النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١
(٢) - بَابُ قوله وَلَهِ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٣٤)
أَوْ دَيْنٍ﴾؛ يعني: أن للأمِّ السُّدسَ مع الإخوة من جميع التركة الموروثة التي
يقتسمها الورثة، ولم يذكر هنا ميراثَ الأب مع الأم، ولا شكَّ أنَّه إذا اجتمع
أمّ وإخوةٌ ليس معهم أبٌ، فإنَّ للأمِّ السدسَ، والباقي للإخوة، ويحجبها
الأخوانِ فصاعداً عند الجمهور.
وأما إن كان مع الأُمِّ والإخوة أبٌ، فقال الأكثرون: يحجب الإخوة الأم
ولا يرثون، ورُوي عن ابن عباس أنهم يرثُون السُّدسَ الذي حجبوا عنه الأم
بالفرض كما يَرِثُ ولدُ الأم مع الأم بالفرض.
وقد قيل: إنَّ هذا مبنيٌّ على قوله: إنَّ الكلالةَ مَنْ لا ولدَ له خاصَّة، ولا
يُشترط للكَلالةِ فَقْدُ الوالدِ، فيرثُ الإخوةُ مع الأب بالفرض.
ومن العلماء المتأخِّرين من قال: إذا كان الإخوةُ محجوبينَ بالأب، فلا
يَحجُبُون الأمَّ عن شيءٍ، بل لها حينئذِ الثُّلثُ، ورجَّحه الإمام أبو العباس ابن
تيمية تَخْتُ، وقد يُؤخذ من عموم قولِ عمر وغيره من السَّلف: من لا يَرتُ لا
يَحجُبُ، وقد قال نحوه أحمدُ، والخِرَقيّ، لكن أكثر العلماء يحملون ذلك على
أنَّ المرادَ مَنْ ليس له أهليَّةُ الميراث بالكلِّيَّة، كالكافر والرقيق، دون من لا
يرثُ، لانحجابه بمن هو أقرب منه، والله أعلم.
وقد يَشهَدُ للقولِ بأنَّ الإخوة إذا كانوا محجوبين لا يَحجُبونَ الأمَّ أنَّ الله
تعالى قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُِّ﴾، ولم يذكر الأب، فدلَّ على أنّ
ذلك حكمُ انفراد الأم مع الإخوة، فيكون الباقي بعد السدس كلّه لهم، وهذا
ضعيفٌ، فإنَّ الإخوة قد يكونون من أمِّ، فلا يكونُ لهم سوى الثلث، والله
تعالى أعلم.
واعلم: أنَّ الله تعالى ذكر حُكمَ ميراث الأبوين، ولم يذكر الجدَّ ولا
الجدَّة، فأما الجدَّةُ، فقد قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب پًا: إنه ليس
لهما في كتاب الله شيءٌ، وقد حَكَى بعض العلماء الإجماع على ذلك، وأنَّ
فرضها إنَّما ثبت بالسُّنَّة، وقيل: إنَّ السُّدس طعمةٌ أطعمها رسول الله ◌َّ وليس
بفرضٍ، كذا رُوي عن ابن مسعود، وسعيد بن المسيِّب.
وقد رُوي عن ابن عباس من وجوهٍ فيها ضعفٌ أنها بمنْزلة الأم عندَ فقد
الأم ترث ميراثَ الأم، فترث الثلثَ تارةً، والسدس أخرى، وهذا شذوذ، ولا
١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
يصحُّ إلحاق الجدة بالجدِّ؛ لأنَّ الجدّ عصبة يُدلي بعصبة، والجدَّة ذاتُ فرض
تُدلي بذات فرض فضعفت، وقد قيل: إنَّه ليس لها فرض بالكلية، وإنما
السدسُ طعمة أطعمها النَّبيُّ وََّ، ولهذا قالت طائفة ممن يرى الردّ على ذوي
الفروض: إنَّه لا يُرَدُّ على الجدة، لضعف فرضها، وهو رواية عن أحمد.
وأما الجدُّ، فاتَّفق العلماءُ على أنَّه يقوم مقامَ الأب في أحواله المذكورة
من قبلُ، فيرثُ مع الولدِ السُّدُسَ بالفرض، ومع عدم الولد يرثُ بالتعصيب،
وإن بقي شيء مع إناث الولد أخذه بالتعصيب أيضاً عمَلاً بقوله وَله: ((فما أبقتِ
الفرائضُ، فلأَّولى رَجُلٍ ذكر)).
ولكنِ اختلفوا إذا اجتمع أمُّ وجدٌّ مع أحد الزوجين، فرُوي عن طائفةٍ من
الصَّحابة أنَّ للأم ثُلُثَ الباقي، كما لو كان معها الأبُ كما سبق، رُوي ذلك
عن عمر، وابن مسعود كذا نقلهُ بعضُهم.
ومنهم من قال: إنَّما رُوي عن عمر، وابن مسعود في زوج وأم وجدٍّ أنَّ
للأمّ ثلث الباقي.
ورُوي عن ابن مسعود روايةٌ أخرى: أنَّ النَّصفَ الفاضلَ بين الجدِّ والأم
نصفان، وأمَّا في زوجة وأمِّ وجدٌّ، فرُوي عن ابن مسعود رواية شاذةٌ: أنَّ للأمِّ
ثلثَ الباقي، والصَّحيحُ عنه، كقول الجمهور: إنَّ لها الثُّلثَ كاملاً، وهذا يشبه
تفريقَ ابنِ سيرين في الأمِّ مع الأب أنَّه إنْ كان معهما زوج فللأمِّ ثلث الباقي،
وإنْ كانَ معهما زوجة، فللأمِّ القُلُث.
وجمهورُ العلماء على أنَّ الأم لها الثلثُ مع الجدِّ مطلقاً، وهو قولُ عليٍّ
وزيدٍ، وابنِ عباس، والفرق بين الأم مع الأب ومع الجدِّ أنَّها مع الأب يشملُها
اسمٌ واحدٌ، وهما في القُرب سواءٌ إلى الميت، فيأخذ الذكرُ منهما مثلَ حظّ
الأنثى مرتين كالأولاد والإخوة، وأما الأم مع الجد، فليس يشملها اسمُ
واحد، والجدُّ أبعدُ من الأب، فلا يلزمُ مساواته به في ذلك.
وأما إنِ اجتمع الجدُّ مع الإخوة، فإنْ كانوا لأُمِّ سقطوا به؛ لأنَّهم إنَّما
يرثون مِنَ الكَلالة، والكلالةُ: مَنْ لا وَلَدَ له ولا والد، إلا رواية شذّتْ عن ابنِ
عباسٍ.
وأما إن كانوا لأب أو لأبوين، فقد اختلفَ العلماءُ في حكم ميراثهم
١٨٣
(٢) - بَابُ قوله ◌َّهَ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٣٤)
قديماً وحديثاً، فمنهم من أسقط الإخوة بالجدِّ مطلقاً، كما يسقطون بالأب وهذا
قولُ الصديق، ومعاذٍ، وابن عباس وغيرهم، واستدلَّوا بأنَّ الجدَّ أبٌّ في
كتاب الله رَّ، فيدخلُ في مسمَّى الأب في المواريث، كما أنَّ ولدَ الولدِ ولدٌ،
ويدخُل في مسمّى الولد عندَ عدم الولد بالاتفاق، وبأنَّ الإخوةَ إنَّما يرثون مع
الكَلالة، فيحجبُهُم الجدُّ كالإخوة من الأب، وبأنَّ الجدَّ أقوى من الإخوة،
لاجتماعِ الفَرضِ والتَّعصيب له من جهةٍ واحدةٍ، فهو كالأب، وحينئذٍ، فيدخلُ
في عموم قوله وَِّ: ((فما بقي، فلأَوْلَى رجلٍ ذكرٍ)).
ومنهم من شرَّك بَينَ الإخوة والجدِّ وهو قولُ كثيرٍ من الصحابة، وأكثرُ
الفقهاء بعدهم على اختلاف طويل بينهم في كيفية التشريك بينهم في الميراث،
وكان مِنَ السَّلف مَنْ يتوقَّف في حكمهم ولا يُجيب فيهم بشيءٍ؛ لاشتباه أمرهم
وإشكاله، ولولا خشيةُ الإطالة لبسطنا القولَ في هذه المسألة، ولكن ذلك يؤدِّي
إلى الإطالة جداً .
وأما حكمُ ميراث الإخوة للأبوين أو للأب، فقد ذكره الله تعالى في آخر
(سورة النساء)) في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ إِنِ آَمُؤا
هَلَكَ لَيْسَ لَهُ, وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ﴾ [النساء: ١٧٦] والكَلالةُ مأخوذة
من تكلُّلِ النسب وإحاطته بالميت، وذلك يقتضي انتفاءَ الانتساب مطلقاً من
العمودين الأعلى والأسفل، وتنصيصُه تعالى على انتفاء الولد تنبيهٌ على انتفاء
الوالد بطريق الأولى؛ لأنَّ انتسابَ الولد إلى والده أظهرُ من انتسابه إلى ولده،
فكان ذكرُ عدم الولد تنبيهاً على عدم الوالد بطريق الأولى، وقد قال أبو بكر
الصديق: الكلالةُ: مَنْ لا وَلَدَ له ولا والد، وتابعه جمهورُ الصحابة والعلماء
بعدهم، وقد رُوي ذلك مرفوعاً من مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن
النَّبِيِّ وََّ، خرَّجه أبو داود في ((المراسيل))، وخِرَّجه الحاكم من روايةٍ عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً، وصححه، ووصلُه بذكر أبي هريرة ضعيفٌ(١).
فقوله: ﴿إِنِ آمْرُّ هَكَ لَيْسَ لَهُ، وَلَدٌ وَلَهُ: أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكْ﴾؛ يعني:
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٣٦/٤) وصححه، وردّه الذهبيّ بقوله: الحمّاني
- وهو: يحيى بن عبد الحميد - ضعيف.
١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
إذا لم يكن للميت ولدٌ بالكلِّيَّةِ لا ذكرٌ ولا أنثى، فللأخت - حينئذٍ - النّصفُ مما
ترك فرضاً، ومفهوم هذا أنَّه إذا كان له ولدٌ فليس للأخت النّصفُ فرضاً، ثمَّ إنْ
كان الولدُ ذكراً، فهو أولى بالمالِ كلِّه لِما سبقَ تقريرُه في ميراث الأولاد
الذُّكور إذا انفردوا، فإنَّهم أقربُ العصبات، وهم يُسقِطُون الإخوة، فكيف لا
يُسقِطون الأخوات؟ وأيضاً، فقد قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ إِخْوَةٌ رِّجَالًا وَنِسَآءُ
فَلِلَذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِّ الْأُنَيْنِ﴾، وهذا يدخلُ فيهِ ما إذا كانَ هناك ذو فرضٍ كالبنات
وغيرهنَّ، فإذا استحقَّ الفاضلُ ذكورَ الإخوة مع الأخوات، فإذا انفردوا،
فكذلك يستحقُّونه وأولى، وإنْ كانَ الولدُ أنثى، فليس للأختِ هنا النِّصفُ
بالفرض، ولكن لها الباقي بالتَّعصيب عندَ جمهور العلماء، وقد سبق ذكرُ ذَلِكَ
والاختلافُ فيهِ، فلو كانَ هناك ابنٌ لا يستوعِبُ المالَ وأختُ، مثلُ ابنِ نصفُه
حر عندَ من يُوَرِّثه نصفَ الميراث، وهو مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء،
فهل يقال: إنَّ الابن هنا يُسقِطُ نصفَ فرض الأخت، فَتَرِث معه الرُّبعَ فرضاً،
أم يقال: إنَّه يصيرُ كالبنت، فتصير الأختُ معه عصبة، كما تصير مع
الأخت(١)، لكنَّه يسقط نصفَ تعصيبها فتأخذ معه النِّصف الباقي بالتعصيب؟
هذا محتمل، وفي هذه المسألة لأصحابنا وجهان.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لَمَا وَلَدْ﴾؛ يعني: أنَّ الأخ يستقلُّ
بميراث أخته إذا لم يكن لها ولدٌ ذكرٌ أو أنثى، فإنْ كان لها ولدٌ ذكرٌ، فهو
أولى مِنَ الأخ بغير إشكالٍ، فإنَّه أولى رجل ذكرٍ، وإنْ كان أنثى، فالباقي بعد
فرضها يكونُ للأخ؛ لأنّه أولى رجلٍ ذكرٍ، ولكن لا يستقلُّ بميراثها حينئذٍ، كما
إذا لم يكن لها ولَدٌ.
وقوله: ﴿فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا اُلتُُّثَانِ بِمَّا نَزَّةٌ﴾؛ يعني: أنَّ فرضَ الثِّنتين
الثلثان، كما أنّ فرض الواحدةِ النِّصفُ، فهذا كلَّه في حكم انفرادِ الإخوة
والأخوات، وأما حكم اجتماعهم، فقد قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُّواْ إِخْوَةٌ رِّجَالًا
وَنِسَآءُ فَلِلَذَّكَرٍ مِثْلُ حَظِّ الْأَبَيْنِ﴾ فيدخلُ في ذلك ما إذا كانوا منفردين، وأما إذا
كان هناك ذو فرضٍ مِنَ الأولاد أو غيرهم، كأحد الزوجين أو الأم أو الإخوة
(١) كتب في الهامش ما نصه: الظاهر أنه مع البنت. انتهى.
١٨٥
(٢) - بَابُ قوله ◌َّهِ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٣٤)
من الأم، فيكون الفاضلُ عن فروضهم للإخوة والأخوات بينهم للذَّكر مثلُ حظّ
الأنثیین.
فقد تبيَّن بما ذكرناه أنَّ وجودَ الولد إنما يُسقط فرضَ الأخوات مِنَ
الأبوين أو الأب، ولا يُسقط توريثَهُن بالتَّعصيب مع أخواتهنَّ بالإجماع، ولا
تَعْصِيبُهُنَّ بانفرادهنَّ مع البناتِ عند الجمهور، فالكلالةُ شرطً لثبوت فرض
الأخوات، لا لثبوت ميراثهنّ، كما أنَّه ليس بشرطِ لميراثِ ذكورهم بالإجماع،
وهذا بخلافٍ ولدِ الأمّ، فإنَّ انتفاءَ الكلالة أسقطت فروضَهم، وإذا أسقطت
فروضَهم، سقطت مواريثُهُم؛ لأنَّه لا تعصيبَ لهم بحالٍ، لإدلائهم بأنثى،
والأخوات للأبوين أو للأب يُدلون بذكرٍ، فيرثنَ بالتَّعصيبِ مع إخوتهن
بالاتفاق، وبانفرادهن مع البنات عند الجمهور.
وإذا كان الولد مسقطاً لفرض ولد الأبوين، أو الأب دونَ أصل توريثهم
بغير الفرض، فقد يقال: إنَّ الله تعالى إنّما خصَّ انتفاءَ الولد في قوله: ﴿لَيْسَ
لَهُ وَلَدٌ﴾ ولم يذكر انتفاء الوالد، أو الأب؛ لأنَّه كان يدخلُ فيه الجدّ، والجدُّ
لا يُسقط ميراث الإخوة بالكليّة، وإنَّما يشتركون معه في ميراث، تارةً بالفرض،
وتارةً بغيره، وهذا على قول من يقول: إنَّ الجدَّ لا يُسقِطُ الإخوة - وهُمُ
الجمهورُ - ظاهرٌ، وهذا كلُّه في انفرادٍ ولدِ الأبوين أو الأب، فإن اجتمعوا،
فإِنَّ العصبات مِنْ ولد الأبوين يُسقطون ولدَ الأب كلهم بغير خلافٍ، حتى في
الأخت مِنَ الأبوين مع البنت عند من يجعلُها عصبةً يَسقط بها الأخ من
الأبوين.
وفي ((المسند))، و((الترمذي))، و((ابن ماجه))، عن عليٍّ قال: قضى
رسولُ اللهِ ﴿﴿ أَنَّ أعيانَ بني الأم يرثُون دونَ بني العَلَّاتِ، يَرِثُ الرَّجُلُ أخاه
لأبيه وأمه دونَ أخيه لأبيه (١).
(١) رواه أحمد في ((مسنده)) ٧٩/١ و١٣١ و١٤٤، والترمذيّ (٢٠٩٥)، وابن ماجه
(٢٧١) من طريق أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ ظُه، قال الترمذيّ: وهذا
حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ، وقد تكلّم
بعض أهل العلم في الحارث، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم. انتهى . =
١٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
وقال عمرو بنُ شعيب: قضى رسولُ اللهِ وَّ أنَّ الأخ للأب والأم أولى
بالكلالةِ بالميراث، ثم الأخ الأب، وهذا أيضاً مما يدخل في قوله وَله: (فما
بقي فلأَوْلى رجلٍ ذکٍ)).
والتحقيقُ في ذلك: أنَّ كلَّ ما دلَّ عليه القرآن، ولو بالتَّنبيه، فليس
هو ممَّا أبقته الفرائض، بل هو من إلحاق الفرائض المذكورة في القرآن
بأهلها، كتوريثِ الأولاد ذكورهم وإنائهم الفاضل عن الفُروض، للذَّكر مثلُ
حظّ الأنثيين، وتوريث الإخوة ذكورهم وإناثهم كذلك، ودلّ ذلك بطريق
التَّنبيه على أنَّ الباقي يأخذُه الذّكرُ منهم عند الانفراد بطريق الأولى، ودلَّ
أيضاً بالتَّنبيه على أنَّ الأخت تأخذُ الباقي مع البنت كما كانت تأخذُه مع
أخيها، ولا يُقدَّمُ عليها من هو أبعدُ منها، كابن الأخ والعم وابنه، فإنَّ
أخاها إذا لم يُسقطها فكيف يُسقِطها من هو أبعدُ منه؟ فهذا كلُّه من باب
إلحاق الفرائض بأهلها، ومن باب قسمة المال بين أهلِ الفرائض على
كتاب الله.
وأمَّا مَنْ لم يُذكر باسمه مِنَ العصبات في القرآن؛ كابن الأخ، والعم،
وابنه، وإنَّما دخل في عمومات مثل قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ
فِي كِتَبٍ الَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وقوله: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ
وَاْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣]، فهذا يحتاج في توريثهم إلى هذا الحديث؛ أعني:
حديث ابن عباس، فإذا لم يُوجَدْ للمال وارثٌ غيرهم، انفردوا به، ويقدَّم منهمُ
الأقربُ فالأقربُ؛ لأنَّه أولى رجلٍ ذكرٍ، وإنْ وُجِدَت فروضٌ لا تستغرقُ المالَ،
كأحدِ الزوجين أو الأم، أو ولد الأمِّ، أو بناتٍ منفردات، أو أخوات
منفردات، فالباقي كلَّه لأولى ذكر من هؤلاء، ولهذا لو كان هؤلاء إخوةً رجالاً
ونساءً، لاختصَّ به رجالُهم دون نسائهم، بخلاف الأولاد والإخوة، فإنَّه يشترك
في الباقي، أو في المال كلُّه ذكورهم وإناثهم بنص القرآن، والحديث إنَّما دلَّ
على توريث العصبات الذين يختصّ ذكورهم دون إناثهم، وهم مَنْ عدا الأولاد
= قال الحافظ ابن كثير فى ((تفسيره)) (١٩٩/٢) بعد نقل كلام الترمذيّ هذا فى
الحارث: لكن كان حافظاً للفرائض، معتنياً بها وبالحساب. انتهى.
١٨٧
(٢) - بَابُ قوله ◌َِهِ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٣٤)
والإخوة، فهذا حكمُ العصبات المذكورين في كتاب الله ، وفي حديث ابن
عباس ځپا.
وأما ذوو الفروض، فقد ذكرنا حكمَ مواريثهم، ولم يبقَ منهم إلَّا
الزوجان والإخوة للأمِّ، فأمَّا الزوجان، فيرثان بسبب عقد النكاح، ولمَّا كان
بين الزوجين من الألفة والمودَّة والتَّناصُر والتعاصُدِ ما بينَ الأقارب، جعل
ميراثهما كميراث الأقارب، وجُعل للذَّكر منهما مِثْلا ما للأنثى؛ لامتياز الذكر
على الأنثى بمزيد النَّفع بالإنفاق والنصرة.
وأما ولدُ الأمِّ، فإنَّهم ليسوا من قبيلةِ الرَّجُلِ، ولا عشيرته، وإنَّما هم في
المعنى من ذوي رحمِهِ، ففرضَ الله لواحدهم السُّدُسَ، ولجماعتهم الثُّلث صلةً،
وسوَّى بين ذكورهم وإناثهم، حيث لم يكن لذكرهم زيادةً على أنثاهم في الحياة
من المعاضدة والمناصرة، كما بين أهلِ القبيلة والعشيرة الواحدة، فسوَّى بينهم
في الصِّلة، ولهذا لم تُشرع الوصيَّةُ للأجانب بزيادة على الثلث، بل كان الثُّلثُ
كثيراً في حقّهم؛ لأنَّهم أبعدُ من ولدِ الأمّ، فينبغي أنْ لا يُزادوا على ما يُوصل
به ولدُ الأم، بل ينقصون منه.
واستَدَلَّ بعضُهم بقوله: ((فما بقي فلأولى رجلٍ ذكرٍ)) على أنْ لا ميراثَ
لذوي الأرحام؛ لأنَّه لم يُجعل حقُّ الميراثِ لمن لم يُذكر في القرآن إلا لأقربِ
الذكور، وهذا الحكمُ يختصُّ بالعصبات دون ذوي الأرحام، فإنَّ مَنْ ورَّث ذوي
الأرحام، ورَّث ذكورهم وإناثهم.
وأجاب من يرى توريثَ ذوي الأرحام بأنَّ هذا الحديثَ دلَّ على توريث
العصبات، لا على نفي توريث غيرهم، وتوريثُ ذوي الأرحام مأخوذٌ من أدلةٍ
أخری، فیکون ذلك زيادةً علی ما دلَّ علیه حدیثُ ابن عباس
وأما قوله {وَلّه: (الأولى رجلٍ ذكرٍ)) مع أنَّ الرجلَ لا يكونُ إلّا ذكراً،
فالجوابُ الصحيحُ عنه أنَّه قد يُطلَقُ الرَّجل، ويرادُ به الشخص، كقوله: مَن
وَجَدَ ماله عند رجلٍ قد أفلس، ولا فرقَ بينَ أنْ يجده عند رجلٍ أو امرأةٍ،
فتقييدُه بالذّكر ينفي هذا الاحتمال، ويُخلصه للذكر دونَ الأنثى وهو المقصودُ،
وكذلك الابنُ: لمَّا كان قد يُطلق، ويُراد به أعمُّ من الذكر، كقوله: ابن
السبيل، جاء تقييدُ ابنِ اللبون في نُصُب الزكاة بالذُّكر، وللسهيلي كلامٌ على هذا
١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
الحديث فيه تكلُّفٌ وتَعسُّفٌ شديدٌ ولا طائلَ تحته(١)، وقد ردَّه عليه جماعة ممن
أدركناهم، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ابن رجب تَّتُهُ: بطوله(٢)، وهو
بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٣٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع،
حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَّنْ
رَسُولِ اللهِ وَهِ قَالَ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلَأَوْلَى رَجُلٍ
ذَكَرٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ) أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت٢٣١)
(خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨]
(ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
٣ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِم) التميميّ الْعَنْبَريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
[٦] (ت ١٤١) (خ م د سَ ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَمَا تَرَكَتِ الْفَرَائِضُ فَلَأَوْلَى رَجُلِ ذَكَرٍ) قال القرطبيّ تَخْتُ: قوله:
((فالأولى رجل ذكر))، وفي غير مسلم: (لأولى عصبة ذكر))، و((أوْلى)) بفتح
الهمزة، وواو ساكنة، بعدها ياءٌ: تأنيث ((أوَّل))، وهذه الرواية المشهورة، وقد
رواها ابن الحذَّاء عن ابن ماهان: ((لأدنى)) وهو تفسير لـ ((أولى)) ويعني به:
الأقرب للميت.
وقد اختلفوا في وصف الرَّجل بالذُّكوريَّة هنا؛ هل له فائدة، أو لا؟ فقال
(١) قد تقدّم ذكر ما قاله السهيليّ في عبارة ((الفتح))، فلا تنس، وبالله تعالى التوفيق.
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) ٤١٩/٢ - ٤٣٧.
١٨٩
(٢) - بَابُ قوله ◌َليهِ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٣٥)
بعضهم: لا فائدة له غير التأكيد اللفظيٌّ؛ فإن العرب قد تعيد اللفظ الأول
بحاله، وقد تأتي في كلامها مُتْبِعة على جهة التأكيد، كما قالوا: حسن بَسَنٌ،
وقبيح شقیحٌ. وکذلك قالوا هنا: رجل ذَگر، وابن لبون ذَكَر، ویطیر بجناحيه،
وعشرة كاملةٌ، فهذا كلامُ العرب. وأجيبوا: بأن العرب لا تؤكد إلا حيث تفيدُ
به فائدةً؛ إمَّا تمكين المعنى في النفس، أو رفع المجاز المتوهّم، وكل ذلك
معدومٌ فیما نحن فيه.
وقيل: أفاد بقوله: ((ذكر)) هنا، وفي قوله: ((ابن لَبُون ذكر)) التحرز من
الخناثى، فلا تُؤخذ الخنثى في فريضة الزَّكاة، ولا يحوز المال إذا انفرد، وإنَّما
له نصف الميراثین.
وقيل في اللَّبُون: إنَّما وصف بالذُّكوريَّة ليتحرز ممن يتوهم إطلاق ((ابن))
على الأنثى، كما قد أطلق (ولد)) على الذكر والأنثى.
وقيل: إنَّما نَّه بالذكورية في المَحَلَّين لينبِّه على معنى مُشْعرٍ بتعليل،
وذلك: أن ابن اللبون أفضل من بنت المخاض من حيث السِّن، وقد نزَّله الشارعُ
بمنزلتها في الأخذ، فقد يخفى على من بَعُد فَهْمُه، ويقول: كيف يَجْعَلُهُ بدلها
وهو أفضل؟ فوصفه بـ ((ذكر))؛ ليشعر بنقصه عنها بالذكورية، وإن زاد عليها
بالسِّن، وكذلك: وصفُ الرَّجل بالذُّكوريَّة مشعرٌ بأن الذي استحق به التعصيب
هو كمال الذُّكوريَّة؛ التي بها قوام الأمور، ومقاومة الأعداء، والله أعلم.
و((العصبة)): كل رجل بينه وبين الميت نسب يحوز المال إذا انفرد، فيرث
ما فضل عن ذوي السِّهام.
والعصبات ثلاثة أصناف: الأبناء وبنوهم، والآباء وبنوهم، والأجداد
وبنوهم، وتفصيل هذه الجملة في كتب الفقه.
ويُستفاد من هذا الحديث: أن النساء لا يكنَّ عصبةً، وقد أطلق الفقهاءُ
على الأخت مع البنت أنَّها عصبة، وذلك تجوُّز؛ لأن الأخت لا تحوز المالَ
إذا انفردت، لكنَّها لما كانت في هذه المسألة تأخذ ما فضل عن البنت أشبهت
العاصب فأطلق عليها اسمه. انتهى كلام القرطبيّ تَقَّهُ(١).
(١) ((المفهم)) ٤ /٥٦٥ - ٥٦٦.
١٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذُّ أوّل الكتاب قال:
[٤١٣٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ
حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِع - قَالَ إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَأَنِ: أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، ◌َّنِ ابْنِ طَاؤُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((اقْسِمُوا الْمَالَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَرَائِضِ عَلَى كِتَابِ اللهِ، فَمَا تَرَكَتِ
الْفَرَائِضُ فَلَأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ الزاهد،
ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
والباقون تقدموا في السند الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف نَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٣٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا
زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ
وُهَيْبٍ، وَرَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَبُو كُرَيْبِ الْهَمْدَانِيُّ) أحد مشايخ الجماعة بلا
واسطة، تقدّم قريباً .
١٩١
(٢) - بَابُ قوله ◌َّهِ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٣٨)
٢ - (زَيْدُ بْنُ حُبَابِ) الْعُكْلِيّ الكوفيّ، خراسانيّ الأصل، صدوقٌ يُخطىء
في حديث الثوريّ [٩] (ت٢٠٣) (م ٤) تقدم في ((الطهارة)) ٦/ ٥٦٠.
٣ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) الغافقيّ(١)، أبو العبّاس المصريّ، صدوقٌ ربّما
أخطأ [٧] (ت١٦٨) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٢٦/ ٨٢٠.
و ((ابن طاوس)) ذُکِر قبله.
[تنبيه]: رواية يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن طاوس هذه لم أجد من
ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٤١٣٨] (١٦١٦) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا
سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: مَرِضْتُ،
فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ وَهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِ، مَاشِيَيْنٍ، فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَبَّ
عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ، فَأَفَقْتُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟، فَلَمْ يَرُدَّ
عَلَيَّ شَيْئاً، حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَةِ﴾
[النساء: ١٧٦]).
رجال هذا الإسناد: أربعة :
١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ النَّقِدُ) البغداديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام المعروف، تقدّم قبل باب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَلِرِ) بن عبد الله بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ
[٣] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١ / ٥٨٤.
(١) [تنبيه]: وقع غلط في برنامج الحديث للكتب التسعة، حيث ترجموا هنا ليحيى بن
أيوب المقابريّ، من الطبقة العاشرة، والصواب يحيى بن أيوب الغافقيّ المصريّ
من الطبقة السابعة، ومما يبيّن غلطهم هذا أن يحيى بن أيوب المقابريّ وُلد - كما
في ((تهذيب التهذيب)) ٣٤٣/٤ - سنة (١٥٧هـ) ومات عبد الله بن طاوس - كما في
التهذيب أيضاً - سنة (١٣٢ هـ)؛ أي: قبل ولادة يحيى بنحو خمس وثلاثين سنة،
فتنبّه لهذا الغلط، والله تعالى وليّ التوفيق.
١٩٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
٤ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام ◌ًا، تقدّم قريباً.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَثُهُ، وهو (٢٧٦) من رباعيّات الكتاب، وفيه
جابر بن عبد الله ها صحابيّ ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، روى
(١٥٤٠) حديثاً.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) أنه (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الهِ) رِّهَا (قَالَ: مَرِضْتُ)
بكسر الراء، قال المجد رَّتُهُ: المَرَضُ: إِظْلامُ الطَّبيعةِ، واضْطِرابُها بعدَ صفائِهَا
واْتِدَالِها، مَرِضَ، كفَرِحَ مَرَضاً وَمرْضاً (١) فهو مَرِضٌ، ومَريضٌ، ومارضٌ،
جمعه: مِراضٌ، ومَرْضَى، ومَراضَى، أو المَرْضُ بالفتح: للقَلْبِ خاصَّةً،
وبالتحريكِ أو كلاهُما: الشكُّ، والنِّفاقُ، والفُتورُ، والُّلْمَةُ، والنُّقْصَانُ (٢).
وقال الفيّوميّ تَُّهُ: مَرِضَ الحيوان مَرَضاً، من باب تعب، والمَرَضُ:
حالةٌ خارجةٌ عن الطبع، ضَارَّةٌ بالفعل، ويُعْلَم من هذا أن الآلام، والأورام،
أعراض عن المرض، وقال ابن فارس: المَرَضُ: كلُّ ما خرج به الإنسان عن
حدّ الصحة، من عِلّة، أو نفاق، أو تقصير في أمر، ومَرِضَ مَرَضاً: لغة قليلة
الاستعمال، قال الأصمعيّ: قرأت على أبي عمرو بن العلاء: ﴿فِى قُلُوبِهِم
مَّرَضٌ﴾ [المائدة: ٥٢]، فقال لي: مَرْضٌ يا غلام؛ أي: بالسكون، والفاعل من
الأولى: مَرِيضٌ، وجمعه مَرْضَى، ومن الثانية: مَارِضٌ، قال:
لَيْسَ بِمَهْزُولٍ وَلا بِمَارِضٍ ...
ويُعَدَّى بالهمزة، فيقال: أَمْرَضَهُ الله، ومَرَّضْتُهُ تَمْرِيضاً: تكفلت بمداواته.
انتھی(٣).
انتھی
(فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ لَّهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يَعُودَانِي)؛ أي: يزوران، يقال: عاد
المريضَ يعوده عَوْداً، وعِيَاداً، وعِيَادَةً، وعُودةً بالضمّ: إذا زاره(٤).
(١) الأول بفتحتين، والثاني بفتح، فسكون.
(٢) ((القاموس المحيط)) ص١٢١٧ - ١٢١٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٦٨/٢ - ٥٦٩.
(٤) راجع: ((القاموس)) ص٩٢٤.
١٩٣
(٢) - بَابُ قوله ◌َّهُ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٣٨)
وفي الرواية التالية: ((قال: عادني النبيّ وَّ، وأبو بكر في بني سَلِمَةً
يمشيان))، وبنو سَلِمة - بفتح السين المهملة، وكسر اللام -: هم قوم جابر
اضِى عَنْه ،
وهم بطن من الخزرج، قاله في ((الفتح))(١).
وقوله: (مَاشِيَيْنِ) منصوب على الحال، وفي بعض النسخ: ((ماشیان))،
قال النوويّ تَخُّْ: هكذا هو في أكثر النسخ: ((ماشيان))، وفي بعضها:
((ماشيين))، وهذا ظاهرٌ، والأول صحيحٌ أيضاً، وتقديره: وهما ماشيان، وفيه
فضيلة عِيَادة المريض، واستحباب المشي فيها. انتهى (٢).
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: إنما أتياه ماشيين مبالغة في التواضع، وفي كثرة أجر
المشي؛ لأن المشي للقرب التي لا يُحتاج فيها إلى كبير مؤونة، ولا نفقة أفضل
من الركوب بدليل ما ذكرناه في الجمعة، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في
الحجّ. انتھی(٣).
(فَأَغْمِيَ عَلَيَّ) بالبناء للمجهول، قال الفيّوميّ تَُّ: وغُمِي على المريض،
ثلاثيٍّ، مبنيّ للمفعول، فهو مَغْميّ عليه، على مفعول، قاله ابن السّكّيت،
وجماعة، وأُغْمِيَ عليه إِغْماءً بالبناء للمفعول أيضاً، وقال في مادة ((غُشِيَ)):
يقال: إن الْغَشْيَ يُعَطِّلُ الْقُوَى المحرّكة، والأَوْرِدَ الْحَسَّاسة؛ لضعف القلب
بسبب وجع شديد، أو بَرْدٍ، أو جوع مُفْرِطٍ، وقيل: الْغَشْيُ هو الإغماء، وقيل:
الإغماء: امتلاء بُطون الدماغ من بَلّْغَم باردٍ غَلِيظٍ، وقيل: الإغماء سَهْوٌ يَلْحق
الإنسان مع فتور الأعضاء لعلّة. انتهى (٤).
(فَتَوَضَّأَ) وفي الرواية التالية: ((فوجدني لا أعقل، فدعا بماء، فتوضّأ، ثم
رَشَّ عليّ منه)) (ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ) بفتح الواو؛ لأن المراد الماء الذي
توضّأ به، قال في ((الفتح)): قوله: ((من وَضوئه)) يَحْتَمِل أن يكون المراد: صبّ
عليّ بعض الماء الذي توضّأ به، أو مما بقي منه، والأول المراد، ففي رواية
للبخاريّ في (الاعتصام)): ((ثمّ صَبّ وَضوءه عليّ))، ولأبي داود: ((فتوضّأ،
وصبّه عليّ)) (فَأَفَقْتُ) وفي الرواية الآية: ((فَعَقَلتُ))، يقال: أفاق المجنون إفاقةً:
(١) ((الفتح)) ٣٧/١٠.
(٣) ((المفهم)) ٥٦٩/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١١/ ٥٥.
(٤) ((المصباح المنير)) ٤٤٨/٢ و٤٥٤.
١٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
رَجَع إليه عقله، وأفاق السكران إفاقةً، والأصل أفاق من سُكْره، كما استيقظ
من نومه (١). (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟)؛ أي: ماذا أفعل فيه،
وفي الرواية التالية: ((فقلت: كيف أصنع في مالي؟))، وفي رواية: ((فقلت: يا
رسول الله إنما يرثني كلالةٌ))، وفي رواية للبخاريّ: ((ما تأمرني أن أصنع في
مالي؟)).
قال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((فقلت: يا رسول الله! كيف أقضي في مالي؟
إنَّما يرثني كلالة))، هذا السؤال كان قبل نزول آيات المواريث على ما يدلّ عليه
قوله: فنزلت ﴿يُصِيكُ اَللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾، وقد تقدَّم: أن الحكم كان قبل ذلك
وجوب الوصية للأقربين، وعلى هذا فيكون سؤال جابر للنبيّ وَل بقوله: كيف
أقضي في مالي؟ كيف أوصي فيه؟ وبماذا أوصي؟ ولمن أوصي؟ فأنزل الله
تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾، فَنَسَخَت وجوبَ الوصيّة للأقربين على ما
قدَّمناه، وأما إن كان الذي نزل في جوابه: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ
اُلْكَلَلَةِ﴾، فيكون هذا السؤال بعد نزول ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾، وقبل نزول آية
الكلالة، وهذا هو الأقرب والأنسب لقوله: ((إنما يرثني كلالة))، وذلك السؤال
هو الذي عَنَى الله تعالى بقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى
الكَلَلَةِ﴾.
قال: وقد تقدم ذكر الاختلاف في اشتقاق الكلالة، وفي معناها في
(كتاب الصلاة))، والقول هنا في بيان المختار من الأقوال، ولا شكَّ أن جابراً
قد أطلق على ورثته كلالةً، وما كان له وارث يومئذ سوى أخواته، فإن أباه كان
قُتل يوم أُحد، وترك سبع بنات وجابراً، فهنَّ اللاتي سَمَّاهنَّ كلالة، وهنَّ اللاتي
أجيب فيهنَّ بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ﴾، ولم يكن له ولد، ولا والد.
فقد ظهرت صحَّة قول من قال: إن الكلالة هي ما عدا الولدَ والوالد،
وإن الإخوة المذكورين فيها ليسوا إخوة لأم قطعاً؛ لأن أخوات جابر لم يكنّ
لأم، ولأن الإخوة للأم لا يقتسمون للذكر مثل حظّ الأنثيين، ومقصود هذه
الآية: بيان حكم الإخوة، والأخوات للأب والأمّ، أو للأب إذا لم يكن معهنَّ
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٤٨٤.
١٩٥
(٢) - بَابُ قوله وَّرَ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٣٨)
ولدٌ، ولا والدٌ، وإنما قلنا ذلك: لأن الولد مصرَّحٌ بنفيه في الآية بقوله: ﴿لَيْسَ
لَهُ، وَلَدٌ﴾، والأب أيضاً لا بدَّ من نفيه في هذه الآية؛ لأنه لو كان أبٌ مع
الإخوة لحجَبهم كلَّهم جملة بغير تفصيل، وأمَّا الجدَّ مع الإخوة الأشقاء، أو
للأب، فيقاسمهم ما لم تنقصه المقاسمة من الثلث، فله أن يأخذه، وعلى هذا
فالجدّ تصحُّ معه الكلالة؛ لأنه كالأخ معهم، وأما الآية التي في أول السورة
فالمراد بالكلالة فيها: الإخوة للأم إذا لم يكن معهم ابن، ولا أب، ولا جدّ؛
لأن هؤلاء كلّهم يحجبون الإخوة للأم، ولقراءة سعد: ((وله أخ أو أخت لأم))؛
ولأن الإخوة الأشقاء أو للأب لا يرث الواحد منهم السدس، ولا الاثنان
فصاعداً الثلث، وإنما ذلك فرض الإخوة للأم، فقد ظهر بهذا البحث الدقيق:
أن القول ما قاله أبو بكر الصدِّيق ◌َظُه، وأمَّا قولا الاشتقاق: فكلاهما معنى
صحيح بالاتفاق لأن من فقد الطرفين فقد تَكلَّله نفي المانعين، أو لأنه لمّا كلَّ
منه الرحم الوالد وثب على متروكه الأباعد. انتهى(١).
(فَلَمْ يَرُدَّ) وَ (عَلَيَّ شَيْئاً) قال في ((الفتح)): استُدلّ به على أنه يَّ كان
لا يجتهد، ورُدّ بأنه لا يلزم من انتظاره الوحي في هذه القصّة الخاصّة عموم
ذلك في كلّ قصّة، ولا سيّما وهي في مسألة المواريث التي غالبها لا مجال
للرأي فیه.
سلّمنا أنه كان يمكنه أن يجتهد فيها، لكن لعلّه كان ينتظر الوحي أوّلاً،
فإن لم ينزل اجتَهَد، فلا يدلّ على نفي الاجتهاد مطلقاً. انتهى، وهو تحقيق
نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ اَلْكَلَلَةِ﴾
[النساء: ١٧٦]) وفي رواية ابن جريج التالية: ((فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمٌّ
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأَنْشَيَيْنِ﴾)»، قال في ((الفتح)): هكذا وقع في رواية ابن جريج،
وقيل: إنه وَهِمَ في ذلك، وأن الصواب أن الآية التي نزلت في قصة جابر هذه
الآية الأخيرة من النساء، وهي ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْنِيكُمْ فِ الْكَلَةِ﴾ [النساء:
١٧٦]؛ لأن جابراً به يومئذٍ لم يكن له ولد، ولا والد، والكلالة مَن لا ولد
(١) ((المفهم)) ٤ / ٥٧٠ - ٥٧١.
١٩٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
له، ولا والد، وقد أخرجه مسلم عن عمرو الناقد - يعني: هذه الرواية -
والنسائيّ عن محمد بن منصور، كلاهما عن ابن عيينة، عن ابن المنكدر، فقال
في هذا الحديث: ((حتى نزلت عليه آية الميراث، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُقْتِيكُمْ فِى
اَلْكَلَلَةِ﴾)»، ولمسلم أيضاً من طريق شعبة، عن ابن المنكدر - يعني الرواية الآتية
بعد حديثين - قال في آخر هذا الحديث: ((فنزلت آية الميراث، فقلت لمحمد بن
المنكدر: ﴿يَسْتَقْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ الْكَلَلَةِ﴾؟ قال: هكذا أنزلت)).
قال: وقد تفطن البخاريّ بذلك، فترجم في أول الفرائض قوله: ﴿يُوصِیگ
اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَ اللَّهُ عَلِيهُ حَلِيمٌ﴾، ثم ساق حديث جابر
المذكور عن قتيبة، عن ابن عيينة، وفي آخره: ((حتى نزلت آية الميراث))، ولم
يذكر ما زاده الناقد، فأشعر بأن الزيادة عنده مدرجة من كلام ابن عيينة.
وقد أخرجه أحمد، عن ابن عيينة، مثل رواية الناقد، وزاد في آخره: ((كان
ليس له ولد، وله أخوات))، وهذا من كلام ابن عيينة أيضاً، وقد اضطرب فيه،
فأخرجه ابن خزيمة، عن عبد الجبار بن العلاء، عنه، بلفظ: ((حتى نزلت آية
الميراث: ﴿إِنِ أُمُوا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ, وَلَدٌ﴾، وقال مرة: ((حتى نزلت آية الكلالة)).
وأخرجه عبد بن حميد، والترمذيّ عنه، عن يحيى بن آدم، عن ابن
عيينة، بلفظ: ((حتى نزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمٌّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
الْأُنْشَيْنَّ﴾)).
وأخرجه الإسماعيليّ من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل، عنه، فقال في
آخره: ((حتى نزلت آية الميراث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِكُمْ)))، فمراد البخاريّ
بقوله في الترجمة: ((إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾)) الإشارة إلى أن مراد جابر
من آية الميراث قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةَ﴾، وأما الآية الأخرى،
وهي قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِ اَلْكَلَلَةِ﴾)) فإنها من آخر ما نَزَل،
فكأن الكلالة لمّا كانت مجملةً في آية المواريث، استفتوا عنها، فنزلت الآية
الأخيرة.
قال: ولم ينفرد ابن جريج بتعيين الآية المذكورة، فقد ذكرها ابن عيينة
أيضاً على الاختلاف عنه، وكذا أخرجه الترمذيّ، والحاكم، من طريق عمرو بن
أبي قيس، عن ابن المنكدر، وفيه: ((نزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أُولَدِكُمْ)))، وقد
١٩٧
(٢) - بَابُ قوله ◌َّهِ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٣٨)
أخرجه البخاريّ أيضاً عن ابن المدينيّ، وعن الجعفيّ مثل رواية قتيبة بدون
الزيادة، وهو المحفوظ، وكذا أخرجه مسلم من طريق سفيان الثوريّ - يعني:
الرواية الآتية بعد حديث - عن ابن المنكدر، بلفظ: ((حتى نزلت آية الميراث)).
فالحاصل أن المحفوظ عن ابن المنكدر أنه قال: آية الميراث، أو آية
الفرائض، والظاهر أنها: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ كما صُرِّح به في رواية ابن جريج،
ومن تابعه.
وأما من قال: إنها ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ فعمدته أن جابراً لم يكن له حينئذ ولد،
وإنما كان يورث كلالةً، فكان المناسب لقصته نزول الآية الأخيرة، لكن ليس
ذلك بلازم؛ لأن الكلالة مختلف في تفسيرها، فقيل: هي اسم المال الموروث،
وقيل: اسم الميت، وقيل: اسم الإرث، وقيل: ما تقدم، فلما لم يعيّن تفسيرها
بمن لا ولد له ولا والد، لم يصح الاستدلال؛ لِمَا قدَّمته أنها نزلت في آخر
الأمر، وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدة، كما أخرج أحمد، وأصحاب
السنن، وصححه الحاكم من طريق عبد الله بن محمد بن عقِیل، عن جابر
قال: ((جاءت امرأة سعد بن الربيع، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن
الربيع قُتل أبوهما معك في أُحد، وأن عمهما أَخَذ مالهما، قال: يقضي الله في
ذلك، فنزلت آية الميراث، فأرسل إلى عمهما، فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين،
وأمهما الثمن، فما بقي فهو لك))، وهذا ظاهر في تقدم نزولها .
نعم وبه احتَجَّ من قال: إنها لم تنزل في قصة جابر، إنما نزلت في قصة
ابنتي سعد بن الربيع، وليس ذلك بلازم؛ إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معاً.
ويَحْتَمِل أن يكون نزول أولها في قصة البنتين، وآخرها، وهي قوله:
﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَلَةَ﴾ في قصة جابر، ويكون مراد جابر: فنزلت
﴿يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ أي: ذِكْرُ الكلالة المتصل بهذه الآية، والله أعلم.
وإذا تقرر جميع ذلك، ظَهَر أن ابن جريج لم يَهِمْ كما جَزَم به الدمياطيّ،
ومن تبعه، وأن مَن وَهَّمه هو الواهم، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَظُّْ في
((الفتح))(١).
(١) ((الفتح)) ٣٨/١٠ - ٣٩، كتاب ((التفسير)) رقم (٤٥٧٧).
١٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
وقد تعقّب بعض المتأخّرين(١) جمع الحافظ المذكور، فقال: ويردّ على
تحقيق الحافظ ما أخرجه أبو داود في ((سننه)) من طريق هشام الدستوائيّ، عن
أبي الزبير، عن جابر رَظُبه، قال: ((اشتكيتُ، وعندي سبع أخوات، فدخل عليّ
رسول الله ◌َ، فنفخ في وجهي، فأفقت، فقلت: يا رسول الله، ألا أُوصي
لأخواتي بالثلث؟، قال: أحسن، قلت: الشطر؟، قال: أحسن، ثم خرج،
وتركني، فقال: يا جابر لا أراك ميتاً من وجعك هذا، وإن الله قد أَنْزَل، فَبَيَّن
الذي لأخواتك، فجعل لهنّ الثلثين، قال: فكان جابر يقول: أُنزلت هذه الآية
فيّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَةِ﴾ الآية [النساء: ١٧٦]))(٢).
قال: والظاهر أن قصّة هذا الحديث عَيْنُ قصّة حديث الباب، وتعدّد
القصّة - كما اختاره الحافظ - بعيد جدّاً.
قال: وإن هذا الحديث تبيّن منه أمران:
الأول: أن جابراً هو الذي عيّن الآية التي نزلت في قصّته.
والثاني: أن تلك الآية هي التي في آخر ((سورة النساء)) من آية الكلالة،
وكلا الأمرين يردّ ما قاله الحافظ، ويثبت أن الجزم بوهم ابن عيينة في حديث
الباب لا سبيل إليه .
قال: ولعلّ الحافظ نفسه تنبّه لهذا في أول ((كتاب الفرائض))، فاختار
للجمع بين الروايات طريقاً آخر، فقال: ويظهر أن يقال: إن كُلّاً من الآيتين لَمّا
كان فيها ذِكْرُ الكلالة نزلت في ذلك، لكن الآية الأولى لمّا كانت الكلالة فيها
خاصّة بميراث الإخوة من الأم، كما كان ابن مسعود يقرأ: ((وله أخ أو أخت
من أم))، وكذا قرأ سعد بن أبي وقاص، أخرجه البيهقيّ بسند صحيح، استفتوا
عن ميراث غيرهم من الإخوة، فنزلت الأخيرة، فيصحّ أن كُلّاًّ من الآيتين نزل
في قصة جابر، لكن المتعلّق به من الآية الأولى ما يتعلق بالكلالة، وأما سبب
نزول أوّلها فوَرَد من حديث جابر أيضاً في قصة ابنتي سعد بن الربيع، ومنع
(١) هو صاحب ((تكملة فتح الملهم)) ١٨/٢ - ١٩.
(٢) الحديث صحيح، أخرجه أبو داود في ((سننه)) رقم (٢٧٦٧)، والبيهقيّ في ((الكبرى))
(٢٣١/٦).
١٩٩
(٢) - بَابُ قوله ◌َّهِ: ((أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٤١٣٨)
عمهما أن يرثا من أبيهما، فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ﴾ الآية(١).
قال الجامع عفا الله عنه: يتبيّن مما سبق أن أرجح أوجه الجمع هو
الذي ذكره الحافظ أخيراً، وحاصله أن كُلّاّ من الآيتين نزل في قصّة
جابر ربه، ثم المتعلّق به من الآية الأولى هو ذِكْرُ الكلالة فقط، وأما أولها
ففي قصّة ابنتي سعد بن الربيع المتقدّمة، وأما الآية الثانية فهي في قصّة
ەپانه .
جابر
وعلى هذا فلا وَهْم في رواية ابن عيينة، ولا في رواية ابن جريج؛ لأن
كُلّ من الآيتين نزل في قصّة جابر نظُ على الوجه الذي سبق آنفاً، فتأمله،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٣٨/٢ و٤١٣٩ و٤١٤٠ و٤١٤١ و٤١٤٢]
(١٦١٦)، و(البخاريّ) في ((المرضى)) (٥٦٥١) و((الفرائض)) (٦٧٢٣)
و((الاعتصام)) (٧٣٠٩)، و(أبو داود) في ((الفرائض)) (٢٨٨٦)، و(الترمذيّ)
في ((الفرائض)) (٢٠٩٧ و٣٠١٥)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٨٧/١)
و(الكبرى)) (٣٥٦/٤ و٣٣٢/٦)، و(ابن ماجه) في ((الجنائز)) (١٤٣٦)
و((الفرائض)) (٢٧٢٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٧/٣)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٢٢٣/٦)، و(الطحاويّ) في ((شرح مشكل الآثار)) (٣٨٤/١١)،
و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٤١/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٦/
١٦٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٥٦/١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤/
١٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥١٦/٢) والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((الفتح)) ٤٢٠/١٥.
٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الفرائض
١ - (منها): بيان فضيلة عيادة المريض، واستحباب المشي فيها .
٢ - (ومنها): أن فيه التنبيه على بساطة عشرة النبيّ وَّر، وعدم تكلّفه
فيها، وقد ورد في رواية أخرى أخرجها البخاريّ عن جابر ظُه، بلفظ:
((جاءني النبيّ وَّل يعودني ليس براكب بغل، ولا برذون)).
٣ - (ومنها): بيان التبرك بآثار النبيّ وَله، وأما ما قاله النوويّ كَّلُ من
أن فيه التبرّك بآثار الصالحين، وفضل طعامهم وشرابهم، ونحوهما، وفضل
مؤاكلتهم، ومشاربتهم، ونحو ذلك، ففيه نظر لا يخفى؛ لأن هذا خاصّ
بالنبيّ ◌َ﴿، بدليل أن الصحابة والتابعين كانوا أشدّ الناس حبّاً لأبي بكر دُه،
وكذا لبقيّة الخلفاء الراشدين، وأكابر الصحابة ﴿ه، إلا أنه لم يُنقل عنهم
التبرك بآثارهم، فلو كان غير خاصّ به وَّهِ، لَمَا أطبقوا على تركه، فليُتْبصّر،
والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٤ - (ومنها): أن فيه ظهورَ بركة رسول الله ◌َّالقر فيما باشره أو لمسه، وكم
له منها وكم؟! قال القرطبيّ: وقد ذكرنا من ذلك جملة صالحة في كتاب
((الإعلام بمعجزات النبي عليه الصلاة والسلام))(١).
٥ - (ومنها): ما قال القرطبيّ تَّهُ: فيه دليل على جواز المداواة،
ومحاولة دفع المرض بما يُرجى فائدته، وخصوصاً بما يرجع إلى التَّبَرُّك بما
عظّمه الله تعالى ورسوله وَالِ﴾ (٢).
٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ دَّتُهُ: استَدَلَّ أصحابنا - يعني الشافعيّة -
وغيرهم بهذا الحديث على طهارة الماء المستعمل في الوضوء والغسل ردّاً على
أبي يوسف القائل بنجاسته، وهي رواية عن أبي حنيفة، قال: وفي الاستدلال
به نظرٌ؛ لأنه يَحْتَمِل أنه صبَّ من الماء الباقي في الإناء، ولكن قد يقال: البركة
العظمى فيما لاقى أعضاءه وَّ ر في الوضوء، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الأرجح أنه وَّر صبّ عليه مما استعمله
في أعضائه الشريفة، فالاستدلال به واضح، وهذه المسألة قد استوفيت البحث
فيها في ((كتاب الطهارة))، فارجع إليه، تستفد علماً، وبالله تعالى التوفيق.
(١) ((المفهم)) ٤ / ٥٧٠.
(٢) ((المفهم)) ٥٧٠/٤.