النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (٢٦) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ - حديث رقم (٣٩٧٧) الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا(١) حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ، وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكِ، فَقَالَ: (يَا كَعْبُ))، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَشَارَ (٢) إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ بَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((قُمْ فَاقْضِهِ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى) التُّجيبيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) ذُكر قبل حديث. ٣ - (يُونُسُ) الأيليّ، تقدّم قريباً. ٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ بْنِ مَالِك) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ، يقال: له رؤيةٌ [٢] (ت٧ أو٩٨) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٠/٦٤. ٦ - (أَبُوهُ) كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاريّ السَّلَميّ المدنيّ الصحابيّ الشهير، وهو أحد الثلاثة الذين خُلّفوا، مات في خلافة عليّ ◌َّا (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٥٩/١٣. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف رَّلهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه. ٥ - (ومنها): أن صحابيّه هو أحد الثلاثة الذين نزلت فيهم آية: ﴿وَعَلَ الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِّقُواْ﴾ الآية [التوبة: ١١٨]، رُوي له ثمانون حديثاً، والله تعالى أعلم. (١) وفي نسخة: ((أصواتهم)). (٢) وفي نسخة: ((قال: فأشار إليه)). ٣٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ أنه قال: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ بْنِ مَالِك) يقال: له رؤية (عَنْ أَبِيهِ) كعب بن مالك ◌َُّهُ (أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ) أي: طالب أن يقضيه، وفي الرواية التالية من طريق عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك؛ ((أنه كان له مالٌ على عبد الله بن أبي حَدْرد الأسلميّ، فلقيه، فلزمه، فتكلّما حتى ارتفعت أصواتهما ... )). [تنبيه]: ((ابن أبي حَدْرد)) - بفتح الحاء المهملة، وسكون الدال المهملة، وفتح الراء، ثم دال مهملة - قال الجوهريّ وغيره: لم يأت من الأسماء على ((فعلع)) بتكرير العين غير حدرد. وهو عبد الله بن أبي حدرد، واسمه سلامة، وقيل: عُبيد بن عُمير بن أبي سلامة بن سعد بن شيبان بن الحارث بن قيس بن هوازن بن أسلم بن أفصى الأسلميّ، أبو محمد، له ولأبيه صحبة، وقال ابن منده: لا خلاف في صحبته، وقال ابن سعد: أول مشاهده الحديبية، ثم خيبر، مات سنة (٧١) عن (٨١) سنة، أفاده في ((الإصابة))(١). وقوله: (دَيْناً) منصوب على أنه مفعول ثان ل((تقاضى))، والأول («ابنَ أبي حدرد))، وقوله: (كَانَ لَّهُ عَلَيْهِ) جملة في محلّ نصب صفة ((ديناً))، وضمير (له)) لكعب، و((عليه)) لابن أبي حدرد، وفي رواية الطبرانيّ أنه كان أوقيّتين (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) أي: في زمانه (فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ، وهو متعلّق بـ((تقاضى)) (فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) وفي بعض النسخ: ((فارتفعت أصواتهم)) (حَتَّى سَمِعَةَ) أي: الأصوات، وفي رواية النسائيّ: ((حتى سمعهما)) (رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾) وقوله: (وَهُوَ فِي بَيْتِهِ) جملة حالية من ((رسول الله (وَل﴿)) (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾ أي: من حجرته، وفي رواية الأعرج، عن عبد الله بن كعب التالية: ((فمرّ بهما رسول الله ( 9)) وظاهر الروايتين التخالف، وجمع بعضهم بينهما باحتمال أن يكون مرّ بهما أوّلاً، ثم إن كعباً أشخص خصمه للمحاكمة، فسمعهما النبيّ وَله أيضاً، وهو في بيته، قال الحافظ: وفيه بُعد؛ لأن في الطريقين أنه نَّ أشار (١) راجع: ((الإصابة)) ٦/ ٥٢ - ٥٤. ٣٦٣ (٢٦) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ - حديث رقم (٣٩٧٧) إلى كعب بالوضيعة، وأمر غريمه بالقضاء، فلو كان أمره بذلك تقدّم لهما لَمَا احتاج إلى الإعادة، والأَولى فيما يظهر لي أن يُحمَل المرور على أمر معنويّ، لا حسّيّ. انتهى. (حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ) - بكسر المهملة، وسکون الجيم، وحكي فتح أوله - وهو الستر، وقيل: أحد طرفي الستر الْمُفَرَّج، قاله (١) في ((الفتح))(١) . وقال المجد ◌َّتُهُ: ((السِّجْفُ))، ويُكسر، وككتاب: السترُ، جمْعه سُجُوفٌ، وأَسْجافٌ، أو السَّجْف: السِّتران المقرونان بينهما فُرْجةٌ، أو كلُّ بابٍ سُتِرِ بسترين مقرونين، فكلُّ شِقّ سَجْفٌ، وسِجَافٌ، وأسجف السترَ: أرسله. انتھی(٢). (وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكِ، فَقَالَ: ((يَا كَعْبُ))، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَشَارَ) وفي نسخة: ((قال: فأشار)) (إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ) أي: نصفه، و(أن)) هنا يَحْتَمل أن تكون مصدريّة، ويقدّرَ الجار قبلها؛ أي: بأن ضع، ويَحْتَمل أن تكون تفسيريّة؛ أي: ضع، و((أن)) التفسيريّة هي التي تقع بعد جملة فيها معنى القول، دون حروفه، وتتأخر عنها جملة، وأن لا يدخل عليها جارّ، كما هو مبسوط في ((مغني اللبيب)) لابن هشام الأنصاريّ تَقْدَهُ(٣). وقال شيخنا المناسيّ كَّثُ في ((نظمه)): وَزُمْرَةُ الْكُوفَةِ فِيهَا مُنْكِرَهْ وَثَالِثٌ(٤) كَـ(أَيْ)) أَتَتْ مُفَسِّرَهْ وَبَعْدَهَا الْجُمَلُ مُظْلَقاً حَصَلْ وَشَرْطُهَا لِمُثْبِتٍ سَبْقُ الْجُمَلْ لَا لَفْظُهُ وَبَعْضُهُمْ قَدْ أَظْلَقَهْ وَالْقَوْلُ مَعْنَاهُ بَدَا فِي السَّابِقَهْ بِهَا فَمَصْدَرِيَّةٌ عِنْدَ الْفَطِنْ وَعَدَمُ الْخَافِضِ أَمَّا إِنْ قُرِنْ وفي رواية الأعرج التالية: ((فقال: يا كعب، فأشار بيده، كأنه يقول: النصف، فأخذ نصفاً مما عليه، وترك نصفاً)) (قَالَ كَعْبُ: قَدْ فَعَلْتُ مَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية للبخاريّ: ((لقد فعلت))، وفيها مبالغة في امتثال الأمر (قَالَ (١) ((الفتح)) ٢٠٥/٢ (كتاب الصلاة)). (٢) ((القاموس المحيط)) ١٥٠/٣. (٣) راجع: ((مغني اللبيب عن كتب الأعاريب)) ٧٤/١ - ٧٥. (٤) أي ثالث الأوجه من معاني ((أَنْ)). ٣٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع رَسُولُ اللهِ وََّ) لابن أبي حدرد ((قُمْ فَاقْضِهِ))) فيه إشارة إلى أنه لا يُجمع بين الوضيعة والتأجيل. وقال القرطبيّ كَّثُ: قوله: ((قم، فاقضه)): أمر على جهة الوجوب؛ لأن ربّ الدَّين لَمّا أطاع بوضع ما وَضَعَ تعيّن على الْمِذْيان أن يقوم بما بقي عليه؛ لئلا يُجمَع على ربّ الدَّين وَضِيعةٌ ومَظْلٌ، وهكذا ينبغي أن يُبَتّ الأمرُ بين المتصالحين، فلا يُترك بينهما عُلقةٌ ما أمكن. انتهى(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث كعب بن مالك (المسألة الثانية): في تخريجه: . هذا متّفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٧٧/٢٦ و٣٩٧٨ و٣٩٧٩] (١٥٥٨)، و(البخاريّ) في ((المساجد)) (٤٥٧) و((الخصومات)) (٢٤١٨ و٢٤٢٤) و((الصلح)) (٢٧٠٦ و٢٧١٠)، و(أبو داود) في ((الأقضية)) (٣٥٩٥)، و(النسائيّ) في («آداب القضاة» (٢٣٩/٨ و٢٤٤) وفي ((الكبرى)) (٤٧٦/٣)، و(ابن ماجه) في («الأحكام)) (٢٤٢٩)، و(أحمد) في («مسنده)) (٤٥٤/٣ و٤٦٠ و٣٨٦/٦ و٣٩٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٤٧٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٤٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٢٦/١٩ و١٢٧ و١٢٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٣٨/٣)، و(عبد بن حميد) (١٤٧/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٢/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢١٥١)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الوضع من الدَّين. ٢ - (ومنها): جواز المخاصمة في المسجد في الحقوق، والمطالبة بالدیون. ٣ - (ومنها): جواز ملازمة الغريم، والتقاضي منه. (١) ((المفهم)) ٤٣٠/٤. ٣٦٥ (٢٦) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى وَضْعِ بَعْضِ الدَّبْنِ - حديث رقم (٣٩٧٧) ٤ - (ومنها): إرخاء الستر على الباب للحاجة. ٥ - (ومنها): بيان جواز حكم الحاكم في داره، وهذا إذا لم يؤدّ إلى تضرّر الناس بضيق المكان، أو نحوه، وإلا فعليه أن يحكم في محلّ واسع. ٦ - (ومنها): جواز رفع الصوت في المسجد، وقد بوّب الإمام البخاريّ في «صحيحه)): ((باب رفع الصوت في المسجد)»، ثم أخرج بسنده عن السائب بن يزيد، قال: كنت قائماً في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما؟ أو: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد، لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله وَل؟ ثم أخرج حديث كعب بن مالك المذكور في الباب، قال في ((الفتح)): أشار بالترجمة إلى الخلاف في ذلك، فقد كرهه مالك مطلقاً، سواء كان في العلم، أم في غيره، وفرّق غيره بين ما يتعلّق بغرض دنيويّ، أو نفع دنيويّ، وبين ما لا فائدة فيه، وساق حديث عمر الدالّ على المنع، وحديث كعب الدال على عدمه، إشارة منه إلى أن المنع فيما لا منفعة فيه، وعدمه فيما تُلجئ الضرورة إليه، ووردت أحاديث في النهي عن رفع الصوت في المساجد، لكنها ضعيفة، أخرج ابن ماجه بعضها، فكأن البخاريّ أشار إليها(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وعلى تقدير صحتها تُحْمَل على ما إذا كان الصوت متفاحشاً، وفي غير مصلحة، وأحاديث الإباحة على ما كان للمصلحة، والله تعالى أعلم. وقال في ((الفتح)) أيضاً في موضع آخر: قال المهلّب: لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز لَمَا تركهما النبيّ وَّه، ولبيّن لهما ذلك، قال الحافظ: ولمن منع أن يقول: لعله تقدّم النهي عن ذلك، فاكتفى به، واقتصر على التوصّل بالطريق المؤدّية إلى ترك ذلك بالصلح المقتضي لترك المخاصمة الموجبة لرفع الصوت. انتهى. (١) ذكرت في ((شرح النسائيّ)) هنا اختلاف العلماء في حكم التقاضي في المسجد، فراجعه ٣١٩/٣٩ رقم الحديث (٥٤١٠). ٣٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع ٧ - (ومنها): أن الإشارة بمنزلة الكلام إذا فُهمت؛ لأنها دالّة على الكلام؛ كالحروف والأصوات، فتصحّ شهادة الأخرس، ويمينه، ولعانه، وُقُوده، إذا فُهم ذلك عنه. ٨ - (ومنها): استحباب الشفاعة إلى صاحب الحقّ. ٩ - (ومنها): إشارة الحاكم بالصلح بين المتخاصمين، على جهة الإرشاد، وهنا وقع الصلح على الإقرار، وهو متّفق على جوازه، وأما الصلح عن الإنكار فأجازه أبو حنيفة، ومالك، وهو قول الحسن، وقال الشافعيّ: هو باطل، وبه قال ابن أبي ليلى. ١٠ - (ومنها): قبول الشفاعة في غير معصية. ١١ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّهو من الثقة بأصحابه، حيث أمر كعباً رَُّه بوضع النصف من الدَّين في الحالة التي اشتدّ غضبه فيها، ولا يفعل ذلك إلا من كان على ثقة من أصحابه بأنهم يُؤثرون أمره على كلّ شيء، ويقدّمونه على غرض أنفسهم، فلذا لم يكن جواب كعب له بعد هذه الشدّة إلا أن يقول: ((قد فعلت يا رسول الله))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال: [٣٩٧٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِك؛ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِك أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ تَقَاضَى دَيْناً لَهُ عَلَى ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً. ٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس الْعَبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٧٩/ ٤١٧. والباقون ذُكروا قبله. [تنبيه]: رواية عثمان بن عُمر، عن يونس هذه ساقها البخاريّ في ((صحيحه))، فقال: ٣٦٧ (٢٦) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ - حديث رقم (٣٩٧٩) (٤٥٧) - حدّثنا عبد الله بن محمد، قال: حدّثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا يونس، عن الزهريّ، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب؛ أنه تقاضى ابنَ أبي حدرد ديناً كان له عليه، في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله وَّ﴾، وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرته، فنادى: ((يا كعبُ))، قال: لبيك يا رسول الله، قال: ((ضَع من دَينك هذا))، وأومأ إليه؛ أي: الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: ((قم، فاقضه)). انتهى، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٣٩٧٩] ( .. ) - (قَالَ مُسْلِمٌّ: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ الهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، عَنْ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالٌّ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ، فَلَقِيَهُ، فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا (١)، فَمَرَّ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ: ((يَا كَعْبُ))، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ النِّصْفَ، فَأَخَذَ نِصْفاً مِمَّا عَلَيْهِ، وَتَرَكَ نِصْفاً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحبيل بن حَسَنَةَ الكِنديّ، أبو شُرَحْبيل المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ) الأعرج، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٢/٢٣. والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (كَانَ لَهُ مَالٌ) تقدّم أن في رواية الطبرانيّ أنه كان أوقيّتين. وقوله: (حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) وفي بعض النسخ: ((حتى ارتفعت الأصوات)). وقوله: (فَمَرَّ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ وَلي) ظاهره يخالف ما تقدّم أنه وَّرِ كان في حجرته، فسمع أصواتهما، وأوّله الحافظ بأن المراد من المرور في هذا - (١) وفي نسخة: ((حتى ارتفعت الأصوات)). ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع الحديث المرور المعنويّ، يعني علمه بهما، ولا يبعد أن يكون وَله مرّ بهما أوّلاً، فلم يلتفت إليهما في أول الأمر حتى دخل حجرته، ثم لما ارتفعت أصواتهما كشف سَجْف حجرته، وقال ما قال(١). وقوله: (كَأَنَّهُ يَقُولُ النِّصْفَ) بالنصب مفعولاً لمقدّر؛ أي: ضَعِ النصف . [تنبيه]: ذكر الإمام مسلم تَّقُ هذه الرواية معلّقة، قال النوويّ كَذَتُهُ: هذا أحد الأحاديث المقطوعة في ((صحيح مسلم))، ويُسَمَّى مُعَلَّقاً، وسبق في ((التيمم)) مثله بهذا الإسناد، وهذا الحديث المذكور هنا متصلٌ عن الليث، ورواه البخاريّ في ((صحيحه)) عن يحيى بن بُكير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، بإسناده المذكور هنا، ورواه النسائيُّ عن الربيع بن سليمان، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جعفر بن ربيعة. انتهى (٢). [تنبيه آخر]: هذا الحديث أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) متّصلاً من رواية الليث بن سعد، فقال: (٢٢٩٢) - حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، حدّثني جعفر بن ربيعة، وقال غيره: حدّثني الليث، قال: حدّثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاريّ، عن كعب بن مالك أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ دَينٌ، فلقيه، فلزمه، فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما، فمرّ بهما النبيّ وَله، فقال: ((يا كعبُ))، وأشار بيده، كأنه يقول النصف، فأخذ نصف ما عليه، وترك نصفاً. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ١/ ٤٩٣. (٢) راجع ما تقدّم في: ((شرح المقدّمة)) من كلام الحافظ رشيد الدين العطّار تَّفُ في هذا الإسناد ٩٦/١. ٣٦٩ (٢٧) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مَا بَاعَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ أَقْلَسَ ... إلخ (٢٧) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مَا بَاعَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ أَفْلَسَ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ) قال الفيّوميّ تَخُّْ: أفلس الرجل: كأنه صار إلى حالٍ ليس له فلوسٌ، كما يقال: أقهر: إذا صار إلى حال يُقْهَر عليه، وبعضهم يقول: صار ذا قُلُوس، بعد أن كان ذا دراهم، فهو مُفلِسٌ، والجمع مَفَاليسُ، وحقيقته الانتقال من حالة الْيُسْر إلى حالة الْعُسْر، وفَلّسه القاضي تفليساً: نادَى عليه، وشَهَرَه بين الناس بأنه صار مُفْلساً، والفَلْسُ: الذي يُتعامَل به، جمْعه في القلّة: أَفْلُس، وفي الكثرة: قُلُوس. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): الْمُفْلِس شرعاً: من تزيد ديونه على موجوده، سُمّي مُفلِساً؛ لأنه صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال، وهي الفلوس، أو سُمي بذلك؛ لأنه يُمنَع التصرف، إلا في الشيء التافه، كالفلوس؛ لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة، أو لأنه صار إلى حالة، لا يملك فيها فَلْساً، فعلى هذا فالهمزة في أفلس للسلب. انتهى (٢). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((أفلس الرجل)): في اللغة: صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دنانير، كما يقال: أخبث الرجل؛ أي: صار أصحابه خُبَثاء، وأقطف الرجل: إذا صارت دابّته قَطُوفاً، والْمُفْلِس في عرف العرب: من لا چ : مال له عيناً، ولا عَرَضاً، ولا غيره، ولذلك قال النبيّ وَّ لأصحابه ((أتدرون من المفلس؟))، قالوا ما هو المعروف عندهم، فأجابوه بقولهم: من لا درهم له، ولا متاع، رواه مسلم، وهو في عرف الشرع: عبارة عن مِذْيان، قَصَر ما بيده عن وفاء ما عليه من الديون، فطَلَب الغرماء أخذ ما بيده، وإذا كان كذلك، فللحاكم أن يَحْجُر عليه، ويمنعه من التصرّف فيما بيده، ويُحصِّلُهُ، ويجمع الغرماء، فيقسمه عليهم، وهذا مذهب الجمهور، من الصحابة، (١) ((المصباح المنير)) ٤٨١/٢. (٢) ((الفتح)) ٢٠٨/٦. ٣٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع وغيرهم. انتهى(١). وقال ابن قدامة كَثُ: المفلس هو الذي لا مال له، ولا ما يدفع به حاجته، ولهذا لما قال النبيّ ◌َ ل﴿ لأصحابه: ((أتدرون من المفلس؟)) قالوا: يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع، قال: «ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات، أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، ولطم هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي عليه شيء أُخِذ من سيئاتهم، فردّ عليه، ثم صُّ له صَكّ إلى النار))، أخرجه مسلم بمعناه، فقولهم ذلك إخبار عن حقيقة المفلس، وقول النبيّ وَّ: ((ليس ذلك المفلس))، تَجَوُّزٌ لم يُرِد به نفي الحقيقة، بل أراد أن فلس الآخرة أشدّ وأعظم، بحيث يصير مفلس الدنيا، بالنسبة إليه كالغنيّ، ونحو هذا قوله وَلٌ: ((ليس الشديد بالصُّرَعَةِ، ولكن الشديد الذي يغلب نفسه عند الغضب))، متّفقٌ عليه، وقولُهُ: ((ليس السابق من سبق بعيرُهُ، وإنما السابق من غُفر له))(٢)، وقوله: ((ليس الغِنَى عن كثرة الغرض، إنما الغنى غنى النفس))، متّفقٌ عليه، ومنه قول الشاعر [من الخفيف]: لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَیْتٍ إِنَّمَا الْمَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ وإنما سُمِّي هذا مُفلساً؛ لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال، والمفلس في عُرف الفقهاء: من دينه أكثر من ماله، وخَرْجُهُ أكثر من دَخْلِه، وسَمَّوه مُفلساً، وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مُسْتَحَقُّ الصرف في جهة دَينه، فكأنه معدوم، وقد دل عليه تفسير النبيّ وَ ﴿ مُفْلِسَ الآخرة، فإنه أخبر أن له حسناتٍ، أمثالَ الجبال، لكنها كانت دون ما عليه، فقُسمت بين الغرماء، وبقي لا شيء له، ويجوز أن يكون سُمِّي بذلك لِمَا يؤول إليه، من عدم ماله (١) ((المفهم)) ٤٣٠/٤ - ٤٣١. (٢) هذا ليس حديثاً مرفوعاً، بل هو من كلام عمر بن عبد العزيز تْلُهُ، قال في خطبته يوم عرفة: ((ليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غفر له))، قال في (الفتح)): أخذه من قوله ﴿ لما سمع وراءه زجراً شديداً، وضرباً، وصوتاً للإبل: (أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البرّ ليس بالإيضاع)). ٣٧١ (٢٧) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مَا بَاعَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ أَقْلَسَ ... إلخ بعد وفاء دينه، ويجوز أن يكون سُمِّي بذلك؛ لأنه يُمْنَع من التصرف في ماله، إلا الشيء التافه، الذي لا يعيش إلا به، كالفلوس ونحوها. انتهى كلام ابن قُدامة تَخْذَقُ(١)، وسيأتي بيان مذهب العلماء في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -. [تنبيه]: ترجم الإمام البخاريّ تَُّ في ((صحيحه)) بقوله: باب إذا وَجَد ماله عند مُفلس في البيع، والقرض، والوديعة، فهو أحقّ به، وقال الحسن: إذا أفلس، وتبيّن، لم يَجُزْ عتقُهُ، ولا بيعُه، ولا شراؤه)). انتهى. قال في ((الفتح)): قوله: ((في البيع)): إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه نصّاً. وقوله: ((والقرض)): هو بالقياس عليه، أو لدخوله في عموم الخبر، وهو قول الشافعيّ في آخرين، والمشهور عن المالكية التفرقة بين القرض والبيع. وقوله: ((والوديعة)): هو بالإجماع، وقال ابن الْمُنَيِّر: أَدْخَلَ هذه الثلاثةَ، إما لأن الحديث مطلق، وإما لأنه وارد في البيع، والآخران أولى؛ لأن ملك الوديعة لم ينتقل، والمحافظة على وفاء من اصطنع بالقرض معروفاً مطلوب . وقوله: ((وقال الحسن: إذا أفلس إلخ)): أما قوله: ((وتبيّن))، فإشارة إلى أنه لا يمنع التصرف قبل حكم الحاكم، وأما العتق فمحله ما إذا أحاط الدين بماله، فلا ينفذ عتقه، ولا هبته، ولا سائر تبرعاته، وأما البيع والشراء، فالصحيح من قولي العلماء أنهما لا ينفذان أيضاً، إلا إذا وقع منه البيع لوفاء دين، وقال بعضهم: يوقف، وهو قول الشافعيّ، واختُلِف في إقراره، فالجمهور على قبوله، وكأن البخاريّ أشار بأثر الحسن إلى معارضة قول إبراهيم النخعيّ: بيع المحجور وابتیاعه جائز. وقوله: ((وقال سعيد بن المسيِّب: قضى عثمان إلخ)) أي: ابن عفان إلخ، وصله أبو عبيد في ((كتاب الأموال))، والبيهقيّ بإسناد صحيح إلى سعيد، ولفظه: ((أفلس مولى لأم حبيبة، فاختصم فيه إلى عثمان، فقضى))، فذكره، (١) ((المغني)) ٥٣٦/٦ - ٥٣٧. ٣٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع وقال فيه: ((قبل أن يَبِين إفلاسُهُ)) بدل قوله: ((قبل أن يُفلس))، والباقي سواء. (١) . انتھی وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٩٨٠] (١٥٥٩) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَّامٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ- أَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ -: ((مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ - أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ - فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ)). ء رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت٢٢٧) وله (٩٤) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٣. ٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢. [تنبيه]: يوجد في معظم النسخ: ((زُهير بن حرب))، وهو غلط فاحشٌ، والصواب ابن معاوية، فليُتنبّه. ٣ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ، تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ) الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه كنيته، وقيل: يُكنى أبا محمد،ً ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٨٠/ ٤٢٢. ٥ - (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ الخليفة الراشد [٤] (ت١٠١) (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٤٦/٦. ٦ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) بن المغيرة المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، (١) ((الفتح)) ٢٠٨/٦ - ٢٠٩. ٣٧٣ (٢٧) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مَا بَاعَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ أَقْلَسَ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٨٠) وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] (ت٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٠/٢٦. ٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف ◌َذَلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين، غير شيخه، وزهير، فكوفیّان. ٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع من أوله إلى آخره. ٥ - (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين المدنيين الأثبات روى بعضهم عن بعض: يحيى، عن أبي بكر بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال في ((الفتح)): وكلهم قد وَلِيَ القضاءَ، وكلهم سوى أبي بكر بن عبد الرحمن من طبقة واحدة. انتهى (١). ٦ - (ومنها): أن فيه راويين اشتهرا بالكنية، ويقال: ليس لهما اسم غير الكنية: أبو بكر بن حزم، وأبو بكر بن عبد الرحمن. ٧ - (ومنها): أن فيه أبا بكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال. ٨ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة رَُّله من المكثرين السبعة، وقد تقدّم هذا كلّه غير مرّة، وإنما أعدته تذكيراً، وتنبيهاً؛ لطول العهد به، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: عن أبي بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام؛ أنه (أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) ◌َبه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ - أَوْ سََمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِّ) وللبخاريّ: ((أو قال: سمعت رسول الله وَل﴾))، وهو شكّ من أحد رواته، قال الحافظ تَّتُهُ: وأظنه من زهير، فإني لم أر في رواية أحد ممن رواه عن يحيى (١) ((الفتح)) ٢٠٩/٦. ٣٧٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع مع كثرتهم فيه التصريح بالسماع، وهذا مشعر بأنه كان لا يرى الرواية بالمعنى أصلاً(١). (يَقُولُ: ((مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ) استُدِلَّ به على أن شرط استحقاق صاحب المال دون غيره أن يجد ماله بعينه لم يتغير، ولم يتبدل، وإلا فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلاً، أو في صفة من صفاتها فهي أسوة للغرماء، وأصرح منه رواية ابن أبي حسين، عن أبي بكر بن محمد بلفظ: ((إذا وُجِدَ عنده المتاعُ، ولم يُفَرِّقه))، ووقع في رواية مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث مرسلاً: ((أيما رجل باع متاعاً، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض البائع من ثمنه شيئاً، فوجده بعينه، فهو أحق به))، فمفهومه أنه إذا قَبَضَ من ثمنه شيئاً كان أُسوة الغرماء، وبه صرح ابنُ شهاب فيما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عنه، وهذا وإن كان مرسلاً، فقد وصله عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن مالك، لكن المشهور عن مالك إرساله، وكذا عن الزهريّ، وقد وصله الزُّبيديّ، عن الزهريّ، أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، وابن الجارود، ولابن أبي شيبة، عن عمر بن عبد العزيز أحدٍ رواة هذا الحديث، قال: قَضَى رسول الله ﴿ أنه أحقّ به من الغرماء، إلا أن يكون اقتضى من ماله شيئاً، فهو أسوة الغرماء، وإليه يشير اختيار البخاريّ؛ لاستشهاده بأثر عثمان ظُه، وهو ما علّقه البخاريّ عن ابن المسيِّب، قال: قضى عثمان من اقتضى من حقّه قبل أن يُفلس فهو له، ومن عَرَف متاعه بعینه فهو أحقّ به،(٢) وكذلك رواه عبد الرزاق، عن طاوس، وعطاء، صحيحاً، وبذلك قال جمهور من أخذ بعموم حديث الباب، إلا أن للشافعيّ قولاً هو الراجح في مذهبه؛ أن لا فرق بين تَغَيُّر السلعة، أو بقائها، ولا بين قبض بعض ثمنها، أو عدم قبض شيء منه (١) ((الفتح)) ٢٠٩/٦. (٢) وصله أبو عبيد في ((كتاب الأموال))، والبيهقي بإسناد صحيح إلى سعيد، ولفظه: ((أَفْلَس مولى لأم حبيبة، فاختصم فيه إلى عثمان، فقضى ... ))، فذكره، وقال فيه: ((قبل أن يبين إفلاسه)) بدل قوله: ((قبل أن يفلس))، والباقي سواء. انتهى. ((الفتح)) ٢٠٩/٦. (٢٧) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مَا بَاعَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ أَقْلَسَ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٨٠) ٣٧٥ على التفاصيل المشروحة في كتب الفروع(١). (عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَقْلَسَ، أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ) شكّ من الراوي أيضاً، وقوله: ((قد أفلس)) أي: تبيّن إفلاسه، يقال: أفلس الرجل: إذا صار إلى حال لا فلوس له، أو صار ذا فلس، بعد أن كان ذا دنانير، ودراهم، وحقيقته: الانتقال من اليسر إلى العسر، وقيل: المفلس: من لا عين له، ولا عَرَضَ، وشرعاً: من قصر ما بيده عما عليه من الديون، وقد تقدّم في شرح الترجمة بأتمّ من هذا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) أي: بذلك الموجود عند الْمُفْلِسِ (مِنْ غَيْرِهِ)) أي: من سائر الناس، كائناً من كان، وارثاً، أو غريماً، وبهذا قال جمهور العلماء، وخالف الحنفية، فتأولوه؛ لكونه خبر واحد خالف الأصول؛ لأن السلعة صارت بالبيع ملكاً للمشتري، ومن ضمانه، واستحقاقُ البائع أخذَها منه نَقْضُ لملكه، وحملوا الحديث على صورة، وهي ما إذا كان المتاع وديعةً، أو عاريةً، أو لقطةً. وتُعُقِّب بأنه لو كان كذلك لم يُقَيَّد بالفَلْس، ولا جُعِل أحقّ بها؛ لِمَا يقتضيه صيغة أفعل من الاشتراك، وأيضاً فما ذكروه ينتقض بالشفعة. وأيضاً فقد ورد التنصيص في حديث الباب على أنه في صورة المبيع، وذلك فيما رواه سفيان الثوريّ في ((جامعه))، وأخرجه من طريقه ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهما، عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد، بلفظ: ((إذا ابتاع الرجل سلعةً، ثم أَفْلَس، وهي عنده بعينها، فهو أحقّ بها من الغرماء))، ولابن حبان، من طريق هشام بن يحيى المخزوميّ، عن أبي هريرة، بلفظ: ((إذا أَفْلَس الرجل، فوجد البائعُ سلعته))، والباقي مثله. ولمسلم في رواية ابن أبي حسين الآتية: ((إذا وُجِد عنده المتاعُ أنه لصاحبه الذي باعه)). وفي مرسل ابن أبي مليكة، عند عبد الرزاق: ((من باع سلعةً من رجل، لم يَنْقُده، ثم أَفْلَس الرجل، فوجدها بعينها، فليأخذها من بين الغرماء)». (١) ((الفتح)) ٢/٦ - ٩. ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع وفي مرسل مالك المشار إليه: ((أيما رجل باع متاعاً))، وكذا هو عند من قَدَّمنا أنه وصله. فظهر أن الحديث وارد في صورة البيع، ويَلتحق به القرضُ، وسائرُ ما ذكر من بابٍ أولى(١). وقال السنديّ كَّلُهُ: قوله: ((فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ) أي: يجوز له أن يأخذه بعينه، ولا يكون مشتركاً بينه وبين سائر الغرماء، وبهذا يقول الجمهور، خلافاً للحنفيّة، فقالوا: إنه كالغرماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُشْرَةِ فَنَظِرَةُ إِلَ مَيْسَرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]. ويَحْمِلون الحديث على ما إذا أخذه على سوم الشراء مثلاً، أو على البيع بشرط الخيار للبائع؛ أي: إذا كان الخيار للبائع، والمشتري مُفلسٌ، فالأنسب أن يختار الفسخ، وهو تأويل بعید . وقولهم: إن الله تعالى لم يَشْرَع للدائن عند الإفلاس إلا الانتظار. فجوابه أن الانتظار فيما لا يوجد عند المفلس، ولا كلام فيه، وإنما الكلام فيما وُجد عند المفلس، ولا بُدّ أن الدائنين يأخذون ذلك الموجود عنده، والحديث يُبيّن أن الذي يأخذ هذا الموجود هو صاحب المتاع، ولا يُجعَل مقسوماً بين تمام الدائنين، وهذا لا يُخالف القرآن، ولا يقتضي القرآن خلافه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ كَذَهُ(٢). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا من السنديّ ◌َُّ غاية الإنصاف، حيث لم يتكلّف في ترجيح مذهبه بما فيه تعسّفٌ، كما فعله جُلّ الحنفيّة، ولا سيّما المتأخّرون، ويا ليت الحنفيّة كلهم كانوا مثله تَخْثُ في نصرة الأحاديث، وترك التعصّب لمذهبهم، فالله تعالى المستعان على من خالف منهج السلف في نصر السنّة، وترك الآراء، نسأل الله تعالى أن يسلك بنا مسلكهم، إنه قريبٌ مجيب . (١) ((الفتح)) ٢١٠/٦. - (٢) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ص٣١١ - ٣١٢. ٣٧٧ (٢٧) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مَا بَاعَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ أَقْلَسَ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٨٠) مسائل تتعلّق بهذا الحديث: حديث أبي هريرة عظُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٨٠/٢٧ و٣٩٨١ و٣٩٨٢ و٣٩٨٣ و٣٩٨٤ و ٣٩٨٥] (١٥٥٩)، و(البخاريّ) في ((الاستقراض)) (٢٤٠٢)، و(أبو داود) في (البيوع)) (٣٥١٩ و٣٥٢٢)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٢٦٢)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٣١١/٧) و((الكبرى)) (٦٢٧٢ و٦٢٧٣)، و(ابن ماجه) في ((الأحكام)) (٢٣٥٨ و٢٣٥٩ و٢٣٦٠ و٢٣٦١)، و(مالك) في ((الموظٍّ)) (٦٧٨/٢)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (١٦٢/٢)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٥١٦٠)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٥٠٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٥/٦ و٣٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٨/٢ و٢٤٧ و٢٤٩ و٢٥٨)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (١٦٢/١ و١٦٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٦٢/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٦٣٠)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٣٣٦/٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٠٣٦)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٣٠/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٤/٦ و٤٥) و((الصغرى)) (٢٨١/٥ و٢٨٣) و((المعرفة)) (٤٤٧/٤ و٤٤٨)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢١٣٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان حكم الرجل الذي اشترى سلعة، ثم أفلس، فوجد البائع متاعه بعينه، لم يتغيّر، وهو أنه أولى به من الغرماء الآخرين، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، كما سنحقّقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على حلول الدَّين المؤجل بالفلس، من حيث إن صاحب الدَّين، أدرك متاعه بعينه، فيكون أحقّ به، ومن لوازم ذلك أن يجوز له المطالبة بالمؤجل، وهو قول الجمهور، لكن الراجح عند الشافعية؛ أن المؤجل لا يَحِلُّ بذلك؛ لأن الأجل حقّ مقصود له، فلا يفوت، ولا يخفى أن مذهب الجمهور هو الموافق لظاهر الحديث، فتبصّر. ٣٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع ٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضاً على أن لصاحب المتاع أن يأخذه، وهو الأصح من قولي العلماء، والقول الآخر يتوقف على حكم الحاكم، كما يتوقف ثبوت الفلس، والأول أرجح؛ لإطلاق النصّ. ٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضاً على فسخ البيع إذا امتنع المشتري من أداء الثمن، مع قدرته بِمَظْل، أو هَرَب، قياساً على الفلس، بجامع تعذر الوصول إليه حالاً، والأصح من قولي العلماء؛ أنه لا يُفسخ. ٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الرجوع، إنما يقع في عين المتاع، دون زوائده المنفصلة؛ لأنها حَدَثت على ملك المشتري، وليست بمتاع البائع. ٦ - (ومنها): ما قالوا: إن من فروع المسألة: ما إذا أراد الغرماء، أو الورثة إعطاء صاحب السلعة الثمن، فقال مالك: يلزمه القبول، وقال الشافعيّ، وأحمد: لا يلزمه ذلك؛ لما فيه من الْمِنّة، ولأنه ربما ظهر غريم آخر، فزاحمه فيما أخذ، وأغرب ابن التين، فحَكَى عن الشافعيّ أنه قال: لا يجوز له ذلك، وليس له إلا سلعته، ويَلتحِق بالمبيع المؤجر، فيرجع مكتري الدابة، أو الدار، إلى عين دابته وداره، ونحو ذلك، وهذا هو الصحيح عند الشافعية، والمالكية، وإدراج الإجارة في هذا الحكم، متوقف على أن المنافع يُطلق عليها اسم المتاع، أو المال، أو يقال: اقتضى الحديث أن يكون أحقّ بالعين، ومن لوازم ذلك الرجوع في المنافع، فثبت بطريق اللزوم، قاله في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن وجد متاعه بعينه عند رجل أفلس: قال النوويّ كَّلُ: اختَلَف العلماء فيمن اشترى سلعةً، فأفلس، أو مات قبل أن يؤدّي ثمنها، ولا وفاء عنده، وكانت السلعة باقيةً بحالها، فقال الشافعيّ، وطائفة: بائعها بالخيار، إن شاء تركها، وضارب مع الغرماء بثمنها، وإن شاء رجع فيها بعينها في صورة الإفلاس، والموت. (١) راجع: ((الفتح)) ٢١١/٦ - ٢١٢. ٣٧٩ (٢٧) - بَابُ مَنْ أَدْرَكَ مَا بَاعَهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَقَدْ أَقْلَسَ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٨٠) وقال أبو حنيفة: لا يجوز له الرجوع فيها، بل تتعيّن المضاربة، وقال مالك: يرجع في صورة الإفلاس، ويُضارب في الموت. واحتجّ الشافعيّ بهذه الأحاديث مع حديثه في الموت في ((سنن أبي داود))، وغيره، وتأوّلها أبو حنيفة تأويلات مردودة، وتعلّق بشيء يُروَى عن عليّ، وابن مسعود ﴿يًا، وليس بثابت عنهما. انتهى (١). وقال القرطبيّ تَُّهُ: وقد اختَلَف العلماء في مُشتري السلعة إذا أفلس، أو مات، ولا وفاء عنده بثمنها، ووُجِدت، فقال الشافعيّ: صاحبها أحقّ بها في الفَلَس، والموت، وقال أبو حنيفة: صاحبها أسوة الغرماء فيها، وقال مالك: هو أحقّ بها في الْفَلَس، دون الموت. وسبب الخلاف معارضة الأصل الكلّيّ للأحاديث، وذلك أن الأصل أن الدين في ذمّة المفلس، والميت، وما بأيديهما محلٌّ للوفاء، فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رؤوس أموالهم، ولا فرق في هذا من أن تكون أعيان السِّلَع موجودةً، أو لا، إذ قد خرجت عن ملك بائعها، ووجبت أثمانها لهم في الذمّة بالإجماع، فلا يكون لهم إلا أثمانها، إن وُجدت، أو ما وُجد منها، فتمسّك أبو حنيفة بهذا، وردّ الأخبار بناءً على أصله في ردّ أخبار الآحاد عند معارضة القياس. وأما الشافعيّ، ومالكٌ، فتمسّكا بالأخبار الواردة في الباب، وخصّصا بها تلك القاعدة، غير أن الشافعيّ تمسّك في التسوية بين الموت، والْفَلَس، بما رواه أبو داود من حديث أبي المعتمر، عن عمر بن خَلْدَةَ، قال: أتينا أبا هريرة ربه في صاحب لنا، قد أفلس، فقال: لأقضينّ فيكم بقضاء رسول الله قال: ((من أفلس، أو مات، فوَجَد رجلٌ متاعه بعينه، فهو أحقّ به))، وبإلحاق الموت بالفلس؛ لأنه في معناه، ولم ينقدح بينهما فرقٌ مؤثّرٌ عنده. وأما مالكٌ، فإنه فرّق بينهما، لما رواه عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن رسول الله وَ ل﴿ل قال: ((أيّما رجل باع متاعاً، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يَقبِض من ثمنه شيئاً، فوجده بعينه، فهو أحقّ به، فإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع أسوة الغرماء))، وهذا مرسلٌ صحيحٌ، وقد أسنده أبو (١) (شرح النوويّ)) ٢٢٢/١٠. ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﴿ته، وهو طريقٌ صحيح، وفيه زيادة ألفاظ، نذكرها بعدُ - إن شاء الله تعالى - ومذهب مالك أولى؛ لأن حديثه أصحّ من حديث الشافعيّ؛ لأن أبا المعتمر مجهولٌ على ما ذكره أبو داود، وللفرق بين الْفَلَس والموت، وذلك أن ذمّة المفلس باقيةٌ، غير أنها انعابت، ويُمكن أن يزول ذلك العيب بالإيسار، فيجد الغرماء الذين لم يأخذوا من السلعة شيئاً ما يرجعون عليه، وليس كذلك في الموت، فإن ذمّة الميت قد انعدمت، فلا يرتجعون شيئاً، فافترقا، والله تعالى أعلم. وقد تعسّف بعض الحنفيّة في تأويل أحاديث الإفلاس تأويلات، لا تقوم على أساس، ولا تتمشّى على لغة، ولا قياس، فلنُضرِبْ عن ذكرها؛ لوضوح فسادها. انتهى كلام القرطبيّ تَخَذُهُ(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه القرطبيّ تَُّهُ حسنٌ جدّاً، وحاصله أن الحقّ هو ما ذهب إليه مالك، والشافعيّ - رحمهما الله تعالى - من أن مشتري السلعة إذا أفلس، ووُجدت السلعة بعينها، فالبائع أحقّ بها من سائر الغرماء؛ لصحّة حديث الباب، وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة تَُّ من كونه أسوة للغرماء، فمجرّد قياس، في مقابلة النصّ، فيكون باطلاً، ثم إن ما ذهب إليه مالك من الفرق بين الإفلاس، والموت، فيكون في الإفلاس أحقّ من سائر الغرماء، وفي الموت أسوة لهم هو الأرجح؛ وذلك للفرق الذي ذُكر في الحديث الذي احتجّ به مالك، وهو حديث متّصلٌ صحيح، وأما الحديث الذي تمسّك به الشافعيّ في التسوية بين الإفلاس والموت، فلم يصحّ، كما تقدّم، والله تعالى أعلم. وقال في ((الفتح)): وحمله بعض الحنفية، على ما إذا أفلس المشتري، قبل أن يقبض السلعة. وتُعُقّب بقوله في حديث الباب: ((عند رجل))، ولابن حبان من طريق سفيان الثوريّ، عن يحيى بن سعيد: ((ثم أفلس، وهي عنده))، وللبيهقي من طريق ابن شهاب، عن يحيى: ((إذا أفلس الرجل، وعنده متاع))، فلو كان لم يقبضه ما نَصَّ في الخبر على أنه عنده، واعتذارهم بكونه خبرَ واحد (١) ((المفهم)) ٤/ ٤٣٢ - ٤٣٣.