النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
(٢٥) - بَابُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ - حديث رقم (٣٩٧٠)
٢ - (ومنها): جواز بيع الثمار، ولا خلاف فيه في الجملة، وإنما
الخلاف فيما إذا كان قبل بُدُوّ الصلاح، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى، وبالله
تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): تحريم أخذ مال المسلم بغير حقّ.
٤ - (ومنها): أن هذا دليل على أن الحكم يُجرى على الغالب؛ لأن
تطُّق التلف إلى ما بدا صلاحه ممكن، وعدم التطرق إلى ما لم يبد صلاحه
ممكن، فأنيط الحكم بالغالب في الحالتين، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الرابعة): ظاهر رواية المصنّف هنا أن قوله: ((أرأيت إن منع الله
الثمرة إلخ)) من تمام قول أنس به، لكن الرواية الثالثة من طريق محمد بن
عبّاد، عن الدراورديّ، عن حميد بلفظ: ((أن النبيّ وَّ قال: إن لم يُثمرها الله
فبم يستحلّ أحدكم مال أخيه))، صريحة في كونه مرفوعاً، وكذا هو عند
البخاريّ من طريق مالك، عن حميد، ولفظه: ((فقال رسول الله وَعليه: أرأيت إذا
منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟))، فهذا صريح في الرفع.
قال في ((الفتح)): قوله: وقال رسول الله وَله: ((أرأيت إذا منع الله الثمرة))
الحديث، هكذا صرح مالك، برفع هذه الجملة، وتابعه محمد بن عَبّاد، عن
الدَّرَاوردي، عن حميد (١)، مقتصراً على هذه الجملة الأخيرة، وجزم
الدارقطني، وغير واحد، من الحفاظ، بأنه أخطأ فيه، وبذلك جزم ابن أبي
حاتم في ((العلل)) عن أبيه، وأبي زرعة، والخطأ في رواية عبد العزيز، من
محمد بن عباد، فقد رواه إبراهيم بن حمزة، عن الدراورديّ، كرواية إسماعيل
ابن جعفر - يعني المذكورة هنا -.
ورواه معتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل، عن حميد، فقال فيه: قال:
((أفرأيت)) إلخ، قال: فلا أدري، أنس قال: ((بم يستحل؟))، أو حَدّث به عن
النبيّ وَلّ، أخرجه الخطيب، في ((المدرج))، ورواه إسماعيل بن جعفر، عن
حميد، فعطفه على كلام أنس، في تفسير قوله: ((تُزهي))، وظاهره الوقف،
وأخرجه الْجَوْزقيّ من طريق يزيد بن هارون، والخطيب من طريق أبي خالد
(١) هي رواية مسلم الثالثة هنا.

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
الأحمر، كلاهما عن حميد، بلفظ: قال أنس: ((أرأيت إن منع الله الثمرة)
الحديث، ورواه ابن المبارك، وهشيم، كما تقدم آنفاً عن حميد، فلم يذكر هذا
القدر المختلف فيه، وتابعهما جماعة من أصحاب حميد عنه، على ذلك.
قال الحافظ: وليس في جميع ما تقدم، ما يمنع أن يكون التفسير
مرفوعاً؛ لأن مع الذي رفعه زيادة، على ما عند الذي وقفه، وليس في رواية
الذي وقفه، ما ينفي قول من رفعه، وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير، عن
جابر له، ما يُقَوّي رواية الرفع في حديث أنس ﴿ه، ولفظه: قال
رسول الله قال: ((لو بعت من أخيك ثمراً، فأصابته عاهة، فلا يحل لك أن
تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك، بغير حق؟)). انتهى كلام الحافظ تَُّ،
وهو بحث نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٧١] ( ... ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ،
عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك؛ أَنَّ رَسُولَ اللهَِِّ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ
حَتَّى تُزْهِيَ، قَالُوا: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: تَحْمَرُّ، فَقَالَ: ((إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، فَيِمَ
تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث
الماضي، والله تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه]: انتقد الدار قطنيّ كَّلُ رواية مالك هذه، فقال: وقد خالف مالكاً
جماعة، منهم إسماعيل بن جعفر، وابن المبارك، وهشيم، ومروان، ويزيد بن
هارون، وغيرهم، قالوا فيه: قال أنس: ((أرأيت إن منع الله الثمر ... )).
(١)
انتھی(١).
قال الجامع عفا الله عنه: أراد الدارقطنيّ أن رفع قوله: ((أرأيت إن منع الله
(١) ((التتبع)) ص٢٧١ بنسخة دراسة الشيخ ربيع المدخليّ.

٣٤٣
(٢٥) - بَابُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ - حديث رقم (٣٩٧٢)
الثمرة ... )) الحديث خطأ، والصواب أنه موقوف من قول أنس مظلته، ثم ظاهر
كلامه یوهم أن مالكاً تفرّد برفعه، ولیس کذلك، فقد تابعه يحيى بن أيوب، عن
حميد، وسليمان بن بلال، عن حميد، ومحمد بن عبّاد، عن الدراورديّ، عن
حمید .
فأما رواية يحيى بن أيوب، عن حميد، فأخرجها الطحاويّ في ((معاني
الآثار))(١) .
وأما رواية سليمان بن بلال، عن حميد، فأخرجها أبو عوانة في ((مسنده))
٣٣٤/٣.
وأما رواية محمد بن عبّاد، عن الدراوديّ، عن حميد، فهي الرواية التالية
عند مسلم.
فتبيّن بهذا أن مالكاً لم ينفرد برفعها، فالأرجح صحة الرفع، كما هو رأي
الشيخين، حيث أخرجا رواية مالك في ((صحيحيهما))، وإلى هذا مال ابن
عبد البرّ (٢)، والقاضي عياض(٣).
ومما يؤيّد هذا رواية جابر ◌ُه المتقدّمة الصريحة في الرفع، حيث قال:
((قال رسول الله وَّه: لو بعت من أخيك ثمراً، فأصابته جائحةٌ، فلا يحلّ لك
أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حقّ؟)).
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعاً بهذه الزيادة، والله تعالى أعلم.
[٣٩٧٢] (.) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ،
عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَِّيَّ وَ﴿ قَالَ: ((إِنْ لَمْ يُثْمِرْهَا اللهُ، فَبِمَ يَسْتَحِلَّ أَحَدُكُمْ
مَالَ أَخِيهِ؟))).
(١) ((معاني الآثار)) ٢٤/٤.
(٢) راجع: ((التمهيد)) ١٩٠/٢ - ١٩١.
(٣) راجع: ((إكمال المعلم)) (٢١٨/٥)، فقد قال فيه معلّقاً على رواية جابر
وقوله: ((إن بعت من أخيك ثمراً، فأصابته جائحة، فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئاً،
بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حقّ؟)) قال القاضي: وهذا يدلّ أن هذه اللفظة في الحديث
الآخر: ((أرأيت إن منع الله الثمرة)) من كلام النبيّ وَّر، أو بمعناه ... وهذا الحديث
الأول - يعني حديث جابر - يرفع الإشكال، ويصحّح رواية مالك. انتهى.

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن عُبيد الدّراورْديّ، أبو محمد الْجُهنيّ
مولاهم المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كُتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت٦ أو ١٨٧)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
والباقون ذُكروا في الباب، و((محمد بن عبّاد)) بن الزِّبْرِقان ذُكر في حديث
جابر أولَ الباب.
[تنبيه]: انتقد الدار قطنيّ كَظّثُ هذه الرواية، فقال في ((التتبّع)): وهذا وَهِمَ
فيه ابن عبّاد على الدراورديّ حين سمعه ابن عبّاد منه؛ لأن إبراهيم بن حمزة
رواه عن الدراورديّ، عن حُميد، عن أنس: ((نهى رسول الله و لير عن بيع الثمرة
حتى تزهو، قلنا لأنس: وما تزهو؟ قال: تحمرّ، قال: أرأيت إن منع الله
الثمر، فبم يستحلّ مال أخيه؟))، وهو الصواب، فأما ابن عبّاد، فإنه أسقط كلام
النبيّ وَ ﴿ه، وأتى بكلام أنس، ورفعه، عن النبيّ وَّ، وهو خطأ قبيحٌ. انتهى
كلام الدار قطنيّ كَذّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الأرجح صحة كون قوله: ((أرأيت
إن منع الله الثمر ... إلخ)) مرفوعاً، كما صححه الشيخان، فأخرجاه في
((صحيحيهما))(٢)، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٧٣] (١٥٥٤) - (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَم، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ،
وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ - وَاللَّفْظُ لِبِشْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَّا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
حُمَّيْدٍ الأَعْرَج، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ أَمَرَ بِوَضْعٍ
الْجَوَائِحِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ - وَهْوَ صَاحِبُ مُسْلِم -: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ،
عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا).
(١) (التّع)) ص ٢٧٠ بنسخة دراسة الشيخ ربيع المدخلي.
(٢) راجع ما كتبه الشيخ ربيع المدخلي في دراسته على: ((التتبع)) للدارقطنيّ، فقد
أجاد، وأفاد.

٣٤٥
(٢٥) - بَابُ وَضْعِ الْجَوَائِحِ - حديث رقم (٣٩٧٣)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (بِشْرُ بْنُ الْحَكَم) بن حبيب بن مِهْران الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن
النيسابوريّ، ثقةٌ زاهدٌ فقيةً [١٠] (ت٧ أو٢٣٨) (خ م س) تقدم في ((المقدمة))
٣٧/٦.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) التمّار، أبو إسحاق البغداديّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٢) (م) تقدم في ((الإيمان)) ٤١/ ٢٧٢.
٣ - (عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ) بن عبد الجبّار العطّار، أبو بكر البصريّ،
مولى الأنصار، سكن مكة، لا بأس به، من صغار [١٠].
روى عن أبيه، وابن عيينة، وابن مهديّ، ومروان بن معاوية الفزاريّ،
ووكيع، وأبي سعيد مولى بني هاشم، وبشر بن السريّ، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وروى النسائي أيضاً عن زكريا
السِّجْزيّ، عنه، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفرانيّ، وهو من أقرانه،
وأبو حاتم، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال سلمة بن شبيب، عن أحمد: رأيته عند ابن عيينة حسن الأخذ، وقال
أبو حاتم: صالح الحديث، وقال مرةً: شيخٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال مرةً: لا
بأس به، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ سكن مكة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))،
وقال: كان مُتقناً، سمعت ابن خزيمة يقول: ما رأيت أسرع قراءة منه، ومن بُندار.
قال محمد بن إسحاق السرّاج: مات بمكة أول جمادى الأولى سنة (٢٤٨).
تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة
أحاديث فقط، برقم (١٥٥٤)، و(١٩٣٥) وأعاده بعده، و(١٩٦٩)، و(٢٠٢٦)،
و(٢٠٦٧).
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين.
٥ - (حُمَيْدُ الأَعْرَجُ) ابن قيس، أبو صفوان المكيّ القارئ، ثقةٌ [٦]
(ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((الحج)) ١٠/ ٢٨٨١.
٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ عَتِيقٍ) المدنيّ، صدوقٌ [٤] (م د س ق) تقدم في
((البيوع)) ٣٩٢٣/١٨.
و«جابر څبه)) ذُكِر في الباب.

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ◌َهُ (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ) ولفظ النسائيّ: ((أن
النبيّ وَّ وَضَعَ الجوائح))، و((الجوائح)) جمع جائحة: وهي الآفة، وتقدم
البحث عنها في أول الباب، ومعنى قوله: ((أمر بوضع الجوائح)) أي: أمر
بإسقاطها، وعدم المطالبة بها، يعني أن من اشترى ثماراً، فأصابتها آفة
سماويّة؛ كالبرد - بفتحتين -، والبرد - بفتح، فسكون - والحرّ الشدیدین،
والجراد، ونحو ذلك، من الآفات التي تَعْرِض للثمار، فإنه لا يحلّ للبائع أن
يُطالَب بثمنها، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في وضع الجوائح قريباً، فلا
تنسَ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) هذا ملحق من تلاميذ أبي إسحاق الراوي
الكتاب عن مسلم، وهو: إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوريّ الفقيه
الزاهد المتوفّى في رجب سنة (٣٠٨) وقد تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة))
٦/ ٧٣.
وقوله: (وَهْوَ صَاحِبُ مُسْلِم) يعني أنه تلميذه، وراوي هذا الكتاب عنه
(حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ) بنَّ الحكم العبديّ، أبو محمد النيسابوريّ، من
صغار [١٠] (ت٢٦٠) أو بعدها (خ م د ق) تقدّم في ((المقدّمة)) ٩٩/٦، وهو
ولد بشر بن الحكم شيخ مسلم المذكور قبله.
(عَنْ سُفْيَانَ) بن عيينة (بِهَذَا) الحديث، ومراد أبي إسحاق بهذا بيان أنه
علا برجل، فصار في رواية هذا الحديث كشيخه مسلم، بينه وبين سفيان بن
عيينة واحد فقط، قاله النوويّ ◌َخْذَلُهُ(١).
وقد تقدّم في ترجمته عن إبراهيم بن أبي طالب أنه قال: سمعت
عبد الرحمن بن بشر يقول: حَمَلني بشر بن الحكم على عاتقه في مجلس ابن
عيينة، فقال: يا معشر أصحاب الحديث أنا بشر بن الحكم بن حبيب، سمع
أبي الحكم بن حبيب من سفيان، وقد سمعت أنا منه، وحَدّثتُ عنه بخراسان،
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١٨/١٠.

٣٤٧
(٢٦) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ - حديث رقم (٣٩٧٤)
وهذا ابني عبد الرحمن قد سمع منه. انتهى(١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر به هذا من أفراد المصنّف ◌َُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٧٣/٢٥] (١٥٥٤)، و(أبو داود) في ((البيوع))
(٣٢٧٤)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٦٥/٧)، و(الشافعيّ) في ((مسنده))
(١٤٥/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠٩/٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(٣٣٧٤)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٠/٢ و٤١)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٠٣١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٠٧/٣ و٣٣٥ و٣٣٦)،
و(الطبريّ) في ((تهذيب الآثار)) (١٣٧/١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٣١/٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٦/٥) و((الصغرى)) (٩٠/٥) و((المعرفة)) (٣٣٢/٤
و٣٣٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٠٨٣)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(٢٦) - (بَابُ الْحَثِّ عَلَى وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ)(٢)
[٣٩٧٤] (١٥٥٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ
عِيَاضٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدٍ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ فِي ثِمَارِ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ))،
فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لِغُرَمَائِهِ:
(خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ))).
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٤٩١/٢.
(٢) هكذا ترجم القرطبيّ نظّفُهُ، وترجم النوويّ باباب استحباب الوضع من الدين، وهما
متقاربان .

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم أيضاً قبل باب.
٣ - (ُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] (ت١٢٠)
تقدم في ((الطهارة)) ٥٥٤/٤.
٤ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن سَعْد بن أبي سَرْح القرشيّ العامريّ المكيّ،
ثقة [٣] تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦.
٥ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنهما
تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٨٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ◌َظّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وكلّ من
قتيبة، وبُكير، وعياض، ممن دخل مصر أيضاً.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد
المكثرين السبعة، روى (١١٤٠) حديثاً، والله تعالى أعلم.
من
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ﴿َهُ أنه (قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ) قيل: هو معاذ بن
جبل ربه، قاله النوويّ، وقال القرطبيّ تَّقُ: هذا الرجل هو معاذ بن جبل،
وكان غرماؤه يهودَ، فكلمهم النبيّ ◌َّ في أن يخفّفوا عنه، أو يُنظروه، فأبوا،
فحكم النبيّ : ﴿ بما ذُكر، وظاهر هذا الحديث أن الجائحة أتت على كل
الثمرة، حتى لم يَبْقَ له منها ما يباع عليه، فقد ثبتت عسرته، فحكمه الإنظار
إلى الميسرة، كما قال الله تعالى(١)، فمن كان كذلك فلا يحبس مثله خلافاً
الشريح؛ فإنه قال: يحبس أبداً، ولا يلازَم، خلافاً لأبي حنيفة؛ فإنه قال: يلازَم
(١) يعني قوله: ﴿فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةَ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠].

٣٤٩
(٢٦) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ - حديث رقم (٣٩٧٤)
لإمكان أن يظهر له مال، ولا يكلّف أن يكتسب، لا هو ولا مستولدته. وهذا
كلّه مردود بنص القرآن، وبقوله بَ لّ لغرماء معاذ: ((خذوا ما وجدتم، وليس لكم
إلا ذلك))، ولا يجب أن يُتَصَدَّق عليه، ومن فعل ذلك، أو حضَّ عليه كان
خيراً له، وفيه ثواب كثير؛ لأنه سعى في تخليص ذمة المسلم من المطالبة
المستقبلة، أو من الإثم اللاحق بتأخير الأداء عند الإمكان إن كان قد وقع
ذلك، وفعل النبيّ وَّر ذلك بمعاذ ليتبيّن خصومه أنه ليس عنده شيء، ولتطيب
قلوبهم بما أخذوا، فيسهل عليهم ترك ما بقي، وليخفف الدَّين عن معاذ،
وليتشارك المتصدقون في أجر المعونة وثوابها، وليكون ذلك سُنَّة حسنةً.
وفيه ما يدلّ على نسخ بيع الجزء في الدَّين، كما كان في أول الإسلام،
وعلى نسخه تدل الآية، والإجماع. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١).
[تنبيه]: قصّة معاذ الله المذكورة ساقها عبد الرزّاق في ((مصنّفه)) ٢٦٨/٨
فقال :
(١٥١٧٧) - أخبرنا(٢) عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهريّ، عن
عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه(٣)، قال: كان معاذ بن جبل رجلاً
سمحاً شاباً جميلاً، من أفضل شباب قومه، وکان لا يُمسك شیئاً، فلم يزل
يَدَّانُ حتى أَغْلَق ماله كلَّه من الدَّين، فأتى النبيّ ◌َه يطلب إليه أن يسأل غرماءه
أن يضعوا له، فأبوا، فلو تركوا لأحد من أجل أحد تركوا لمعاذ بن جبل من
أجل النبيّ وَِّ، فباع النبيّ وَ﴿ كلَّ ماله في دينه، حتى قام معاذ بغير شيء،
حتى إذا كان عام فتح مكة بعثه النبيّ وَّر على طائفة من اليمن أميراً؛ لِيَجْبُره،
فمكث معاذ باليمن، وكان أوّلَ من تجر في مال الله هو، ومکث حتى أصاب،
وحتى قُبِض النبيّ وَّه، فلما قُبض، قال عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا
الرجل، فدع له ما يعيشه، وخذ سائره منه، فقال أبو بكر: إنما بعثه النبيّ وَّيه
ليجبره، ولست بآخذ منه شيئاً إلا أن يعطيني، فانطلق عمر إلى معاذ؛ إذ لم
(١) ((المفهم)) ٤٢٧/٤.
(٢) قائل ((أخبرنا)) هو الراوي عن عبد الرزّاق، فتنبّه.
(٣) وهذا إسناد صحيح.

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
يطعه أبو بكر، فذكر ذلك عمر لمعاذ، فقال معاذ: إنما أرسلني رسول الله وَلَ ه
ليجبرني، ولست بفاعل، ثم لقي معاذٍ عمرَ، فقال: قد أطعتك، وأنا فاعل ما
أمرتني به، إني أريت في المنام أني في حَوْمة ماء، قد خَشِيت الغرقَ،
فخلَّصتني منه يا عمر، فأتى معاذ أبا بكر، فذكر ذلك له، وحَلَف له أنه لم
يكتمه شيئاً حتى بَيَّن له سوطه، فقال أبو بكر: لا والله لا آخذه منك، قد وهبته
لك، قال عمر: هذا حين طاب، وحَلَّ، قال: فخرج معاذ عند ذلك إلى
الشام.
قال معمر(١): فأخبرني رجل من قريش، قال: سمعت الزهريّ يقول: لما
باع النبيّ ◌َ ﴿ مال معاذ أوقفه للناس، فقال: ((من باع هذا شيئاً فهو باطل)).
انتھی.
قال الجامع عفا الله عنه: كون الرجل المبهم في هذا الحديث هو معاذ بن
جبل ظُه محلّ نظر؛ فإن سياق القصّة بعيد عن سياق حديث الباب، فتأمل،
والله تعالى أعلم.
(فِي عَهْدٍ) أي: زمان (رَسُولِ اللهِ ﴿ِ، فِي ثِمَارٍ) متعلّق بـ«أُصيب)) (ابْتَاعَهَا)
أي: اشتراها، يعني أنه لحقه خسران، بسبب إصابة آفة ثماراً اشتراها، ولم ينقُد
ثمنها (فَكَثُرَ) بضم الثاء المثلّثة (دَيْنُهُ) أي فطالبه البائع بثمن تلك الثمرة، وكذا طالبه
بقيّة غرمائه، وليس له مال يؤديه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ ل﴿) لأصحابه، أو لقوم ذلك
الرجل: ((تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ) أي: على الرجل المدين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ﴾
[يوسف: ٨٨] (فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ) فيه أن المسألة تحلّ لمثله (فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ) أي:
ما تصدّقوا عليه (وَفَاءَ دَيْنِهِ) أي: لكثرته (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ) أي: لغرمائه: ((خُذُوا
مَا وَجَدْتُمْ) أي: مما تصدّق الناس عليه (وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ))) أي: إلا أخْذ ما
وجدتم، والمعنى: أنه ليس لكم مطالبته بالباقي، بل الواجب عليكم مسامحته،
أو إنظاره إلى الميسرة، كما قال : ﴿فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَوْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠].
وقال السنديّ تَخْلُ في ((حاشيته على النسائيّ)): ظاهره أنه وضع الجائح،
بمعنى أنه لا يؤخذ منه ما عجز عنه.
(١) وهذا الإسناد فيه مبهم، وفيه إرسال أيضاً، فتنبّه.

٣٥١
(٢٦) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ - حديث رقم (٣٩٧٤)
ويَحْتَمِل أن المعنى: ليس لكم في الحال إلا ذلك؛ لوجوب الإنظار في
غيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَوْ﴾، وحينئذ فلا وضع أصلاً، وبالجملة،
فهذا الحديث دليلٌ لمن يقول بعدم الوضع، والله تعالى أعلم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فيما سبق أن هذا الحديث
محمول على أنها تَلِفت بعد أوان الجذاذ، وتفريط المشتري في تركها بعد ذلك
على الشجر، فإنها حينئذ تكون من ضمان المشتري، وليس له حقّ في الوضع،
فلا يكون الحديث معارضاً لتلك الأحاديث الكثيرة الموجبة وضع الجوائح،
وعلى تقدير عدم حمله على هذه الصورة، فتلك الأحاديث ترجّح عليه؛ لقوّتها،
فتأمل بالإنصاف.
[تنبيه]: زاد النسائيّ كَّلُ في ((السنن الكبرى)) بعد إيراده حديث أبي
سعيد ◌َه هذا، ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: هذا أصلح من حديث
سلیمان بن عَتِیق. انتهى.
وأشار به إلى ما تقدّم من الكلام في سليمان بن عتيق، فقد ضعّفه
بعضهم، إلا أن مسلماً أخرج له الحديث المذكور، وغيره، كما سبق بيانه،
ويشهد لحديثه حديث أنس ، وحديثا جابر ظه المذكوران في الباب
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ له هذا من أفراد
المصنّف تَخْذَلهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٧٤/٢٦ و٣٩٧٥] (١٥٥٦)، و(أبو داود) في
((البيوع)) (٣٤٦٩ و٣٤٧٠)، و(الترمذيّ) في ((الزكاة)) (٦٥٥)، و(النسائيّ) في
((البيوع)) (٢٦٤/٧ - ٢٦٥ و٣١٢) و((الكبرى)) (١٩/٤ و٥٥)، و(ابن ماجه) في
((التجارات)) (٢٢١٩ و((الأحكام)) (٢٣٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥/
(١) ((حاشية السنديّ على النسائيّ)) ٢٦٥/٧ - ٢٦٦.

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
١٣)، و(أحمد) في ((مسند)) (٣٦/٣ و٥٨)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٥٢/٢)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٣٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٦٣٩)،
و(عبد بن حميد) في («مسنده)) (٣٠٦/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٣٦/٣)،
و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٧/٢)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٣٠/٣ و٣١)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٥/٥ و٣٠٦ و٤٩/٦ و٥٠) و((المعرفة)) (٣٠٦/٤)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢١٣٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ وَّه من الرأفة، والرحمة بأمته، حيث
يهتمّ بتدبير شؤونهم، فيقوم بمساعدة الفقراء، والمحتاجين، إذا كان عنده شيء
أن یساعدوهم حتی یقضوا دیونهم،
من المال، وإلا أمر أصحابه المياسير
ويسدّوا حاجاتهم.
٢ - (ومنها): التعاون على البرّ، والتقوى، ومواساة المحتاج، ومن عليه
دَين، والحثّ على الصدقة.
٣ - (ومنها): جواز المسألة لمن أصاب ماله جائحة، بقدر ما يؤدّي به
دینه، ويسدّ حاجته.
٤ - (ومنها): أن المعسر لا تحلّ مطالبته، ولا ملازمته، ولا سَجْنه، وبه
قال الشافعيّ، ومالك، وجمهور العلماء، وحكي عن شُريح حبسه حتى يقضي
الدين، وإن كان قد ثبت إعساره، وعن أبي حنيفة: تجوز ملازمته.
٥ - (ومنها): أنه يسلّم إلى الغرماء جميع مال المفلس، ما لم يَقضٍ
دَينهم، ولا يُترك للمفلس سوى ثيابه، ونحوها. قاله النوويّ(١).
٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ كَّلُ: قوله: ((خذوا ما وجدتم)) يدلُّ على
أن المفلس يؤخذ منه كل ما يوجد ما له، ويُستثنى من ذلك ما كان من
ضرورته، ورَوَى ابن نافع عن مالك: أنه لا يترك له إلا ما يواريه، والمشهور:
أنه يترك له كسوته المعتادة، ما لم يكن فيها فضل، ولا يُنْزَع منه رداؤه، إن
كان ذلك مُزرياً به؛ أي: منقصاً، وفي ترك كسوة زوجته، وبيع كتبه إن كان
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١٧/١٠ -٢١٨.

٣٥٣
(٢٦) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ - حديث رقم (٣٩٧٥ - ٣٩٧٦)
عالماً خلافٌ، ولا يُترك له مسكن، ولا خاتم، ولا ثوب جُمْعَته، ما لم تقِلَّ
قيمتها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٧٥] ( .. ) - (حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) بن ميسرة الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ،
من صغار [١٠] (ت٢٦٤) وله (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٣/٧٥.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
المصريّ، ثقةٌ حافظ فقيه [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦.
و(بكير بن الأشجّ)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عمرو بن الحارث، عن بُكير بن الأشجّ هذه ساقها الحاكم
في ((المستدرك)) ٤٧/٢ فقال:
(٢٢٧٥) - حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر
الخولانيّ، حدّثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بُكير بن
الأشج، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: أصيب رجل
في عهد رسول الله وَ﴿ في ثمار ابتاعها، فكثُر دينه، فقال رسول الله وَلّى:
((تصدقوا عليه))، فتصدقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءً دينه، فقال رسول الله وَله:
((خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك))، هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين، ولم يخرجاه(١). انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٧٦] (١٥٥٧) - (وَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالُوا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ - وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ - عَنْ
-
(١) فيه نظر لا يخفى، فقد أخرجه مسلم هنا، فتنبّه.

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ صَوْتَ خُصُوم
بِالْبَابِ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ، وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ، وَهُوَّ
يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: ((أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللهِ.
لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟»، قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَهُ أَّ ذَلِكَ أَحَبَّ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا) قال النوويّ تَخْتُ: قال جماعة من الحفاظ:
هذا أحد الأحاديث المقطوعة في ((صحيح مسلم))، وهي اثنا عشر حديثاً، سبق
بيانها في الفصول المذكورة في مقدمة هذا الشرح؛ لأن مسلماً لم يذكر من
سمع منه هذا الحديث.
قال القاضي عياض: إذا قال الراوي: حدّثني غير واحد، أو حدّثني
الثقة، أو حدّثني بعض أصحابنا، ليس هو من المقطوع، ولا من المرسل، ولا
من المعضل، عند أهل هذا الفنّ، بل هو من باب الرواية عن المجهول، وهذا
الذي قاله القاضي هو الصواب، لكن كيف كان فلا يُحتجّ بهذا المتن من هذه
الرواية، لو لم يثبت من طريق آخر، ولكن قد ثبت من طريق آخر، فقد رواه
البخاريّ في ((صحيحه)) عن إسماعيل بن أبي أويس، ولعل مسلماً أراد بقوله:
((غيرُ واحد)) البخاريّ وغيره، وقد حَدَّث مسلم عن إسماعيل هذا من غير
واسطة، في ((كتاب الحج))، وفي آخر ((كتاب الجهاد))، وروى مسلم أيضاً عن
أحمد بن يوسف الأزديّ، عن إسماعيل في ((كتاب اللعان))، وفي ((كتاب
الفضائل))، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ(١).
وقال في ((الفتح)): هذا الحديث أخرجه مسلم قال: حدّثنا غير واحد،
عن إسماعيل بن أبي أويس، فعدّه بعضهم في المنقطع، والتحقيق أنه متصل في
إسناده مبهم، وقد رواه عن إسماعيل أيضاً محمد بن يحيى الذَّهْليّ، أخرجه أبو
عوانة، والإسماعيليّ، وغيرهما من طريقه، وأخرجه أبو عوانة أيضاً من طريق
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١٩/١٠.

٣٥٥
(٢٦) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ - حديث رقم (٣٩٧٦)
إبراهيم بن الحسين الكسائيّ، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، ورويناه في
((المحامليّات)) عن عبد الله بن شَبِيب، فيَحْتَمِل أن يُفَسَّر من أبهمه مسلم بهؤلاء،
أو بعضِهم، ولم ينفرد به إسماعيل، بل تابعه أيوب بن سفيان، عن أبي بكر بن
أبي أويس، أخرجه الإسماعيلي أيضاً، ولا انفرد به يحيى بن سعيد، فقد
أخرجه ابن حبان من طريق عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن أبيه. انتهى (١).
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن
أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ أخطأ في أحاديث من حفظه
[١٠] (ت٢٢٦) (خ م د ت ق) تقدم في ((الحج)) ١٧/ ٢٩٢١.
٣ - (أَخُوهُ) عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن
أبي عامر الأصبحيّ، أبو بكر بن أبي أُويس المدنيّ الأعشى، مشهور بكنيته
كأبيه، ثقةٌ [٩].
رَوَى عن أبيه، وعم جدّه الربيع بن مالك، وابن أبي ذئب، وابن
عجلان، ومالك بن أنس، وسليمان بن بلال، والثوريّ، وهشام بن سعد،
وغيرهم.
ورَوى عنه أخوه إسماعيل، وأيوب بن سليمان بن بلال، وإسحاق ابن
راهويه، ومحمد بن رافع، ومحمد بن سعد، ومحمد بن عبد الله بن
عبد الحکم، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال آخر، عن يحيى: ليس به
بأسٌ، وقال الآجريّ: قدّمه أبو داود على إسماعيل تقديماً شديداً، وقال
النسائيّ: ضعيفٌ، وقال الحاكم عن الدارقطنيّ: حجةٌ، وقال الأزديّ: وما
أظنه ظن إلا أنه غيره، فإنه إنما أطلق ذلك في أبي بكر الأعشى، وهو هو،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: مات ببغداد سنة اثنتين ومائتين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيّ، تقدّم قريباً.
(١) ((الفتح)) ٦/ ٥٨٧ ((كتاب الصلح)) رقم (٢٧٠٥).

٣٥٦
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
٥ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (أَبُو الرِّجَالِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حارثة بن النعمان
الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ [٥] (خ م س ق) تقدم في ((صلاة
المسافرين وقصرها)) ١٨٩٠/٤٦.
٧ - (أُمُّهُ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زُرَارة الأنصاريّة
المدنيّة، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في ((شرح
المقدمة)) جـ٢ ص٤١٧.
٨ - (عَائِشَةُ) بنت أبي بكر الصدّيق ﴿يا أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقاً،
وأفضل أزواج النبيّ بَير، إلا خديجة، ففيها خلاف شهير، ماتت سنة (٥٧)
على الصحيح (ع) تقدّمت في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيوخه المبهمين.
٢ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: يحيى،
وأبو الرجال، وأمه عمرة، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة
الخامسة.
٣ - (ومنها): أن فيه عائشة مؤيّا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من
الحدیث.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الرِّجَالِ) بكسر الراء، وتخفيف الجيم: لقبٌ بصورة الكنية؛ لُقّب
بها؛ لأنه وُلد له عشرة من الذُّكور، وبلغوا مبلغ الرجال، وهو من صغار
التابعين، وكذا الراوي عنه، وقوله: (مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالجرّ بدل من
(أبي الرجال)) (أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة (قَالَتْ: سَمِعْتُ
عَائِشَةَ) أم المؤمنين ﴿ُها (تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِهِ صَوْتَ خُصُوم) بالضمّ:
جمع خَصْم بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ كَّتُ: الْخَصْم: يقع عَلَّى المفرد
وغيره، والذكر والأنثى بلفظ واحد، وفي لغة يُطابِقُ في التثنية والجمع، ويُجمَع

٣٥٧
(٢٦) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ - حديث رقم (٣٩٧٦)
على خُصُوم، وخِصَار، مثلُ بحر، وبُحور، وبِحَار. انتهى(١). وقوله: (بِالْبَابِ)
متعلّق بحال مقدّر؛ أي: كونهما كائنين بالباب، والمراد: باب حُجرة النبيّ وَِّ،
وقوله: (عَالِيَةً أَصْوَاتُهُمَا) يجوز جرّ ((عاليةً)) صفة لـ((خصوم))، ونصبه على
الحال، و((أصواتهما)) مرفوع على الفاعليّة لعالية؛ لأنه اسم الفاعل يعمل عمل
فعله، إذا اعتمد، وقد اعتمد هنا على الموصوف، قال في ((الخلاصة)):
إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ
كَفِعْلِهِ اسْمُ فَاعِلٍ فِي الْعَمَلِ
وَوَلِيَ اسْتِفْهَاماً أَوْ حَرْفَ نِدَا أَوْ نَفْياً اوْ جَا صِفَةً أَوْ مُسْنَدَا
ويجوز رفع ((عاليةٌ)) خبراً مقدّماً ل((أصواتهما))، والجملة حال، وإنما ثنّى
الضمير مع أنه يعود إلى الجمع باعتبار أنهما خصمان، أو على القول بأن أدنى
الجمع اثنان.
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((عاليةً أصواتهم)»، فقال في ((الفتح)):
قوله: ((عالية أصواتهم)) في رواية: ((أصواتهما))، وكأنه جُمع باعتبار من حضر
الخصومة، وثُنِّي باعتبار الخصمين، أو كأن التخاصم من الجانبين بين جماعة،
فجُمِع، ثم ثُنِّي باعتبار جنس الخصم، وليس فيه حجة لمن جَوَّز صيغة الجمع
بالاثنين كما زعم بعض الشراح. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((وليس فيه حجة إلخ)) بلى فيه حجة
ظاهرة، وقد حقّقت هذه المسألة في ((التحفة المرضيّة))، و((شرحها))، ورجّحت
القول بأن أدنى الجمع اثنان؛ لوضوح أدلّته، فراجعه تستفد(٢)، وبالله تعالى
التوفيق.
(وَإِذَا أَحَدُهُمَا) ((إذا)) هنا فُجائيّةٌ، و((أحدهما)) مبتدأ، خبره قوله: ((يستوضع))،
وإنما قال: ((أحدهما)) بتثنية الضمير؛ لِمَا قدّمناه من أنه باعتبار الخصمين.
(يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ) أي: يطلب منه الوضيعة؛ أي: الحطيطة من الدَّين
(وَيَسْتَرْفِقُهُ) أي: يطلب منه أن يرفق به في الاستيفاء، والمطالبة (فِي شَيْءٍ) أي:
في حطّ شيء من الدَّين.
(١) ((المصباح المنير)) ١/ ١٧١.
(٢) راجع: ((المنحة الرضيّة شرح التحفة المرضيّة)) ٢٢٩/٣ - ٢٣٣.

٣٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وفي رواية ابن حبان: ((دخلت امرأة على النبيّ وَلهو، فقالت: إني ابتعت
أنا وابني من فلان تمراً، فأحصيناه، لا والذي أكرمك بالحقّ ما أحصينا منه إلا
ما نأكله في بطوننا، أو نُطعمه مسكيناً، وجئنا نستوضعه ما نقصنا ... ))
الحديث، فظهر بهذا أن المخاصمة وقعت بين البائع وبين المشتريَيْنِ، قال
الحافظ تَُّ: ولم أقف على تسمية واحد منهم، وأما تجويز بعض الشراح أن
المتخاصمين هما المذكوران في الحديث الذي يليه - يعني قصّة كعب بن مالك
وخصمه ــ ففيه بُعْدٌ؛ لتغاير القصتين، وعُرِف بهذه الزيادة أصل القصة.
انتھی(١).
(وَهُوَ) أي: الآخر (يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَفْعَلُ) أي: أضع من دَيني شيئاً، ولا
أرفق بك (فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﴿ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: ((أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللهِ) - بضمّ
الميم، وفتح المثناة، والهمزة، وتشديد اللام المكسورة - أي: الحالف المبالغ
في اليمين، مأخوذ من الأُلِيّة - بفتح الهمزة، وكسر اللام، وتشديد التحتانية -
وهي اليمين، قاله في ((الفتح)).
وقال الفيّوميّ ◌َُّهُ: ((الأليّةُ)): الحلِفُ، والجمع ألايا، مثلُ عَطِيّة
وعطايا، قال الشاعر [من الطويل]:
فَإِنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ
قَلِيلُ الأَلَايَا حَافِظُ لِيَمِينِهِ
وآَلَى إيلاءً، مثلُ آتى إيتاءً: إذا حَلَفَ، فهو مُؤْلٍ، وتألَّى، وائتلى كذلك.
(٢)
انتھی(٢).
وقوله: (لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟))) بتقدير حرف مصدريّ؛ أي: أن لا يفعل
المعروف، وهو في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ أي: على عدم
فعل المعروف.
وفي رواية ابن حبان: ((فقال: آلى أن لا يصنع خيراً ثلاث مرات، فبلغ
ذلك صاحب التمر)).
(قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ) أي: فلخصمي؛ أيُّ شيء من
(١) راجع: ((الفتح)) ٥٨٨/٦ ((كتاب الصلح)) رقم (٢٧٠٥).
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٠/١.

٣٥٩
(٢٦) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى وَضْعِ بَعْضِ الدَّيْنِ - حديث رقم (٣٩٧٦)
الحط، أو الرفق أحبّ، وفي رواية ابن حبان: ((فقال: إن شئت وضعتُ ما
نقصوا، وإن شئت من رأس المال، فوضع ما نقصوا))، قال الحافظ تَُّهُ: وهو
يُشعِر بأن المراد بالوضع الحطّ من رأس المال، وبالرفق الاقتصار عليه، وترك
الزيادة، لا كما زعم بعض الشراح أنه يريد بالرفق الإمهال. انتهى (١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٧٦/٢٦] (١٥٥٧)، و(البخاريّ) في
((الصلح)) (٢٧٠٥)، و(مالك) في ((الموظّإِ)) (٦٢١/٢)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٠٣٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٣٧/٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٣٠٥/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه الحضَّ على الرفق بالغريم، والإحسان إليه بالوضع
عنه .
٢ - (ومنها): جواز طلب الرفق في المطالبة والاستيفاء، وأنه لا بأس
به، ولكن بشرط أن لا ينتهي إلى الإلحاح، وإهانة النفس، أو الإيذاء، ونحو
(٢)
ذلك، إلا من ضرورة. قاله النوويّ
.
٣ - (ومنها): الزجر عن الحلف على ترك فعل الخير، وإنكار ذلك، قال
الداوديّ: إنما كَرِه ذلك؛ لكونه حلف على ترك أمر عسى أن يكون قد قدَّر اللهُ
وقوعه، وعن المهلَّب نحوه، وتعقبه ابن التين بأنه لو كان كذلك لكره الحلف
لمن حلف ليفعلنّ خيراً، وليس كذلك، بل الذي يظهر أنه كره له قطع نفسه عن
فعل الخير.
قال: ويشكل في هذا قوله وليفور للأعرابي الذي قال: والله لا أزيد على
(١) ((الفتح) ٥٨٨/٦.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢٠/١٠.

٣٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
هذا، ولا أنقص منه: ((أفلح إن صدق))، ولم ينكر عليه حلفه على ترك الزيادة،
وهي من فعل الخير.
ويمكن الفرق بأنه في قصة الأعرابي كان في مقام الدعاء إلى الإسلام،
والاستمالة إلى الدخول فيه، فكان يَحْرِص على ترك تحريضهم على ما فيه نوع
مشقة مهما أمكن، بخلاف من تمكّن في الإسلام، فيَحُضُّه على الازدياد من
نوافل الخير. انتهى(١).
٤ - (ومنها): أنه ينبغي لمن حلف أن لا يفعل خيراً أن يحنث، ويكفّر
عن يمينه .
٥ - (ومنها): استحباب الشفاعة إلى أصحاب الحقوق، وقبول الشفاعة
في الخير.
٦ - (ومنها): أن فيه سرعةً فهم الصحابة لمراد الشارع، وطواعيتهم لما
يشير به، وحرصهم على فعل الخير.
٧ - (ومنها): أن فيه الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللغط،
ورفع الصوت عند الحاكم.
٨ - (ومنها): أن فيه جواز سؤال المدين الحطيطة من صاحب الدَّين
خلافاً لمن كرهه من المالكية، واعتَلَّ بما فيه من تحمّل المنّة، وقال القرطبيّ:
لعل من أطلق كراهته أراد أنه خلاف الأولى.
٩ - (ومنها): أن فيه هبةَ المجهول، كذا قال ابن التين، وفيه نظر؛ لما
قدّمناه من رواية ابن حبان، قاله في ((الفتح)) (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٧٧] (١٥٥٨) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبٍ بْنِ مَالِكِ، أَخْبَرَهُ عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْناً كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّ فِي
(١) راجع: ((الفتح)) ٥٨٨/٦.
(٢) ((الفتح)) ٥٨٨/٦ - ٥٨٩.