النص المفهرس

صفحات 1-20

التمر المخط التاريخ
في شرح
جَرَجُ الأمرُ مُسْلِمُ الَّخارج
لَجَامِعِه الْفَقِيُ الحِصَوْلَه الغَنِ الْقَدِرِ
مُخَابُالشَّهُ العُلَّمَ بَلِ ◌ّنْ آدَمْ برُمُوسَ الإنْيُّوُبِالوَأْوِيّ
◌ُوَيَدْمِ العِلْمُ بِمَكّة المُكَّهَة
عَفًا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وَعَدُ وَالدِبُّه آمين
المجَلَّ الثَّامِن وَالِعِشْرون
كتاب: البيوع - الفرائض - الهبات - الوصايا - التّر - الأيمان
رقم الأحاديث (٤١٠١ - ٤٢٨٩)
دارابن الجوزي

بشـ
3

النِّ الخَيَظُ العمارية
في شرح
جَخِيُ الأَمْرِ مُلِ الحَجَارُ
٢٨

حِقُوق الطّرْع محفوظة لِدَارابن الجوزيّ
الطَّبَعَة الأولى
١٤٣٤ هـ
حقوق الطبع محفوظة ٢ ١٤٣٤هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
ـحـ
ن
رابن
للنشر والتوزيع
دارابن الجوزي
لِلِنّشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢
الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨
الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت - هاتف:
٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس:
٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني:
aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

٥
(٤٣) - بَابُ جَوَازِ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَوْفِيَتِهِ خَيْراً مِمَّا عَلَيْهِ
براس الرحمن الرحيم
يوم الأحد التاسع من شهر ربيع الثاني ١٤٣٠/٤/٩ هـ أول الجزء الثامن
والعشرين من شرح ((صحيح الإمام مسلم) المسمّى ((البحر المحيط
النجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج)، رحمه الله تعالى.
(٤٣) - (بَابُ جَوَازِ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَوْفِيَتِهِ خَيْراً مِمَّا عَلَيْهِ)
قال الفيّوميّ كَّتُهُ: القَرْض: ما تُعطيه غيرك من المال؛ لتُقضاه، والجمع:
قُرُوض، مثلُ: فَلْسٍ وقُلُوس، وهو اسم من أقرضته المالَ إقراضاً، واستقرض:
طلب القرض، واقترض: أخذه، وتقارضا الثناء: أثنى كلّ واحد على صاحبه،
وقارضه من المال قِراضاً، من باب قاتل، وهو المضاربة. انتهى (١).
وقال ابن قُدامة تَُّهُ: القرض نوع من السَّلف، وهو جائز بالسُّنَّة، والإجماع،
أما السُّنَّة: فحديث أبي رافع ◌َُّه: ((أن النبيّ وَّةِ، استسلف من رجل بَكْراً، فقَدِمت
على النبيّ ◌َ ﴿ إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَه، فرجع إليه أبو
رافع، فقال: يا رسول الله، لم أجد فيها إلا خياراً رَبَاعياً، فقال: أعطه، فإن خير
الناس أحسنهم قضاء))، رواه مسلم. وعن ابن مسعود رضيالله أن النبيّ وَلفي قال: ((ما
من مسلم يُقرض مسلماً قرضاً مرتين، إلا كان كصدقة مرة))(٢)، وعن أنس څته قال:
قال رسول الله وَلي: ((رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوباً: الصدقةُ بعشر
أمثالها، والقرض بثمانية عشر، فقلت: يا جبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة؟
قال: لأن السائل يسأل وعنده، والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة))(٣)، رواهما
ابن ماجه، وأجمع المسلمون على جواز القرض. انتهى.
(١) ((المصباح المنير)) ٤٩٨/٢.
(٢) حديث صحيح، رواه ابن ماجه في ((سننه)) (٨١٢/٢).
(٣) حديث ضعيف، رواه ابن ماجه في ((سننه)) (٢/ ٨١٢)، وفي سنده خالد بن يزيد=

٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٠١] (١٦٠٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي
رَافِعٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ِ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلِ بَكْراً، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلِ، مِنْ إِيلِ
الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ، فَقَالَ: لَمْ
أَجِدْ فِيهَا إِلَّ خِيَاراً رَبَعِياً، فَقَالَ: ((أَعْطِهِ إِيَّهُ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ) المصريّ، ثقة [١٠] (٢٥٠)
(م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين،
أبو عبد الله المدنيّ [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٤ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولاهم المدنيّ، ثقة فقيه يرسل [٣] (١٣٦)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦.
٥ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقة عابد
فاضل، من صغار [٢] (٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦.
٦ - (أَبُو رَافِع) القبطيّ، مولى رسول الله وَّير، قيل: اسمه إبراهيم،
وقيل: أسلم، وقيل:ً ثابت، وقيل: هُرْمُز، صحابيّ مشهور، مات تصلُه في أول
خلافة علي ربه على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٧/٢٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنّف تَخْدُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته
آنفاً .
= أبو هاشم الدمشقيّ ضعيفٌ، مع كونه فقيهاً، وقد اتّهمه ابن معين.

٧
(٤٣) - بَابُ جَوَازِ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَوْفِيَتِهِ خَيْراً مِمَّا عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٠١)
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات المدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه،
فإنهما مصريّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: زيد، عن عطاء، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي رَافِع) القبطيّ ◌َبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ِ اسْتَسْلَفَ)؛ أي: طلب
السَّلَف، وهو القرَّض (مِنْ رَجُلٍ) قال صاحب ((التنبيه)): هو أبو الشَّخْم.
انتهى(١). (بَكْراً) - بفتح الباء الموحّدة -: الفتِيّ من الإبل، وهو فيها كالغلام
في الرجال، والْقَلُوصُ فيها كالجارية في النساء، قاله القرطبيّ ◌َظُّهُ(٢).
وقال الفيّوميّ كَُّ: البَكْرُ بالفتحِ: الْفَتِيّ من الإبل، وبه كُني، ومنه أبو
بكر الصدّيق ظه، والجمع أبكار، والبَكْرة: الأنثى، والجمع بِكار، مثل كَلْبة
وكِلاب، وقد يقال: بِكارةٌ مثل حجارة. انتهى(٣).
وقال النوويّ تَخُّْهُ: أما البكر من الإبل، فبفتح الباء، وهو الصغير،
كالغلام من الآدميين، والأنثى بَكْرَةٌ، وقَلُوص، وهي الصغيرة، كالجارية، فإذا
استَكْمَل ست سنين، ودخل في السابعة، وألقى رَبَاعيته، بتخفيف الياء، فهو
رَبَاعٌ، والأنثى رَبَاعية، بتخفيف الياء، وأعطاه رَبَاعياً بتخفيفها. انتهى (٤).
(فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ) وفي رواية ابن خُزيمة: ((استسلف من رجل بكراً،
فقال: إذا جاءت إبل الصدقة قضيناك، فلما جاءت إبل الصدقة، أمر أبا رافع
أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خياراً
رَباعياً، فقال: أعطه إياه)).
(مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِع) ◌َُّهُ (أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ)؛ أي: من
إبل الصدقة، وفي رواية النسائيّ: ((فقال لرجل: انطلق، فابتع له بَكْراً ... ))،
وهذا يخالف ما في مسلم من أنه أمره أن يقضيه من إبل الصدقة، ويُمكن أن
(١) ((تنبيه المعلم)» ص٢٦٨.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٩/١.
(٢) ((المفهم)) ٤ /٥٠٦.
(٤) (شرح النوويّ)) ١١/ ٣٧.

٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
يُجمع بينهما بأنه وَ ﴿ أمره أوّلاً أن يشتري له بكره، ثم أتاه إبل الصدقة قبل أن
يشتري له، فأعطاه منها، أو أنه أمر بالشراء من إبل الصدقة ممن استَحَقّ منها
شيئاً، ويؤيّده رواية ابن خزيمة المذكورة: ((إذا جاءت الصدقة قضيناك))، قاله
في ((الفتح))(١).
وقال النوويّ كَّلهُ: قوله: ((فقدمت عليه إبل الصدقة ... )) إلى آخره: هذا
مما يُسْتَشكّل، فيقال: فكيف قضى من إبل الصدقة أجود من الذي يستحقه
الغريم، مع أن الناظر في الصدقات لا يجوز تبرعه منها؟
والجواب: أنه ﴿ اقترض لنفسه، فلما جاءت إبل الصدقة اشترى منها
بعيراً رَبَاعياً، ممن استحقه، فمَلَكه النبيّ وَّر بثمنه، وأوفاه متبرعاً بالزيادة من
ماله، ويدُلّ على ما ذكرناه رواية أبي هريرة ﴿ه التي قدّمناها أن النبيّ وَلّ
قال: ((اشتَرُوا له سنّاً))، فهذا هو الجواب المعتمد.
وقد قيل فيه أجوبة غيره، منها أن المقترض كان بعض المحتاجين اقترض
لنفسه، فأعطاه من الصدقة حين جاءت، وأمره بالقضاء. انتهى(٢).
(فَرَجَعَ إِلَيْهِ) وَ (أَبُو رَافِع) ◌َّهِ (فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا)؛ أي: في إبل
الصدقة (إِلَّا خِيَاراً) خيار الشيء: أحسنه، وأفضله، قاله في ((المفهم))، وقال في
(الفتح)): والخيار: الجيّد، يُطلق على الواحد والجمع. انتهى. (رَبَاعِياً) بفتح
الراء: هو الذي دخل في السنة السابعة؛ لأنه يُلقي فيها رَباعيته، وهي التي تلي
الثنايا، وهي أربع رباعيات - مخفّف الياء - والذكر رَبَاعٌ، والأنثى رباعية
(فَقَالَ) وَِّ ((أَعْطِهِ إِيَّاهُ)؛ أي: أعط الرجل الرباعي، فالهاء عائد على الرجل،
وهو المفعول الأول، و((إيّاه)) هو المفعول الثاني، وفي رواية النسائيّ: ((فقال:
أعطه))، بحذف المفعول الثاني؛ اختصاراً، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ
يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ الآية [الضحى: ٥]، ويَحْتَمِل أن يكون الهاء للرباعي، والمحذوف
هو المفعول الأول، كما في قوله تعالى: ﴿حَ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ﴾ الآية [التوبة: ٢٩].
وقوله وَ﴿: (إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً))) جملة تعليلية لأمره بإعطائه
الرباعي مع كونه أكبر من بَكره؛ يعني أن خير الناس في المعاملة، أو ((مِن))
(١) ((الفتح)) ١٩٨/٦.
(٢) (شرح النوويّ)) ٣٧/١١ - ٣٨.

٩
(٤٣) - بَابُ جَوَازِ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَوْفِيَتِهِ خَيْراً مِمَّا عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٠١)
مقدّرة، كما تدلّ عليه الروايات الأخرى، ففي حديث أبي هريرة ظه الآتي:
((فإن من خيركم))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي رافع ◌ُه هذا من أفراد المصنّف تَّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١٠١/٤٣ و٤١٠٢] (١٦٠٠)، و(أبو داود) في
(البيوع)) (٢٣٤٦)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٣١٨)، و(النسائيّ) في ((البيوع))
(٢٩١/٧) و((الكبرى)) (٤٠/٤)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٢٢٨٥)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٣٩٠/٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٥٦٥)،
و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٣٣٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٠/٤ و٥/
٣٥٣) و((المعرفة)) (٢٥٥/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز استسلاف الحيوان، واستقراضه، وهو قول أكثر
أهل العلم، ومنع من ذلك الثوريّ، والحنفية، قال القرطبيّ كَّلهُ: هذا الحديث
دليل على جواز قرض الحيوان، وهو مذهب الجمهور، ومنع ذلك الکوفیون،
وهذا الحديث الصحيح حجَّة عليهم، واستثنى من الحيوان أكثر العلماء:
الجواري، فمنعوا قرضهنّ؛ لأنه يؤدّي إلى عارية الفروج، وأجاز ذلك بعض
أصحابنا بشرط أن يردّ غيرها، وأجاز ذلك مطلقاً الطبريّ، والمزنيّ، وداود
الأصبهانيّ. وقصر بعض الظاهرية جواز القرض على ما له مِثْل من المعيّن،
والمكيل، والموزون، وهذا الحديث حجّة عليهم. انتهى (١)، وسيأتي البحث
في هذه المسألة قريباً - إن شاء الله تعالى ..
٢ - (ومنها): جواز الاقتراض، والاستدانة، وإنما اقترض النبيّ العقول
للحاجة، وكان ◌َّ﴿ يستعيذ بالله من المَغْرَم، وهو الدَّين، قاله النوويّ ◌َغُّْهُ(٢).
وقال القرطبيّ تَخَّثُ: الحديث يدلّ على جواز الأخذ بالدَّين، ولا يَخْتَلف
(١) ((المفهم)) ٤ / ٥٠٦.
(٢) (شرح النوويّ)) ٣٧/١١.

١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
العلماء في جواز سؤاله عند الحاجة إليه، ولا نقص على طالبه، ولا تثريب،
ولا مِنّةَ تَلْحَق فيه، ولو كان فيه شي من ذلك لَمَا استسلف النبيّ وََّ، فإنه كان
أنزه الناس، وأبعدهم عن تلك الأمور(١).
٣ - (ومنها): أن فيه جوازَ وفاء ما هو أفضل من المِثْل المقترَض، إذا لم
تقع شرطية ذلك في العقد، فيحرم حينئذ اتفاقاً، وبه قال الجمهور، وعن
المالكية تفصيل في الزيادة، إن كانت بالعدد مُنعت، وإن كانت بالوصف
جازت.
٤ - (ومنها): جواز المطالبة بالدَّين، إذا حَلّ أجله.
٥ - (ومنها): أن فيه جوازَ الاقتراض في البرّ، والطاعة، وكذا في الأمور
المباحة، وأنه لا يعاب ذلك.
٦ - (ومنها): أن للإمام أن يقترض على بيت المال؛ لحاجة بعض
المحتاجين؛ ليوفي ذلك من مال الصدقات.
٧ - (ومنها): أن هذه الأحاديث تدلّ على جواز السَّلَم في الحيوان،
وحكمه حكم القرض، قاله النوويّ تَخْذَثُ(٢).
٨ - (ومنها): أنه يستحبّ لمن عليه دين، من قرض، وغيره، أن يُرُدّ
أجود من الذي عليه، وهذا من السُّنَّة، ومكارم الأخلاق، وليس هو من قرض
جَرّ منفعة، فإنه منهي عنه؛ لأن المنهيّ عنه ما كان مشروطاً في عقد القرض،
قال النوويّ كَّلُهُ: ومذهبنا أنه يستحب الزيادة في الأداء عما عليه، ويجوز
للمقرض أخذها، سواءٌ زاد في الصفة، أو في العدد، بأن أقرضه عشرةً،
فأعطاه أحد عشر، ومذهب مالك أن الزيادة في العدد منهيّ عنها، وحجة
أصحابنا عموم قوله بَّليقول: ((خيركم أحسنكم قضاءً)). انتهى(٣).
٩ - (ومنها): أنه استدل به الشافعيّ تَّثُ على جواز تعجيل الزكاة، هكذا
حكاه ابن عبد البرّ، قال الحافظ: ولم يظهر لي توجيهه، إلا أن يكون المراد
ما قيل في سبب اقتراضه بَير، وأنه كان اقترضه لبعض المحتاجين من أهل
(١) ((المفهم)) ٤ /٥٠٥ - ٥٠٦.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١١/ ٣٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٣٧/١١.

١١
(٤٣) - بَابُ جَوَازِ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَوْفِيَتِهِ خَيْراً مِمَّا عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٠١)
الصدقة، فلما جاءت الصدقة، أوفى صاحبه منها، ولا يعكر عليه، أنه أوفاه
أزيد من حقه من مال الصدقة؛ لاحتمال أن يكون المقترَض منه، كان أيضاً من
أهل الصدقة، إما من جهة الفقر، أو التألّف، أو غير ذلك، بجهتين: جهة
الوفاء في الأصل، وجهة الاستحقاق في الزائد.
وقيل: كان اقتراضه في ذمته، فلما حلّ الأجل، ولم يجد الوفاء صار
غارماً، فجاز له الوفاء من الصدقة، وقيل: كان اقتراضه لنفسه، فلما حلّ
الأجل، اشترى من إبل الصدقة بعيراً، ممن استحقه، أو اقترضه من آخر، أو
من مال الصدقة؛ ليوفيه بعد ذلك، قال الحافظ: والاحتمال الأول أقوى،
ويؤيده سياق حديث أبي رافع. ذكره في ((الفتح))(١).
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تأويل قضاء النبيّ
الْبَكْر من مال الصدقة:
قال القرطبيّ تَُّ: اختَلَف أرباب التأويل في استسلاف النبيّ وَطّ هذا
البَكْر، وقضائه عنه من مال الصدقة، هل كان ذلك السَّلف لنفسه، أو لغيره؟
فمنهم من قال: كان لنفسه، وكان هذا قبل أن تحرم عليه الصدقة، وهذا فاسد؛
فإنه ◌َ﴿ لم تزل الصدقة مُحَرَّمة عليه منذ قدوم المدينة، وكان ذلك من
خصائصه، ومن جملة علاماته المذكورة في الكتب المتقدِّمة؛ بدليل قصة سلمان
الفارسيّ ظُه، فإنه عند قدوم النبيّ وَّهُ المدينةَ جاءه سلمان بتمر، فقدَّمه إليه،
وقال: كُل، فقال: ((ما هذا؟)) قال: صدقة، فقال لأصحابه: ((كلوا))، ولم
يأكل، وأتاه يوماً آخر بتمر، فقال: هدية، فأكل، فقال سلمان: هذه واحدة،
ثم رأى خاتم النبوَّة فأسلم، وهذا واضح.
وقيل: استسلفه لغيره ممن يستحقّ أخذ الصدقة، فلما جاءت إبل الصدقة
دفع منها، وقد استُبْعِد هذا من حيث: إنه قضى أزيد من القرض من مال
الصدقة، وقال: ((إن خيركم أحسنكم قضاء)»، فكيف يعطي زيادة من مال ليس
له؟ ويجعل ذلك من باب حسن القضاء؟ !.
وقد أجيب عن هذا: بأن قيل: كان الذي استقرض منه من أهل
(١) ((الفتح)) ١٩٩/٦ - ٢٠٠.

١٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
الصدقة، فدفع الرَّباعية بوجهين: بوجه القرض، وبوجه الاستحقاق.
وقيل وجه ثالث، وهو أحسنها - إن شاء الله تعالى - وهو: أن يكون
استقرض البَكْر على ذمته، فدفعه لمستحقّ، فكان غارماً، فلما جاءت إبل
الصدقة أخذ منها بما هو غارم جملاً رَبَاعياً، فدفعه فيما كان عليه، فكان أداء
عمَّا في ذمته وحُسن قضاء بما يملكه. وهذا كما روي: أنه وَلقول أمر ابن عمرو
أن يجهز جيشاً، فتَفِدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة، فظاهره:
أنَّه أخذ على ذمَّته، فبقي أن يقال: فكيف يجوز له أن يؤدِّي دَينه، ويبرىء ذمته
مِمَّا لا يجوز له أخذه؟
ويجاب عنه: بأنه لَمَّا لم يأخذه لنفسه صار بمنزلة من ضمنه في ذمته إلى
وقت مجيء الصدقة، فلو لم يجئ من إبل الصدقة شيء لضمنه لمقرِضه من
ماله، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الجواب الذي قبل هذا الثالث، وهو
ما تقدّم في قوله: ((استسلفه لغيره ... إلخ)) أظهر من هذا، وأقرب، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): فيما قيل في حكمة شغل النبيّ ے ذمّته بالدين:
قال القرطبيّ كَخُّْ: [فإن قيل]: كيف شغل النبيّ وَّ ذمَّته بدين، وقد
قال: ((إياكم والدَّين، فإنه شَيْنٌ، الدَّين هَمّ بالليل، ومذلة بالنهار))(١)؟ وقد كان
كثيراً ما يتعوَّذ منه، حتى قيل له: ما أكثر ما تستعيذ من المَغْرَم، فقال: ((إن
الرَّجل إذا غَرِمِ حدَّث فكذَب، ووعد فأخلف))، متّفقٌ عليه.
لا يقال: إنما استقرض عند الحاجة والضرورة؛ لأنا نقول: لم يكن في
ضرورة إلى ذلك، فإن الله تعالى خيَّره بين أن يجعل له بطحاء مكة ذهباً، كما
رواه الترمذي من حديث أبي أمامة، وحسّنه؛ ومن كانت هذه حاله لم يكن في
ضرورة، ولا حاجة، ولذلك قال الله تعالى له: ﴿وَوَجَدَكَ عَآَيْلًا فَأَغْفَ
[الضحى: ٨].
قال القرطبيّ: قلت: أما الأخذ بالدَّين عند الحاجة، وقصد الأداء عند
(١) حديثٌ ضعيف جدّاً، راجع: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ تَغَفُ ٢٩٠/٥.

١٣
(٤٣) - بَابُ جَوَازِ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِخْبَابٍ تَوْفِيَتِهِ خَيْراً مِمَّا عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٠١)
الوجدان، فلا يُختلف في جوازه، وقد يجب في بعض الأوقات عند الضرورات
المتعيّنة، وأما النهي عن أخذه - إن صحَّ(١) - فإنما ذلك لمن لم تدْعه إليه
حاجة، لِمَا يطرأ من تحمّله من الأمور التي ذكرناها، من الإذلال، والمطالبة،
وما يُخاف من الكذب في الحديث، والإخلاف في الوعد، وقد عصم الله
تعالى نبينا ◌َ* من ذلك كلّه، فلم يحوجه إلى شيء من ذلك، ولا أجراه عليه.
وأما قولهم: إنه لم يكن في ضرورة؛ لأن الله خيَّره، فجوابه: إن الله
تعالى لمّا خيَّره، فاختار أن يجوع ثلاثاً، ويشبع يوماً، أجرى الله تعالى عليه ما
اختاره لنفسه، وما أشار إليه به صفيُّه، ونصيحه جبريل منظلا، فسلك الله تعالى
به أعلى السبيل، ليصبر على المشقات والشدائد، كما صبر أولو العزم من
الرسل، ولينال أعلى المقامات الفاخرة، ألا تسمع قوله لعمر رلابنه: ((أما ترضى
أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟»، ثم لَمَّا أخلص الله جوهره، وطيّب خُبْرَهُ
وخَبَرَهُ؛ أغناه بعد العيلة، وكثَّره بعد القِلَّة، وأعزّه به بعد الذلة، ومن تمام
الحكمة في أخذه * بالدُّيون ليقتدي به في ذلك المحتاجون. انتهى كلام
القرطبيّ ◌َّفُ(٢)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة السادسة): في حكم القرض:
قال العلامة ابن قدامة تَخْذَثُ: والقرض مندوب إليه في حقّ المقرض،
مباح للمقترض؛ لما روينا من الأحاديث؛ ولما رَوَى أبو هريرة ﴿ه: أن
النبيّ وَّ، قال: ((من نفّس عن مؤمن كُرْبة من كُرَب الدنيا، نفّس الله عنه كُرْبة
من كُرَب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر، يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة،
ومن ستر مسلماً، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد، ما كان
أنه قال:
العبد في عون أخيه)) الحديث، أخرجه مسلم، وعن أبي الدرداء
لأن أُقْرِض دينارين، ثم يُرَدّان، ثم أُقرضهما أحب إلي من أن أتصدق بهما.
ولأن فيه تفريجاً عن أخيه المسلم، وقضاءً لحاجته، وعوناً له، فكان مندوباً
إليه، كالصدقة عليه، وليس بواجب.
(١) تقدّم أنه لا يصحّ، فتنبّه.
(٢) ((المفهم)) ٤ /٥٠٦ - ٥٠٩.

١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال أحمد: لا إثم على من سئل القرض، فلم يُقرِض، وذلك لأنه من
المعروف، فأشبه صدقة التطوع، وليس بمكروه في حق المقرض، قال أحمد:
ليس القرض من المسألة - يعني ليس بمكروه - وذلك لأن النبيّ وَل﴿، كان
يستقرض بدليل حديث أبي رافع به، ولو كان مكروهاً كان أبعد الناس منه،
ولأنه يأخذه بِعِوَضه، فأشبه الشراء بدين في ذمته.
قال ابن أبي موسى: لا أحب أن يتحمل بأمانته، ما ليس عنده - يعني ما
لا يقدر على وفائه - ومن أراد أن يستقرض، فَلْيُعْلِمْ من يسأله القرض بحاله،
ولا يَغُرّه من نفسه، إلا أن يكون الشيء اليسير الذي لا يتعذر ردّ مثله، قال
أحمد: إذا اقترض لغيره، ولم يُعلمه بحاله لم يعجبني، وقال: ما أحب أن
يقترض بجاهه لإخوانه، قال القاضي: يعني إن كان من يقترِض له غير معروف
بالوفاء؛ لكونه تغريراً بمال المقرض، وإضراراً به، أما إذا كان معروفاً بالوفاء
لم يُكره؛ لكونه إعانة له، وتفريجاً لكربته. انتهى كلام ابن قدامة تَّهُهُ(١)، وهو
بحث مفيد جدّاً، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: لا يصحّ القرض إلا من جائز التصرف؛ لأنه عقدٌ على المال،
فلم يصلح إلا مِنْ جائز التصرف كالبيع، وحكمه في الإيجاب والقبول حكم
البيع على ما مضى، ويصح بلفظ السلف والقرض؛ لورود الشرع بهما، وبكل
لفظ يؤدي معناهما، مثل أن يقول: ملّكتك هذا على أن تَرُدّ عليّ بَدَله، أو
توجد قرينة دالة على إرادة القرض، فإن قال: ملكتك، ولم يذكر البدل، ولا
وُجد ما يدل عليه، فهو هبة، فإن اختلفا فالقول قول الموهوب له؛ لأن الظاهر
معه؛ لأن التمليك من غير عوض هبة، قاله ابن قدامة دَخَذُ(٢)، وهو تحقيق
نفيس أيضاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز اقتراض الحيوان:
قال النوويّ تَخْذَلُ: فيه ثلاثة مذاهب:
[الأول]: مذهب الشافعيّ، ومالك، وجماهير العلماء، من السلف
(١) ((المغني)) لابن قدامة هذه ٤٢٩/٦ - ٤٣٠.
(٢) ((المغني)) ٦/ ٤٣٠ - ٤٣١.

١٥
(٤٣) - بَابُ جَوَازِ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَوْفِيَتِهِ خَيْراً مِمَّا عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٠١)
والخلف أنه يجوز قرض جميع الحيوانات، إلا الجارية لمن يملك وطأها، فإنه
لا يجوز، ويجوز إقراضها لمن لا يملك وطأها، كمحارمها، والمرأة،
والخنثى.
[والمذهب الثاني]: مذهب المزنيّ، وابن جرير، وداود: أنه يجوز قرض
الجارية، وسائر الحيوانات لكلّ واحد.
[والمذهب الثالث]: مذهب أبي حنيفة، والكوفيين أنه لا يجوز قرض
شيء من الحيوانات، وهذه الأحاديث تردّ عليهم، ولا تُقبل دعواهم النسخ بغير
دليل. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ(١).
وقال في ((الفتح)) ما حاصله: ذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه - يعني
استقراض الإبل ونحوه ـ وذهب الثوريّ، والحنفية إلى منعه، واحتجوا بحديث
النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو حديث، قد رُوي عن ابن
عباس ﴿هما، مرفوعاً، أخرجه ابن حبّان، والدارقطني، وغيرهما، ورجال إسناده
ثقات، إلا أن الحفاظ رجحوا إرساله، وأخرجه المصنّف في الباب التالي،
والترمذيّ، من حديث الحسن، عن سمرة له، وفي سماع الحسن من سمرة
اختلاف، قال الحافظ تَُّ: وفي الجملة هو حديث صالح للحجيّة.
وادَّعَى الطحاويّ أنه ناسخ لحديث الباب.
وتُعُقّب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن، فقد
جمع بينهما الشافعيّ، وجماعة، بحمل النهي على ما إذا كان نسيئة من
الجانبين، ويتعيَّن المصير إلى ذلك؛ لأن الجمع بين الحديثين أولى من إلغاء
أحدهما باتفاق، وإذا كان ذلك المراد من الحديث بقيت الدلالة على جواز
استقراض الحيوان، والسَّلم فيه.
واعتَلّ من منع أيضاً بأن الحيوان يختلف اختلافاً متبايناً، حتى لا يوقف
على حقيقة المثلية فيه.
وأجيب بأنه لا مانع من الإحاطة به بالوصف، بما يدفع التغاير، وقد
جوّز الحنفية التزويج، والكتابة على الرقيق الموصوف في الذمة. انتهى(٢).
(١) (شرح النوويّ)) ٣٧/١١.
(٢) ((الْفَتْحُ)) ١٩٩/٦.

١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وقال ابن المنذر تَخَّثُ: أجمع كل من نَحفظ عنه من أهل العلم، على أن
استقراض ما له مِثل من المكيل والموزون، والأطعمة جائز، ويجوز قرض كل
ما يثبت في الذمة سَلَماً، سوى بني آدم، وبهذا قال الشافعيّ، وقال أبو حنيفة:
لا يجوز قرض غير المكيل والموزون؛ لأنه لا مثل له، أشبه الجواهر.
واحتجّ الأولون بأن النبيّ وَّهِ، استَسْلَف بَكْراً، وليس بمكيل ولا موزون؛
ولأن ما يثبت سَلَماً يُملك بالبيع، ويُضبط بالوصف، فجاز قرضه، كالمكيل
والموزون، وقولهم: لا مثل له، خلاف أصلهم، فإن عند أبي حنيفة: لو أتلف
على رجل ثوباً، ثبت في ذمته مِثله، ويجوز الصلح عنه بأكثر من قيمته.
قال ابن قدامة كَّلُ: فأما ما لا يثبت في الذمة سَلَماً، كالجواهر،
وشِبْهها، فقال القاضي: يجوز فرضها، ويرد المستقرِض القيمة؛ لأن ما لا مِثل
له يُضمن بالقيمة، والجواهر كغيرها في القيم، وقال أبو الخطاب: لا يجوز
قرضها؛ لأن القرض يقتضي رَدَّ المثل، وهذه لا مِثل لها، ولأنه لم يُنقَل
قرضها، ولا هي في معنى ما نُقل القرض فيه؛ لكونها ليست من المرافق، ولا
يثبت في الذمة سَلَماً، فوجب إبقاؤها على المنع، ويمكن بناء هذا الخلاف
على الوجهين في الواجب في بدل غير المكيل والموزون، فإذا قلنا: الواجب
ردّ المثل، لم يجز قرض الجواهر، وما لا يثبت في الذمة سَلَماً لتعذر رَدّ
مثلها، وإن قلنا: الواجب ردّ القيمة، جاز قرضه؛ لإمكان ردّ القيمة،
ولأصحاب الشافعيّ وجهان کھذین.
قال: فأما بنو آدم، فقال أحمد: أكره قرضهم، فيَحْتَمِل كراهية تنزيه،
ويصح قرضهم، وهو قول ابن جريج، والمزني؛ لأنه مال يثبت في الذمة
سَلَماً، فصح قرضه، كسائر الحيوان، ويَحْتَمِل أنه أراد كراهة التحريم، فلا
يصح قرضهم، واختاره القاضي؛ لأنه لم يُنْقَل قرضهم، ولا هو من المرافق،
ويَحتَمِل صحة قرض العبيد دون الإماء، وهو قول مالك، والشافعيّ، إلا أن
يقرضهنّ من ذوي محارمهنّ؛ لأن المُلك بالقرض ضعيف، فإنه لا يمنعه من
ردّها على المقرِض، فلا يستباح به الوطء، كالمُلك في مدة الخيار، وإذا لم
يُبَح الوطء فلم يصح القرض؛ لعدم القائل بالفرق، ولأن الأبضاع مما يحتاط
لها، ولو أبحنا قرضهن، أفضى إلى أن الرجل يستقرض أمة، فيطؤها ثم يردّها

١٧
(٤٣) - بَابُ جَوَازِ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِخْبَابٍ تَوْفِيَتِهِ خَيْراً مِمَّا عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٠٢)
من يومه، ومتى احتاج إلى وطئها استقرضها فوطئها ثم ردّها، كما يستعير
المتاع، فينتفع به ثم يرده.
قال الموفّق: ولنا أنه عقدٌ ناقل للمُلك، فاستوى فيه العبيد والإماء،
كسائر العقود، ولا نُسلِّم ضَعف المُلك، فإنه مطلق لسائر التصرفات، بخلاف
المُلك في مدة الخيار، وقولهم: متى شاء المقترض ردّها ممنوع، فإننا إذا
قلنا: الواجب رد القيمة لم يملك المقترض ردّ الأمة، وإنما يردّ قيمتها، وإن
سلّمنا ذلك، لكن متى قصد المقترض هذا لم يحل له فعله، ولا يصح
اقتراضه، كما لو اشترى أمة ليطأها، ثم يردّها بالمقايلة، أو بعيب فيها، وإن
وقع هذا بحكم الاتفاق لم يمنع الصحة، كما لو وقع ذلك في البيع، وكما لو
أسلم جارية في أخرى، موصوفة بصفاتها، ثم ردّها بعينها عند حلول الأجل،
ولو ثبت أن القرض ضعيف لا يبيح الوطء لم يُمنع منه في الجواري، كالبيع
في مدة الخيار، وعدم القائل بالفرق ليس بشيء على ما عُرف في مواضعه،
وعدم نقله ليس بحجة، فإن أكثر الحيوانات لم ينقل قرضها، وهو جائز. انتهى
كلام ابن قدامة كَذَثه(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أحمد ◌َّ ◌ُ من
جواز اقتراض العبد والأمة هو الأرجح؛ لأنه لم يرد نصّ يمنع من ذلك، ولا
إجماع، فصار كسائر الحيوانات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَدَثُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٠٢] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
جَعْفَرٍ، سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ، أَخْبَرَنَا عَطَاءُ بْنُ بَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، مَوْلَى
رَسُولِ اللهِ﴿ قَالَ: اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللهِ وَهِي بَكْراً، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالُ: ((فَإِنَّ
خَيْرَ عِبَادِ اللهِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءًا).
(١) ((المغني)) ٤٣٣/٦ - ٤٣٤.

١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ، أبو الْهَيْثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ
یتشیّع، وله أفراد، من کبار [١٠](ت٢١٣) أو بعدها (خ م کد ت س ق) تقدم في
((الإيمان)) ٣٦٧/٦٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، أخو
إسماعيل، وهو الأكبر [٧] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٩/٢٧.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن زيد بن أسلم هذه ساقها البيهقيّ في
«الكبرى» (٣٥٣/٥) فقال:
(١٠٧٣٢) - أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، أنا
أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس بن سلمة الطرائفيّ، ثنا عثمان بن سعيد
الدارميّ، أنا سعيد بن أبي مريم، أنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد، وهو ابن
أسلم، عن عطاء، عن أبي رافع، أن رسول الله وَّ اسْتَسْلَف من رجل بَكْراً،
فقَدِمت على النبيّ ◌َ﴿ إبل، قال أبو رافع: فأمرني رسول الله وَلي أن أعطي
الرجل بَكْرَه، وابتغيت في الإبل، فلم أجد فيها إلا جملاً رَبَاعياً، فذكرت ذلك
للنبيّ وَّ﴿، فقال: ((أعطه إياه، فإن خيارَ عباد الله أحسنُهُم قضاءً)). انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تم البحث فيه مستوفَّى في الحديث الماضي،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلُ أوّل الكتاب قال:
[٤١٠٣] (١٦٠١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيّ، حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ حَقٌّ، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُ
النَّبِّ وَهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهِ: ((إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً)، فَقَالَ لَهُمُ: ((اشْتَرُوا لَهُ
سِنّاً، فَأَعْطُوهُ إِنَّاهُ))، فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَّ سِنْأَ هُوَ خَيْرٌ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: ((فَاشْتَرُوهُ،
فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ - أَوْ خَيْرَكُمْ - أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً»).

١٩
(٤٣) - بَابُ جَوَازِ اقْتِرَاضِ الْحَيَوَانِ، وَاسْتِخْبَابٍ تَوْفِيَتِهِ خَيْراً مِمَّا عَلَيْهِ - حديث رقم (٤١٠٣)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَبْدِيّ) أبو بكر البصريّ المعروف
بُندار، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ،
صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ،
ثم البصريّ، ثقةٌ حافظ متقنٌّ، أمير المؤمنين في الحديث [٧] (ت١٦٠) (ع)
تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١.
٤ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) الْحَضْرميّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤]
(ت١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٠٤/٥.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ
[٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٣.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َهُبه المتوفّى سنة (٥٧) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سداسيات المصنف كَّلُهُ، وأن رجاله كلهم رجال الجماعة،
وشيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وأن فيه روايةً تابعيّ
عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. وفيه أبو
هريرة به رأس المكثرين من الرواية، وقد تقدّم هذا كله غير مرّة، وإنما أعدته
تذكرةً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): هذا الحديث من غرائب الصحيح، قال البزار:
لا يُروَى عن أبي هريرة ﴿به، إلا بهذا الإسناد، ومداره على سلمة بن كهيل،
وقد صرح في هذا الباب عند البخاريّ، بأنه سمعه من أبي سلمة بن
عبد الرحمن بمنى، ولفظه: قال: سمعت أبا سلمة بمنّى، يُحدّث عن

٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
أبي هريرة ﴿به، فذكره، وذلك لمّا حجّ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: كَانَ لِرَجُل) ذكر صاحب ((التنبيه)) أنه أبو الشحم المتقدّم ذكره(٢)،
ولم يذكر مستنده، ويأتّي ما قاله الحافظ، والقرطبيّ.
(عَلَى رَسُولِ اللهِ لهِ حَقِّ) وفي الرواية التالية: (استقرض النبيّ وَِّ سِنّا))،
وفي رواية: ((جاء رجل يتقاضى رسول الله ﴿﴿ بعيراً))، وفي رواية النسائيّ:
(كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِه ◌ِنٌّ مِنَ الْإِبِلِ، فَجَاءَ يَتَفَاضَاهُ))؛ أي: يطلب منه
قضاء الدَّين، وفي رواية أحمد عن عبد الرزّاق، عن سفيان: ((جاء أعرابيّ،
يتقاضى النبيّ (﴿﴿ بعيراً))، وله عن يزيد بن هارون، عن سفيان: ((استقرض
النبيّ (﴿﴿ من رجل بعيراً))، والترمذيّ من طريق عليّ بن صالح، عن سلمة:
((استقرض النبيّ ◌َ﴿ سنّاً)).
(فَأَغْلَظَ لَهُ) قال في ((الفتح)»: يَحْتَمِل أن يكون الإغلاظ بالتشديد في
المطالبة من غير قدر زائد.
ويَحْتَمِل أن يكون بغير ذلك، ويكون صاحب الدَّين كافراً، فقد قيل: إنه
كان يهوديّاً، والأول أظهر؛ لِمَا تقدّم من رواية عبد الرزاق أنه كان أعرابيّاً،
وكأنه جرى على عادته من جفاء المخاطبة.
قال الحافظ: ووقع في ترجمة بكر بن سهل في ((معجم الطبراني)) عن
العرباض بن سارية ﴿ه ما يُفهم أنه هو، لكن روى النسائيّ، والحاكم الحديث
المذكور، وفيه ما يقتضي أنه غيره، وأن القصّة وقعت لأعرابيّ، ووقع للعرباض
نحوها. انتهى(٣).
وقال القرطبيّ تَخْلُ: هذا الرجل كان من اليهود، فإنهم كانوا أكثر من
يُعامل بالدّين. وحُكي أن القول الذي قاله، إنما هو: إنكم يا بني عبد المطلب
مُظْلٌ، وكَذَبَ اليهوديّ، لم يكن هذا معروفاً من أجداد النبيّ وَّهِ، ولا أعمامه،
بل المعروف منهم الكرم، والوفاء، والسخاء، وبعيدٌ أن يكون هذا القائل
مسلماً، إذ مقابلة النبيّ بذلك أذى للنبيّ وَّر، وأذاه كفر. انتهى(٤).
(١) ((الفتح)» ٦/ ٢٠٠.
(٣) ((الفتح)) ١٩٨/٦.
(٢) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٢٦٨.
(٤) ((المفهم)) ٥٠٩/٤.