النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(٤٥) - بَابُ جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ - حديث رقم (٤١٠٧)
منه ثمناً، أو عِوَضاً، فلم يُرِد التضييق عليهم؛ فإنه لا يبعد أن يكون فيهم إذ
ذاك من يقدر على ذلك، وأكثر منه، فلعله وَلّ لم يُطلِعهم على ذلك، وإنما
أطلع عليه من لم يكن موسراً به ممن نقل ذلك، والله تعالى أعلم، قاله في
((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما قاله أهل العلم في حكم الرهن:
قال ابن قدامة كَخَّقُهُ: الرهن غير واجب، لا نعلم فيه مخالفاً؛ لأنه وثيقة
بالدَّين، فلم يجب، كالضمان، والكفالة، وقول الله تعالى: ﴿فَرِطَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾
[البقرة: ٢٨٣] إرشاد لنا، لا إيجاب علينا، بدليل قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ
بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى أَقْتُمِنَ أَمَنَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولأنه أمر به عند إعواز
الكتابة، والكتابة غير واجبة، فكذلك بدلها. انتهى كلام ابن قُدامة دَخَّتُهُ، وهو
تحقيق حسن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في أحوال الرهن:
قال ابن قُدامة كَغْلَهُ أيضاً: ولا يخلو الرهن من ثلاثة أحوال:
[أحدها]: أن يقع بعد الحقّ، فيصح بالإجماع؛ لأنه دَين ثابت تدعو
الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجاز أخذها به، كالضمان، ولأن الله تعالى قال:
﴿وَإِن كُنتُمْ عَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَلِبًا فَرِهَاْنُ مَّقْبُوضَةٌ﴾ فجعله بدلاً عن الكتابة،
فيكون في محلها، ومحلها بعد وجوب الحقّ، وفي الآية ما يدل على ذلك،
وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنتُمُ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]،
فجعله جزاء للمداينة، مذكوراً بعدها بفاء التعقيب.
[الحال الثاني]: أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدَّين، فيقول: بعتك
ثوبي هذا بعشرة إلى شهر، ترهُنُني بها عبدك سعداً، فيقول: قبلت ذلك، فيصح
أيضاً، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي؛ لأن الحاجة داعية إلى
ثبوته، فإنه لو لم يعقده مع ثبوت الحق، ويَشْتَرِظُ فيه لم يتمكن من إلزام
المشتري عقده، وكانت الخيرة إلى المشتري، والظاهر أنه لا يبذله، فتفوت
الوثيقة بالحق.
(١) ((الفتح)) ٣٢٨/٦.

٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
[الحال الثالث]: أن يرهنه قبل الحقّ، فيقول: رهنتك عبدي هذا بعشرة
تقرضنيها، فلا يصح في ظاهر المذهب، وهو اختيار أبي بكر، والقاضي، وذكر
القاضي أن أحمد نصّ عليه في رواية ابن منصور، وهو مذهب الشافعيّ،
واختار أبو الخطاب أنه يصح، فمتى قال: رهنتك ثوبي هذا بعشرة، تقرضنيها
غداً، وسلّمه إليه، ثم أقرضه الدراهم، لزم الرهن، وهو مذهب مالك، وأبي
حنيفة؛ لأنه وثيقة بحقّ، فجاز عقدها قبل وجوبه، كالضمان، أو فجاز انعقادها
على شيء، يحدث في المستقبل، كضمان الدِّرَك.
قال: ولنا أنه وثيقة لحق لا يلزم قبله، فلم تصح قبله، كالشهادة، ولأن الرهن
تابع للحق، فلا يسبقه كالشهادة، والثمن لا يتقدم البيع، وأما الضمان فيحتمل أن
يمنع صحته، وإن سلّمنا فالفرق بينهما أن الضمان التزام مال، تبرعاً بالقول، فجاز
من غير حق ثابت، كالنذر، بخلاف الرهن. انتهى كلام ابن قدامة تَُّ(١)، وهو
بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في الرهن في الحضر:
ذهب الجمهور إلى مشروعيته في الحضر؛ لحديث الباب، واحتجوا له
أيضاً من حيث المعنى، بأن الرهن شُرع توثقة على الدَّين؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ
أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فإنه يشير إلى أن المراد بالرهن الاستيثاق،
وإنما قيَّده بالسفر؛ لأنه مظنة فَقْد الكاتب، فأخرجه مخرج الغالب.
وخالف في ذلك مجاهد، والضحاك، فيما نقله الطبريّ عنهما، فقالا: لا
يُشرع إلا في السفر، حيث لا يوجد الكاتب، وبه قال داود وأهل الظاهر،
وقال ابن حزم: إن شَرَط المرتهن الرهن في الحضر، لم يكن له ذلك، وإن
تبرع به الراهن جاز، وحُمل حديث الباب على ذلك. قاله في ((الفتح))(٢).
وقال ابن قدامة كَخَّتُهُ: ويجوز الرهن في الحضر، كما يجوز في السفر،
قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً خالف في ذلك، إلا مجاهداً، قال: ليس الرهن
إلا في السفر؛ لأن الله تعالى شرط السفر في الرهن بقوله تعالى: ﴿وَإِن كُمْ
عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ .
(١) ((المغني)) ٤٤٤/٦ - ٤٤٥.
(٢) ((الفتح)) ٣٢٥/٦.

٤٣
(٤٥) - بَابُ جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ - حديث رقم (٤١٠٨ - ٤١٠٩)
واحتَجّ الجمهور بأن النبيّ وَّ، اشترى من يهودي طعاماً، ورهَنه درعه،
وكانا بالمدينة، ولأنها وثيقة تجوز في السفر، فجازت في الحضر، كالضمان،
فأما ذِكْر السفر، فإنه خرج مخرج الغالب؛ لكون الكاتب يُعدم في السفر غالباً،
ولهذا لم يُشترط عَدَمُ الكاتب، وهو مذكور معه أيضاً. انتهى كلام ابن
قُدامة تَخْذَتْهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ ما ذهب إليه
جمهور أهل العلم من مشروعيّة الرهن في الحضر، كما هو مشروع في السفر
بلا خلاف؛ لقوّة أدلّتهم على ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
[٤١٠٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَم،
قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنَّ
عَائِشَةَ، قَالَت: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ بَّهِ مِنْ يَهُودِيٌّ طَعَاماً، وَرَهَنَهُ دِرْعاً مِنْ حَدِيدٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قريباً.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) المروزيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَِّ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مِنْ يَهُودِيِّ) تقدّم أنه أبو الشحم من بني ظَفَر.
وقوله: (طَعَاماً) تقدّم أنه كان شعيراً، ثلاثون صاعاً.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٠٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ،
حَدَّثَنَا عبد الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: ذَكَرْنَا الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ عِنْدَ
(١) ((المغني)) ٤٤٤/٦.

٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ بَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلـ
اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٌّ طَعَاماً إِلَى أَجَلِ، وَرَهَنَهُ دِرْعاً لَهُ مِنْ حَدِيدٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْمَخْزُومِيُّ) هو: المغيرة بن سلمة، أبو هشام البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
من صغار [٩] (ت٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في ((الطهارة)) ١١ / ٥٨٤.
٢ - (عبدُ الوَاحِدِ بْنُ زِیَادٍ) العبديّ، تقدّم قبل بابین.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (إِلَى أَجَلٍ) قد بيّن ابن حبّان في ((صحيحه)) من طريق
عبد الواحد بن زياد، عن الأعمش أن الأجل سنة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١١٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَانٍ،
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَِّّ وَهِ مِثْلَهُ،
وَلَمْ يَذْكُرْ: ((مِنْ حَدِيدٍ)).
[تنبيه]: رواية حفص بن غياث، عن الأعمش هذه ساقها ابن ماجه في
((سننه)) بسند المصنّف (٨١٥/٢) فقال:
(٢٤٣٦) حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن
إبراهيم، حدّثني الأسود، عن عائشة، أن النبيّ وَّه اشتَرَى من يهوديّ طعاماً إلى
أجل، ورهَنه درعه. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٤٦) - (بَابُ السَّلَم)
((السَّلَم)) - بفتحتين -: كالسَّلَف وزناً ومعنّى، وذكر الماوردي: أن السلف
لغةُ أهل العراق، والسَّلَم لغة أهل الحجاز. وقيل: السلف تقديم رأس المال،
والسلم تسليمه في المجلس، فالسلف أعم.

٤٥
(٤٦) - بَابُ السَّلَمِ
والسلم شرعاً: بيع موصوف في الذمة، ومن قيّده بلفظ ((السلم)) زاده في
الحدّ، ومن زاد فيه: ((ببدل يُعطَى عاجلاً)) فيه نظر؛ لأنه ليس داخلاً في
حقيقته .
واتفق العلماء على مشروعيته، إلا ما حُكي عن ابن المسيِّب، واختلفوا
في بعض شروطه، واتفقوا على أنه يُشترط له ما يشترط للبيع، وعلى تسليم
رأس المال في المجلس، واختلفوا هل هو عقد غرر، جُوّز للحاجة، أم لا؟،
قاله في ((الفتح)) (١).
وقال النوويّ كَّتُهُ: قال أهل اللغة: يقال: السَّلَم والسَّلَف، وأسلم،
وسَلَّم، وأسلف، وسَلَّف، ويكون السلف أيضاً قرضاً، ويقال: استَسْلَف، قال
أصحابنا: ويَشتَرِك السلم والقرض في أن كلّ منهما إثبات مال في الذمة
بمبذول في الحال، وذَكَروا في حدّ السلم عباراتٍ، أحسنُها أنه عقدٌ على
موصوف في الذمة ببذل يُعْطَى عاجلاً، سُمِّي سَلَماً؛ لتسليم رأس المال في
المجلس، وسُمِّي سَلَفاً؛ لتقديم رأس المال، وأجمع المسلمون على جواز
السلم. انتهى (٢).
وقال ابن قدامة كَُّهُ: ((السلم)): هو أن يُسلم عِوَضاً حاضراً، في عِوَض
موصوف في الذمة، إلى أجل، ويُسَمَّى سَلَماً، وسَلَفاً، يقال: أسلم، وأسلف،
وسَلَّفَ، وهو نوع من البيع، ينعقد بما ينعقد به البيع، ويلفظ السلم، والسلف،
ويُعتبر فيه من الشروط ما يعتبر في البيع، وهو جائز بالكتاب، والسُّنَّة،
والإجماع:
أما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنْتُ بِدَيْنٍ إِلَى
أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، ورَوَى سعيد بإسناده، عن ابن
عباس ظيمًا أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى، قد أحله الله
في كتابه، وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية، ولأن هذا اللفظ يَصلح للسلم، ويشمله
بعمومه .
وأما السُّنَّة: فَرَوَى ابنُ عباس ﴿َّ، عن رسول اللهِ وََّ، أنهم قَدِمُوا
(١) ((الفتح)) ٥/٦.
(٢) (شرح النوويّ)) ٤١/١١.

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
المدينة، وهم يُسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال: ((من أسلف في
شيء، فليُسلِف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم))، مُتّفق عليه،
وروى البخاريّ عن محمد بن أبي المجالد، قال: أرسلني أبو بردة، وعبد الله بن
شداد، إلى عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى، فسألتهما عن
السلف، فقالا: كنا نُصيب المغانم مع رسول الله بسطر، فكان يأتينا أنباط من
أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة، والشعير، والزبيب، فقلت: أكان لهم زرع،
أم لم يكن لهم زرع؟، قال: ما كنا نسألهم عن ذلك.
وأما الإجماع: فقال ابن المنذر: أجمع كُلُّ من نَحفظ عنه من أهل
العلم، على أن السلم جائز، ولأن الْمُثْمَنَ في البيع أحد عوضي العقد، فجاز
أن يثبت في الذمة كالثمن، ولأن بالناس حاجة إليه؛ لأن أرباب الزروع،
والثمار، والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم، وعليها؛ لِتَكْمل، وقد
تُعوزهم النفقة، فجُوّز لهم السلم؛ ليرتفقوا، ويَرتفق الْمُسلِم بالاسترخاص.
(١)
انتھی(١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ نَّهُ: السلم، والسلف عبارتان عن مُعَبَّر
واحد، غير أن الاسم الخاصّ بهذا الباب: السلم؛ لأن السلف يُقال على
القرض، والسلم في عرف الشرع: بيع من البيوع الجائزة بالاتفاق، غير أنه
مختصّ بشروط، منها متّفقٌ عليها، ومنها مختلف فيها، وقد حدّه أصحابنا
- يعني: المالكيّة - بأن قالوا :
هو بيع معلوم في الذّة، محصور بالصفة، بعين حاضرة، أو ما في
حكمها، إلى أجل معلوم.
فتقييده بـ(معلوم في الذّة)): يفيد التحرّز من المجهول، ومن السَّلَم في
الأعيان المعيّنة، مثل الذي كانوا يُسلفون في المدينة حين قدِم عليهم النبيّ ◌َِّ،
فإنهم كانوا يُسلفون في ثمار بأعيانها، فنهاهم النبيّ وَّر عن ذلك؛ لما فيه من
الغرر؛ إذ قد تُخلف تلك النخيل، فلا تُثمر شيئاً.
وقولنا: ((محصور بالصفة)): تحرّز عن المعلوم على الجملة، دون
(١) ((المغني)) ٣٨٤/٦.

٤٧
(٤٦) - بَابُ السَّلَمِ - حديث رقم (٤١١١)
التفصيل، كما لو أسلم في ثمر، أو ثياب، ولم يُبيّن نوعها، ولا صفتها
المعيّنة.
وقولنا: ((بعين حاضرة)): تحرّز من الدَّين بالدين.
وقولنا: ((أو ما هو في حكمها)): تحرّز من اليومين، والثلاثة التي يجوز
تأخير رأس مال السلم إليها، فإنه يجوز عندنا تأخيره ذلك القدر بشرط، وبغير
شرط؛ لِقُرب ذلك، ولا يجوز اشتراط زيادة عليها .
وقولنا: ((إلى أجل معلوم)): تحرّز من الأجل المجهول الذي كانوا في
الجاهليّة، يُسلمون إليه. انتهى كلام القرطبيّ ◌َُّهُ(١).
وقوله: ((في ((الطعام)): المراد به هنا ما يعمّ البُرّ وغيره، بدليل ما ذكره
في الحديث، وإن كان الطعام كثيراً ما يُطلق على الحنطة، كما سبق بيان ذلك،
والله تعالى أعلم بالصواب.
[٤١١١] (١٦٠٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ - وَاللَّفْظُ
لِيَحْيَى - قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا، وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي
نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ
النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: ((مَنْ أَسْلَفَ
فِي تَمٍْ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (بَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، تقدّم قريباً.
٣ - (سفيان) بن عيينة، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (ابن أبي نَجِيح) عبد الله بن يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقة،
رُمي بالقدر، وربّما دلّس [٦] (ت١٣١) أو بعدها (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢١٣٤/٦.
٤ - (عبد الله بن كثير) الداريّ المكيّ، أبو مَعبد القارىء، أحد الأئمة،
مولى عمرو بن علقمة الكنانيّ، وكان عطاراً بمكة، وأهل مكة يقولون للعطار:
(١) ((المفهم)) ٥١٤/٤.

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
داريّ، ويقال: بل هو من ولد الدار بن هانئ، رهط تميم الداريّ، وقال أبو
نعيم الأصبهاني: هو مولى بني عبد الدار، صدوقٌ [٦].
رَوَى عن أبي الزبير، ومجاهد، وقرأ عليه القرآن، وأبي المنهال:
عبد الرحمن بن مطعم، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم. وعنه أيوب،
وجرير بن حازم، وابن أبي نجيح، وابن جريج، وحماد بن سلمة، وشِبْل بن
عباد، وابن خَثيم، وابن عيينة، وجماعة.
قال عليّ ابن المدينيّ: كان ثقة، وقال ابن سعد: ثقة، وله أحاديث
صالحة، وقال حماد بن سلمة: رأيت أبا عمرو بن العلاء، يقرأ على عبد الله بن
كثير، وقال ابن عيينة: لم يكن بمكة أقرأ منه، ومن حميد بن قيس. وقال
جرير بن حازم: كان فصيحاً بالقرآن. وذكر أبو عمرو الداني: أنه أخذ القراءة
عن عبد الله بن السائب المخزوميّ، والمعروف أنه إنما أخذها عن مجاهد،
وقال ابن المجاهد، عن بشر بن موسى، عن الحميديّ، عن سفيان: رأيت
قاسم الرحال في جنازة عبد الله بن كثير، سنة عشرين ومائة.
وقال البخاريّ: عبد الله بن كثير المكيّ القرشيّ، سمع مجاهداً، سمع
منه ابن جريج.
قال الجيانيّ: وقول البخاريّ: إنه من بني الدار وَهَمُ، وإنما هو سهميّ،
كذا يقوله النسابون، والمحدثون، وقال: والذي ذكر ابن عيينة: أنه رأى قاسم
الرحال في جنازته، هو السهميّ، لا القارئ، وقال ابن أبي مريم، عن ابن
معين: عبد الله بن كثير الرازيّ القارئ ثقة، وقال أبو عبيد: إليه صارت قراءة
أهل مكة، وبه اقتدى أكثرهم، وصحح ابن البادي أن نسبته إلى دارين، قال:
لأنه كان عطاراً.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديث الباب فقط، كرّره مرّتين.
[تنبيه]: مدار هذا الحديث - كما قال في ((الفتح)) - على ((عبد الله بن
كثير)): وقد اختلف فيه، فقيل: هو عبد الله بن كثير بن المطّلب بن أبي وداعة
السهميّ، وبهذا جزم الكلاباذيّ، وابن طاهر، والدمياطيّ.
وقيل: هو عبد الله بن كثير القارئ المشهور، وبهذا جزم القابسيّ،
وعبد الغنيّ، والمزّيّ، قال الحافظ:

٤٩
(٤٦) - بَابُ السَّلَمِ - حديث رقم (٤١١١)
وهو أرجح، فإنه مقتضى صنيع البخاريّ في ((تاريخه))، وكلاهما ثقتان.
(١)
انتھی(١).
٥ - (أبو المنهال) عبد الرحمن بن مُطعم البُنَانيّ البصريّ، نزيل مكة،
تقدّم قريباً .
٦ - (ابن عباس) البحر الحبر ◌ًّا، تقدّم أيضاً قريباً.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف رَّلهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المكيين، غير شيخيه.
٤ - (ومنها): أن فيه عبد الله بن كثير أحد القرّاء السبعة، الذي قال عنه
الشاطبيّ في ((حرز الأماني)):
وَمَكَّةُ عَبْدُ اللهِ فِيهَا مُقَامُهُ هُوَ ابْنُ كَثِيرٍ كَاثِرُ الْقَوْمِ مُعْتَلَى
وفيه ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، حبر الأمة، وبحرها، وأحد
المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ) عبد الرحمن بن مطعم، (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌َّ أنه
(قَالَ: قَدِمَ) بكسر الدال المهملة، من باب تعب (النَّبِيُّ وَّرِ الْمَدِّينَةَ، وَهُمْ
يُسْلِفُونَ) بضمّ أوله، من الإسلاف، أو التسليف، يقال: أسلف إسلافاً، وسلّف
تسليفاً، والاسم السّلَف، وهو على وجهين:
[أحدهما]: قرض، لا منفعة للمقرض غير الأجر، والشكر.
[والثاني]: أن يُعطي مالاً في سلعة إلى أجل معلوم. قاله السنديّ(٢)،
والمراد هنا الثاني.
(فِي الثِّمَارِ) بكسر الثاء المثلّثة، وتخفيف الميم، وفي رواية للبخاريّ:
(١) راجع: ((الفتح)) ٤٣٠/٤.
(٢) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٢٩٠/٧.

٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
((في الثمر)) بالثاء المثلّثة أيضاً، وهو مفرد الأول، قال الفيّوميّ تَخْلَمُهُ: الثَّمَرُ
- بفتحتين - والثَّمَرَةُ مثله، فالأول مذكَّر، ويُجْمَع على ثِمَارٍ، مثلُ جَبَلٍ وجِبَال،
ثم يجمع الثِّمَارُ على ثُمُرٍ، مثلُ كتاب وكُتُب، ثم يُجمع على أَثْمَارٍ، مثل عُنُق
وأعناق، والثاني مؤنَّث، والجمع ثَمَرَاتٍ، مثل قَصَبة وقَصَبات، والثَّمَرُ: هو
الْحَمْلُ الذي تُخرجه الشجرة، سواءٌ أُكِل أو لا، فيقال: ثَمَرُ الأراك، وثَمَرُ
الْعَوْسَج، وثَمَرُ الدَّوْمِ، وهو الْمُقْلُ، كما يقال: ثَمَرُ النخل، وثَمَرُ العنب، قال
الأزهريّ: وأَثْمَرَ الشَجرُ: أطلع ثمره أوّلَ ما يُخرجه، فهو مُثْمِرٌ، ومن هنا قيل
لما لا نفع فيه: ليس له ثَمَرَةٌ. انتهى(١).
(السَّنَّةَ وَالسَّنَتَيْنِ) بالنصب على الظرفيّة متعلّق بـ((يُسلفون))، وقال السنديّ:
منصوب إما على نزع الخافض؛ أي: إلى السنة والسنتين، أو على المصدر؛
أي: إسلاف السنة والسنتين. انتهى (٢).
(فَقَالَ) ◌َِّ: ((مَنْ أَسْلَفَ) بالهمز، وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن
عُليّة، عن ابن أبي نَجيح: ((من سلّف)) بتشديد اللام، وهو بمعناه، كما سبق
(فِي تَمْرٍ) بفتح التاء المثنّاة فوقُ، وسكون الميم، قال النوويّ تَّتُهُ: هكذا هو
في أكثر الأصول (تَمْر)) بالمثنّاة، وفي بعضها (ثَمَر)) بالمثلّثة، وهو أعمّ.
(٣)
انتھی(٣).
وفي رواية البخاريّ: ((من أسلف في شيء)).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: إنما جرى ذكر التمر في هذه الرواية؛ لأنه غالب ما
يُسلم فیه عندهم. انتهى (٤).
(فَلْيُسْلِفْ) بضم حرف المضارعة، من الإسلاف، أو التسليف (فِي كَيْلِ
مَعْلُوم، وَوَزْنٍ مَعْلُوم) هكذا الرواية بالواو، وهي هنا بمعنى ((أو))؛ لأن المراد
اعتبارً الکیل فیما یُگال، والوزن فیما یوزن.
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ٨٤.
(٢) راجع: ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٢٩١/٧، و((الكاشف عن حقائق السنن)) ٧/
٢١٦٤، للطيبيّ.
(٣) ((شرح النوويّ)) ٤١/١١.
(٤) ((المفهم)) ٥١٥/٤.

٥١
(٤٦) - بَابُ السَّلَمِ - حديث رقم (٤١١١)
وقال النوويّ نَّثُ: قوله: ((ووزن معلوم)) هكذا في جميع النسخ: ((ووزن
معلوم)) بالواو، لا بـ((أو))، ومعناه: إن أسلم كيلاً، أو وزناً، فليكن معلوماً،
وفيه دليلٌ لجواز السلم في المكيل وزناً، وهو جائز بلا خلاف، وفي جواز
السلم في الموزون كيلاً وجهان لأصحابنا، أصحّهما جوازه؛ كعكسه.
(١)
انتھی(١).
وقال السنديّ كَثُ: قوله: ((ووزن معلوم)) بالواو في الأصول، فقيل:
الواو للتقسيم؛ أي: بمعنى ((أو))؛ أي: كيلٌ فيما يكال، ووزنٌ فيما يوزن.
وقيل: بتقدير شرط؛ أي: في كيل معلوم، إن كان كيليّاً، ووزن معلوم، إن كان
وزنيّاً، أو مَن أسلف في مكيل، فليُسلف في كيل معلوم، ومن أسلف في
موزون، فليُسلف في وزن معلوم. انتهى (٢).
(إِلَى أَجَلِ مَعْلُوم)))؛ أي: وقتٍ محدّد، احترز به عن الأجل المجهول
الذي كانوا في الجاهليَّة يسلفون إليه، قيل: ظاهره اشتراط الأجل في السلم،
وبه يقول الجمهور، وهو الصحيح، وسيأتي تحقيقه قريباً، إن شاء الله تعالى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١١١/٤٦ و٤١١٢ و٤١١٣ و٤١١٤] (١٦٠٤)،
و(البخاريّ) في ((السلم)) (٢٢٣٩ و٢٢٤٠ و٢٢٤١ و٢٢٥٣)، و(أبو داود) في
((البيوع)) (٣٤٦٣)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٣١١)، و(النسائيّ) في ((البيوع))
(٢٩٠/٧) و((الكبرى)) (٤٠/٤)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢٢٨٠)،
و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٦١/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٤٠٥٩
و١٤٠٦٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٢/٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(١) ((شرح النوويّ)) ١١/ ٤٢.
(٢) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٢٩٠/٧ - ٢٩١.

٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(٥١٠)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٧/١ و٢٢٢ و٢٨٢)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٢٤٧٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٩٢٥) و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(٦١٤ و٦١٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١١٢٦٣ و١١٢٦٤ و١١٢٦٥)،
و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٣/٣، ٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤١١/٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨/٦ و١٩ و٢٤) و((المعرفة)) (٤٠٣/٤ و٤١٤)،
و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢٩٦/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنّة)) (٢١٢٥)،
والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة السلم في التمر، وجميع الثمار.
٢ - (ومنها): اشتراط تعيين الكيل فيما يُسْلَم فيه من المكيل، من أجل
اختلاف المكاييل، إلا أن لا يكون في البلد سوى كيل واحد، فإنه ينصرف إليه
عند الإطلاق، قال في ((الفتح)): واتّفقوا على اشتراط الكيل فيما يُسلم فيه من
المكيل، كصاع الحجاز، وقفيز العراق، وإِرْدَبّ مصر، بل مكاييل هذه البلاد
في نفسها مختلفة، فإذا أطلق صُرف إلى الأغلب. انتهى(١).
٣ - (ومنها): أن ما يوزن لا يُسلم فيه مكيلاً، وبالعكس، قال في
((الفتح)): وهو أحد الوجهين، والأصحّ عند الشافعيّة الجواز، وحمله إمام
الحرمين على ما يُعدّ الكيل في مثله ضابطاً. انتهى.
٤ - (ومنها): أنه يؤخذ من رواية ((من أسلف في شيء)) جواز السلم في
كلّ شيء، من الحيوان، وغيره من العُروض، مما تجتمع شروط السلم فيه،
وهو مذهب الجمهور، من الصحابة، والتابعين، وأئمة الفتيا، وقد منع السلم،
والقرض في الحيوان: الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، ورُوي عن ابن عمر،
وابن مسعود ◌ّه، قال القرطبيّ: والكتاب، والسُّنَّة حجة عليهم، فمن الكتاب
عموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ
بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، ومن السُّنَّة: ((أنه ◌َّ استسلف من رجل
بكراً)) الحديث. رواه مسلم، وقد تقدّم في الباب الماضي.
(١) ((الفتح)) ٦/ ٧.

٥٣
(٤٦) - بَابُ السَّلَمِ - حديث رقم (٤١١١)
٥ - (ومنها): أن فيه دليلاً على اشتراط كون الْمُسْلَم فيه معلوم المقدار،
قال القرطبيّ تَخَُّهُ: وكذلك لا بُدَّ أن يكون معلوم الصفة المقصودة المعيَّنة؛
ليرتفع الغرر والجهالة، وهو مجمع عليه، وإنما لم يذكر اشتراطها في هذا
الحديث؛ لأنهم كانوا يشترطونها ويعملون عليها، فاستغني عن ذكرها، واعتني
بذكر ما كانوا يُخِلُّون به من المقدار والأجل، وأما رأس مال السَّلم: فقد
اشترط فيه أبو حنيفة أن يكون معلوم الكيل، أو الوزن، وقال أبو يوسف
ومحمد: يجوز السَّلم بما كان معيناً، ولو لم يعلم كيله، ولا وزنه، وبه قال
الشافعيّ في أحد قوليه، ولم يَرِدْ عن مالك فيه نصٌّ، لكن يتخرج من مسألة
جواز بيع الجِزاف فيما يجوز فيه جواز السَّلم بالمعين جزافاً، وهو الصحيح إن
شاء الله تعالى؛ لأن التقدير في الجزاف كالتحقيق، فيستوي في جواز ذلك
رأس مال السَّلم وغيره. انتهى كلام القرطبيّ تَظَّهُ(١).
٦ - (ومنها): أن فيه دليلاً على اشتراط الأجل في السَّلم، قال القرطبيّ:
وهو قول أبي حنيفة، والمشهور من قول مالك، غير أن أبا حنيفة لم يُفرق بين
قريب الأجل وبعيده، وأما أصحابنا - يعني: المالكيّة - فقالوا: لا بدَّ من أجل
تتغير فيه الأسواق، وأقله عند ابن القاسم خمسة عشر يوماً، وقال غيره: ثلاثة
أيام، ولم يَحُدَّها ابن عبد الحكم في روايته عن مالك، بل قال: أياماً يسيرة،
وهذا في البلد الواحد. وأما في البلدين فيغني ما بينهما من المسافة عن
اشتراط الأجل إذا كانت معلومة وتعيّن وقت الخروج.
وقال الشافعيّ: يجوز السَّلم الحالّ، وهذا الحديث حجة عليه، ولا سيما
على رواية من رواه: ((من أسلم فلا يسلم إلا في كيل معلوم، ووزن معلوم،
إلى أجل معلوم))، وكذلك الحديث الذي قال فيه: ((نَهَى رسول الله وَّر عن بيع
ما ليس عندك، وأرخص في السَّلم))؛ لأن السَّلم لمّا كان بيعَ معلومٍ في الذمة
كان بيعَ غائبٍ، فإن لم يكن فيه أجل كان هو البيع المنهيّ عنه، وإنّما استثنى
الشرع السَّلم من بيع ما ليس عندك؛ لأنه بيع تدعو إليه ضرورة كل واحد من
المتبايعين، فإن صاحب رأس المال محتاج أن يشتري الثمر، وصاحب الثمرة
(١) ((المفهم)) ٥١٥/٤.

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
محتاج إلى ثمنها قبل إيَّانها لينفقه عليها، فظهر أن صفقة السَّلم من المصالح
الحاجيّة، وقد سَمَّاها الفقهاء بيع المحاويج، فإن جاز حالاً بطلت هذه
الحكمة، وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك
فائدة، والله أعلم.
وأما رأس مال السَّلم فيجوز أن يتأخر عندنا ثلاثة أيام بشرط وبغير
شرط، ولا يجوز تأخيره زيادة عليها بالشرط، وإن وقع كذلك بطل؛ لأنه ظهر
مع الزيادة عليها مقصود الدَّين بالدّين، فلا يجوز بخلاف ما قبلها؛ إذ لا يتبيَّن
فيه المقصد إلى ذلك؛ إذ يكون تأخير اليومين والثلاثة ليهيِّىء الثمن، ويحتال
في تحصيله، ولم يجز الكوفيون، ولا الشافعيّ تأخيره عن العقد والافتراق،
ورأوا أنه كالصَّرف، وهذا القياس غير مسلّم لهم؛ لأن البابين مختلفان بأخص
أوصافهما، فإن الصَّرف بابه ضيق، كثرت فيه التعبُّدات والشروط بخلاف السَّلم
فإن شوائب المعاملات عليه أكثر، وأيضاً فإنه على نقيضه، ألا ترى: أن
مقصود الشرع في الصَّرف المناجزة، والمقصود في السَّلم التوسيع بالتأخير؛
فكيف تُحمل فروع أحدهما على الآخر مع وجود هذه الفوارق؟. انتهى كلام
القرطبيّ تَظُّهُ(١).
[تنبيه]: ذكر العلماء لصحة السلم ستة شروط؛ استنباطاً من حديث
الباب، وغيره، فمنها ما هو مجمع عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، وسأورد
هذه الشروط مع بيان بعض ما يتفرّع منها من المسائل، ملخّصاً من كلام الإمام
العلامة موفّق الدين أبي محمد ابن قدامة تَُّهُ، في كتابه المفيد ((المغني))،
وأرتّبها في مسائل متممة للمسائل الماضية فأقول:
(المسألة الرابعة): في الكلام على الشرط الأول:
قال ابن قدامة تَّتُهُ ما حاصله: الشرط الأول أن يكون المُسْلَم فيه، مما
ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهراً، فيصح في الحبوب،
والثمار، والدقيق، والثياب، والإبريسم، والقطن، والكتان، والصوف،
والشعر، والكاغد، والحديد، والرصاص، والصفر، والنحاس، والأدوية،
(١) ((المفهم)) ٥١٦/٤ - ٥١٧.

(٤٦) - بَابُ السَّلَمِ - حديث رقم (٤١١١)
والطيب، والخلول، والأدهان، والشحوم، والألبان، والزئبق، والشَّبّ،
والكبريت، والكحل، وكل مكيل، أو موزون، أو مزروع، وقد جاء الحديث
في الثمار، وحديث ابن أبي أوفى ظُه في الحنطة، والشعير، والزبيب،
والزيت، وأجمع أهل العلم على أن السلم في الطعام جائز، قاله ابن المنذر،
وأجمعوا على جواز السلم في الثياب.
ولا يصح السلم فيما لا ينضبط بالصفة، كالجوهر، من اللؤلؤ،
والياقوت، والفيروزج، والزبرجد، والعقيق، والبِلَّوْر؛ لأن أثمانها تختلف
اختلافا متبايناً بالصغر، والكبر، وحسن التدوير، وزيادة ضوئها، وصفائها، ولا
يمكن تقديرها ببيض العصفور ونحوه؛ لأن ذلك يختلف، ولا بشيء معين؛ لأن
ذلك يَتْلَف، وهذا قول الشافعيّ، وأصحاب الرأي، وحُكي عن مالك صحة
السلم فيها، إذا اشترط منها شيئاً معلوماً، وإن كان وزناً فبوزن معروف، والذي
قلناه أولى؛ لِمَا ذكرنا .
ولا يصح فيما يَجمع أخلاطاً مقصودة، غير متميزة، كالغالية، والنَّدّ،
والمعاجين، التي يتداوى بها؛ للجهل بها، ولا في الحوامل من الحيوان؛ لأن
الولد مجهول، غير متحقَّق، ولا في الأواني المختلفة الرؤوس والأوساط؛ لأن
الصفة لا تأتي عليه.
وفيه وجه آخر أنه يصح السلم فيه، إذا ضُبط بارتفاع حائطه، ودور أعلاه
وأسفله؛ لأن التفاوت في ذلك يسير، ولا يصح في القَسِيّ المشتملة على
الخشب، والقرن، والعصب، والُّوز؛ إذ لا يمكن ضبط مقادير ذلك، وتمييز ما
فيه منها، وقيل: يجوز السلم فيها، والأولى ما ذكرنا.
قال القاضي: والذي يجمع أخلاطاً على أربعة أضرب:
[أحدها]: مختلط مقصود متميز؛ كالثياب المنسوجة من قطن وكتان، أو
قطن وإبريسم، فيصح السلم فيها؛ لأن ضبطها ممكن.
[الثاني]: ما خلطه لمصلحته، وليس بمقصود في نفسه؛ كالإنفحة في
الجبن، والملح في العجين والخبز، والماء في خل التمر والزبيب، فيصح
السلم فيه؛ لأنه یسیر لمصلحته.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
[الثالث]: أخلاط مقصودة غير متميزة؛ كالغالية والنّدّ، والمعاجين، فلا
يصح السلم فيها؛ لأن الصفة لا تأتي عليها .
[الرابع]: ما خلطه غير مقصود، ولا مصلحة فيه؛ كاللبن المشوب
بالماء، فلا يصح السلم فيه. انتهى كلام ابن قدامة تَخْذُهُ(١)، وهو بحث نفيس،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): مما يتفرّع على الشرط المذكور مما اختَلَف فيه أهل
العلم السلم في الحيوان:
قال ابن قدامة تَخُّْهُ: واختلفت الرواية - أي: عن أحمد - في السلم في
الحيوان، فُرُوي: لا يصح السلم فيه، وهو قول الثوريّ، وأصحاب الرأي،
ورُوي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وحذيفة، وسعيد بن جبير، والشعبيّ،
والجوزجانيّ؛ لما رُوي عن عمر بن الخطاب ظُه، أنه قال: إن من الربا
أبواباً، لا تخفى، وإن منها السلمَ في السنّ، ولأن الحيوان يختلف اختلافاً
متبايناً، فلا يمكن ضبطه، وإن استقصى صفاته التي يختلف بها الثمن، مثل:
أزجّ الحاجبين، أكحل العينين، أقنى الأنف، أشم العِرْنين، أهدب الأشفار،
أَلْمَى الشفة، بديع الصفة، تعذّر تسليمه؛ لندرة وجوده على تلك الصفة، وظاهر
المذهب صحة السلم فيه، نَصّ عليه في رواية الأثرم.
قال ابن المنذر: وممن روينا عنه أنه لا بأس بالسلم في الحيوان: ابنُ
مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيِّب، والحسن، والشعبيّ،
ومجاهد، والزهريّ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وحكاه
الجوزجانيّ عن عطاء، والحكم؛ لأن أبا رافع ظُه، قال: ((استَسْلَف النبيّ وَل
من رجل بكراً))، رواه مسلم، ورَوَى عبد الله بن عمرو بن العاص، قال:
((أمرني رسول الله وَلقول، أن أبتاع البعير بالبعيرين وبالأبعرة، إلى مجيء
الصدقة))، ولأنه ثبت في الذمة صداقاً، فثبت في السلم، كالثياب، فأما حديث
عمر فلم يذكره أصحاب الاختلاف، ثم هو محمول على أنهم يشترطون من
ضراب فحل بني فلان، قال الشعبيّ: إنما كره ابن مسعود السلف في الحيوان؛
(١) («المغني)) ٣٨٥/٦ - ٣٨٦.

٥٧
(٤٦) - بَابُ السَّلَمِ - حديث رقم (٤١١١)
لأنهم اشترطوا نتاج فحل معلوم. رواه سعيد، وقد رُوي عن علي ظُه أنه باع
جملا له يُدعى عُصيفيراً بعشرين بَعيراً إلى أجل، ولو ثبت قول عمر، في تحريم
السلم في الحيوان، فقد عارضه قول من سمينا ممن وافقنا. انتهى كلام ابن
قُدامة رَذَتُهُ(١)، وهو بحث مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة السادسة): مما اختلفوا فيه أيضاً: السلم في غير الحيوان مما
لا یکال، ولا یوزن:
قال ابن قدامة تَّتُهُ: واختلفت الرواية - أي: عن أحمد - في غير
الحيوان، مما لا يكال، ولا يوزن، ولا يذرع، فنقل إسحاق بن إبراهيم، عن
أحمد؛ أنه قال: لا أرى السلم إلا فيما يكال، أو يوزن، أو يوقف عليه، قال
أبو الخطاب: معناه: يوقف عليه بحدّ معلوم، لا يختلف كالذرع، فأما الرمان،
والبيض، فلا أرى السلم فيه، وحَكَى ابن المنذر عنه، وعن إسحاق: أنه لا خير
في السلم في الرمان، والسفرجل، والبطيخ، والقثاء، والخيار؛ لأنه لا يكال،
ولا يوزن، ومنه الصغير والكبير، فعلى هذه الرواية لا يصح السلم في كل
معدود مختلف، كالذي سميناه، وكالبقول؛ لأنه يختلف، ولا يمكن تقدير البقل
بالحزم؛ لأن الحزم يمكن في الصغير والكبير، فلم يصح السلم فيه كالجواهر،
ونقل إسماعيل بن سعيد، وابن منصور: جواز السلم في الفواكه، والسفرجل،
والرمان، والموز، والخضروات ونحوها؛ لأن كثيراً من ذلك، مما يتقارب،
وينضبط بالصغر والكبر، وما لا يتقارب ينضبط بالوزن، كالبقول ونحوها، فصح
السلم فيه، كالمذروع، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعيّ، والأوزاعيّ، وحَكَى
ابن المنذر عن الشافعيّ المنع من السلم في البيض، والجوز، ولعل هذا قول
آخر، فيكون له في ذلك قولان. انتهى كلام ابن قُدامة ◌َّهُ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الثاني عندي أرجح؛ لإمكان
ضبطها بما ذُكر، ضبطاً تقريبيّاً، وهو كاف في مثل هذا، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((المغني)) ٣٨٨/٦ - ٣٨٩.
(٢) ((المغنى)) ٣٨٨/٦ - ٣٨٩.

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(المسألة السابعة): في الكلام على الشرط الثاني: وهو أن يضبطه
بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهراً، فإن السلم فيه عوض في الذمة، فلا بد
من كونه معلوماً بالوصف، كالثمن، ولأن العلم شرط في المبيع، وطريقه إما
الرؤية، وإما الوصف، والرؤية ممتنعة ههنا، فتعيَّن الوصف، والأوصاف على
ضربين: متفق على اشتراطها، ومختلف فيها، فالمتفق عليها ثلاثة أوصاف:
الجنس، والنوع، والجودة والرداءة، فهذه لا بدّ منها في كل مُسْلَم فيه، ولا
نعلم بين أهل العلم خلافاً في اشتراطها، وبه يقول أبو حنيفة، ومالك،
والشافعيّ.
الضرب الثاني: ما يختلف الثمن باختلافه، مما عدا هذه الثلاثة
الأوصاف، وهذه تختلف باختلاف المسلم فيه، وذِكْرها شرط في السلم عند
أحمد، والشافعيّ، وقال أبو حنيفة: يكفي ذكر الأوصاف الثلاثة؛ لأنها تشتمل
على ما وراءها من الصفات.
ولنا أنه يبقى من الأوصاف من اللون، والبلد، ونحوهما ما يختلف
الثمن، والغرض لأجله، فوجب ذِكْره كالنوع، ولا يجب استقصاء كل
الصفات؛ لأن ذلك يتعذر، وقد ينتهي الحال فيها إلى أمر يتعذر تسليم المُسْلَم
فيه؛ إذ يبعد وجود المُسْلَم فيه عند المحل بتلك الصفات كلها، فيجب الاكتفاء
بالأوصاف الظاهرة، التي يختلف الثمن بها ظاهراً، ولو استقصى الصفات حتى
انتهى إلى حال يندر وجود المُسْلَم فيه بتلك الأوصاف، بطل السلم؛ لأن من
شرط السلم أن يكون المُسْلَم فيه عامَّ الوجود عند المحل، واستقصاء الصفات
يمنع منه. انتهى (١)، وهو بحث نفيس. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في الكلام على الشرط الثالث: وهو معرفة مقدار
المُسْلَم فيه بالكيل، إن كان مكيلاً، وبالوزن إن كان موزوناً، وبالعدد إن كان
معدوداً؛ لقول النبيّ وَلجر: ((من أسلم في شيء، فليسلف في كيل معلوم، أو
وزن معلوم، إلى أجل معلوم))، متّفقٌ عليه، ولأنه عوض غير مشاهَد يثبت في
(١) ((المغني)) ٣٩١/٦ - ٣٩٢.

٥٩
(٤٦) - بَابُ السَّلَمِ - حديث رقم (٤١١١)
الذمة، فاشتُرط معرفة قدره، كالثمن، قال الموفّق: ولا نعلم في اعتبار معرفة
المقدار خلافاً، ويجب أن يقدّره بمكيال، أو أرطال معلومة عند العامة، فإن
قدّره بإناء معيّن، أو صنجة معينة، غير معلومة لم يصح؛ لأنه يهلك، فيتعذر
معرفة قدر المُسْلَم فيه، وهذا غرر، لا يحتاج إليه العقد.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نَحْفَظ عنه من أهل العلم، على أن
المُسْلَم في الطعام، لا يجوز بقفيز لا يُعلم عياره، ولا في ثوب بذرع فلان؛
لأن المعيار لو تَلِف، أو مات فلان بطل السلم، منهم: الثوريّ، والشافعيّ،
وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور، وإن عيَّن مكيال رجل، أو ميزانه، وكانا
معروفين عند العامة جاز، ولم يختصّ بهما، وإن لم يُعْرَفا لم يَجُز. انتهى (١)،
وهو بحث نفيس أيضاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): مما يتفرّع على الشرط الثالث المذكور اختلافهم،
فيما إذا أسلم فيما يكال وزناً، أو فيما يوزن كيلاً، قال ابن قُدامة: نقل الأثرم
أنه سأل أحمد، عن السلم في التمر وزناً؟، فقال: لا إلا كيلاً، قلت: إن
الناس ههنا لا يعرفون الكيل، قال: وإن كانوا لا يعرفون الكيل، فَيَحْتَمِل هذا
أنه لا يجوز في المكيل إلا كيلاً، ولا في الموزون إلا وزناً، وهكذا ذكره
القاضي، وابن أبي موسى؛ لأنه مبيع يُشترط معرفة قَدْره، فلم يَجُز بغير ما هو
مقدّر به في الأصل، كبيع الرطوبات بعضها ببعض، ولأنه قدّر المُسْلَم بغير ما
هو مقدّر به في الأصل، فلم يجز، كما لو أسلم في المذروع وزناً، ونقل
المروذيّ عن أحمد: أنه يجوز السلم في اللبن إذا كان كيلاً أو وزناً، وهذا يدل
على إباحة السلم في المكيل وزناً، وفي الموزون كيلاً؛ لأن اللبن لا يخلو من
كونه مكيلاً، أو موزوناً، وقد أجاز السلم فيه بكل واحد منهما، وهذا قول
الشافعيّ، وابن المنذر، وقال مالك: ذلك جائز، إذا كان الناس يتبايعون التمر
وزناً، قال ابن قدامة: وهذا أصح إن شاء الله تعالى؛ لأن الغرض معرفة قَدْرِه،
وخروجه من الجهالة، وإمكان تسليمه من غير تنازع، فبأيِّ قَدْر قَدَّره جاز،
ويفارق بيع الربويات، فإن التماثل فيها في المكيل كيلاً، وفي الموزون وزناً
(١) (المغني)) ٣٩٩/٦ - ٤٠٠.

٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
شرط، ولا نعلم هذا الشرط إذا قدّرها بغير مقدارها الأصلي. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي صححه ابن قدامة: هو الأرجح
عندي؛ لوضوح حجته، كما بيّنه هو في كلامه المذكور آنفاً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): في الكلام على الشرط الرابع: وهو أن يكون مؤجلاً
أجلاً معلوماً، وقد اختلف أهل العلم في ثلاثة مواضع من هذا الشرط:
[أحدها]: أنه يشترط لصحة السلم كونه مؤجلاً، ولا يصح السلم الحال،
قال أحمد في رواية المُرُّوذيّ: لا يصح حتى يشترط الأجل، وبهذا قال أبو
حنيفة، ومالك، والأوزاعيّ، وقال الشافعيّ، وأبو ثور، وابن المنذر: يجوز
السلم حالاً؛ لأنه عقد يصح مؤجلاً، فصح حالًا، كبيوع الأعيان، ولأنه إذا
جاز مؤجلاً، فحالّاً أجوز، ومن الغرر أبعد.
واحتجّ الأولون بقول النبيّ وَلي: ((من أسلف في شيء، فليسلف في كيل
معلوم، أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم))، فأمر بالأجل، وأمْره يقتضي
الوجوب، ولأنه أمَر بهذه الأمور؛ تبييناً لشروط السلم، ومنعاً منه بدونها،
وكذلك لا يصح إذا انتفى الكيل والوزن، فكذلك الأجل، ولأن السلم إنما
جاز رخصةً للرفق، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفى
الرفق، فلا يصح كالكتابة، ولأن الحلول يخرجه عن اسمه ومعناه: أما الاسم
فلأنه يسمى سَلَماً وسَلَفاً؛ لتعجّل أحد العوضين، وتأخر الآخر، ومعناه ما
ذكرناه في أول الباب، من أن الشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه، ومع
حضور ما يبيعه حالّاً لا حاجة إلى السلم، فلا يثبت، ويفارق بيوع الأعيان،
فإنها لم تثبت على خلاف الأصل، لمعنى يختص بالتأجيل، وما ذكروه من
التنبيه غير صحيح؛ لأن ذلك إنما يجزىء فيما إذا كان المعنى المقتضي موجوداً
في الفرع بصفة التأكيد، وليس كذلك ههنا، فإن البعد من الضرر، ليس هو
المقتضي لصحة السلم المؤجل، وإنما المصحِّح له شيء آخر، لم نذكر
اجتماعهما فيه، وقد بيّنا افتراقهما.
إذا ثبت هذا، فإنه إن باعه ما يصح السلم فيه حالاً في الذمة صح،
ومعناه معنى السلم، وإنما افترقا في اللفظ.