النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
(٢٨) - بَابُ فَضْلِ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ، وَالتَّجَاوُزِ عَنْهُ - حديث رقم (٣٩٨٧)
٤ - (ومنها): فضل المسامحة في الاقتضاء، والاستيفاء، سواء كان من
معسر أو موسر.
٥ - (ومنها): فضل الوضع من الدَّين، وأنه لا يُحتقَر شيء من أفعال
الخير، فلعله سبب سعادة العبد، وسبب رحمة الله تعالی له.
٦ - (ومنها): أن اليسير من الحسنات إذا كان خالصاً لله، كفّر كثيراً من
السيئات.
٧ - (ومنها): جواز توكيل العبيد، والإذن لهم في التصرّف.
٨ - (ومنها): أن الأجر يحصل لمن يأمر به، وإن لم يتولّ ذلك بنفسه،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٨٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ
لِابْنِ حُجْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ
ابْنِ حِرَاشٍ، قَالَ: اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: ((رَجُلٌ لَقِيَ رَبَّهُ،
فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ؟ قَالَ: مَا عَمِلْتُ مِنَ الْخَيْرِ، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ رَجُلاً ذَا مَالٍ، فَكُنْتُ
أُطَالِبُ بِهِ النَّاسَ، فَكُنْتُ أَقْبَلُ الْمَيْسُورَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمَعْسُورِ، فَقَالَ: تَجَاوَزُوا
عَنْ عَبْدِي))، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِیمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ
صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٤ - (الْمُغِيرَةُ) بن مِقسم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ
متقنٌ، إلا أنه يدلّس [٦] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
٥ - (تُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) النعمان بن أشيم الأشجعيّ، ثقةٌ رُمي بالنصب
[٤] (ت١١٠) (خت م مد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٧٨/٦٨.
٦ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)»
الشهير، مات
جـ٢ ص٤٥٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَقَالَ حُذَيْفَةُ: ((رَجُلٌ لَقِيَ رَبَّهُ) ظاهر هذه الرواية أنها موقوفة على
حذيفة ظه، لكن الرواية السابقة، واللاحقة تبيّن أنها مرفوعة، فتنبّه.
وقوله: (فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ؟) ((ما)) هذه استفهامية مبتدأ خبرها جملة
((عملتَ)) بتاء الخطاب؛ أي: أيَّ شيء عملتَ؟
وقوله: (قَالَ: مَا عَمِلْتُ مِنَ الْخَيْرِ) ((ما)» هذه نافية، و((عملتُ)) بتاء
المتكلّم؛ أي: لم أعمل من الخير شيئاً.
وقوله: (فَكُنْتُ أَقْبَلُ الْمَيْسُورَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمَعْسُورِ) أي: آخذ ما تيسّر،
وأسامح بما تعسّر.
وقال القرطبيّ تَخّْتُهُ: رواية الجماعة: ((أقبل)) بالهمزة المفتوحة، وبالقاف
ساكنةً، وبالباء الموحّدة المفتوحة، من القبول، و(الميسور)): المتيسّر، ووقع
لبعضهم بضمّ الهمزة، وكسر القاف، وياء تحتانيّة، من الإقالة، وفيه بُعْدٌ؛ لأنه
لا يستقيم المعنى حتى يكون الميسور بمعنى الموسر، ولا يُعطيه قانون
التصريف، ولا يَعْضِده نقل. انتهى(١).
والحديث متفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف كََّتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٨٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ خُذَيْفَةَ، عَنِ
النَّبِيِّ وَهِ: ((أَنَّ رَجُلاً مَاتَ، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْمَلُ؟ قَالَ: فَإِمَّا
ذَكَرَ، وَإِمَّا ذُكِّرَ، فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، فَكُنْتُ أُنَظِرُ الْمُعْسِرَ، وَأَتَجَوَّزُ فِي
السِّكَّةِ، أَوْ فِي النَّقْدِ، فَغُفِرَ لَهُ))، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وََّ).
(١) ((المفهم)) ٤٣٦/٤.

٤٠٣
(٢٨) - بَابُ فَضْلٍ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ، وَالتَّجَاوُزِ عَنْهُ - حديث رقم (٣٩٨٩)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) اللَّخْميّ الْفَرَسيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر
ء
حفظه، وربما دلّس [٣] (ت١٣٦) وله (١٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٦/٤٦.
والباقون ذكروا في الباب وقبله.
وقوله: (مَا كُنْتَ تَعْمَلُ؟) ((ما)) استفهامية.
وقوله: (قَالَ: فَإِمَّا ذَكَرَ، وَإِمَّا ذُكِّرَ) هذا شكّ من الراوي، في أن الرجل
هل ذَكَر مسامحته بنفسه، أو ذَكَّرته الملائكة، فـ ((ذَكَرَ)) الأول مخفّف الكاف،
مبنيّاً للفاعل؛ أي: تذكّر بنفسه ما عمله في الدنيا، و((ذُكُر)) الثاني بتشديد
الكاف، مبنيًّاً للمفعول؛ أي: ذَكّرته الملائكة.
وقوله: (وَأَتَجَوَّزُ فِي السِّكَّةِ) بكسر السين المهملة، وتشديد الكاف؛ أي:
في الدنانير والدراهم المضروبة، قال في ((النهاية)): يُسمّى كلّ واحد منهما
سِكّةً؛ لأنه طُبع بالحديدة، واسمها السِّكّة والسِّكّ. انتهى(١).
وقال الفيّوميّ تَخْذُ: السِّكّة: حديدة منقوشة تُطبع بها الدراهم والدنانير،
والجمع: سِكَكٌ، مثلُ سِدرة وسِدَرٍ. انتهى(٢).
وقوله: (أَوْ فِي النَّقْدِ) الظاهر أن ((أو)) هنا للشكّ من الراوي، و((النقد))
بفتح، فسكون: تمييز الدراهم، قال الفيّوميّ: نقدتُ الدراهم نَقْداً، من باب
قَتَلَ، والفاعل ناقدٌ، والجمع نُقّاد، مثلُ كافر وكُفّار، وانتقدتُ كذلك: إذا
نظرتَها؛ لتعرف جيّدها وزَيْفها. انتهى (٣).
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٨٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ، عَنْ
سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: (أَتِيَ اللهُ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ
آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا - قَالَ: وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً -
(١) ((النهاية)) ٣٨٤/٢.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٨٢/١، و((القاموس المحيط)) ٣٠٦/٣.
(٣) ((المصباح)) ٦٢٠/٢.

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قَالَ: يَا رَبِّ آتَيْتَنِي مَالَكَ، فَكُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ، فَكُنْتُ
أَتْيَسَّرُ عَلَى الْمُوسِرٍ، وَأَنْظِرُ الْمُعْسِرَ، فَقَالَ اللهُ: أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ
عَبْدِي))، فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ: هَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ
فِي رَسُولِ اللهِ وَاحِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُ) عبد الله بن سعيد بن حُصین الْكِنديّ الكوفيّ،
ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوق يُخطئ
[٨] (ت ١٩٠) أو قبلها، وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.
٣ - (سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ) أبو مالك الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤] مات في
حدود (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٠/٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أُتِيَ اللهُ ... إلخ) ببناء الفعل للمفعول، و((الله)) مرفوع على أنه
النائب عن الفاعل؛ أي: جيء إليه ياً.
وقوله: (آتَاهُ اللهُ) بمدّ الهمزة: أي أعطاه الله رَك.
وقوله: (قَالَ: وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً) فاعل ((قال)) الظاهر أنه ضمير
حذيفة ظه؛ أي: لا يستطيع أحد أن يكتم يوم القيامة شيئاً من أعماله، فإن
كتم شهدت عليه جوارحه، كما سيأتي(١).
وقوله: (مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ) بضمّ الخاء المعجمة، واللام؛ أي: من
طبيعتي، وسجيّتي.
وقوله: (الجواز) أي: التساهل، والتسامح في البيع والشراء، كما بيّنه
بقوله: (فَكُنْتُ أَتَسَّرُ ... إلخ) أي: أسهّل.
وقال القرطبيّ ◌َّهُ: قوله: ((وكان من خلقي الجواز)) أي: التجاوز عن
(١) ((المفهم)) ٤٣٦/٤.

٤٠٥
(٢٨) - بَابُ فَضْلِ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ، وَالتَّجَاوُزِ عَنْهُ - حديث رقم (٣٩٨٩)
حقوقه، فإما من حلول الأجل، فيؤخّره، وإما من استيفاء الحقّ، فيُسقط
بعضه، أو يسامح في الزَّيف. انتهى(١).
وقوله: (وَأَنْظِرُ الْمُعْسِرَ) هكذا في هذه الرواية.
وقوله: (فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ إلخ) قال
النوويّ تَخْتُهُ: هكذا هو في جميع النسخ: ((فقال عقبة بن عامر وأبو مسعود))،
قال الحفّاظ: هذا الحديث إنما هو محفوظ لأبي مسعود عقبة بن عمرو
الأنصاريّ البدريّ وحده، وليس لعقبة بن عامر فيه رواية، قال الدارقطنيّ:
والوَهَمُ في هذا الإسناد من أبي خالد الأحمر، قال: وصوابه: عقبة بن عمرو
أبو مسعود الأنصاريّ، كذا رواه أصحاب أبي مالك سعد بن طارق، وتابعهم
نعيم بن أبي هند، وعبد الملك بن عُمير، ومنصور، وغيرهم، عن رِبعيّ، عن
حذيفة، فقالوا في آخر الحديث: فقال: عقبة بن عمرو أبو مسعود، وقد ذكر
مسلم في هذا الباب حديث منصور، ونعيم، وعبد الملك، والله أعلم.
انتھی(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب: ((فقال عقبة بن
عمرو أبو مسعود الأنصاريّ))، فيكون ((أبو مسعود)) بدلاً من عقبة بن عمرو،
فليتنبّه .
[تنبيه]: نقل الحافظ المزيّ كَّلُ في ((تحفته)): عن خَلَف قوله: عقبة بن
عامر وَهَمٌّ، لا أعلم أحداً قاله غيره - يعني الأشجّ - والحديث إنما يُحفظ من
حديث عقبة بن عمرو أبي مسعود. انتهى.
وتعقّب الحافظ في ((النكت الظراف)) قول المزّيّ: ((يعني الأشجّ))، فقال:
قد تابع الأشجّ إسحاق ابن راهويه، فأخرجه في ((مسنده)) عن أبي خالد
الأحمر، وقال في روايته: ((فقال عقبة بن عامر، وأبو مسعود»، هكذا بالواو
العاطفة، وهكذا أخرجه أبو نعيم في ((مستخرجه)) على مسلم من طريق إسحاق،
وقد قال الدارقطنيّ في ((العلل)): إن الوهم فيه من أبي خالد، فيمكن أن يستقيم
كلامه بأن يكون الضمير في قوله: لا أعلم قاله غيره، يعني أبا خالد، لا
(١) ((المفهم)) ٤٣٦/٤.
(٢) (شرح النوويّ)) ٢٢٥/١٠ - ٢٢٧.

٤٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
الأشجّ، كما فسّره المزّيّ. انتهى(١).
والحديث من أفراد المصنّف ◌َخْذَلُهُ، وأخرجه أبو عوانة في ((مسنده)) (٣/
٣٧٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٩٠] (١٥٦١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ بَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ
الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ
شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِراً، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ
الْمُعْسِرِ، قَالَ: قَالَ اللهُ رَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ)).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (شَقِيقُ) بن سلمة، أبو وائل الأسديّ الكوفيّ، مخضرم ثقةٌ [٢]
(ت٨٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، وفيه أبو كريب أحد مشايخ الجماعة، بلا
واسطة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وفيه أبو مسعود المشهور
بالبدريّ؛ لسُكناه بدراً على المشهور، أو لشهوده وقعة بدر على ما قاله
البخاريّ، وهو الصحيح.
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) مع ((النكت الظراف)) ٢٥/٣.

٤٠٧
(٢٨) - بَابُ فَضْلِ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ، وَالتَّجَاوُزِ عَنْهُ - حديث رقم (٣٩٩٠)
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ ◌َظُهُ (قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((حُوسِبَ) قيل: معناه: يحاسب يوم القيامة، وإنما أورده بصيغة
الماضي؛ لتحقّق وقوعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١].
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن كونه بمعنى الماضي لا بُعد فيه، بل
هو الأولى؛ فقد يُعذّب عند خروج روحه، أو في قبره، وقد سبق قوله وسلّم:
((تلقّت الملائكة روح رجل))، وقوله: ((رجل لقي ربه، فقال: ما عملتَ؟))، فكلّ
هذا ظاهر أنه وقع في الدنيا قبل يوم القيامة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي: من الأمم السابقة؛ كبني إسرائيل (فَلَمْ يُوجَدْ
لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ) قال الأبيّ تَخُّْهُ: هذا عامّ مخصوص؛ لأن عنده الإيمان،
ولذا يجوز العفو عنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ لِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءٌ﴾
[النساء: ٤٨]، واللائق به أنه ممن قام بالفرائض؛ لأنه كان ممن وُقي شحّ نفسه،
فالمعنى لم يوجد له من النوافل إلا هذا، ويَحْتَمِل أنه له نوافل أُخَر، لكن هذا
غلب عليه، فلم يذكرها اكتفاءً بهذا، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالخير المال،
فيكون المعنى أنه لم يوجد فعل برّ في المال إلا إنظار المعسر. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أنه لا حاجة إلى هذه الاحتمالات التي
فيها تكلّف ظاهر، بل ما دلّ عليه ظاهر النصّ، من أنه لا خير عنده أصلاً، إلا
الإيمان هو الأولى والأظهر، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ) أراد بمخالطتهم مخالطتهم بالتعامل معهم
بالبيع والشراء (وَكَانَ مُوسِراً) أي: غنيّاً (فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ) بالكسر: جمع
غلام؛ أي: خُدّامه (أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرٍ) أي: الفقير، وفيه دليلٌ على
استحباب إذن السيّد لعبده في التجاوز (قَالَ: قَالَ اللهُ رَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ)
أي: بالتجاوز (مِنْهُ) قال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((نحن أحقّ بذلك منه)) صدقٌ
وحقّ؛ لأنه تعالى متفضّل ببذل ما لا يُستحقّ عليه، ومسقط بعفوه عن عبده ما
يجب له من الحقوق عليه، ثم يتلافاه برحمته، فيُكرمه، ويقرّبه منه، وإليه، فله
(١) ((شرح الأبيّ)) ٢٤٤/٤.

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
الحمد كِفَاءَ إنعامه، وله الشكر على إحسانه. انتهى(١).
(تَجَاوَزُوا عَنْهُ))) أمرٌ للملائكة الذين يحاسبونه في أعماله أن يسامحوه فيما
فرّط فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود ◌ُه هذا من أفراد المصنّف تَّلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٩٠/٢٨] (١٥٦١)، و(الترمذيّ) في ((البيوع))
(١٣٠٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٤٦/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/
١٢٠)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)» (٢٩٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٣٧٤/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٣٧/١٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٠٤٧)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٢٩/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥/
٣٥٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٩١] (١٥٦٢) - (حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ
زِيَادٍ، قَالَ مَنْصُورٌ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ:
أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ، وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلَيْ قَالَ: ((كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ
يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّ، فَلَقِيَ اللهَ، فَتَجَاوَزَ
عَنْهُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم) بشير التركيّ، أبو نصر البغداديّ الكاتب،
ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٥) وهو ابن (٨٠) سنةً (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٥/٣٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ) الْوَرَكانيّ، أبو عمران الْخُرَاسانيّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٢٨) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٥/٣٨.
(١) ((المفهم)) ٤٣٦/٤.

(٢٨) - بَابُ فَضْلِ إِنْظَارِ الْمُعْسِرٍ، وَالتَّجَاوُزِ عَنْهُ - حديث رقم (٣٩٩١)
٤٠٩
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو
إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت١٨٥) (ع) تقدم في ((الإيمان))
٩/ ١٤١.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه
عبيد الله بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة تظله رأس المكثرين
السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثاً.
شرح الحدیث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ)
أي: يتعامل معهم بالدين، بأن يبيع لهم إلى أجل، وفي رواية النسائيّ: ((إن
رجلاً لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس)).
(فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ) أي: لعبده، وفي رواية النسائيّ: ((فيقول لرسوله: خذ
ما تيسّر، واترك ما عَسُر)) (إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً) هو الذي لا يجد وفاء لدَينه
(فَتَجَاوَزْ عَنْهُ) بنحو إنظار، وحسن تقاضٍ، والتجاوزُ: التسامح في التقاضي،
وقبولُ ما فيه نقص يسير (لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا) قال الطيبيّ تَخْتُ: أراد القائل
نفسه، لكن جمع الضمير إرادةً أن يتجاوز عمن فعل هذا الفعل؛ ليدخل فيه
دخولاً أوليّاً، ولهذا استُحبّ للداعي أن يَعُمّ في الدعاء، ولا يخصّ نفسه،
لعلّ الله تعالى ببركتهم يستجيب دعاءه. انتهى(١). (فَلَقِيَ اللهَ) في القبر، أو في
القيامة (فَتَجَاوَزَ عَنْهُ) أي: غَفَر له ذنوبه، ولم يؤاخذه بها؛ لحسن ظنه، ورجائه
أنه يعفو عنه، مع إفلاسه من الطاعات.
وفي الحديث بيان فضل إنظار المعسر، والوضع عنه، ولو لِمَا قَلّ، وأنه
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٢١٧٢/٧.

٤١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
مُكَفِّر للذنوب، وفضل المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء، سواء عن الموسر،
أو المعسر، وعدم احتقار شيء من أفعال الخير، وإن قَلّ، فلعلها تكون سبباً
للرحمة والمغفرة، والله تعالى أعلم بالصواب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
به هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٩١/٢٩ و٣٩٩٢] (١٥٦٢)، و(البخاريّ) في
((البيوع)) (٢٠٧٨) و((الأنبياء)) (٣٤٨٠)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٤٦٩٦
و٤٦٩٧) و((الكبرى)) (٦٢٩٣ و٦٢٩٤)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٥١٤)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٦٥/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٢/٢
و٢٣٩ و٣٦١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٤٢ و٥٠٤٣ و٥٠٤٦)،
و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٣٣/٢ و٣٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٤٣/٣
و٣٤٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٥٦/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة))
(٢١٣٩)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٩٢] ( .. ) - حَدَّثَنِي(١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب،
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُثْبَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذكروا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه ساقها أبو عوانة في ((مسنده))
٣٤٣/٣ فقال:
(٥٢٣٢) - حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، وبحر بن نصر الخولانيّ قالا:
ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن
(١) وفي نسخة: ((وحدّثني)).

٤١١
(٢٨) - بَابُ فَضْلِ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ، وَالتَّجَاوُزِ عَنْهُ - حديث رقم (٣٩٩٣)
عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: ((كان رجل
يداين الناس، فإذا أعسر المعسر، قال لفتاه: تجاوز عنه، لعل الله يتجاوز عنّا،
فلقي الله، فتجاوز الله عنه)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف كَخَّلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٩٣] (١٥٦٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو الْهَيْئَم خَالِدُ بْنُ خِدَاشِ بْنِ عَجْلَانَ،
حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي
فَتَادَةَ؛ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيماً لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّي مُعْسِرٌ،
فَقَالَ: اللهِ؟ قَالَ: اللهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ
يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الْهَيْئَم خَالِدُ بْنُ خِدَاشِ (١) بْنِ عَجْلَانَ) الْمُهَلَبيّ مولاهم البصريّ،
سكن بغداد، صدوقٌ يُخطئ [١٠].
رَوَى عن حماد بن زيد، ومالك، ومهدي بن ميمون، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وروى له البخاريّ في ((الأدب))، وأبو داود في ((مسند
مالك))، والنسائيّ بواسطة أبي قُدامة السرخسيّ، وهارون الحمال، والحسن بن
إسحاق المروزيّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
قال يحيى بن معين، وأبو حاتم، وصالح بن محمد البغداديّ: صدوقٌ،
وقال ابن سعد: ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقةً صدوقاً، وقال ابن
المدينيّ: ضعيف، وقال زكريا الساجيّ: فيه ضعف، وقال يحيى بن معين: قد
كتبت عنه، ينفرد عن حماد بن زيد بأحاديث، وقال أبو داود: روى عن حماد بن
زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر حديث الغار، ورأيت سليمان بن
حرب ينكره عليه، وقال أبو حاتم الرازيّ: سألت سليمان بن حرب عنه، فقال:
صدوق، لا بأس به، كان يختلف معنا إلى حماد بن زيد، وأثنى عليه خيراً.
قال مُطَيَّن وغيره: مات سنة (٢٢٣)، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
(١) بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الدال، وآخره شين معجمة.

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وقال: مات سنة (٢٢٤)، وكذا أَرَّخه ابن قانع، وقال: ثقةٌ، وفي كتاب
الساجيّ أيضاً: كان أحمد يَلْزَمه.
أخرج له البخاري في ((الأدب المفرد))، والمصنّف، وأبو داود في ((مسند
مالك))، والنسائيّ، وليس له عند المصنّف إلا هذا الحديث.
٢ - (حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، تقدّم قريباً.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل، أبو نصر البصريّ، ثم
اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس ويرسل [٥] (ت١٣٢) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢
ص٤٢٤.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت٩٥) (ع) تقدم
في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨.
٦ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ الحارث، وقيل: عمرو، وقيل: النعمان بن
رِبْعيّ بن بُلْدُمة الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ الشهير، شَهِد أُحُداً، وما بعدها،
ومات سنة (٥٤) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦١٩/١٨.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن
بعض: أيوب، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، ورواية الأولين من رواية
الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، وفيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ؛ أَنَّ) أباه (أَبَا قَتَادَةَ) الأنصاريّ ◌َُّه (طَلَبَ
غَرِيماً لَهُ) أي: مديناً له، قال الفيّوميّ كَُّ: وأُغْرِم بالشيء، بالبناء للمفعول:
أُوْلِعَ به، فهو مُغرَمٌ، والْغَريمُ: المدين، وصاحب الدين أيضاً، وهو الخصم،
مأخوذ من ذلك؛ لأنه يصير بإلحاحه على خصمه ملازماً، والجمع: غُرماء،
مثلُ كريم وكُرَماء. انتهى (١). (فَتَوَارَى عَنْهُ) أي: اختفى عن أبي قتادة؛ لئلا
(١) ((المصباح المنير)) ٤٤٦/٢.

٤١٣
(٢٨) - بَابُ فَضْلِ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ، وَالتَّجَاوُزِ عَنْهُ - حديث رقم (٣٩٩٣)
يلزمه (ثُمَّ وَجَدَهُ) بيّن الإمام أحمد تَُّ في (مسنده)) هذه القصّة، فقد أخرج
الحديث مطوّلاً ٣٠٨/٥ فقال:
(٢٢٦٧٦) حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عفان، ثنا حماد - يعني ابن
سلمة - أنا أبو جعفر الخطميّ، عن محمد بن كعب القُرَظيّ؛ أن أبا قتادة كان
له على رجل دين، وكان يأتيه يتقاضاه، فيختبئ منه، فجاء ذات يوم، فخرج
صبيّ، فسأله عنه، فقال: نعم هو في البيت، يأكل خَزِيرةً، فناداه: يا فلان
اخرُج، فقد أُخبرت أنك ههنا، فخرج إليه، فقال: ما يُغَيِّك عني؟ قال: إني
معسر، وليس عندي، قال: الله إنك معسر؟ قال: نعم، فبكى أبو قتادة، ثم
قال: سمعت رسول الله وَ﴾ه يقول: ((مَن نَفَّس عن غريمه، أو محا عنه، كان في
ظل العرش يوم القيامة)). انتهى.
(فَقَالَ) ذلك الغريم؛ معتذراً إليه (إِنِّي مُعْسِرٌ) أي: فقير لا أستطيع دفع
دينك إليك (فَقَالَ) أبو قتادة ◌َبه (آللهِ؟) هذا قسم سؤال؛ أي: أبالله، وباء
القسم تُضمر كثيراً مع ((الله))، قال الرضيّ: وإذا حُذف حرف القسم الأصليّ
- أعني الباء - فالمختار النصب بفعل القسم، ويختصّ لفظُ ((الله)) بجواز الجرّ
مع حذف الجارّ بلا عوض، وقد يُعوّض من الجارّ فيها همزة الاستفهام، أو
قطع همزة ((الله)) في الدرج. انتهى (١).
(قَالَ) الرجل (أَللهِ) أي: والله أنا معسر (قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الهِ وَهـ
يَقُولُ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبٍ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ((الْكُرَب)) بضمّ الكاف،
وفتح الراء: جمع كُرْبةٍ بضمّ، فسكون، وَهي الشدّة، والفاقة، وكرب يوم
القيامة: شدائدها، وأهوالها (فَلْيُنَفِّسْ) بتشديد الفاء، من التنفيس، وأصله من
النَّفَس - بفتحتين - يقال: أنت في نَفَسٍ - يعني في سعة، فكأن من كان في كربة
ضاقت عليه مداخل الأنفاس، فإذا فُرّج عنه فُسحت(٢).
وقال ابن الأثير كَّلُ: هو مستعار من نَفَس الهَوَاء الذي يردّه التنفّس إلى
الجوف، فيُبرد من حرارته، ويُعَدِّلها، أو من نَفَس الريح الذي يتنسّمه، فَيَستروح
(١) من هامش نسخة المحقّق محمد ذهني أفندي ٣٣/٥.
(٢) (تكملة فتح الملهم)) ٤٠٦/١.

٤١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
إليه، أو من نَفَس الروضة: وهو طِيبُ روائحها، فيتفرّج به عنه، يقال: أنت في
نَفَس من أمرك، واعْمَل وأنت في نفَس من عُمرك؛ أي: في سَعَةٍ، وفُسْحة قبل
المَرَض، والْهَرَم، ونحوهما. انتهى(١).
ومعنى ((فليُنفّس)) هنا: فليمدّ، وليؤخّر المطالبة، وقيل: معناه: يُفرّج عنه،
إما بإمهال، أو أداء، أو إبراء، أو وساطة، أو تأخير مطالبة، ونحوها (عَنْ
مُعْسِرٍ) أي: فقير (أَوْ يَضَعْ عَنْهُ)) بالجزم عطفاً على ((يتنفّس))؛ أي: يحطّ بعض
ديونه عن المعسر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة له هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٩٣/٢٨ و٣٩٩٤] (١٥٦٣)، و(ابن أبي شيبة)
في ((مصنّفه)) (٥٤٦/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٠/٥ و٣٠٨)، و(عبد بن
حميد) في ((مسنده)) (٩٧/١)، و(الدارميّ) في («سننه)) (٣٤٠/٢)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٣٥٦/٥ - ٣٥٧) و((المعرفة)) (٤٩٢/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل التنفيس عن المعسر بتأخير المطالبة إلى أن يتيسّر
له القضاء.
٢ - (ومنها): بيان فضل وضع بعض الديون عن المدين.
٣ - (ومنها): الحثّ على التيسير، والترغيب فيه.
٤ - (ومنها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أبي قتادة الأنصاريّ
،
وشدّة رأفته بالمساكين، فقد بكى لَمّا ذكر له المديون كونه معسراً، وتذكّر ما
سمعه من النبيّ وَ﴿ من فضل التنفيس عن الغريم، والمحو عنه، ففعل ذلك،
كما سيأتي في رواية أبي عوانة.
(١) ((النهاية)) ٩٣/٥.

٤١٥
(٢٨) - بَابُ فَضْلٍ إِنْظَارِ الْمُعْسِرٍ، وَالتَّجَاوُزِ عَنْهُ - حديث رقم (٣٩٩٤)
وقد اتّفق مثل هذه القصّة لأبي اليسر الصحابيّ ◌ُه، فقد أخرج
المصنّف، كما سيأتي في ((كتاب الزهد والرقائق)) عن عبادة بن الوليد بن
عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحيّ من
الأنصار، قبل أن يَهْلِكوا، فكان أول من لَقِينا أبا الْيَسَر صاحب رسول الله وَله
ومعه غلام له، معه ضِمَامة من صحف (١)، وعلى أبي اليسر بُرْدَة ومَعَافريّ(٢)،
وعلى غلامه بُرْدة ومَعَافريّ، فقال له أبي: يا عم إني أرى في وجهك سَفْعَةً (٣)
من غضب، قال: أَجَلْ، كان لي على فلان بن فلان الْحَرَاميّ مالٌ، فأتيت
أهله، فسلمت، فقلت: ثَمَّ هو؟ قالوا: لا، فخرج عليَّ ابنٌ له جَفْرٌ(٤)، فقلت:
له أين أبوك؟ قال: سمع صوتك، فدخل أَرِيكة أمي(6)، فقلت: اخرُج إليّ،
فقد علمتُ أين أنت؟ فخرج، فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا
والله أُحَدِّثك، ثم لا أَكْذِبك، خَشِيتُ والله أن أحدِّثك، فَأَكْذِبك، وأن أَعِدَك،
فَأُخْلِفك، وكنت صاحب رسول الله وَّه، وكنتُ والله معسراً، قال: قلت: آللهِ؟
قال: اللهِ، قلت: آللهِ؟ قال: اللهِ، قلت: اللهِ؟ قال: اللهِ، قال: فأتى بصحيفته،
فمحاها بيده، فقال: إن وجدتَ قضاءً فأقضني، وإلا أنت في حِلّ، فَأَشْهَدُ بَصَرُ
عينيّ هاتين - وَوَضَع إصبعيه على عينيه - وسَمْعُ أذنيّ هاتين، ووعاه قلبي هذا
- وأشار إلى مناط قلبه - رسول الله صل﴿، وهو يقول: ((من أنظر معسراً، أو
وضع عنه، أظله الله في ظله)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخّْتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٩٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ
ابْنُ حَازِمِ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
(١) أي رزمة يضمّ بعضها إلى بعض.
(٢) ((البردة)»: شملة مخطّطة، وقيل: كساء مربع فيه صفر، والمعافريّ: نوع من الثياب
يُعمل بقرية تسمّى معافر.
(٣) أي تغيّر وعلامة.
(٥) أي سريرها .
(٤) مقارب البلوغ.

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، تقدّم
قبل بابين.
٢ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِم) بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ،
ثقةٌ، في حديثه عن قتادة ضعف [٦] (ت١٧٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨١/٦.
والباقيان ذُكرا في الإسنادين السابقين.
[تنبيه]: رواية جرير بن حازم، عن أيوب السختيانيّ هذه ساقها أبو عوانة
في ((مسنده)) ٣٤٤/٣ فقال:
(٥٢٣٧) - حدّثنا يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفيّ، قال: أنبا ابن وهب،
قال: أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن
أبي قتادة، عن أبيه؛ أنه كان يطلب بحقّ، فاختبأ منه، فقال: ما حملك على
ذلك؟ قال: العُسْرة، فاستحلفه على ذلك، فحَلَف، فدعا بصَكَّة، ثم أعطاه
إياه، وقال: سمعت رسول الله وَل﴿، يقول: ((من أنسأ معسراً، أو وضع عنه،
أنجاه الله من كُرَب يوم القيامة)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيفِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٢٩) - (بَابُ بَيَانِ حُكْمِ مَطْلِ الْغَنِيِّ، وَالْحَوَالَةِ، وَقَبُولِهَا (١))
((الْمَظْلُ)) بفتح الميم، وسكون الطاء المهملة؛ أي: تسويفه بوعد الوفاء،
يقال: مَطَلَّهُ بدَينه مَظْلاً، من باب نصر: إذا سوّفه بوعد الوفاء مرّةً بعد أخرى،
(١) هذه الترجمة أولى من ترجمة النوويّ، حيث ترجموا على وفق مذهبه، فقال: ((باب
تحريم مطل الغنيّ، وصحّة الحوالة، واستحباب قبولها ... إلخ))، فقوله: ((واستحباب
قبولها)) هو مذهب الشافعي، ويرى غيره وجوب قبولها، وهو الأرجح، كما سيأتي.
وبالجملة أنه لا ينبغي لشارح كتاب من كتب الحديث أن يقيّد الترجمة بمذهبه، بل
يجعله مطلقاً على ظاهر الحديث، ثم يرجّح في الشرح ما يراه راجحاً، وينبغي التنبّه
لهذا، فإن كثيراً من شرّاح ((صحيح مسلم)) يسلكون هذا المسلك، والله المستعان.

٤١٧
(٢٩) - بَابُ بَيَانِ حُكْمِ مَطْلِ الْغَنِيِّ، وَالْحَوَالَةِ، وَقَبُولِهَا - حديث رقم (٣٩٩٥)
وماطله مِطالاً، من باب قاتل، والفاعل من الثلاثيّ ماطلٌ، ومَطُولٌ مبالغة،
كمطّال، ومن الرباعيّ مماطلٌ، وأصل ((المطل)): المدّ، يقال: مَطَلْت الحديدَةَ
مَظْلاً: مددتها، وطوّلتها، وكلّ ممدود ممطول(١).
و ((الْحَوالة)) - بفتح الحاء، وقد تُكسر -: مشتقة من التحويل، أو من
الْحُئُول، تقول: حال عن العهد: إذا انتقل عنه حُثُولاً، وهي عند الفقهاء نقل
دين من ذمة إلى ذمة، واختلفوا هل هي بيع دين بدين، رُخِّص فيه، فاستُثني من
النهي عن بيع الدين بالدين، أو هي استيفاء؟ وقيل: هي عقد إرفاق مستقلّ،
ويشترط في صحتها رضا المحيل، بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال
عليه، عند بعض من شذّ، ويشترط أيضاً تماثل الحقين في الصفات، وأن يكون
في شيء معلوم، ومنهم من خصها بالنقدين، ومنعها في الطعام؛ لأنه بيع طعام
قبل أن يُسْتَوفَى، قاله في ((الفتح))(٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٩٥] (١٥٦٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((مَطْلُ الْغَنِيِّ
ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبَعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍ فَلْيَتْبَعْ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، تقدّم قبل بابين.
٣ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدنيّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
ومن لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيات المصنّف ◌َّتُهُ، وأنه مسلسل
بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو
· رأس المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
هريرة
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٥٧٥/٢.
(٢) ((الفتح)) ٦/ ٦٣.

٤١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
شرح الحديث:
(عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ﴿ُبه، قال في
((الفتح)): قد رواه هَمّام، عن أبي هريرة، ورواه ابن عمر، وجابر، مع أبي
هريرة ﴿(١). (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ) قال القرطبيّ كَذُ:
المطل: منع قضاء ما استُحِقّ أداؤه مع التمكن من ذلك، وطلبٍ المستحقّ
حقه، وهو الذي قال فيه في الحديث الآخر: ((لَيّ الواجد يُحِلّ عرضه
وعقوبته)): أي: مطل الموسر المتمكن إذا طولب بالأداء ظلم للمستحق، يبيح
من عرضه أن يقال فيه: فلان يَمْطُل الناسَ، ويحبس حقوقهم، ويبيح للإمام
أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك، حُكي معناه عن سفيان.
قال: و((الظلم)): وضع الشيء في غير موضعه في أصل اللغة، وهو في
الشرع محرَّم مذموم. ووجهه هنا: أنه وضع المنع موضع ما يجب عليه من
البذل، فحاق به الذم والعقاب. والغني الذي أضيف المطل إليه هو الذي عليه
الحقّ؛ بدليل قوله: ((لَيُّ الواجد))، وهو الظاهر من الحديث والمراد منه، ولا
يُلْتَفَت لقول من قال: إنه صاحب الحقّ، لبُعد المعنى، وعدم ما يدل عليه.
انتهى كلام القرطبيّ كَُّ(٢).
وفي رواية ابن عيينة، عن أبي الزناد، عند النسائيّ، وابن ماجه: ((المطل
ظلم الغنيّ))، والمعنى: أنه من الظلم، وأُطلق ذلك للمبالغة في التنفير عن
المطل.
وقد رواه الْجَوْزقيّ من طريق همام، عن أبي هريرة، بلفظ: ((إن من الظلم
مطل الغنيّ))، وهو يفسِّر الذي قبله.
وأصل المطل: المدّ، قال ابن فارس: مَطَلتُ الحديدة أمطُلها مَظْلاً: إذا
مددتها لتطول، وقال الأزهريّ: المطل المدافعة.
والمراد هنا تأخير ما استُحِقّ أداؤه بغير عذر، والغنيّ مختلف في تعريفه،
ولكن المراد به هنا مَن قَدَر على الأداء، فأخّره، ولو كان فقيراً، كما سيأتي
البحث فيه .
(١) ((الفتح)) ٦/ ٦٤.
(٢) ((المفهم)) ٤٣٨/٤ - ٤٣٩.

٤١٩
(٢٩) - بَابُ بَيَانِ حُكْم مَطْلِ الْغَنِيِّ، وَالْحَوَالَةِ، وَقَبُولِهَا - حديث رقم (٣٩٩٥)
وهل يَتَّصِف بالمطل مَن ليس القدر الذي استُحِقَّ عليه حاضراً عنده، لكنه
قادر على تحصيله بالتكسب مثلاً؟ أَظْلَق أكثر الشافعية عدم الوجوب، وصرَّح
بعضهم بالوجوب مطلقاً، وفَصَّل آخرون بین أن یکون أصل الدين وجب بسبب
يَعْصِي به، فیجب، وإلا فلا.
وقوله: ((مَظْلُ الغنيّ)) هو من إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور،
والمعنى: أنه يَحْرُم على الغنيّ القادر أن يَمْطُل بالدين بعد استحقاقه، بخلاف
العاجز.
وقيل: هو من إضافة المصدر للمفعول، والمعنى: أنه يجب وفاء الدين،
ولو كان مستَحِقّه غنيّاً، ولا يكون غناه سبباً لتأخير حقّه عنه، وإذا كان كذلك
في حقّ الغنيّ، فهو في حقّ الفقير أولى، ولا يخفى بُعْدُ هذا التأويل، قاله في
((الفتح)(١).
(وَإِذَا أَتْبَعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍ فَلْيَتْبَعْ))) المشهور في الرواية واللغة كما قال
النوويّ إسكان المثناة في ((أُتْبِع))، وفي ((فَلْيَتْبَعْ))، وهو على البناء للمجهول،
مثلُ: إذا أُعْلِم فَلْيَعَلم، تقول: تَبِعت الرجل بحقي أتبعه، من باب فَرِحَ تَّبَعاً
وتَبَاعَةً بالفتح: إذا طلبته.
وقال القرطبيّ كَّقُ: أما ((أَتْبَعَ)) فبضم الهمزة، وسكون التاء، مبنيّاً لِمَا لم
يُسَمَّ فاعله عند الجميع، وأما ((فَلْيَتْبَع))، فالأكثر على التخفيف، وقيّده بعضهم
بالتشديد، والأول أجود؛ لأن العرب تقول: تَبِعتُ الرَّجلَ بحقِّي، أَتْبَعه، تَبَاعَةً:
إذا طلبته به، فأنا له تبيع - كل ذلك بالتخفيف -، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا
تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، نَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩]، ومعناه: إذا أحيل أحدكم فليحتل.
(٢)
انتھی(٢).
قال الحافظ: وما اذَّعاه من الاتفاق على ((أُتْبِعَ)) يردُّه قول الخطابيّ: أن
أكثر المحدثين يقولونه بتشديد التاء، والصواب التخفيف.
ومعنى قوله: ((أُتْبِعَ فَلْيَتْبَعْ))؛ أي: أُحيل فَلْيَحْتَلْ، وقد رواه بهذا اللفظ
(١) ((الفتح)) ٦٤/٦ - ٦٥ ((كتاب الحوالة)) رقم (٢٢٨٧).
(٢) ((المفهم)» ٤٣٩/٤.

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
أحمد، عن وكيع، عن سفيان الثوريّ، عن أبي الزناد، وأخرج البيهقيّ مثله،
من طريق يعلى بن منصور، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، وأشار إلى تفرد يعلى
بذلك، ولم يتفرد به كما تراه، ورواه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ: ((فإذا
◌ُحلت على مليء فاتَّبِعه)) وهذا بتشديد التاء بلا خلاف.
و((المليء)) بالهمز مأخوذ من الملاء، يقال: مَلُؤْ الرجل بضم اللام؛ أي:
صار مليّاً، وقال الكرمانيّ: المليّ كالغنيّ لفظاً ومعنّى، فاقتضى أنه بغير همز،
وليس كذلك، فقد قال الخطابيّ: إنه في الأصل بالهمز، ومن رواه بتركها فقد
سَهَّله .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): ادّعَى الرافعيّ أن الأشهر في الروايات: ((وإذا
أتبع)) - يعني بالواو - وأنهما جملتان، لا تعلق لإحداهما بالأخرى، وزعم
بعض المتأخرين أنه لم يَرِد إلا بالواو، وغَفَل عما في ((صحيح البخاري))، فإنه
بالفاء في جميع الروايات، وهو كالتوطئة، والعلة لقبول الحوالة؛ أي: إذا كان
المطل ظلماً، فليقبل من يُحتال بدَينه عليه، فإن المؤمن من شأنه أن يحترز عن
الظلم، فلا يَمْظُل، نعم رواه مسلم بالواو، وكذا البخاريّ في الباب الذي
بعده، لكن قال: ((ومن أتبع)). ومناسبة الجملة للتي قبلها؛ أنه لما دَلّ على أن
مَظْل الغنيّ ظلم، عَقَّبَه بأنه ينبغي قبول الحوالة على المليء؛ لما في قبولها من
دفع الظلم الحاصل بالمطل، فإنه قد تكون مطالبة المحال عليه سهلة على
المحتال، دون المحيل، ففي قبول الحوالة إعانة على كفّه عن الظلم.
انتھی(١).
وقال القرطبيّ نثُ: وهذا الأمر - يعني قوله: ((فلیتبع)) - عند الجمهور
محمول على الندب؛ لأنه من باب المعروف والتيسير على المعسر، وقد حمله
داود على الوجوب تمسَّكاً بظاهر الأمر، وهذا ليس بصحيح؛ لأن ملك الذمم
كملك الأموال، وقد أجمعت الأمّة على أن الإنسان لا يُجْبَر على المعاوضة بشيء
من ملكه بملك غيره، فكذلك الذمم، وأيضاً فإن نقل الحق من ذمة إلى ذمة تيسير
على المعسر، وتنفيسٌ عنه، فلا يجب، وإنما هو من باب المعروف بالاتفاق.
(١) ((الفتح)) ٦٦/٦.