مَن وَرَّثهم لا يسميهم عصبة . وأُورد على هذا التعريف أمران: [أحدهما]: أن لنا من يرث بالتعصيب، وهو ذو فرض، كابن عمّ، هو أخ لأم، أو زوج. [الثاني]: أن لنا من في إرثه خلاف، وهو عند من ورَّثه عصبة، كالقاتل، والتوأمين المنفيين باللعان، فينبغي أن يقال: من ورَّث لِمُجْمَع على التوريث بمثله بلا تقدیر. ثم قَسَمَ أصحابنا العصبة: إلى عصبة بنفسه، وعصبة بغيره، ومنهم من زاد قسماً ثالثاً، وهو عصبة مع غيره. وعَرَّف جماعة، منهم أبو إسحاق الشيرازيّ، والرافعيّ العصبة بنفسه بأنه كلُّ ذكر يُدلي إلى الميت بغير واسطة، أو بتوسط محض الذكور، وأورد على هذا أنه يتناول الزوج، فإنه يدلي إلى الميت بغير واسطة، مع أنه ليس عصبة، ويُخرج عنه المولاة المعتقة، مع أنها عصبة، ولهذا قال النوويّ: ينبغي أن يقال: هو كلُّ ذَكَرٍ نَسِيب إلى آخر ما تقدم. انتهى(١). وقال وليّ الدين تَخُّْ أيضاً: قوله: ((فليُوَرَّث عصبته)) هو مثل قوله في رواية مسلم: ((فإلى العصبة من كان))، وفي رواية للبخاري: ((فماله لموالي العصبة))، والظاهر أنه من إضافة الموصوف لصفته، وأصله للموالي العصبة، واحترز بذلك عن الموالي الذين ليسوا عصبة، فقد يكون الرجل مولى بقرابة إناث، أو بإعتاق من أسفل، أو بنصر، أو بغير ذلك، وليس عصبة، فلا إرث له، وفي رواية أخرى في ((الصحيحين)): ((فلورثته))، وهذه أعمّ؛ لتناولها أصحاب الفروض أيضاً، وذوي الأرحام عند من يورِّثهم، والظاهر أنه إنما اقتصر في الرواية الأخرى على العصبة؛ لوضوح أمر أصحاب الفروض، والنص على توريثهم في القرآن الكريم. انتهى. وقال أيضاً: استدَلَّ به البخاريّ على أن المرأة إذا تُوفِيت عن ابني عم، (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٩٧/٦ - ١٩٨. ٢٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض أحدهما أخ لأم، والآخر زوج، أن للزوج النصف، وللأخ من الأم السدس، والباقي بينهما نصفين، وحكاه عن عليّ بن أبي طالب، ووجهه أنهما متساويان في العصوبة، فيقسم الباقي بعد فرضيها بينهما نصفين؛ لأنه وَ لّ قال: ((فماله للعصبة))، فلا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر في ذلك بلا مرجح، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعيّ، وفي وجه في مذهب الشافعيّ أن الباقي كله للأخ من الأم؛ لزيادته بقرابة الأم، فأشبه الأخ الشقيق مع الأخ للأب، وهذا ضعيف، والله أعلم. انتهى(١). [تنبيه]: قال الحافظ وليّ الدين كَُّ: هذا الحديث أخرجه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، وأخرجه الأئمة الستة خلا أبا داود، من طريق الزهريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: ((أن رسول الله وَلو كان يؤتى بالرجل المتوفَّى، عليه الدَّين، فيسأل هل ترك لدينه فضلاً؟ فإن حُدِّث أنه ترك لدينه وفاءً، وإلا قال للمسلمين: صلوا على صاحبكم، فلما فَتَحَ الله عليه الفتوح، قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من تُوُفِّي من المؤمنين، فترك ديناً فعليّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته))، لفظ البخاريّ، وقال الباقون: ((قضاءً)) بدل ((فضلاً))، وكذا هو عند بعض رواة البخاريّ. وأخرجه الشيخان، وأبو داود من رواية أبي حازم، عن أبي هريرة، بلفظ: ((من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كَلّاً فإلينا))، وفي لفظ لمسلم: ((وَلِيتُهُ)). وأخرجه البخاريّ، والنسائيّ من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، بلفظ: ((أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وترك مالاً، فماله لموالي العصبة، ومن ترك كَلّاً أو ضَيَاعاً فأنا وليّه، فَلْأُدْعَى(٢) له)). وأخرجه البخاريّ من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، بلفظ: ((ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾، فأيما مؤمن مات وترك مالاً، فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دَيناً، أو ضَيَاعاً، فليأتني، فأنا مولاه)). (١) ((طرح التثريب)) ١٩٧/٦ - ١٩٨. (٢) كذا في النسخة، والظاهر أنه «فلْأُدْعَ)) بحذف الألف للجزم، فليُتُنّه. ٢٤٧ (٤) - بَابٌ: ((مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ)) - حديث رقم (٤١٥٤) وأخرجه مسلم من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، بلفظ: ((والذي نفس محمد بيده، إِنْ على الأرض من مؤمن، إلا وأنا أولى الناس به، فأيكم ما ترك دَيناً، أو ضَيَاعاً، فأنا مولاه، وأيكم ما ترك مالاً فإلى العصبة من كان)). انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٥٤] (.) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا حَازِمُ(٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلِلْوَرَثَةِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلَّّ فَإِلَيْنَا»). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣٧) (خ م د س) تقدّم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان العنبري، أبو المثنَّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌّ، من كبار [٩] (ت١٩٦) (ع) تقدّم في ((المقدمة)) ٧/٣. ٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عَدِيُّ) بن ثابت الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٤] (ت١١٦) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. ٥ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ١٤٢/٩. ٦ - (أبو هريرة) صُله، تقدم قريباً. وقوله: (كَلّاً) - بفتح الكاف، وتشديد اللام - المراد به هنا العيال، كما تقدّم. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((طرح التثريب)) ١٩٤/٦ - ١٩٥. (٢) وفي نسخة: ((عَنْ عَدِيٍّ سَمِعَ أَبَا حَازِمٍ). ٢٤٨ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَلُ أوّل الكتاب قال: [٤١٥٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي: ابْنَ مَهْدِيٍّ - قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ غُنْدَرٍ: ((وَمَنْ تَرَكَ كَلَّّ وَلِيتُهُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠٠) تقدّم في ((الإيمان)) ١٥٨/١٢. ٢ - (غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قبل باب. والباقيان ذُكرا في الباب. [تنبيه]: رواية غندر، عن شعبة ساقها الإمام أحمد في ((مسنده)) مقروناً بشعبة، فقال : (٩٨٧٦) - حدّثنا عبد اللهِ، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جَعْفَرٍ، وَبَهْزٌ، قَالَا: ثنا شُعْبَةُ، عن عديّ بن ثَابِتٍ، قال بَهْزٌ في حَدِيثِهِ: قال: ثنا عديُّ بن ثَابِتٍ، قال: سمعت أَبَا حَازِمِ عِن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبيّ وَّهِ أنه قال: ((من تَرَكَ مَالاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كلََّ وُلِّيْتُهُ))، قال بَهْزُ: ((وَمَنْ تَرَكَ كلَّا فَإِلَيْنَا)). انتهى. وأما رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة، فلم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . ٢٤٩ ٢٣ - كتاب الهبات ٢٣ - (كِتَابُ الْهِبَاتِ) أي: هذا كتاب في بيان الأحاديث الدالّة على أحكام الهبات. و((الْهِبَاتُ)): جمع هِبَة - بكسر الهاء، وتخفيف الموحّدة، قال الفيّوميّ تَخُّْهُ: وهَبْتُ لزيد مالاً أهَبُهُ له هِبَة: أعطيته بلا عوض، يتعدَّى إلى الأول باللام، وفي التنزيل: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَآءُ إِنَئًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذُّكُرَ﴾ [الشورى: ٤٩]، ووَهْباً بفتح الهاء، وسكونها، ومَوْهِباً، ومَوْهِبَةً بكسرهما، قال ابن الْقُوطِيّة، والسَّرَقُسْطِيُّ، والْمُطَرِّزِيُّ، وجماعة: ولا يتعدّى إلى الأول بنفسه، فلا يقال: وَهَبْتُكَ مالاً، والفقهاء يقولونه، وقد يُجْعَل له وجهٌ، وهو أن يُضَمَّن وَهَبَ معنى جَعَلَ(١)، فيتعدّى بنفسه إلى مفعولين، ومن كلامهم: وَهَبَنِي الله فداك؛ أي: جعلني(٢)، لكن لم يُسْمَع في كلام فصيح، وزيد مَوْهُوبٌ له، والمال مَوْهُوبٌ، واتّهَبْتُ الهِبةَ: قبلتها، واسْتَوهَبْتُها: سألتها، وتَوَاهَبُوا: وَهَبَ بعضهم لبعض. انتهى (٣) . وقال الإمام البخاريّ تَكْثُ في ((صحيحه)): ((كتاب الهبة، وفضلها، والتحريض عليها)). قال في ((الفتح)): ((الهبة)) - بكسر الهاء، وتخفيف الباء الموحّدة - تُظْلَق (١) اعترض بعضهم هذا - كما في هامش ((المصباح)) - فقال: جَعَلَ الناصبة مفعولين لا يُمكن تضمين معناها وَهَبَ؛ إذ يُشترط أن يكون مفعولاها مبتدأ وخبراً في الأصل، والمال لا يُخبر به عن زيد، ولو قال: بتضمين وَهَبَ معنى ((أعطى)) كان قريباً من الصواب. انتهى، وهو تعقّب وجيهٌ، فتأمّل. (٢) تعقّبه في الهامش بأن ((وهب)) هنا بمعنى صَيَّرَ، ولا يصحّ أن يقال: وهبت زيداً مالاً، بمعنى صيّرت زيداً مالاً. انتهى. (٣) ((المصباح المنير)) ٦٧٣/٢ - ٦٧٤. ٢٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات بالمعنى الأعم على أنواع الإبراء، وهو هبة الدَّين ممن هو عليه، والصدقة، وهي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة، والهدية، وهي ما يُكْرَم به الموهوب له، ومن خَصّها بالحياة أخرج الوصية، وهي تكون أيضاً بالأنواع الثلاثة، وتُظْلَق الهبة بالمعنى الأخصّ على ما لا يُقْصَد له بدل، وعليه ينطبق قول مَن عَرَّف الهبة بأنها تمليك بلا عوض، وصنيع البخاريّ محمول على المعنى الأعم؛ لأنه أدخل فيها الهدايا. انتهى(١). وقال في ((العمدة)): قال في ((التوضيح)): أصل الهبة من هبوب الريح؛ أي: مروره، قلت(٢): هذا غلط صريح، بل الهبة مصدرٌ من وَهَب يَهَبُ، وأصلها وِهْبٌ؛ لأنه معتل الفاء؛ كالعِدَة، أصلها وِعْدٌ، فلما حُذفت الواو تبعاً لفعله، عُوِّضت عنها الهاء، فقيل: هِبَةٌ، وعِدَةٌ. ومعناها في اللغة: إيصال الشيء للغير بما ينفعه، سواء كان مالاً، أو غير مال، يقال: وهبت له مالاً، ووهب الله فلاناً ولداً صالِحاً، ويقال: وهبه مالاً أيضاً، ولا يقال: وهب منه، ويسمى الموهوب هِبَةً، ومَوْهِبَةً، والجمع: هِبَات، ومَوَاهِب، واتَّهَبه منه: إذا قبله، واستوهبه إياه: إذا طلب الهبة. وفي الشرع: الهبة تمليك المال بلا عوض، وقال الكرمانيّ: الهبة تمليك بلا عوض، وتحتها أنواع، كالإبراء، وهي هبة الدَّين ممن عليه، والصدقة، وهي الهبة لثواب الآخرة، والهدية، وهي ما يُنقَل إلى الموهوب منه إكراماً له. قال: وأخذ بعضهم كلام الكرمانيّ هذا، وذكر التقسيم المذكور بعد أن قال: الهبة تُطلَق بالمعنى الأعمّ على أنواع، ثم قال: وتطلق الهبة بالمعنى الأخصّ على ما لا يُقصد له بدل، وعليه ينطبق قول مَن عَرَّف الهبة بأنها تمليك بلا عوض. انتهى. قلت(٣): تقسيم الهبة إلى الأنواع المذكورة ليس بالنظر إلى معناها الشرعيّ، وإنما هو بالنظر إلى معناها اللغويّ؛ لأن الأنواع المذكورة إنما تنطبق (١) ((الفتح)) ٤١٥/٦، كتاب ((الهبة)) رقم (٢٥٦٦). (٢) القائل هو: العينيّ نَّثُ، وهو صاحب ((عمدة القاري)). (٣) القائل: العينيّ. ٢٥١ (١) - بَابُ كَرَاهَةِ شِرَاءِ الإِنْسَانِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٥٦) على المعنى اللغويّ، لا الشرعيّ، فافهم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: اعتراض العينيّ على الحافظ في غير محلّه، فإنه لم يقل: إن هذا الإطلاق شرعيّ، بل ظاهر سياقه أنه يريد المعنى اللغويّ، فتأمل كلامه بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق. وقال ابن قُدامةِ كَخْذُ في ((المغني)): الهبة، والصدقة، والهديّة، والعطيّة معانيها متقاربة، وكلُّها تمليك في الحياة بغير عوض، واسم العطية شامل لجميعها، وكذلك الهبةُ، والصدقةُ، والهديةُ متغايرة(٢)، فإن النبيّ ◌َچ ور كان يأكل الهديّة، ولا يأكل الصدقة، وقال في اللحم الذي تُصُدِّق به على بَرِيرة ◌َّا: (هو عليها صدقة، ولنا هدية))، فالظاهر أن من أعطى شيئاً يتقرب به إلى الله تعالى للمحتاج فهو صدقة، ومن دفع إلى إنسان شيئاً للتقرب إليه، والمحبة له، فهو هديّة، وجميع ذلك مندوب إليه، ومحثوث إليه، فإن النبيّ وَّ قال: (تهادَوْا تَحَابُّوا))(٣) . وأما الصدقة فما ورد في فضلها أكثر من أن يمكننا حصره، وقد قال تعالى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَّا هِىِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوَهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَنْخَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١](٤)، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) - (بَابُ كَرَاهَةِ شِرَاءِ الإِنْسَانِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٤١٥٦] (١٦٢٠) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ (١) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ)) ٦٤/٢٠. (٢) هكذا النسخة، ولعل الصواب: وأما الصدقة، والهبة، فمتغايرتان ... إلخ. (٣) حديث حسن، أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)). (٤) ((المغني)) لابن قُدامة كَتُهُ ٣٧٩/٥. ٢٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات عَتِيقٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ((لَا تَبْتَعْهُ، وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ، كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْتَبٍ) الْقَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدّمان عليه أحداً في ((الموظًا))، من صغار [٩] (ت٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدّم في «الطهارة» ١٧ / ٦١٧. ٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله الفقيه، إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير الْمُثبّتين [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨. ٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيه، كان يرسل [٣] (ت١٣٦) (ع) تقدّم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٤ - (أبوه)(١) أسلم الْعَدويّ، مولاهم، أبو خالد، ويقال: أبو زيد، قيل: إنه حبشيّ، وقيل: من سبي عين التمر، المدنيّ، ثقةُ مخضرم [٢]. أدرك زمن النبيّ وَل﴾، وروى عن أبي بكر، ومولاه عمر، وعثمان، وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وأبي عبيد، وحفصة ﴿ه، وغيرهم. وروى عنه ابنه زيد، والقاسم بن محمد، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم. قال ابن إسحاق: بعث أبو بكر عمر سنة (١١) فأقام للناس الحج، وابتاع فيها أسلم مولاه. وقال العجليّ: مدنيّ ثقةٌ، من كبار التابعين. وقال أبو زرعة: ثقة. وقال أبو عبيد: تُوُفّي سنة (٨٠)، وقال غيره: وهو ابن (١١٤) سنة. قال الحافظ: هذا حكاه البخاريّ، والفسويّ في ((تاريخهما)) عن إبراهيم ابن المنذر، عن زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وزاد: صلى عليه مروان، وهو يقتضي أنه مات قبل سنة (٨٠)، بل قبل سنة (٧٠)، ويدل له أن (١) هذه الترجمة كان محلّها في جـ٢٣ ص ٤٧٧، وإنما أُخْر إلى هنا سهواً، فليُتنبّه. (١) - بَابُ كَرَاهَةِ شِرَاءِ الإِنْسَانِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٥٦) ٢٥٣ البخاريّ ذكر ذلك في ((التاريخ الأوسط)) في فصل من مات بين الستين إلى السبعين، ومروان مات سنة (٦٤)، ونُفي من المدينة في أوائلها. ورَوَى ابن منده، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) بإسناد ضعيف أن أسلم سافر مع النبيّ وَّ، لكن يَحْتَمِل لو صح السند أن يكون أسلم آخر غير مولى عمر، وقد أوضحت ذلك في ((معرفة الصحابة)). وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة، وهو من جِلّة موالي عمر، وكان يُقدّمه. انتهى(١). ٥ - (عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) ◌َُه، تقدّم قبل بابين. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه مسلسل بالمدنيين من أوله إلى آخره، وشيخه وإن كان بصريّاً إلا أنه سكن المدينة أيضاً، ورجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وفيه رواية الابن عن أبيه عن مولاه، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عمر ظُه أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، والعشرة المبشرين بالجنة ﴿مّ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ) وفي رواية للبخاريّ، عن الحميديّ: ((حدّثنا سفيان، سمعت مالكاً يسأل زيد بن أسلم، فقال: سمعت أبي ... ))، فذكره مختصراً، ولمالك فيه إسناد آخر: عن نافع، عن ابن عمر، سيأتي بعد ثلاثة أحاديث، وله أيضاً فيه إسناد ثالث، عن عمرو بن دينار، عن ثابت الأحنف، عن ابن عمر، أخرجه ابن عبد البرّ، قاله في (الفتح))(٢). (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) وَظُه، وفي رواية البخاريّ: ((سمعت عمر بن الخطّاب ◌َظُه))، وزاد ابن المدينيّ عن سفيان: ((على المنبر))، وهي في ((الموطآت للدار قطنيّ))(٣). وهذا صريح في كون الحديث من مسند عمر ◌ُه، وأما الرواية الآتية عن نافع، عن ابن عمر، وكذا عن سالم، عنه، فإنها ظاهرة في كونه من مسند ابن (١) (تهذيب التهذيب)) ٢٣٣/١. (٢) ((الفتح)) ٤٧٥/٦ رقم (٢٦٢٣)، كتاب ((الهبة)). (٣) ((الفتح)) ٤٧٦/٦. . ٢٥٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات عمر خيرًا، وقد رجّح الدار قطنيّ الثانية، والصحيح أن رواية أسلم، عن عمر رضيَّه نفسِهِ، وأما رواية نافع، وسالم، فإنها عن ابن عمر ﴿ها. أفاده الحافظ تَُّهُ. (قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ) بفتحتين، قال الفيّومِيّ ◌َثْتُ: الفَرَسُ يقع على الذكر والأنثى، فيقال: هو الفَرَسُ، وهي الفَرَسُ، وتصغير الذكر: فُرَيْسٌ، والأنثى: فُرَيْسَةٌ، على القياس، وجُمعت الفَرَسُ على غير لفظها، فقيل: خيلٌ، وعلى لفظها، فقيل: ثَلَاثَةُ أَفْراس بالهاء للذكور، وثَلَاثُ أفْرَاسٍ، بحذفها للإناث، ويقع على التركيّ، والعربيّ، قال ابن الأنباريّ: وربما بنوا الأنثى على الذكر، فقالوا فيها: فَرَسَةٌ، وحكاه يونس سماعاً عن العرب. انتهى (١). وقوله: (عَتِيقٍ) - بفتح العين المهملة، وكسر المثنّاة -: الكريم الفائق من كل شيء، وهذا الفرس أخرج ابن سعد عن الواقديّ بسنده، عن سهل بن سعد في تسمية خيل النبيّ ◌َّ، قال: ((وأهدى تميم الداريّ له فرساً، يقال له: الورد، فأعطاه عمر، فحَمَل عليه عمر في سبيل الله، فوجده يباع ... )) الحديث، فعُرِف بهذا تسميته، وأصله، ولا يعارضه ما أخرجه مسلم، ولم يسق لفظه، وساقه أبو عوانة في ((مستخرجه)) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر حَمَل على فرس في سبيل الله، فأعطاه رسول الله وَلهـ رجلاً؛ لأنه يُحمل على أن عمر لما أراد أن يتصدق به، فَوَّض إلى رسول الله وَاهـ اختیار من یتصدق به علیه، أو استشاره فیمن یحمله علیه، فأشار به علیه، فُنُسبت إليه العطية؛ لكونه أمره بها، قاله في ((الفتح)). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قول عمر نظالله: ((حملت على فرس عتيق في سبيل الله)؛ يعني: أنه تصدَّق به على رجل ليجاهد عليه، ويتملِّكه، لا على وجه الحبس؛ إذ لو كان كذلك لما جاز له أن يبيعه، وقد وجده عمر ر ◌ُبه في السوق يباع، وقد قال وَله: ((لا تبتعه، ولا تَعُدْ في صدقتك))، فدلَّ على أنه مَلَّكه إِيَّاه على جهة الصَّدقة ليجاهد عليه في سبيل الله. والعتيق من الخيل: الكريم الأبوين. و((سبيل الله)): الجهاد هنا، وهو العُرْف فيه. انتهى (٢). (١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٦٧. (٢) ((المفهم)) ٥٧٨/٤. ٢٥٥ (١) - بَابُ كَرَاهَةٍ شِرَاءِ الإِنْسَانِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٥٦) (فِي سَبِيلِ اللهِ) وَّ، وفي رواية عُقيل، عن الزهريّ: ((أن عمر تصدّق بفرس))، والمعنى أنه ملّكه له، ولذا ساغ له بيعه، ومنهم من قال: كان عمر قد حبسه، وإنما ساغ للرجل بيعه؛ لأنه حصل فيه هُزَالٌ، عَجَزَ لأجله عن اللحاق بالخيل، وضعف عن ذلك، وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به، وأجاز ذلك ابن القاسم، ويدلّ على أنه تمليك قوله: ((ولا تَعُد في صدقتك))، ولو كان حبيساً لعلّله به، قاله في ((الفتح)). وقال في موضع آخر: قوله: ((في سبيل الله)) ظاهره أنه حمله عليه حَمْلَ تمليك؛ ليجاهد به؛ إذ لو كان حَمْل تحبيس لم يجز بيعه، وقيل: بلغ إلى حالة لا يمكن الانتفاع به فيما حُبس فيه، وهو مفتقر إلى ثبوت ذلك، ويدلّ على أنه تمليك قوله: ((العائد في هبته))، ولو كان حبساً لقال: في حبسه، أو وقفه، وعلى هذا فالمراد بسبيل الله: الجهاد، لا الوقف، فلا حجة فيه لمن أجاز بيع الموقوف إذا بلغ غاية لا يُتَصَوَّر الانتفاع به فيما وُقِف له. انتهى(١). (فَأَضَاعَهُ صَاحِبُهُ) ومعنى إضاعته له: أنه لم يحسن القيام عليه، وقَصَّر في مؤونته، وخدمته، وقيل: أي لم يَعْرِف مقداره، فأراد بيعه بدون قيمته، وقيل: معناه: استعمله في غير ما جُعل له، والأول أظهر، ويؤيده الرواية التالية من طريق رَوْح بن القاسم، عن زيد بن أسلم: ((فوجده عند صاحبه، وقد أضاعه، وكان قليل المال))، فأشار إلى علة ذلك، وإلى العذر المذكور في إرادة بيعه، قال عمر رظُه: ((فظننت أنه بائعه بِرُخْصٍ)). وقال القرطبيّ تَخُّْ: وقوله: ((فأضاعه صاحبه))؛ أي: فرَّط فيه، ولم يُحسن القيام عليه، وهذا الذي قلناه أَولى مِن قول مَن قال: إنه حبسٌ في سبيل الله، قال: وبيعه إنما كان لمّا أضاعه صاحبه صار بحيث لا يصلح للجهاد، وهذا هو الذي صار إليه مالك تفريعاً على القول بجواز تحبيس الحيوان أنه يباع إذا هَرِمَ، ويُستبدل بثمنه في ذلك الوجه المُحْبَس فيه، أو يعين بثمنه فيه، والقول الأول أظهر؛ لِمَا ذكرناه، ولأنه لو كان ذلك لسأل عن هذا الفرس، هل تغيَّر عن حاله أم لا؟ ولَنَظَر في أمره. انتهى(٢). (١) ((الفتح)) ٤٧٦/٦. (٢) ((المفهم)) ٥٧٨/٤ - ٥٧٩. ٢٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات (فَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ) - بضمّ، فسكون -: ضدّ الغَلَاء؛ أي: بثمن قليل، قال القرطبيّ كَظُّ: إنَّما ظن ذلك؛ لأنه هو الذي كان أعطاه إيَّاه، فتعلَّق خاطره بأنه يسامحه في ترك جزء من الثمن، وحينئذٍ يكون ذلك رجوعاً في عين ما تصدَّق به في سبيل الله، ولَمَّا فَهِم النبيّ وَّرَ هذا نهاه عن ابتياعه، وسَمَّى ذلك عَوْداً، فقال: ((لا تبتعه، ولا تَعُدْ في صدقتك)). انتهى. (فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِنَ﴿ عَنْ ذَلِكَ)؛ أي: عن حكم شرائه (فَقَالَ) وَّ: ((لا) ناهية، ولذا جُزم بها قوله: (تَبْتَعْهُ) وفي الرواية التالية: ((لا تشتره))، قال في ((الفتح)): سُمِّي الشراء عَوْداً في الصدقة؛ لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع في مثل ذلك للمشتري، فأُطلق على القدر الذي يُسامَح به رجوعاً، وأشار إلى الرُّخْص بقوله: ((وإن أعطاكه بدرهم))، ويستفاد من قوله: ((وإن أعطاكه بدرهم)) أن البائع كان قد ملكه، ولو كان مُحَبَّساً كما اذَّعاه بعضهم، وجاز بيعه؛ لكونه صار لا ينتفع به فيما حُبِّس له لَمَا كان له أن يبيعه إلا بالقيمة الوافرة، ولا كان له أن يسامح منها بشيء، ولو كان المشتري هو المحبّس، والله أعلم. وقد استشكله الإسماعيليّ، وقال: إذا كان شرط الواقف ما تقدم ذكره في حديث ابن عمر في وقف عمر: ((لا يباع أصله، ولا يوهب))، فكيف يجوز أن يباع الفرس الموهوب؟ وكيف لا يُنْهَى بائعه، أو يمنع من بيعه؟ قال: فلعل معناه أن عمر جعله صدقة، يعطيها من يرى رسول الله وَله إعطاءه، فأعطاها النبيّ ◌َّ﴿ الرجل المذكور، فجرى منه ما ذُكِر. ويستفاد من التعليل المذكور أيضاً أنه لو وجده مثلاً يباع بأغلى من ثمنه لم يتناوله النهي. انتهى. (وَلَا) ناهية أيضاً (تَعُدْ) - بضمّ العين: مضارع عاد إلى الشيء: إذا رجع إليه، قال الفيّوميّ: عاد إلى كذا، وعاد له أيضاً يعود عَوْدَةً، وعَوْداً: صار إليه، وفي التنزيل: ﴿وَلَوَّ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨](١)؛ أي: لا ترجع (فِي صَدَقَتِكَ) ثم عّل نهيه عن العود في صدقته، فقال: (فَإِنَّ الْعَائِدَ) الفاء للتعليل؛ أي: لأن الراجع (فِي صَدَقَتِهِ، كَالْكَلْبٍ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ))) الغرض من التشبيه تقبيح صورة (١) ((المصباح المنير)) ٤٣٦/٢. ٢٥٧ (١) - بَابُ كَرَاهَةِ شِرَاءِ الإِنْسَانِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٥٦) ذلك الفعل، وفي رواية: ((كالعائد في قيئه)) واستدلّ به على تحريم ذلك؛ لأن أكل القيء حرام، قال القرطبيّ: وهذا هو الظاهر من سياق الحديث، ويَحْتَمِل أن يكون التشبيه للتنفير خاصّة؛ لكون القيء مما يُستقذر، وهو قول الأكثرين، ويلتحق بالصدقة: الكفّارات، والنذر، وغيرهما من القربات، وأما إذا ورثه فلا کراهة، وأبعد من قال: یتصدّق به. انتهى. [تنبيه]: زاد في رواية سالم عند البخاريّ في آخر الحديث: ((ولهذا كان ابن عمر لا يترك أن يبتاع شيئاً تصدّق به إلا جعله صدقة))؛ يعني: أن ابن كان إذا اتَّفَق له أن يشتري شيئاً مما تَصَدّق به لا يتركه في ملكه حتى عمر رض يتصدّق به، وكأنه فهم أن النهي عن شراء الصدقة إنما هو لمن أراد أن يتملّكها، لا لمن يردّها صدقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): في درجته: حديث عمر ◌ُبه هذا متّفق عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٥٦/١ و٤١٥٧ و ٤١٥٨ و٤١٥٩ و٤١٦٠ و٤١٦١ و٤١٦٢] (١٦٢٠ و١٦٢١)، و(البخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤٨٩ و١٤٩٠) و((الهبة)) (٢٦٢٣ و٢٦٣٦) و((الوصايا)) (٢٧٧٥) و((الجهاد والسير)) (٢٩٧٠ و٢٩٧١ و٣٠٠٢ و٣٠٠٣)، و(أبو داود) في ((الزكاة)) (١٥٩٣)، و(الترمذيّ) في ((الزكاة)) (٦٦٨)، و(النسائيّ) في ((الزكاة)) (١٠٨/٥ و١٠٩) و((الكبرى)) (٢/ ٥٩)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام)) (٢٣٩٠ و٢٣٩٢)، و(مالك) في ((الموظّ)) (٦٢٤ و٦٢٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ٧ و٣٤ و٥٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥١٢٤ و٥١٢٥)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٥٢/٢ و٤٥١/٣ و٤٥٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٨٨/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥١/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم شراء الصدقة، وهو المنع؛ لأنه يكون رجوعاً عنها . ٢٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات ٢ - (ومنها): مشروعيّة الحمل في سبيل الله تعالى، والإعانة على الغزو بكل شيء . ٣ - (ومنها): أن الحمل في سبيل الله يكون تمليكاً، فيجوز للمحمول بیعه، والانتفاع بثمنه . ٤ - (ومنها): استعمال التشبيه في توضيح المسائل. ٥ - (ومنها): بيان فضل عمر رظُه، حيث امتنع من شراء صدقته، وقد وجدها تباع برخص، حتى استشار النبيّ وَّر، وعَلِم حكم الله في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم شراء الصدقة: ذهب الجمهور، ومنهم مالك، والكوفيون، والشافعيّ - كما قال ابن بطّال ـ إلى كراهة ذلك؛ لحديث الباب، وسواء كانت الصدقة فرضاً، أو تطوّعاً، فإن اشترى أحد صدقته لم يُفسخ بيعه، وأولى به التنزه عنها، وكذا قولهم فيما يخرجه المكفّر في كفّارة اليمين. وذهب قوم إلى جواز شرائها، ومنهم - كما قال ابن المنذر - الحسن، وعكرمة، وربيعة، والأوزاعيّ. وذهب قوم إلى تحريم ذلك، فلا يجوز لأحد أن يشتري صدقته، ويفسخ البيع، قال القرطبيّ وغيره: وهو الظاهر. انتهى (١). وقال القرطبيّ تَُّ: واختُلِف في هذا النَّهي؛ هل يُحمل على ظاهره من التحريم؟ لأنه يفهم من تشبيهه بالكلب التحريم؛ كما قال تعالى: ﴿فَثَلُهُ، كَمَثَلِ اَلْكَلْبِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، أو على الكراهة؛ لأن تشبيهه بالقيء إنما يدلُّ على الاستقذار والعيافة للنّفرة الموجودة من ذلك، لا أنه يحرم العود في القيء إلا أن يتغير للنجاسة، فحينئذ يحرم لكونه نجاسة، لا لكونه قيئاً، والأول في كتاب ابن الموّاز (٢)، وقال به الداوديّ، والثاني: عليه أكثر النَّاس. (١) ((الفتح)) ٦/ ٤٧٧. (٢) هو: محمد بن إبراهيم الإسكندري المالكيّ الفقيه، من آثاره مصنّف في الفقه، توفّي سنة (٢٦٩هـ). ٢٥٩ (١) - بَابُ كَرَاهَةِ شِرَاءِ الإِنْسَانِ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٥٦) قال القرطبيّ: ويَحتاج موضع الخلاف إلى تنقيح، فنقول: أما الصَّدقة في السَّبيل، أو على المسكين، أو على ذي الرَّحم إذا وصلت للمتصدِّق عليه فلا يحل الرُّجوع فيها بغير عوض، قولاً واحداً؛ لأنه قد أخرجها عن ماله على وجه القربة لله تعالى، واستحقّها المتصدَّق عليه، ومَلَكها بالصدقة، والحوز، فالرجوع فيها، أو في بعضها حرام. وأما الرُّجوع فيها بالشراء الذي لا يُحَظُّ عنه فيه من ثمنها شيءٌ فمكروه؛ لأنه قد استردّ عيناً أخرجها لله تعالى. والأَولى: حمل النهي الواقع في الحديث المذكور عن الابتياع على التحريم؛ لأن النبيّ وَّ فَهِم عن عمر ◌َظُه ما كان وقع له، من أنَّه يبيعه منه بحطيطة من الثمن، وهذا رجوع في بعض عين الصَّدقة، إلا أن الكراهية هي المشهورة في المذهب في هذه المسألة، وكأنَّهم رأوا: أن هذه عطية مبتدأة من المتصَدَّق عليه، أو الموهوب له؛ لأنها عن طيب نفس منه، فكان ذلك للمتصدِّق أو الواهب مِلكاً جديداً بطريق آخر، وهذا كما قال ◌َّ لمن وهب أمةً لأمِّه فماتت أمُّه، فسأل النبيّ وَّ ر عن ذلك، فقال له النبيّ ◌َّ: ((وجب أجرك، وردّها عليك الميراث))، غير أنه لا يليق بمكارم الأخلاق أن يعود في شيء أُخرج عنه على وجه المعروف، ولا بأهل الدِّين أن يرجعوا في شيء خرجوا عنه لله تعالى بوجه، فكان مكروهاً من هذا الوجه، وهذا نحو مما قررناه في قصَّة تحرّج المهاجرين من المقام بمكة. قلت(١): والظاهر من ألفاظ الحديث ومساقه التحريم، فاجمع ألفاظه، وتدَبّر معانيها؛ يَلُحْ لك ذلك - إن شاء الله تعالى. انتهى كلام القرطبيّ نَظُّهُ، وهو تحقيقٌ نفيس جدّاً. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي حملُ النهي على التحريم - كما قال القرطبيّ تَخْثُ - هو الحقّ؛ لحديث عمر ظُه المذكور في الباب، فإن النهي للتحريم على المذهب الراجح؛ كما أن الأمر للوجوب، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ- أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال (١) القائل هو: القرطبيّ تَظُّهُ. ٢٦٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الهبات رسول الله وَ: ((وإذا نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه))، متّفقٌ عليه، ولا دليل هنا من نصّ، ولا إجماع يصرف النهي عن التحريم إلى كراهة التنزيه. والحاصل أن شراء الصدقة محرّم، يفسد به البيع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): قال الطبريّ تَخْذُ: يُخصّ من عموم هذا الحديث مَن وَهَب بشرط الثواب، ومن كان والداً، والموهوب ولده، والهبة التي لم تُقْبض، والتي ردّها الميراث إلى الواهب؛ لثبوت الأخبار باستثناء كلّ ذلك، وأما ما عدا ذلك، كالغنيّ يثيب الفقير، ونحو من يَصِل رحمه، فلا رجوع لهؤلاء، قال: ومما لا رجوع فيه مطلقاً الصدقة يراد بها ثواب الآخرة. انتهى (١). وقال القرطبيّ تَخْثُ: قوله: ((مثل الذي يرجع في هبته كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه)): إن كان المراد بالهبة الصدقة، كما قد جاء في الرواية الأخرى، فقد تكلّمنا عليها، وإن كان المراد مطلق الهبة، فهي مخصوصة؛ إذ يخرج منها الهبة للثواب، وهبة أحد الأبوين، فأما هبة الثواب، فقد قال بها مالك، وإسحاق، والطبريّ، والشافعيّ - في أحد قوليه -: إذا عُلِم أنه قصد الثواب؛ إما بالتصريح به، وإما بالعادة والقرائن، كهبة الفقير للغنيّ، والرَّجل للأمير، وبها قال أبو حنيفة: إذا شرط الثواب، وكذلك قال الشافعيّ في القول الآخر، وقد رُوي عنهما، وعن أبي ثور: منعها مطلقاً، ورأوا أنَّها من البيع المجهول الثمن والأجل. والأصل في جواز هبة الثواب: ما خرَّجه الدارقطنيّ من حديث ابن عمر ◌ًا، عن النبيّ وَّهِ قال: ((من وهب هبة فهو أحقّ بها ما لم يُثَبْ عليها منها))، قال: رواته كلهم ثقات. والصواب عن ابن عمر عن عمر قولَهُ، وما خرَّجه مالك عن عمر أنه قال: من وهب هبة لصلة الرَّحم، أو على وجه الصَّدقة أنه لا يرجع فيها، ومن وهب هبة يرى أنَّه إنما أراد بها الثواب، فهو على هبته يرجع فيها ما لم يُرْضَ منها، وما خرَّجه الترمذيّ من حديث أبي هريرة قال: أهدى رجل من بني فزارة إلى النبيّ وَّر ناقة، فعوّضه منها بعض العوض، فتسخَّطه، وفي رواية: أهدى له بَكْرة، فعوَّضه ستَّ بكرات، فقال (١) نقله ابن بطال في ((شرح البخاري)) ٧/ ١٤٠، والحافظ في ((الفتح)) ٦/ ٤٧٧.