النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حُكْم مَطْلِ الْغَنِيِّ، وَالْحَوَالَةِ، وَقَبُولِهَا - حديث رقم (٣٩٩٥) قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي أن الصحيح كون الأمر للوجوب؛ لأنه لا صارف، وأن داود لم ينفرد به، بل قاله جماعة من السلف، وهو الأرجح في مذهب أحمد، فتنبّه. قال القرطبيّ: وإذا تقرَّر ذلك فالحوالة معناها: تحويل الدَّين من ذمَّة إلى ذمَّة، وهي مستثناة من بيع الدَّين بالدّين؛ لما فيها من الرِّفق، والمعروف، ولها شروط : [فمنها]: أن تكون بدين، فإن لم تكن بدين لم تكن حوالة، لاستحالة حقيقتها إذ ذاك، وإنما تكون حمالة. [ومنها]: رضا المحيل والمحال دون المحال عليه، وهو قول الجمهور خلافاً للاصطخريّ، فإنَّه اعتبره، وإطلاق الحديث حجَّة عليه، وقد اعتبره مالك إن قصد المحيل بذلك الاضرار بالمحال عليه، وهذا من باب دفع الضرر. [ومنها]: أن يكون الدين المحال به حالًاً؛ لقوله وَل: ((مطل الغني ظلم))، ولا يصح المطل، ولا يصدق الظلم إلا في حقّ من وجب عليه الأداء، فيمطل، ثم قال بعده: ((فإذا أتبع أحدكم فليتبع))، فأفاد ذلك: أن الدَّين المحال به لا بُدَّ أن يكون حالاً؛ لأنه إن لم يكن حالاً كَثُرَ الغَرَرُ بتأجيل الدَّینین. [ومنها]: أن يكون الدين المحال عليه من جنس المحال به؛ لأنه إن خالفه في نوعه خرج من باب المعروف إلى باب المبايعة، والمكايسة، فيكون بيع الدَّين بالدّين المنهيّ عنه. فإذا كملت شروطها برئت ذمة المحيل بانتقال الحق الذي كان عليه إلى ذمة المحال عليه، فلا يكون للمحال الرُّجوع على المحيل، وإن أفلس المحال علیه، أو مات، وهذا قول الجمهور. وقد ذهب أبو حنيفة إلى رجوعه عليه، إن تعذر أخذ الدين من المحال عليه، والأول الصحيح؛ لأن الحوالة عقد معاوضة، فلا يرجع بطلب أحد العوضين بعد التسليم، كسائر عقود المعاوضات؛ ولأن ذمة المحيل قد برئت من الحق المحال به بنفس الحوالة، فلا تعود مشتغلةً به إلا بعقد آخر، ولا عقد، فلا شغل، غير أن مالكاً قال: إن غرَّ المحيل المحال بذمَّة المحال عليه كان له الرُّجوع على المحيل، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لوضوحه. ٤٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٩٥/٢٩ و٣٩٩٦] (١٥٦٤)، و(البخاريّ) في (الحوالة)) (٢٢٨٧ و٢٢٨٨) و((الاستقراض)) (٢٤٠٠)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٣٤٥)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٣٠٨)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٣١٧/٧) و((الكبرى)) (٥٩/٤)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام)) (٢٤٠٣)، و(مالك) في ((الموظّإِ)) (١٣٧٩)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٢٤٥)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٥٣٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (٧٩/٧)، و(أحمد) في (مسنده)) (٣٧٩/٢ - ٣٨٠ و٤٦٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٣٨/٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٤٨/٣)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٨/٤)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٠٥٣ و٥٠٩٠)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١/ ١٥٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٦٣/٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١/ ٣٨٦ و١٨٨/١١ و٢٢٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٠/٦) و((الصغرى)) (٥٪ ٣٢٨) و((المعرفة)) (٤٥٦/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢١٥٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم مَظْلِ الغنيّ، وهو التحريم، قال الحافظ وليّ الدين كْتُ: يُسْتَدَلّ بتسمية المطل ظلماً على إلزام الماطل بدفع الدين، والتوصل إلى ذلك بكل طريق، من إكراهه على الإعطاء، وأخذه منه قهراً، وحبسه وملازمته، فإن الأخذ على يد الظالم واجب، وهو كذلك، وحَگی شريح، والرويانيّ من الشافعيّة وجهين في تقييد المحبوس إذا كان لَحُوحاً صَبُوراً على الحبس. انتهى(٢). (١) ((المفهم)) ٤/ ٤٤٠ - ٤٤١. (٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٦٣/٦. ٤٢٣ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حُكْمِ مَطْلِ الْغَنِيِّ، وَالْحَوَالَةِ، وَقَبُولِهَا - حديث رقم (٣٩٩٥) ٢ - (ومنها): أن فيه الزجرَ عن الْمَظْل، واختُلِف هل يُعَدُّ فعله عمداً كبيرة، أم لا؟ فالجمهور على أن فاعله يَفسُقُ، لكن هل يثبت فسقه بمطله مرة واحدة، أم لا؟ قال النوويّ: مقتضى مذهبنا اشتراط التكرار، وردّه السبكي في ((شرح المنهاج)) بأن مقتضى مذهبنا عدمه، واستدلَّ بأن منع الحق بعد طلبه، وابتغاء العذر عن أدائه؛ كالغصب، والغصب كبيرة، وتسميته ظلماً يُشعر بكونه كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرر، نعم لا يحكم عليه بذلك، إلا بعد أن يظهر عدم عذره. انتهى. واختلفوا هل يفسق بالتأخير، مع القدرة قبل الطلب، أم لا؟ فالذي يُشعر به حديث الباب التوقف على الطلب؛ لأن المطل يُشعر به، ويدخل في المطل كُلُّ من لزمه حقّ؛ كالزوج لزوجته، والسيد لعبده، والحاكم لرعيته، وبالعكس. ٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن العاجز عن الأداء، لا يدخل في الظلم، وهو بطريق المفهوم؛ لأن تعليق الحكم بصفة من صفات الذات، يدل على نفي الحكم عن الذات، عند انتفاء تلك الصفة، ومن لم يقل بالمفهوم، أجاب بأن العاجز لا یسمی ماطلاً. ٤ - (ومنها): أن الغنيّ الذي ماله غائب عنه، لا يدخل في الظلم، وهل هو مخصوص من عموم الغنيّ، أو ليس هو في الحكم بغنيّ؟ الأظهر الثاني؛ لأنه في تلك الحالة يجوز إعطاؤه من سهم الفقراء، من الزكاة، فلو كان في الحكم غنياً، لم يجز ذلك. ٥ - (ومنها): أنه استُنبط منه أن المعسر لا يحبس، ولا يطالب حتى يوسر، قال الشافعيّ: لو جازت مؤاخذته، لكان ظالماً، والفرض أنه ليس بظالم؛ لعجزه، وقال بعض العلماء: له أن يحبسه، وقال آخرون: له أن يلازمه . ٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الحوالة إذا صحت، ثم تعذر القبض بحدوث حادث، كموت، أو فَلَس(١)، لم يكن للمحتال الرجوع على المحيل؛ لأنه لو كان له الرجوع، لم يكن لاشتراط الغنى فائدة، فلما شُرطت عُلم أنه (١) ((الفَلَس)) بالتحريك: عدم النَّيْل. اهـ. ((ق)). ٤٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع انتقل انتقالاً، لا رجوع له، كما لو عَوّضه عن دينه بعوض، ثم تَلِف العوض في يد صاحب الدين، فليس له رجوع، وقال الحنفية: يرجع عند التعذر، وشبهوه بالضمان. وقال في ((الطرح)): ظاهره انتقال الدين من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فإنه لولا ذلك لما قُيِّد الأمر بقبولها بكون المحال عليه مليئاً، فإنه لا ضرر حينئذ عليه في الحوالة على المعسر؛ لبقاء حقه في ذمة المحيل بحاله، وبهذا قال الأئمة الأربعة في الجملة، وقال زفر، والقاسم بن معين: لا يبرأ المحيل كالضمان، وقال عثمان الْبَنِّيّ: لا يبرأ إلا إن اشترط البراءة، وكانت الحوالة على موسر، أو على معسر، وأعلمه بإعساره، فإن لم يُعلمه بإعساره فلا براءة، ولو شرطها. انتهى. ٧ - (ومنها): أنه استُدلَ به على ملازمة المماطل، وإلزامه بدفع الدين، والتوصل إليه بكل طريق، وأخذه منه قهراً . ٨ - (ومنها): أن ظاهر الحديث يدلّ على أن المعتبر في صحة الحوالة رضا المحيل والمحتال فقط؛ لأنهما اللذان اعْتَبَر الشرع فعلهما، ذاك بالإحالة، وهذا بقبولها دون المحال عليه، فإنه لا ذكر له في الحديث، وبهذا قال مالك، وأحمد، وهو الأصح عند الشافعية، وذهب الإصطخريّ، والزبيريّ منهم إلى أنه يشترط رضاه أيضاً، فإنه أحد أركان الحوالة، فأشبه المحيل والمحتال، وبهذا قال أبو حنيفة، وذكر صاحب ((الهداية)) من الحنفية أن الحوالة تصحّ بدون رضا المحيل، وعَلَّله بأن التزام الدين من المحال عليه تصرف في حق نفسه، وهو لا يتضرر به، بل فيه نفعه؛ لأنه لم يرجع عليه إذا لم يكن بأمره. انتهى(١). ٩ - (ومنها): أن فيه الإرشادَ إلى ترك الأسباب القاطعة لاجتماع القلوب؛ لأنه زَجَرَ عن المماطلة، وهي تؤدّي إلى ذلك(٢). ١٠ - (ومنها): استَدَلَّ به ابن حزم على أنه لا تجوز الحوالة إلا على مليء، فلو أحاله على غير مليء فهو فاسد، وحقّه باق على المحيل كما كان، سواء دَرَى أنه غير مليء أم لا . (١) ((طرح التثريب)) ١٦٦/٦. (٢) راجع: ((الفتح)) ٦٦/٦ - ٦٧. ٤٢٥ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حُكْمِ مَطْلِ الْغَنِيِّ، وَالْحَوَالَةِ، وَقَبُولِهَا - حديث رقم (٣٩٩٥) قال وليّ الدين: وفيه نظر؛ فإنه لم يمنع في الحديث من الحوالة على غير المليء، وإنما أمر بقبول الحوالة على المليء، وسكت عن الحوالة على غيره، فلم يأمر بقبولها، ولم ينه عنه، بل الأمر فيها إلى خِيرة المحال، والله أعلم. انتهى (١). ١١ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين تَّثُ: لم يعتبر أصحابنا - يعني الشافعيّة - في صحة الحوالة اعترافَ المحال عليه، ولا قيام بيّنة عليه بذلك، بل صححوها مع جحوده، واعتبر مالك ثبوته بالإقرار فقط، واعتبر آخرون بثبوته ولو بالبيّنة، وإطلاق الحديث يدلّ على أنه لا يعتبر ثبوته، والله أعلم. (٢) انتھی . ١٢ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين تَخْثُهُ: الحكمة في الجمع بين هاتين الجملتين - يعني قوله: ((مطلُ الغنيّ ظلم))، وقوله: ((وإذا أُتبع إلخ)) - من و جھین : [أحدهما]: وهو الأظهر أنه لما ذَكَر أن مطل الغني ظلم عَقَّبه بأنه ينبغي قبول الحوالة على المليء؛ لِمَا في قبولها من دفع الظلم الحاصل بالمطل، فإنه قد تكون مطالبة المحال عليه سهلة على المحتال دون المحيل، ففي قبول الحوالة عليه إعانة له على ترك الظلم. [ثانيهما]: أنه عَقَّب كون مطل الغني ظلماً بأنه ينبغي أن يحتال على المليء، فإنه لا ضرر عليه في ذلك؛ لأن الظاهر من حال المسلم الاحتراز عن الظلم، أو لأن المليء لا يتعذر استيفاء الحق منه عند الامتناع، بل يأخذه منه الحاكم قهراً ويوفيه، فيحصل الغرض بقبول الحوالة من غير مفسدة بقاء الحقّ. وأورد الشيخ ابن دقيق العيد تَقْتُ في ((شرح العمدة)) لفظ الحديث: ((فإذا أتبع أحدكمٍ)) بالفاء، وقال: في الحديث إشعار بأن الأمر بقبول الحوالة على المليء مُعَلَّل بكون مطل الغني ظلماً، ولعل السبب فيه فذكر هذين المعنيين اللذين ذكرتهما آنفاً في الوجه الثاني. ثم قال: والمعنى الأول أرجح؛ لما فيه من بقاء معنى التعليل بكون (١) ((طرح التثريب)) ١٦٥/٦. (٢) ((طرح التثريب)) ١٦٧/٦ - ١٦٨. ٤٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع المطل ظلماً، وعلى المعنى الثاني تكون العلة عدم تَوَاء الحقّ، لا الظلم. انتھی وذكر الرافعيّ أن الأشهر في الرواية بالواو، ويروى بالفاء، قال: فعلى الأول هو مع قوله: ((مطل الغني ظلم)) جملتان، لا تعلق للثانية بالأولى، وعلى الثاني يجوز أن يكون المعنى أنه إذا كان المطل ظلماً من الغني، فليقبل الحوالة عليه، فإن الظاهر أنه يتحرز عن الظلم، ولا يَمْطُل. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في معنى الحوالة، واشتقاقها : قال في ((الفتح)): ((الْحَوالة)) - بفتح الحاء، وقد تُكسر -: مشتقة من التحويل، أو من الْحُثُول: تقول: حال عن العهد: إذا انتقل عنه حُثُولاً، وهي عند الفقهاء نقل دين من ذمة إلى ذمة. واختلفوا هل هي بيع دين بدين، رُخِّص فيه، فاستُثني من النهي عن بيع الدين بالدين، أو هي استيفاء؟ وقيل: هي عقد إرفاق مستقل، ويشترط في صحتها رضا المحيل، بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال عليه، عند بعض من شذّ، ويشترط أيضاً تماثل الحقين في الصفات، وأن يكون في شيء معلوم، ومنهم من خصها بالنقدين، ومنعها في الطعام؛ لأنه بيع طعام قبل أن يُسْتَوفَى. انتهى(٢). وقال ابن قدامة كَّتُهُ: الحوالة ثابتة بالسنة والإجماع، أما السنة، فما رَوَى أبو هريرة ◌ُه أن النبيّ وََّ، قال: ((مطلُ الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليء فليتبع)) متفق عليه، وفي لفظ: ((من أُحيل بحقه على مليء، فليحتل))، وأجمع أهل العلم على جواز الحوالة في الجملة. واشتقاقها من تحويل الحقّ من ذمة إلى ذمة، وقد قيل: إنها بيع، فإن المحيل يشتري ما في ذمته بما له في ذمة المحال عليه، وجاز تأخير القبض رخصةً؛ لأنه موضوع على الرفق، فيدخلها خيار المجلس لذلك، والصحيح أنها عَقْدُ إرفاق، منفرد بنفسه، ليس بمحمول على غيره؛ لأنها لو كانت بيعاً، لما جازت؛ لكونها بيع دين بدين، ولما جاز التفرق قبل القبض؛ لأنه بيع مال (١) ((طرح التثريب)) ١٦٥/٦. (٢) ((الفتح)) ٦/ ٦٣. ٤٢٧ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حُكْمِ مَطْلِ الْغَنِيِّ، وَالْحَوَالَةِ، وَقَبُولِهَا - حديث رقم (٣٩٩٥) الربا بجنسه، ولجازت بلفظ البيع، ولجازت بين جنسين؛ كالبيع كله، ولأن لفظها يشعر بالتحوّل، لا بالبيع، فعلى هذا لا يدخلها خيار، وتلزم بمجرد العقد، وهذا أشبه بكلام أحمد وأصوله. ولا بد فيها من محيل، ومحتال عليه، ويشترط في صحتها رضى المحيل بلا خلاف، فإن الحق عليه، ولا يتعيّن عليه جهة قضائه، وأما المحتال، والمحال عليه، فلا يعتبر رضاهما على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الأمر في قوله تليفون: ((فليتبع))، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟: قال في ((الفتح))، ما حاصله: ذهب الجمهور إلى أنه للاستحباب، وَوَهِمَ من نقل فيه الإجماع، وقيل: هو أمر إباحة وإرشاد، وهو شاذّ، وحمله أكثر الحنابلة، وأبو ثور، وابن جرير، وأهل الظاهر على ظاهره، وعبارة الخرقيّ: ومن أُحيل بحقه على مليء، فواجب عليه أن يحتال. انتهى. وقال ابن قدامة تَُّ عند شرح قول الخرقيّ المذكور، ما حاصله: والظاهر أن الخرقيّ أراد بالمليء ههنا القادر على الوفاء، غير الجاحد، ولا المماطل، قال: فإذا أحيل على من هذه صفته، لزم المحتال، والمحال عليه القبول، ولم يعتبر رضاهما، وقال أبو حنيفة: يعتبر رضاهما؛ لأنها معاوضة، فيعتبر الرضا من المتعاقدين، وقال مالك، والشافعي: يعتبر رضى المحتال؛ لأن حقه في ذمة المحيل، فلا يجوز نقله إلى غيرها بغير رضاه، كما لا يجوز أن يجبره على أن يأخذ بالدين عرضاً، فأما المحال عليه، فقال مالك: لا يعتبر رضاه، إلا أن يكون المحتال عدوه، وللشافعي في اعتبار رضائه قولان: أحدهما: يعتبر، وهو يحكى عن الزهري؛ لأنه أحد من تتم به الحوالة، فأشبه المحيل، والثاني: لا يعتبر؛ لأنه أقامه في القبض مقام نفسه، فلم يفتقر إلى رضى من عليه الحق، كالتوكيل. قال: ولنا قول النبيّ وَله: ((إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع))، ولأن (١) ((المغني)) ٧/ ٥٦. ٤٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع للمحيل أن يوفي الحق الذي عليه بنفسه، وبوكيله، وقد أقام المحال عليه مقام نفسه في التقبيض، فلزم المحال القبول، كما لو وكل رجلاً في إيفائه، وفارق ما إذا أراد أن يعطيه عما في ذمته عرضاً؛ لأنه يعطيه غير ما وجب له، فلم يلزمه قبوله. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الحنابلة، وأبو ثور، وابن جرير، وأهل الظاهر من كون الأمر للوجوب، وأنه يجب على المحال القبول، إذا توافّرت الشروط هو الأرجح؛ لأمْره ◌َ ﴿ بذلك، والأصل في الأمر الوجوب، إلا لصارف، ولا يوجد هنا صارف، من نصّ، ولا إجماع، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم، هل يرجع المحتال على المحيل بعد الحوالة، أم لا؟: قال في ((الفتح)) تَّثُ ما حاصله: سئل قتادة، والحسن، عن رجل احتال على رجل، فأفلس؟ قالا: إن كان مليّاً يوم احتال عليه، فليس له أن يرجع، وقيّده أحمد بما إذا لم يعلم المحتال بإفلاس المحال عليه، وعن الْحَكَم: لا يرجع، إلا إذا مات المحال عليه، وعن الثوريّ يرجع بالموت، وأما بالفَلَس، فلا يرجع إلا بمحضر المحيل والمحال عليه، وقال أبو حنيفة: يرجع بالفَلَس مطلقاً، سواء عاش، أو مات، ولا يرجع بغير الفلس، وقال مالك: لا يرجع إلا إن غرّه، كأن علم فَلَس المحال عليه، ولم يُعلمه بذلك، وقال الحسن، وشريح، وزفر: الحوالة كالكفالة، فيرجع على أيهما شاء، وبه يشعر إدخال البخاريّ أبواب الكفالة، في كتاب الحوالة. وذهب الجمهور إلى عدم الرجوع مطلقاً، واحتج الشافعي بأن معنى قول الرجل: أحلته، وأبرأني، حَوَّلت حقه عني، وأثبته على غيري، وذَكَر أن محمد بن الحسن احتجّ لقوله، بحديث عثمان؛ أنه قال في الحوالة، أو الكفالة: يرجع صاحبها، لا تَوَى؛ أي: لا هلاك على مسلم، قال: فسألته عن إسناده، فذكره عن رجل مجهول، عن آخَر معروف، لكنه منقطع بينه وبين (١) ((المغني)) ٦٢/٧ - ٦٣. ٤٢٩ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حُكْمِ مَطْلِ الْغَنِيِّ، وَالْحَوَالَةِ، وَقَبُولِهَا - حديث رقم (٣٩٩٥) عثمان، فبطل الاحتجاج به من أوجه، قال البيهقيّ: أشار الشافعيّ بذلك، إلى ما رواه شعبة، عن خُليد بن جعفر، عن معاوية بن قرة، عن عثمان، فالمجهول خُليد، والانقطاع بين معاوية بن قُرّة وعثمان، وليس الحديث مع ذلك مرفوعاً، وقد شك راويه، هل هو في الحوالة، أو الكفالة؟ انتهى(١). وقال ابن قُدامة تَخْذُ: فإذا اجتمعت شروط الحوالة، برِئت ذمّة المحيل في قول عامّة الفقهاء، إلا ما يروى عن الحسن؛ أنه كان لا يرى الحوالة براءة، إلا أن يبرئه، وعن زفر أنه قال: لا تَنْقُلُ الحقَّ، وأجراها مجرى الضمان، وليس بصحيح؛ لأن الحوالة مشتقة من تحويل الحق، بخلاف الضمان، فإنه مشتق من ضم ذمة إلى ذمة، فعُلِّقَ على كل واحد مقتضاه، وما دل عليه لفظه. إذا ثبت أن الحق انتقل، فمتى رضي بها المحتال، ولم يشترط اليسار، لم يعد الحق إلى المحيل أبداً، سواء أمكن استيفاء الحق، أو تعذر لمطل، أو فلَس، أو موت، أو غير ذلك، هذا ظاهر كلام الخرقيّ، وبه قال الليث، والشافعيّ، وأبو عبيد، وابن المنذر، وعن أحمد ما يدل على أنه إذا كان المحال عليه مفلساً، ولم يعلم المحتال بذلك فله الرجوع، إلا أن يرضى بعد العلم، وبه قال جماعة من أصحابنا، ونحوه قول مالك؛ لأن الفلس عيب في المحال عليه، فكان له الرجوع، كما لو اشترى سلعة فوجدها معيبة، ولأن المحيل غرّه، فكان له الرجوع، كما لو دلّس المبيع، وقال شريح، والشعبي، والنخعي: متى أفلس، أو مات رجع على صاحبه، وقال أبو حنيفة: يرجع عليه في حالين: إذا مات المحال عليه مفلساً، وإذا جحده، وحلف عليه عند الحاكم، وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع عليه في هاتين الحالتين، وإذا حُجر عليه لفلَس؛ لأنه رُوي عن عثمان أنه سئل عن رجل أحيل، فمات المحال عليه مفلساً يرجع بحقه، لا تَوَى على مال امرئ مسلم، ولأنه عقد معاوضة، لم يسلم العوض فيه لأحد المتعاوضین، فکان له الفسخ، کما لو اعتاض بثوب فلم يسلم إليه. قال: ولنا إن حَزْناً جدّ سعيد بن المسيِّب، كان له على عليّ ◌َظُهُ دَين، فأحاله به، فمات المحال عليه، فأخبره، فقال: اخترت علينا أبعدك الله. (١) ((الفتح)) ٦/ ٦٤. ٤٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع فأبعده بمجرد احتياله، ولم يخبره أن له الرجوع، ولأنها براءة من دين، ليس فيها قبض ممن عليه، ولا ممن يدفع عنه، فلم يكن فيها رجوع، كما لو برأه من الدين، وحديث عثمان لم يصح، يرويه خالد بن جعفر، عن معاوية بن قرة، عن عثمان، ولم يصح سماعه منه، وقد روي أنه قال: في حوالة، أو كفالة، وهذا يوجب التوقف، ولا يصح، ولو صح كان قول عليّ مخالفاً له. وقولهم: إنه معاوضة، لا يصح؛ لأنه يفضي إلى بيع الدين بالدين، وهو منهي عنه، ويفارق المعاوضة بالثوب؛ لأَنَّ في ذلك قبضاً يقف استقرار العقد عليه، وههنا الحوالة بمنزلة القبض، وإلا كان بيع دين بدين. انتهى (١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه عامّة الفقهاء، وهو أن المحيل يبرأ بالحوالة، هو الأظهر؛ لظهور حجته، كما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال: [٣٩٩٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ ابْنِ مُنَيٍِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، ثقة مأمون [٨] (ت١٨٧ أو ١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قريباً . ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بَنْ همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضاً قريباً . ٥ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قريباً. ٦ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت١٣٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. (١) ((المغني)) ٦٠/٧ - ٦١. ٤٣١ (٢٩) - بَابُ بَيَانِ حُكْم مَطْلِ الْغَنِيِّ، وَالْحَوَالَةِ، وَقَبُولِهَا - حديث رقم (٣٩٩٦) [تنبيه]: رواية همّام بن منبّه، عن أبي هريرة به هذه ساقها أبو عوانة في ((مسنده)) ٣٤٨/٣ فقال: (٥٢٤٥) - حدّثنا السلميّ، قثنا عبد الرزاق، قال: أنبا معمر، عن همام بن مُنَبِّه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله وَّه، وقال رسول الله وَّله: ((إن من الظلم مَظْلَ الغنيّ، وإذا أُتْبِع أحدكم على مليء فَلْيَتْبَغْ)). انتهى. [خاتمة]: أخرج النسائيّ ◌َّثُ في ((سننه)): عن عمرو بن الشَّريد، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَله: ((لَيُّ الواجد يُحِلُّ عِرْضه، وعُقُوبته))، وهو حديث حسنٌ، كما بيّنته في ((شرح النسائيّ))(١). وقوله: (لَيُّ الْوَاجِدِ)) بفتح اللام، وتشديد الياء؛ أي: مطله، يقال: لواه بدينه يَلْويه لَيّاً، من باب رمَى، ولَيّاناً: إذا مَطَلَه، و((الواجد)» - بالجيم -: الموسر. وقوله: ((يُحِلُّ) بضمّ أوله، من الإحلال؛ أي: يُبيح للدائن. و ((العِرْض)) - بكسر، فسكون -: هو جانب الرجل الذي يصونه من نفسه، وحَسَبه أن يُنتَقَصَ، ويُثْلَبَ، أو سَوَاءٌ كان في نفسه، أو سَلَفه، أو من يلزمه أمره، أو موضع المدح والذّمّ منه، أو ما يَفْتخِر به من حسَبٍ وشَرَف، وقد يُراد به الآباء، والأجداد، قاله المجد في ((القاموس)). والمعنى: أنه إذا مطل الغني عن قضاء دينه يَحِلّ للدائن أن يُغلّظ القول عليه، ويُشدّد في هتك عرضه، وحرمته، وكذا للقاضي أن يغلّظ عليه، ويحبسه تأديباً له؛ لأنه ظالم، والظلم حرام، وإن قلّ (٢) . وقال أبو داود: قال ابن المبارك: ((يُحلّ عِرضه)): يُغَلَّظ له، و((عقوبته)): يُحبس له. انتهى. وقال النوويّ تَخَّلُ: قال العلماء: يُحِلّ عرضه بأن يقول: ظَلَمني، مَطَلني، و((عُقُوبته)): الحبس، والتعزير. انتهى. وقال ابن منظور؛ أي: لصاحب الدين: أن يذُمّ عرضه، ويَصِفه بسوء (١) راجع: ((ذخيرة العقبى في شرح المجتبى)) ٢٩٤/٣٥. (٢) راجع: ((عون المعبود)) ٥٦/١٠. ٤٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع القضاء؛ لأنه ظالم له بعدما كان محرّماً منه، لا يحلّ له اقتراضه، والطعن عليه، وقيل: عِرضه أن يُغْلِظَ له، وعُقُوبته: الحبس، وقيل: معناه: أنه يحلّ له شكايته منه، وقيل: معناه أن يقول: يا ظالم أنصِفني؛ لأنه إذا مَطَله، وهو غنيّ، فقد ظلمه. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٣٠) - (بَابُ تَحْرِيم بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ بِالْفَلَاةِ، وَيُحْتَاجُ إِلَيْهِ لَرَغْيَ الْكَلِ، وَتَحْرِيمِ مَنْعِ بَذْلِهِ، وَتَحْرِيمٍ تَبْعٍ ضِرَابِ الْفَخَلِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلف رَّتُ أوّل الكتاب قال: [٣٩٩٧] (١٥٦٥) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبَّدِ اللهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلِ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدّم قبل باب. ٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريباً. ٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم أيضاً قريباً. ٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قبل بابين. ٥ - (ابْنُ جُرَيْج) تقدّم أيضاً قبل بابين. ٦ - (أَبُو الزُّبَيْرِّ) محمد بن مسلم بن تدرس، تقدّم قريباً. ٧ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿ها، تقدّم أيضاً قريباً، وشرح الحديث يأتي بعده . سـ (١) ((لسان العرب)) ١٧١/٧. ٤٣٣ (٣٠) - بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ بِالْفَلَاةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٩٩٨) وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٣٩٩٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَّنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ، وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ وَالأَرْضِ لِتُحْرَثَ، فَعَنْ ذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ◌َِّ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) القيسيّ، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين، ومن لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع من أوله إلى آخره، فانتفت تهمة التدليس عن ابن جريج، وأبي الزبير. شرح الحديث: (عَنِ الزُّبَيْرِ) أَنَّهُ (سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) وَظَهَا (يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَ عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ) - بكسر الضاد المعجمة - أي: عن أخذ الكراء على ضِرابه، بل ينبغي لصاحب الفحل إعارته بلا كراء، فإن في المنع قطع النسل. وقال ابن الأثير: ضِراب الجمل: نَزْوه على الأنثى، والمراد بالنهي ما يؤخذ عليه من الأجرة، لا عن نفس الضِّراب، وتقديره: نَهَى عن ثمن ضراب الجمل، كنهيه عن عَسْبِ الفحل؛ أي: عن ثمنه، يقال: ضَرَبَ الجملُ الناقةَ يَضرِبها: إذا نزا عليها، وأضرب فلانٌ ناقته؛ أي: أنزى الفحل عليها. انتھی(١). (وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ) تقدّم في الرواية السابقة بلفظ: ((عن بيع فضل الماء))، وهو الفاضل عن حاجته، وحاجة عياله، وماشيته، وزرعه. قال ابن الأثير تَخْذَثُهُ: هو أن يسقي الرجل أرضه، ثم يبقى من الماء بقيّة، لا يحتاج إليها، فلا يجوز له أن يبيعها، ولا يمنع منها أحداً ينتفع بها، إذا لم يكن الماء ملكه، أو على قول من يرى أن الماء لا يُملك. انتهى (٢). (١) ((النهاية)) ٧٩/٣. (٢) ((النهاية)) ٤٥٥/٣. ٤٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع وقال الشوكانيّ تَّثُ: والظاهر أنه لا فرق بين الماء الكائن في أرض مباحة، أو في أرض مملوكة، وسواء كان للشُّرب، أو لغيره، وسواء كان لحاجة الماشية، أو الزرع، وسواء كان في فلاة، أو في غيرها. وقال القرطبيّ تَّثُهُ: ظاهر هذا اللفظ النهي عن نفس بيع الماء الفاضل، الذي يُشْرَب، فإنه السابق إلى الفهم. وقال النوويّ تََّثُ حاكياً عن أصحاب الشافعيّ: إنه يجب بذل الماء في الفلاة، بشروط : [أحدها]: أن لا يكون ماء آخر يُستغنَى به. [الثاني]: أن يكون البذل لحاجة الماشية، لا لسقي الزرع. [الثالث]: أن لا يكون مالكه محتاجاً إليه، ويؤيِّد ما ذكرنا من دلالة الحديثين على المنع، من بيع الماء على العموم، حديث أبي هريرة به عند الشيخين، مرفوعاً، بلفظ: ((لا يُمنَعُ فضل الماء؛ ليُمنَع به فضل الكلأ)، وذكره صاحب ((جامع الأصول)) بلفظ: ((لا يباع فضل الماء)»، وهو لفظ مسلم، ويؤيِّد المنع من البيع أيضاً: حديث: ((الناس شركاء في ثلاث: في الماء، والكلإ، والنار)). وقد حُمِل الماء المذكور على ماء الفحل، وهو مع كونه خلاف الظاهر مردود بما في حديث جابر ظبه هذا بلفظ: ((نهى رسول الله وَ ل عن بيع فضل الماء، وعن منع ضِراب الفحل)). وقد خُصِّص من عموم حديثي المنع من البيع للماء، ما كان منه مُحرزاً في الآنية، فإنه يجوز بيعه قياساً على جواز بيع الحطب، إذا أحرزه الحاطب؛ لحديث الذي أمره وصفه بالاحتطاب؛ ليستغني به عن المسألة، وهو متفق عليه، من حديث أبي هريرة ظه، وقد تقدم في ((كتاب الزكاة))، وهذا القياس بعد تسليم صحته، إنما يصح على مذهب من جَوَّز التخصيص بالقياس، والخلاف في ذلك معروف في الأصول، ولكنه يُشكل على النهي عن بيع الماء على الإطلاق، ما ثبت في الحديث الصحيح من أن عثمان څ اشترى بئر رُومة، من اليهوديّ، وسَبّلها للمسلمين، بعد أن سمع النبيّ وَل*، يقول: ((من يشتري بئر رُومة؟ فيوسّع بها على المسلمين، وله الجنة))، وكان اليهوديّ يبيع ماءها، ٤٣٥ (٣٠) - بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ بِالْفَلَاةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٩٩٨) الحديث، فإنه كما يدلّ على جواز بيع البئر نفسها، وكذلك العين بالقياس عليها، يدل على جواز بيع الماء؛ لتقريره وَي لليهودي على البيع. ويجاب بأن هذا كان في صدر الإسلام، وكانت شوكة اليهود في ذلك الوقت قوية، والنبي و ﴿ صالَحهم، في بادئ الأمر على ما كانوا عليه، ثم استقرّت الأحكام، وشَرَع لأمته تحريم بيع الماء، فلا يعارضه ذلك التقرير، وأيضاً الماء هنا دخل لبيع البئر، ولا نزاع في جواز ذلك. انتهى كلام الشوكانيّ كَُّ(١)، وهو بحث نفيسٌ. (وَالأَرْضِ لِتُحْرَثَ) أي: نَهَى عن كراء الأرض للزرع. قال النوويّ كَُّهُ: قوله: (نَهَى عن بيع الأرض لتُحرث)) معناه: نَهَى عن إجارتها للزرع، قال: والجمهور يجوّزون إجارتها بالدراهم، والثياب، ونحوها، ويتأوّلون النهي تأویلین : [أحدهما]: أنه نَهْيُ تنزيه؛ ليعتادوا إعارتها، وإرفاق بعضهم بعضاً. [والثاني]: أنه محمول على إجارتها على أن يكون لمالكها قطعة معيّنة من الزرع، وحمله القائلون بمنع المزارعة على إجارتها بجزءٍ مما يخرج منها. (٢) انتھی(٢). وقد تقدّم تفصيل ما ذُكر كلّه في ((أبواب المزارعة)) مستوفّى، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (فَعَنْ ذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ وََّ﴾ تأكيدٌ لما سبق من النهي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله ما هذا من أفراد المصنّف نَخَذْشُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٩٧/٣٠ و٣٩٩٨] (١٥٦٥)، و(النسائيّ) في (١) ((نيل الأوطار)) ١٥٥/٥. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢٩/١٠ - ٢٣٠. ٤٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع ((البيوع)) (٣٠٦/٧ و٣١٠) و((الكبرى)) (٥٤/٤)، و(ابن ماجه) في ((الرهون)) (٢٤٧٧)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٥٦/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣/ ٣٤٩)، و(ابن حبّان) في («صحيحه)) (٤٩٥٣)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٢/ (٦)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٥٩٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٣٩/٥ و١٥/٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان تحريم بيع فضل الماء. ٢ - (ومنها): وجوب بذل الماء مجّاناً، من غير طلب عوض، وبه قال الجمهور، وحَكَى الخطابيّ عن قوم أنه تجب له القيمة مع وجوب ذلك، وهو مذهب ضعيف، والصواب الأول. وقال القرطبيّ كَُّ عند قوله: ((نهى عن بيع فضل الماء)): ظاهر هذا اللفظ النهي عن نفس بيع الماء الذي يشرب، فإنه السَّابق إلى الفهم، وقد حمله بعض العلماء على ماء الفحل. وفيه بُعْدٌ، لا سيما وقد قرنه في الحديث الآخر بالنهي عن ضراب الجمل، فدل على أنه ليس هو، فإنَّه كان يكون تكراراً بلا فائدة. وقد اختلف في المسألتين. فأما بيع الماء: فالمسلمون مُجمعون على أن الإنسان إذا أخذ الماء من النيل مثلاً، فقد ملكه، وأن له بيعه. قال بعض مشايخنا: فيه خلاف شاذٌّ، لا يلتفت إليه. وأما ماء الأنهار، والعيون، وآبار الفيافي، التي ليست بمملوكة: فالاتفاق حاصل على أن ذلك لا يجوز منعه، ولا بيعه، ولا يشك في تناول أحاديث النهي لذلك. وأما فضل ماء في ملك: فهذا هو محل الخلاف، هل يُجْبر على بذل فضله لمن احتاجه، أو لا يُجبر؟ وإذا أجبر، فهل بالقيمة أو لا؟ قولان سببهما معارضة عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل الملكية، وقياس الماء على الطعام إذا احتاج إليه. والأرجح - إن شاء الله تعالى - حمل الخبر على عمومه، فيجب بذل الفضل بغير بذل قيمة، ويفرّق بينه وبين الطعام بكثرة الماء غالباً، وعدم المشاحة فيه، وقلَّة الطعام غالباً، ووجود المشاحة فيه. انتهى ٤٣٧ (٣٠) - بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ بِالْفَلَاةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٩٩٨) كلام القرطبيّ تَخْذِفُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. ٣ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين تَخّْثُ: إن لوجوب بذل الماء شروطاً مأخوذة من الحديث : [أحدها]: أن يكون ذلك الماء فاضلاً عن حاجته، وهو صريح الحديث، فإن المنهيّ عنه منع الفضل، لا منع الأصل، ولذلك بوّب عليه البخاريّ في ((صحيحه))، فقال: من قال: إن صاحب الماء أحقّ بالماء حتى يَرْوَى؛ لقول النبيّ ◌َله: ((لا يُمنع فضل الماء)). [الثاني]: أن يكون البذل للماشية، وسائر البهائم، ولا يجب عليه بذل الفاضل عن حاجته لزرع غيره على الصحيح عند الشافعيّة، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوريّ. وعن أحمد روايتان، وقال مالك: يجب عليه بذله للزرع أيضاً، إذا خشي عليه الهلاك، ولم يضرّ ذلك بصاحب الماء، واختلف أصحابه في أنه يستحقّ على ذلك عوضاً، أم لا؟ وحديث أبي هريرةمظ لته: ((لا يمنع فضل الماء ليُمنَع به الكلأ)) حجة للأولين، فإنه لا يلزم من منع سقي الزرع به منع الكلإ، وهو المعنى الذي عُلّل به الحديث، وإنما يلزم ذلك في منع البهائم، ويدلّ لمالك، ومن وافقه حديث جابر ظُّه هذا، فإنه منع عن بيع فضل الماء، ولم يقيّده بمنع فضل الكلإ، لكنه عند غيره محمول على الحديث الآخر. [الثالث]: أن لا يجد صاحب الماشية ماء مباحاً، ويدلّ لهذا قوله في حديث أبي هريرة : ((ليُمنع به الكلأ))، فإنه متى وجد ذلك لا يلزم من منع الماء منع الكلإ؛ للاستغناء عنه بذلك الماء المباح. [الرابع]: أن يكون هناك كلا يُرعى، فلو خلت تلك الأرض عن الكلا فله المنع؛ لانتفاء العلّة المعتبرة في الحديث. انتهى كلام وليّ الدين كَذَتُهُ(٢). ٤ - (ومنها): أنه استَدّلّ ابن حبيب المالكيّ على أن البئر إذا تهاياً فيها مالكاها لهذا يوم، ولهذا يومٌ، فاستغنى صاحب النوبة عن الماء في ذلك اليوم، إما بعد أن سقى زرعه، أو لم يسق؛ لعدم احتياجه لذلك، فلشريكه أن يستقي (١) ((المفهم)) ٤ /٤٤١. (٢) ((طرح التثريب)) ١٨٠/٦ - ١٨١. ٤٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع في غير نوبته؛ لأن هذا ماء قد فضل عنه، وقد نهى النبيّ وَّل عن منع فضل الماء، وخالفه في ذلك الأكثرون من المالكيّة وغيرهم، وقالوا: الأصل المنع من مال الغير بغير إذنه، إلا ما خرج بدليل، وهذه الصورة ليست الصورة التي ورد فيها الحديث المخصّص، قاله وليّ الدين تَخْدَثُهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الأكثرون هو الظاهر عندي؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): أخرج ابن حبّان تَظّفُ في ((صحيحه))، من طريق ابن وهب، عن حيوة، عن أبي هانئ بن أبي سعيد مولى بني عفان، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((لا تمنعوا فضل الماء، ولا تمنعوا الكلأ، فيَهزل المالُ، وتجوع العيال»، وفي هذه الرواية التصريح بالنهي عن بيع الكلأ، فيَحتَمِل أن تعود إلى الرواية المشهورة في النهي عن بيعه بالتسبب بأن يمنع الماء، فيكون سبباً لمنع الكلأ، ويَحْتَمِل أن لا يُؤَوَّل بذلك، بل تجعل على ظاهرها من النهي عن بيع الكلأ، وهو محمول على غير المملوك، وهو الكلأ النابت في الموات، فمنعه مجرد ظلم؛ إذ الناس فيه سواء، أما الكلأ النابت في أرضه المملوكة له بالإحياء، فمذهب الشافعيّة جواز بيعه، وفيه خلاف عند المالكية، صحح ابن العربي الجواز، وقال ابن القاسم ومطرف: يبيع ويمنع ما في مروجه وحماه من ملكه، ويباح ما فضل عنه مما في فحوصها من التور والعفاء، إلا أن يكتنفه زرعه فله منعهم؛ للضرر، وسوّى ابن الماجشون بينهما في بيعه، إلا ما فضل عنه من العفاء، وسوّى أشهب في منعه، وقال: هو كالماء الجاري، لا يحل منع ما فضل عنه، ولا بيعه، إلا أن يحرزه، ويحمله، فيبيعه، حَكَى هذا الخلاف ابن شاس، وابن الحاجب، وحكى ابن بطال عن الكوفيين، والشافعيّ أن صاحب الأرض لا يملك الكلأ حتى يأخذه، فيحوزه، وما حكاه عن الشافعيّ مردود. وقوله: ((فيهزل المال، وتجوع العيال)) تعليل للنهي عن بيع الكلأ، فإنه يترتب عليه هُزال المال، وهو الماشية؛ إذ ليس كل أحد يقدر على العلف، (١) ((طرح التثريب)) ١٨٢/٦. ٤٣٩ (٣٠) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ الَّذِي يَكُونُ بِالْفَلَاةِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٩٩٨) فإذا مُنع رعي ماشيته في الكلأ هزلت، فينشأ عن ذلك قلة اللبن، أو فقده، فتجوع العيال الذين يقتاتون باللبن، وما ينشأ عنه من الجبن وغيره، ذكره وليّ الدين ◌َُّ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): رَوَى ابن ماجه تَظْتُ بإسناد صحيح عن أبي هريرة ◌ُه أن رسول الله وَ﴿ قال: ((ثلاثٌ لا يُمْنَعْنَ: الماء، والكلأ، والنار)). وروى ابن ماجه أيضاً عن عبد الله بن سعيد، عن عبد الله بن خِرَاش بن حَوْشَب الشيبانيّ، عن العَوّام بن حَوْشَب، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله وقال : ((المسلمون شركاء في ثلاث، في الماء، والكلأ، والنار، وثمنه حرام))، قال أبو سعيد: يعني الماء الجاري. قال وليّ الدين كَّقُ: والظاهر أن أبا سعيد هذا هو عبد الله بن سعيد شيخ ابن ماجه، وهو الأشجّ، وكان أحد الحفاظ، وهذا الإسناد ضعيف؛ لضعف عبد الله بن خِرَاش، وهو بكسر الخاء، وبالشين المعجمتين، وفي ترجمته أورده ابن عديّ في ((الكامل)). ورَوَى أبو داود من رواية رجل من المهاجرين، من أصحاب النبيّ مرفوعاً: ((المسلمون شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار)). قال الخطابيّ: هذا معناه الكلا يَنبت في موات الأرض، يرعاه الناس، ليس لأحد أن يختص به دون أحد، ويحجزه عن غيره، وكان أهل الجاهلية إذا عَزّ الرجلُ منهم حَمَى بُقْعَةً من الأرض لماشيته ترعاها، يذود الناسَ عنها، فأبطل النبيّ وَّ ر ذلك، وجعل الناس فيه شركاء، يتعاورونه بينهم، فأما الكلأ إذا نبت في أرض مملوكة لمالك بعينه، فهو مال له ليس لأحد أن يَشْرَكه فيه إلا بإذنه. قال: وقوله: ((والنار)) فسَّره بعض العلماء بالحجارة التي تُوري النار، فلا يُمنع أحد أن يأخذ منها حجراً يَقْدَح به النار، فأما التي يوقدها الإنسان، فله أن يمنع غيره من أخذها، وقال بعضهم: له أن يمنع من يريد أن يأخذ منها جذوة من الحطب قد احترق، فصار جمراً، وليس له أن يمنع من أراد أن (١) ((طرح التثريب)) ٦/ ١٨٢ - ١٨٣. ٤٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع يستصبح منها مصباحاً، أو يدني منها ضِغْئاً يُشعل بها؛ لأن ذلك لا ينقص من عینها شيئاً. انتهى. وقال صاحب ((العدة)) من الشافعيّة: لو أضرم ناراً في حطب مباح بالصحراء، لم يكن له منع من ينتفع بتلك النار، فلو جمع الحطب ملكه، فإذا أضرم فیه النار، کان له منع غيره منها. انتهى. وأما الماء فالمراد به هنا المياه المباحة النابعة في موضع لا يختص بأحد، ولا صنع للآدميين في إنباعها وإجرائها، كالفرات، وجيحون، والنيل، وسائر أودية العالم، والعيون في الجبال، وسيول الأمطار، فالناس فيها سواء، لكن من أخذ منها شيئاً في إناء، أو جعله في حوض ملكه، ولم يكن لغيره مزاحمته فيه. وقوله في حديث ابن عباس: ((وثمنه حرام)) أي: المذكور فأعاد الضمير مفرداً، وإن تقدم ذكر ثلاث، وإنما كان ثمنه حراماً؛ لأنه غير مملوك فلا يجوز بيعه، وحَمْلُ أبي سعيد وهو الأشجّ له على الجاري هو الغالب، فلو كان الماء المباح غير جار، كماء السيول الراكدة في المستنقعات، فحكمها كذلك، والله أعلم. انتهى كلام وليّ الدين تَُّهُ(١)، وهو بحث نفيسُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع ضِراب الْفَحْل: قال النووي في (شرح مسلم)): اختَلَف العلماء في إجارة الفحل وغيره من الدواب؛ للضراب، فقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وآخرون: استئجاره لذلك باطل، وحرام، ولا يُستَحَقُّ فيه عِوَضٌ، ولو أنزاه المستأجر لا يلزمه المسمى من أجره، ولا أجرة مثل، ولا شيء من الأموال، قالوا: لأنه غرر مجهول، وغیر مقدور على تسليمه. وقال جماعة من الصحابة، والتابعين، ومالك، وآخرون: يجوز استئجاره لضرب مدة معلومة، أو لضربات معلومة؛ لأن الحاجة تدعو اليه، وهي منفعة مقصودة، وحملوا النهي على التنزيه، والحثّ على مكارم الأخلاق، كما حملوا (١) ((طرح التثريب)) ١٨٣/٦ - ١٨٤.