النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(١٩) - بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالطَّعَامِ - حديث رقم (٣٩٤٢)
(فَقَالَ) ظُهير: (لَقَدْ نَهَى) وفي رواية البخاريّ: ((لقد نهانا)) (رَسُولُ اللهِ وَلِ)
يأتي في آخر الحديث ذكر صيغة النهي، حيث قال: ((فلا تفعلوا))، وبها يُعرف
المراد بالأمر الرافق، قاله في ((الفتح)) (١). (عَنْ أَمْرِ كَانَ بِنَا رَافِقاً) أي: ذا رفق
(فَقُلْتُ: وَمَا ذَاَكَ؟ مَا) موصولة مبتدأ، خبره ((فَهو حقّ))؛ أي: الأمر الذي
قاله ◌َله فهو حقّ، لا ما يزعم الناس أنه رافق (قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فَهُوَ حَقٌّ) فيه
ما كان عليه الصحابة ﴿ من الخضوع لأمر الله تعالى، وأمر رسوله وَلقوله
وإيثاره على جميع مصالحهم، سواء عرفوا حكمة ذلك الأمر، أم لم يعرفوه،
وكذلك ينبغي أن يكون كلُّ مسلم؛ لأن المصالح الكاملة لا يعرفها إلا الله
تعالى، كما قال رَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ
شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىَ أَنْ تُحِبُواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرِّ لَّكُمُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُرْ لَ
[البقرة: ٢١٦].
تَعْلَمُونَ
(قَالَ) ظهير: (سَأَلَنِي كَيْفَ تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟) أي: بمزارعكم،
والحَقْلُ: الزرع، وقيل: ما دام أخضر، والمحاقلة: المزارعة بجزء مما يَخْرُج،
وقيل: هو بيع الزرع بالحنطة، وقيل غير ذلك، كما تقدم (فَقُلْتُ: تُؤَاجِرُهَا يَا
رَسُولَ اللهِ عَلَى الرَّبِيع) قال النوويّ كَّثُ: هكذا هو في معظم النسخ: ((الرَّبِيع))،
وهو الساقية، والنهر الصغير، وحَكَّى القاضي عن رواية ابن ماهان: ((الرُّبع))
بضم الراء، وبحذف الياء، وهو أيضاً صحيح. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((على الرَّبِيع)) - بفتح الراء، وكسر الموحدة -
وهي موافقة لرواية: ((على الأربعاء))، فإن الأربعاء جمع رَبِيع، وهو النهر
الصغير، وفي رواية المستملي: ((الرُّبَيِّع)) بالتصغير، ووقع للكشميهنيّ: ((على
الرُّبُع)) بضمتين، وهي موافقة لحديث جابر بلفظ: ((كانوا يزرعونها بالثلث،
والربع، والنصف»، لكن المشهور في حديث رافع الأول، والمعنى: أنهم كانوا
يُكرون الأرض، ويَشترطون لأنفسهم ما يَنْبُت على الأنهار، قاله في ((الفتح))(٣).
(أَوِ الأَوْسُقِ) جمع وَسْق بفتح الواو، كفلس وأفلُس، ويجوز بكسر الواو،
(١) ((الفتح)) ٦/ ١٤٣.
(٣) ((الفتح)) ١٤٣/٦ - ١٤٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٥/١٠.

٢٦٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
ويُجمع على أوساق، كحِمْل وأحمال، وهو ستّون صاعاً بصاع النبيّ وَّ، كما
تقدّم بيانه، وقوله: (مِنَ التَّمْرِ، أَوِ الشَّعِيرِ) بيان للأوسُق (قَالَ) وَلِ: ((فَلَا
تَفْعَلُوا) أي: لا تواجروها على هذه الصفة، وقوله: (ازْرَعُوهَا ... إلخ) فعل أمر
من زرع ثلاثيّاً، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانيّاً، وهو ما وقع جواباً عن سؤال
مقدّر، فكأنهم قالوا له: ما نفعل فيها؟ فأجابهم بقوله: ((ازرعوها))؛ أي:
بأنفسكم لأنفسكم (أَوْ أَزْرِعُوهَا) بقطع الهمزة، أمر من أزرع رباعيّاً؛ أي:
ادفعوها لمن يزرعها لنفسه من إخوانكم.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ازرَعُوها، أو أَزْرِعوها)) الأول بكسر الألف،
وهي ألف وصل، والراء مفتوحة، والثاني بألف قطع، والراء مكسورة، و((أو))
للتخيير، لا للشك، والمراد: ازْرَعُوها أنتم، أو أعطوها لغيركم يزرعها بغير
أجرة، وهو الموافق لقوله في حديث جابر: ((أو ليمنحها)). انتهى(١).
(أَوْ أَمْسِكُوهَا))) أي: إن لم تفعلوا الأمرين، فأمسكوا محاقلكم؛ أي:
اتركوها معطّلةً.
زاد في رواية البخاريّ: ((قال رافعٌ: قلتُ: سمعاً وطاعةً)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف كَّلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٤٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ،
عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ، عَنْ رَافِعٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿َ بِهَذَا، وَلَمْ
يَذْكُرْ عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُّ مَهْدِيٍّ) تقدّم قريباً .
٣ - (عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ) العجليّ، أبو عمّار اليماميّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ،
(١) ((الفتح)) ٦/ ١٤٤.

٢٦٣
(٢٠) - بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ - حديث رقم (٣٩٤٤)
إلا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فضعيف؛ لاضطرابه فيه [٥] مات قُبيل
الستين ومائة (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٥/١٢.
والباقیان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية عكرمة بن عمّار، عن أبي النجاشيّ هذه ساقها الإمام
أحمد في ((مسنده)) (١٤١/٤) فقال:
(١٧٣٠٦) - حدّثنا عبد الله (١)، حدّثني أبي، ثنا هاشم بن القاسم، قال:
ثنا عكرمة، عن أبي النجاشيّ مولى رافع بن خَدِيج، قال: سألت رافعاً عن
كراء الأرض، قلت: إن لي أرضاً أُكريها، فقال رافع: لا تُكْرِها بشيء، فإني
سمعت رسول الله ◌َّ﴾ يقول: ((من كانت له أرض فَلْيَزْرعها، فإن لم يَزْرَعها
فليُزْرِعها أخاه، فإن لم يفعل فلْيَدَعْها))، فقلت له: أرأيت إن تركته وأرضي،
فإن زرعها، ثم بَعَثَ إليّ من التبن؟ قال: لا تأخذ منها شيئاً، ولا تبناً، قلت:
إني لم أشارطه، إنما أهدى إليّ شيئاً؟ قال: لا تأخذ منه شيئاً. انتهى.
[تنبيه آخر]: رواية عكرمة هذه صريحة في كون الحديث من مسند رافع بن
خَدِيج ◌َُبه، كما أشار إليه المصنّف، وهي خلافة رواية الأوزاعي، كما تقدّم،
فإنه جعله من مسند ظُهير عمّ رافع، وقد تقدّم عن الحافظ الإشارة إلى ترجيح
رواية الأوزاعيّ، بأن حنظلة بن قيس تابعه عليه، والذي يظهر لي أن كلتا
الروايتين صحيحتان؛ لأن عكرمة لم ينفرد، بل تابعه عليه يحيى بن أبي كثير،
وقد أخرج روايته النسائيّ، فالظاهر أن يُحمل على أنه وَلّ خاطب كلّاً من
رافع، وعمّه ظهير بذلك، ولا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٢٠) - (بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٤٤] (١٥٤٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ؛ أَنَّهُ سَأَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ عَنْ
(١) هو ولد الإمام أحمد راوي («المسند» عنه.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
كِرَاءِ الأَرْضِ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَلِهِ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ، قَالَ: فَقُلْتُ:
أَبِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ؟ فَقَالَ: أَمَّا بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ فَلَا بَأْسَ بِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
٢ - (رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فرُّوخ التيميّ مولاهم، أبو عثمان
المدنيّ المعروف بربيعة الرأي، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ، كانوا يتّقونه لموضع الرأي
[٥] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١١/ ١٦٥٢.
٣ - (حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسٍ) بن عمرو بن حِصْن بن خَلْدة الزُّرَقيّ المدنيّ، ثقةٌ
[٢]، وقيل: له رؤية.
رَوَى عن عمر، وعثمان، وأبي الْيَسَر، ورافع بن خَدِيج، وابن الزبير، وغيرهم.
ورَوَى عنه ربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والزهريّ، وغيرهم.
قال ابن سعد، عن الواقديّ: كان ثقةً قليل الحديث، وحَكَى عن
الزهريّ: ما رأيت من الأنصار أحزم، ولا أجود رأياً من حنظلة بن قيس،
وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: رَأَى عمر، وعثمان، وذكره ابن عبد البر
في (الصحابة)) جانحاً لقول الواقديّ: إنه وُلِد على عهد النبيّ ◌َّ .
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، ولیس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، کرّره ثلاث مرّات.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي، وشرح الحديث يأتي في الحديث
التالي - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٤٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا
الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسِ الأَنْصَارِيُّ،
قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيج عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ
بِهِ، إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَلِ عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ(١)، وَأَقْبَالٍ
(١) وفي نسخة: ((بما على الماذيانات)).

٢٦٥
(٢٠) - بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ - حديث رقم (٣٩٤٥)
الْجَدَاوِلِ، وَأَشْيَاءَ مِنَ الزَّرْعِ، فَيَهْلِكُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَهْلِكُ هَذَا،
فَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاءُ إِلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ، فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ، مَضْمُونٌ، فَلَا
بَأْسَ بِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام
مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧) وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، والباب الماضي، و((إسحاق)) هو:
ابن راهويه.
شرح الحديث:
(عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المعروف بربيعة الرأي؛ أنه (حَدَّثَنِي
◌ُ (عَنْ
حَنْظَلَةُ بْنُ قَيْسِ الأَنْصَارِيُّ) الزُّرَقِيّ (قَالَ: سَأَلْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيج)
كِرَاءِ الأَرْضِ) أي: عن حكم مؤاجرتها (بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، فَقَالَ) رافِّع: (لَا بَأْسَ
بِهِ) أي: لا حرج، ولا إثم فيه (إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَّلـ
عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ) وفي بعض النسخ: ((بما على الماذيانات))؛ أي: على مسائيل
الماء، وقد تقدّم ضبطها، والاختلاف في معناها، فلا تنس. (وَأَقْبَالِ الْجَدَاوِلِ)
بفتح الهمزة: جمع قُبُل بضمّتين: وهو ما أقبل من كلّ شيء، والمراد به هنا:
أوائل الجداول، ورؤوسها، وما يَنْبُت عليها من العشب، وقيل: جمع قَبَل
بفتحتين، وهو الكلا في مواضع من الأرض، كذا في ((مجمع البحار))(١).
و((الجداول)): جمع جَدْول، وهو النهر الصغير؛ كالساقية (وَأَشْيَاءَ مِنَ
الزَّرْعِ) كأن يستثني ما على الربيع، وهو الساقية الصغيرة، وجمعه أربعاء؛ كنبيّ
وأنبياء، ورِبْعان؛ کصبيّ وصِبیان.
وفي رواية النسائيّ: ((عن رافع بن خَديج، قال: حدّثني عَمِّي أنهم كانوا
يُكرون الأرض على عهد رسول اللهِ وَ﴿ بما يَنْبُتُ على الأربعاء، وشيء من
الزرع، يستثني صاحب الأرض، فنهانا رسول الله وَلهو عن ذلك.
(١) ((تكملة فتح الملهم)) ١/ ٤٦١.

٢٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال النوويّ كَّلُهُ: معنى هذه الألفاظ أنهم كانوا يدفعون الأرض إلى من
يزرعها ببذر من عنده، على أن يكون لمالك الأرض ما يَنْبُت على الماذيانات،
وأقبال الجداول، أو هذه القطعة، والباقي للعامل، فنُهُوا عن ذلك؛ لما فيه من
الغرر، فربما هلك هذا، دون ذاك، وعكسه. انتهى(١).
(فَيَهْلِكُ هَذَا) النوعِ (وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَهْلِكُ هَذَا، فَلَمْ يَكُنْ
لِلنَّاسِ كِرَاءُ إِلَّ هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ) بالبناء للمفعول؛ أي: نُهي عنه، وهذا
الحديث حديث مفسَّر، قد أوضح سبب النهي، فهو صريح في أن النهي لم
يكن عامّاً لكلّ أنواع المزارعة، وإنما كان مخصوصاً بهذه الصور، وما شابهها،
مما يُشترط فيها الشروط الفاسدة، فتفسد المزارعة؛ للضرر اللاحق لأحد
الجانبين، والله تعالى أعلم.
(فَأَمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ) أي: فأما إذا كان شيءٌ معلوم المقدار؛ أي: ليس
مجهولاً (مَضْمُونٌ) أي: يلزم ضمانه لمن شُرط، وذلك كأن يكون الأجر
دنانير، أو دراهم مسماة، يضمنها المستأجر لصاحب الأرض أجرة على أرضه
(فَلَا بَأْسَ بِهِ) أي: فلا حرج في ذلك؛ لأنه لا يؤدّي إلى غرر، ولا يلحقه
ضرر.
وقال في ((الفتح)) عند قوله: ((فقال رافع: ليس بها بأس بالدينار
والدرهم))، ما نصّه: يَحْتَمِل أن يكون ذلك قاله رافع باجتهاده، ويَحْتَمِل أن
يكون عَلِمَ ذلك بطريق التنصيص على جوازه، أو عَلِم أن النهي عن كراء
الأرض ليس على إطلاقه، بل بما إذا كان بشيء مجهول، ونحو ذلك، فاستَنْبَط
من ذلك جواز الكراء بالذهب والفضة، ويُرَجِّح كونه مرفوعاً ما أخرجه أبو
داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، من طريق سعيد بن المسيِّب، عن رافع بن
خَدِيج، قال: ((نَهَى رسول الله وَّهِ عن المحاقلة، والمزابنة، وقال: إنما يَزْرَع
ثلاثة: رجلٌ له أرض، ورجلٌ مُنِحَ أرضاً، ورجلٌ اكتَرَى أرضاً بذهب، أو
فضة))، لكن بَيَّن النسائيّ من وجه آخر أن المرفوع منه النهي عن المحاقلة،
والمزابنة، وأن بقيته مُدْرَجٌ من كلام سعيد بن المسيِّب، وقد رواه مالك في
(١) (شرح النوويّ)) ١٩٨/١٠.

٢٦٧
(٢٠) - بَابُ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ - حديث رقم (٣٩٤٥)
((الموطا))، والشافعيّ عنه، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيِّب. انتهى(١).
وقال البخاريّ في («صحيحه)): وقال الليث بن سعد دخّتُهُ: وكان الذي
نُهي من ذلك ما لو نظر فيه ذَوُو الفهم بالحلال والحرام لم يجيزوه؛ لِمَا فيه من
المخاطرة. انتهى.
وقال في ((الفتح)) معلّقاً على كلام الليث، ما نصّه: وقوله: ((المخاطرة))؛
أي: الإشراف على الهلاك، وكلام الليث هذا موافق لما عليه الجمهور، من
حمل النهي عن كراء الأرض على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة، لا عن
كرائها مطلقاً، حتى بالذهب والفضة، ثم اختَلَف الجمهور في جواز كرائها
بجزء مما يخرج منها، فمَن قال بالجواز حَمَل أحاديث النهي على التنزيه،
وعليه يدل قول ابن عباس بحيث قال: ((ولكن أراد أن يَرفُق بعضهم ببعض»،
ومن لم يُجز إجارتها بجزء مما يَخرُج منها قال: النهي عن كرائها محمول على
ما إذا اشتَرَط صاحب الأرض ناحيةً منها، أو شَرَط ما يَنْبُتُّ على النهر لصاحب
الأرض؛ لِمَا في كل ذلك من الغرر والجهالة.
وقال مالك: النهي محمول على ما إذا وقع كراؤها بالطعام أو التمر؛
لئلا يصير من بيع الطعام بالطعام، قال ابن المنذر: ينبغي أن يُحْمَل ما قاله
مالك على ما إذا كان الْمُكْرَى به من الطعام جزءاً مما يَخْرُج منها، فأما إذا
اكتراها بطعام معلوم في ذمة المكتري، أو بطعام حاضر يَقِضه المالك، فلا
مانع من الجواز، والله أعلم. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن جمهور العلماء على جواز
المزارعة، إذا خلت من الشروط الفاسدة، كما بُيِّنت في هذا الحديث، وأما
الأحاديث الدالّة على النهي عن المزارعة مطلقاً، فمحمولة على هذا النوع، أو
تكون محمولة على الندب والاستحباب، والحثّ على الخير، كما دلّ عليه
حديث ابن عبّاس ◌ًا المذكور، وبهذا يجتمع ما تعارض ظاهراً من أحاديث
هذه المزارعة، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(١) ((الفتح)) ١٤٨/٦ (كتاب الحرث والمزارعة)) رقم (٢٣٤٦ - ٢٣٤٧).
(٢) ((الفتح)) ١٤٨/٦ - ١٤٩ ((كتاب الحرث والمزارعة)) رقم (٢٣٤٦ - ٢٣٤٧).

٢٦٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حدیث رافع بن خَدیج
﴿به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٤٤/٢٠ و٣٩٤٥ و٣٩٤٦ و٣٩٤٧] (١٥٤٧)،
و(البخاريّ) في ((الحرث والمزارعة)) (٢٣٢٧ و٢٣٣٢) و((الشروط)) (٢٧٢٢)،
و(أبو داود) في ((المزارعة)) (٣٣٩٢ و٣٣٩٣)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٤٤/٧)
و((الكبرى)) (٩٨/٣)، و(ابن ماجه) في ((الرهون)) (٢٤٥٨)، و(أحمد) في
((مسنده)) (١٤٢/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٢/٦) و((الصغرى)) (٤٢٥/٥)
و((المعرفة)) (٥١٤/٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٤٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيِّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ يَقُولُ: كُنَّا أَكْثَرَ
الأَنْصَارِ حَقْلاً - قَالَ - كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ عَلَى أَنَّ لَنَا هَذِهِ، وَلَهُمْ هَذِهِ، فَرُبَّمَا
أَخْرَجَتْ هَذِهِ، وَلَمْ تُخْرِجْ هَذِهِ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْوَرِقُ فَلَمْ يَنْهَنَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، غير ((يحيى بن سعيد)) وهو:
الأنصاريّ، فتقدّم قبل خمسة أبواب.
وقوله: (كُنَّا أَكْثَرَ الأَنْصَارِ حَقْلاً) نُصِبَ على التمييز، وهو بفتح الحاء
المهملة، وسكون القاف: الأرض الْقَراح، وهي التي لا شجر بها، وقيل: هو
الزرع إذا تشغَّب ورَقه، ومنه أُخذت المحاقلة، وهي بيع الزرع في سُنبله
بحنطة، جمعه حُقُول، كفلس وفلوس، قاله الفيّوميّ ◌َظّهُ(١).
وقوله: (وَأَمَّا الْوَرِقُ فَلَمْ بَنْهَنَا) يعني أن النبيَّ وَّرِ لم ينههم عن الاكتراء
بالوَرِق، بكسر الراء؛ أي: بالدراهم.
(١) ((المصباح المنير)) ١٤٤/١.

٢٦٩
(٢١) - بَابٌ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُؤَاجَرَةِ - حديث رقم (٣٩٤٨)
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٤٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى،
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، جَمِيعاً عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا في السند الماضي، وفي البابين الماضيين، و((أبوالربيع))
هو: سليمان بن داود الْعَتكيّ الزهرانيّ، و((حمّاد)) هو: ابن زید.
[تنبيه]: رواية يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها البيهقيّ في
«الكبرى)) (٦/ ١٣٢) فقال:
(١١٥٠٣) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن
يعقوب، ثنا إبراهيم بن عبد الله السعديّ، أنبأ يزيد بن هارون، ثنا يحيى بن
سعيد؛ أن حنظلة بن قيس الأنصاريّ أخبره؛ أنه سمع رافع بن خَدِيج يقول:
كنا أكثر أهل المدينة مُزْدَرَعاً، وكنا نُكري الأرض بالناحية منها، تُسَمَّى لسيد
الأرض، فربما يصاب ذلك، وتصاب الأرض، وربما يَسْلَم ذلك، وتسلم
الأرض، قال: فُنُهينا عن ذلك، فأما الذهب والورق فلم يكن في ذلك الزمان.
انتھی.
ومعنى قوله: ((فلم يكن في ذلك الزمان)) يعني أنه لا يُكرَى بهما، ولا
يُتعامل بهما في المزارعة، وليس المراد نفي وجودهما في ذلك الزمان، فتنبّه،
والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٢١) - (بَابٌ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُؤَاجَرَةِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٤٨] (١٥٤٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِبَادٍ
(ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ،

٢٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَعْقِل عَنِ الْمُزَارَعَةِ؟ فَقَالَ:
أَخْبَرَنِ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ
أَبِي شَيْئَةَ: نَهَى عَنْهَا، وَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ مَعْقِلِ: وَلَمْ يُسَمِّ عَبْدَ اللهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْتَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦)،
أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل بابين.
٤ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٨]
(ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢.
٥ - (الشَّيْيَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقة
[٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٩/٣٨.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ السَّائِبِ) الْكِنديّ، ويقال: الشيبانيّ الكوفيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن أبيه، وزاذان الكنديّ، وعبد الله بن مَعْقِل بن مُقَرِّن، وعبد الله بن
قتادة المحاربيّ، الكوفيّ، وعن أبي هريرة، أو عن رجل عنه.
وروى عنه الأعمش، وأبو إسحاق الشيبانيّ، والعَوَّام بن حَوْشب، وأبو
سِنَان ضِرَار بن مُرَّة، وسفيان الثوريّ، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أحمد بن حنبل: سمع
منه الثوريّ ثلاثة أحاديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ووثقه العجليّ،
ومحمد بن عبد الله بن نُمَير، وغيرهما.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث،
وكرّره مرّتين، وله عند النسائيّ حديث في تبليغه وَّفيِ أمته.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَعْقِلٍ) - بفتح أوله، وسكون العين المهملة، بعدها
قاف - ابن مُقَرِّن المزنيّ، أبو الوليد الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت١٨٨) (ع)
تقدم في ((الزكاة)) ٢٣٤٧/٢٠.
٨ - (ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ) بن خليفة الأشهليّ الصحابيّ المشهور، مات
سنة (٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٠٩/٤٩.

٢٧١
(٢١) - بَابٌ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُؤَاجَرَةِ - حديث رقم (٣٩٤٩)
وقوله: (نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ) تقدّم أن المراد بالمزارعة المنهيّ عنها هي
التي اشتملت على الشروط الفاسدة، كأن يشترط صاحب الأرض لنفسه ما على
الماذيانات، أو الساقية، أو نحو ذلك، مما فيه غرر، وضرر، وأما إذا كانت
بشيء معلوم، كدنانير، ودراهيم معيّنة، أو بجزء معلوم، كالثلث، والربع،
والنصف، فلا منع في ذلك؛ لما يأتي بعد باب، من أن النبيّ وَّ عامل أهل
خيبر على نصف ما يخرج منها، ولما يدلّ عليه قوله في الرواية التالية: ((وأمر
بالمؤاجرة))، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث ثابت بن الضحاك طيه
المصنّف نَظّثهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٤٨/٢١ و٣٩٤٩] (١٥٤٩)، و(أحمد) في
(«مسنده)) (٣٣/٤)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٢٦/٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٤٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ،
أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: دَخَلْنَا
عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ، فَسَأَلْنَاهُ عَنِ الْمُزَارَعَةِ؟ فَقَالَ: زَعَمَ ثَابِتٌ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَاهـ
نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ، وَقَالَ: ((لَا بَأْسَ بِهَا))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج، تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ) الشيبانيّ، خَتَنُ أبي عوانة، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ) بالهمز، ويُبْدَل، قال
الطيبيّ ◌َّلهُ: التعريف فيهما للعهد، فالمعني بالمزارعة: ما عُلِمَ عدم جوازه،
وبالمؤاجرة عکسُ ذلك.

٢٧٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال الجامع عفا الله عنه: أراد الطيبيّ كَّلُ أن المراد بالنهي عن المزارعة
هي المزارعة التي تشتمل على الشروط الفاسدة، كما تقدّم بيانه مستوفّى،
وبالمؤاجرة هي مؤاجرة الأرض بالأجرة المعلومة، من الدنانير والدراهيم،
والجزء المعلوم، مما يؤدي إلى غرر، وإلحاق ضرر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا) أي: قال ثابت: لا بأس؛ أي: بالمؤاجرة
المعروفة، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أَثِبُ﴾ .
(٢٢) - (بَابٌ: فِيمَنْ رَأَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ إِنَّمَا هُوَ
مِنْ بَابِ الإِرْشَادِ إِلَى الأَفْضَلِ (١))
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخَّتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٠] (١٥٥٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ
عَمْرِو؛ أَنَّ مُجَاهِداً قَالَ لِطَّاوُسٍ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَاسْمَعْ مِنْهُ
الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ - قَالَ - فَانْتَهَرَهُ، قَالَ: إِنِّي وَاللهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ﴿ِ نَهَى عَنْهُ مَا فَعَلْتُهُ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ - يَعْنِ ابْنَ
عَبَّاسِ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((لأَنْ يَمْنَحَ الرَّجُلُ أَخَاهُ أَرْضَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ
يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرْجاً مَعْلُوماً))).
رجال الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْبَى بْنُ بَحْتَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (طَاؤُسُ) بن كيسان تقدّم قريباً.
(١) هكذا ترجم القرطبيّ كَثُّهُ، وترجم النووي، وغيره: (بَابُ الأَرْضِ تُمْنَحُ))، والأولى
أوضح، وأولى، والله تعالى أعلم.

٢٧٣
(٢٢) - بَابٌ: فِيمَنْ رَأَى أَنَّ الَّهْيَ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٥٠)
٥ - (ابْنُ عَبّاسٍ) ﴿
أهّ، تقدّم أيضاً قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو) بن دينار (أَنَّ مُجَاهِداً) هو ابن جَبر أبو الحجّاج المخزوميّ،
تقدّم قريباً (قَالَ لِطَاوُسٍ) بن كيسان (انْطَلِقْ) أي: اذهب (بِنَا إِلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ
خَدِيج) لم يُسمَّ، ولكن لا يضرّ ذلك بصحّة؛ لأنه في المتن، وليس في
الإسناد، وإنما نبّهت عليه، وإن كان واضحاً؛ لأن بعض من لم يمارس هذا
الفنّ ربّما يستشكل ذلك، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
وفي روايةٍ النسائيّ: (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ طَاؤُس يَكْرَهُ أَنْ
يُؤَاجِرَ أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا يَرَى بِالثُّلُثِ وَالرُّبُع بَأْساً، فقال له مجاهد:
اذهب بنا إلى ابن رافع بن خَديج ... ).
ولعل طاوساً حَمَل النهي على المؤاجرة بالذهب والفضّة، وأباح بالثلث
والربع؛ لأنه وَّ عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها.
ثم إن الظاهر أن مجاهداً إنما قال له ذلك؛ لئلا يتعامل بالمزارعة؛ لأنه
كان يُزارع، ومجاهد لا يرى ذلك، فأراد أن يقيم عليه الحجة في ذلك بما
يسمعه من حديث رافع بن خديج رَه بواسطة ابنه.
وهذا الذي رواه عمرو بن دينار مما جرى لمجاهد مع طاوس وقع له مثله
معه، كما سيأتي في الرواية التالية.
(فَاسْمَعْ مِنْهُ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴾ أي: الحديث الذي يحدّث به
عن أبيه، عنه ◌َل في النهي عن المخابرة، فإن المشهور في معنى المخابرة أنها
المعاملة على الأرض ببعض ما يخرُج منها، فتدخل في النهي الصورة التي يتعامل
بها طاوس، فأراد أن يَسْمَع الحديث، فيترك تلك المعاملة، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ كَُّهُ: ((قوله: ((فاسمع منه)) رُوي بوصل الهمزة مجزوماً على
الأمر، وبقطعها مرفوعاً على الخبر، وكلاهما صحيح، والأول أجود.
انتھی(١).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠/ ٢٠٧.

٢٧٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(قَالَ) عمرو بن دينار: (فَانْتَهَرَهُ) أي: زجر طاوس مجاهداً عما طلب منه
(قَالَ) طاوس: (إِنِّي وَاللهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ نَهَى عَنْهُ) أي: عن هذا
التعامل الذي أتعامله أنا في مؤاجرة الأرض (مَا فَعَلْتُهُ) هذا دليلٌ على أن
طاوساً لم يصدّق بحديث النهي عن المخابرة على إطلاقه، وذلك لأنه يعتقد أن
ابن عباس ﴿ً أعلم من رافع بن خديج ته، فرافع، وإن كان سمع ذلك إلا
أنه أجراه على ظاهره، وابن عبّاس حمله على التنزيه، وهو أعلم منه، فيقدّم ما
قاله، وقد سبق أن رافعاً به أيضاً قائل بهذا، على ما يدلّ عليه بعض
رواياته، فقد تقدّم أن حنظلة بن قيس سأله عن كراء الأرض بالذهب والورق،
فقال: لا بأس به، والله تعالى أعلم.
(وَلَكِنْ حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ) أي: من رافع بن خديج، وممن
حدّث بمثل حديثه وقوله: (يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ) العناية من بعض الرواة، ولم يتبيّن
لي من هو؟ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ قَالَ: ((لَأَنْ يَمْنَح) بفتح اللام؛ لأنها لام ابتداء،
و(يمنح)) بفتح النون، وكسرها؛ أي: يُعطي، قال الفيّوميّ: الْمِنْحَةُ بالكسر في
الأصل: الشاة، أو الناقة، يُعطيها صاحبها رجلاً، يشرب لبنها، ثم يردّها إذا
انقطع اللبن، ثم كثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ عطاء، ومَنَحْتُهُ مَنْحاً، من
بابي نفع، وضرب: أعطيتُهُ، والاسم الْمَنِيحَةُ. انتهى.
والمصدر الْمُؤَوَّل مبتدأ، خبره قوله: ((خير له))، فهو نظير قوله تعالى:
﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤].
(الرَّجُلُ أَخَاهُ أَرْضَهُ) فـ((الرجل)) مرفوع على الفاعليّة لـ((يمنح))، وقوله:
((أخاه)) مفعول أول له، و((أرضه)) مفعوله الثاني (خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا
خَرْجاً مَعْلُوماً))) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء؛ أي: أُجرة، قال الفيّوميّ:
الْخَرَاجِ، والْخَرْجُ: ما يَحصُلُ من غلّة الأرض، ولذا أطلق على الجزية.
انتھی.
والمعنى: أن إعطاءه الأرض لأخيه، لينتفع بها بدون عِوَضٍ أعظم
أجراً عند الله تعالى من أخذه أجراً معلوماً عليها، والله تعالى أعلم
بالصواب.

٢٧٥
(٢٢) - بَابٌ: فِيمَنْ رَأَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٥٠)
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩٥٠/٢٢ و٣٩٥١ و٣٩٥٢ و٣٩٥٣ و٣٩٥٤]
(١٥٥٠)، و(البخاريّ) في ((المزارعة)) (٢٣٣٠ و٢٣٤٢) و((الهبة)) (٢٦٣٤)،
و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٣٨٩)، و(الترمذيّ) في ((الأحكام)) (١٣٨٥)،
و(النسائيّ) في ((المزارعة)) (٣٦/٧) و((الكبرى)) (٩٢/٣)، و(ابن ماجه) في
((الأحكام)) (٢٤٥٦ و٢٤٥٧ و٢٤٦٢ و٢٤٦٤)، و(الطيالسيّ) في («مسنده))
(٣٤٠/١)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٨/٨)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(٢٣٦/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨١/١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير))
(٢٦٥/٤ و١٣/١١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٣/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز المزارعة، لقول ابن عبّاس ﴿ه، كما في رواية الشيخين:
((إن النبيّ وَّه لم يَنْهَ عنه))؛ أي: لم يحرّمه، كما صرّح الترمذيّ به في روايته.
٢ - (ومنها): استحباب المواساة بمنح الأرض لمن لا يجدها بدون
عوض؛ لقوله وهي: ((لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه إلخ)).
٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أن طاوساً يرى ابن عبّاس ﴿يا أعلم من
رافع بن خَدِيج ◌َظُه، وهو كذلك، فإنه كان يلقّب بالحبر والبحر؛ لسعة علمه
بسبب دعوة النبيّ وَّي، بقوله: ((اللَّهم فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل))، كما
رواه أحمد في («مسنده))، وقد بُيّن سببُ ذلك فيما رواه الشيخان عن ابن
عبّاس ◌َ﴿ُها، قال: إن النبي وَّ، أتى الخلاء، فوضعت له وَضُوءاً، فلما خرج،
قال: ((من وضع هذا؟))، قالوا: ابن عباس، قال: ((اللَّهم فقّهه في الدين)). وفي
رواية ابن ماجه في ((سننه)): قال: ضمّني رسول الله وَ ار إليه، وقال: ((اللَّهم
علّمه الحكمة، وتأويل الكتاب)).
٤ - (ومنها): ما كان عليه السلف من التباحث في المسائل الفقهيّة،
واحتجاج بعضهم على بعض؛ إرادة التوصّل إلى ظهور الحقّ، لا لحبّ
المحمدة، والتعالي على الأقران، والله تعالى أعلم بالصواب.

٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذّلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، وَابْنُ
طَاوُسٍ، عَنْ طَاوُسٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يُخَابِرُ، قَالَ عَمْرُو: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
لَوْ تَرَكْتَ هَذِهِ الْمُخَابَرَةَ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ، فَقَالَ:
أَيْ عَمْرُو، أَخْبَرَنِي أَعْلَمُهُمْ بِذَلِكَ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - أَنَّ النَّبِيَِّ ◌َهْ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا،
إِنَّمَا قَالَ: ((يَمْتَحُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرْجاً مَعْلُوماً))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم
المكيّ، تقدّم قريباً.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل باب.
٣ - (ابْنُ طَاؤُسٍ) هو: عبد الله بن طاوس، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَمْ يَنْهَ عَنْهَا) أي: عن المخابرة - أي: المزارعة بجزء مما يخرُج
من الأرض، ولم يُرِد ابن عبّاس بذلك نفي الرواية المثبتة للنهي مطلقاً، وإنما
أراد أن النهي الوارد عنه ليس على حقيقته، وإنما هو على الأولويّة. وقيل:
المراد أنه لم ينه عن العقد الصحيح، وإنما نهى عن الشرط الفاسد، لكن قد
وقع في رواية الترمذيّ: ((أن النبيّ وَ﴿ لم يُحرّم المزارعة))، فيقوّي التأويل
الأول، أفاده في ((الفتح)) (١).
وقوله: ((يَمْنَحُ) بتقدير حرف مصدريّ؛ أي: أن يمنح، وهو كقوله
تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ يُرِيِكُمُ الْبَّقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، ومنهم قولهم: ((تسمع
بالمعيديّ خير من أن تراه)).
وقوله: (خَرْجاً مَعْلُوماً) أي: أجرة، زاد ابن ماجه، والإسماعيليّ، عن
طاوس: ((وإن معاذ بن جبل أقرّ الناس عليها عندنا))، يعني باليمن.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٣٠/٦.

٢٧٧
(٢٢) - بَابٌ: فِيمَنْ رَأَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٥٢)
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَّقُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ (ح)
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ وَكِيعِ، عَنْ
سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج (ح) وَحَدََّنِي
عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَرِيكِ، عَنْ شُعْبَّةَ، كُلُّهُمْ عَنْ
عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ وَِّ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من
كبار [٩] (ت١٩٢) (ع) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٣٦/٢٦.
٢ - (شَرِيُك) بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ القاضي، أبو عبد الله، صدوقٌ
يُخطىء كثيراً، وتغيّر منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلاً فاضلاً عابداً شديداً
على أهل البِدَع (خت م ٤) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٣٠/٣٦.
والباقون كلّهم تقدّموا قريباً، و(الثقفيّ)) هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد،
و((أيوب)) هو: السَّختيانيّ، و((سفيان)) هو: الثوريّ.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) أي: كلّ هؤلاء الأربعة، وهم: أيوب
السختيانيّ، وسفيان الثوريّ، وابن جريج، وشعبة رووا هذا الحديث عن
عمرو بن دینار بسنده المذكور.
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) هكذا النسخ بضمير الجماعة، وهو يرجع إلى
حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة في الإسنادين السابقين، وهو جائز على قول
من يرى أقلّ الجمع اثنين، وهو الصحيح، كما أوضحته في ((التحفة المرضيّة))،
و((شرحها)).
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن عمرو، ساقها ابن ماجه في ((سننه))
(٨٢٣/٢) فقال:
(٢٤٦٤) - حدثنا أبو بكر بن خَلّاد الباهليّ، ومحمد بن إسماعيل، قالا :
ثنا وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، قال: قال ابن عباس:

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
إنما قال رسول الله وَر: ((لأن يمنح أحدكم أخاه الأرض خير له من أن يأخذ
خراجاً معلوماً)). انتهى.
وأما رواية ابن جريج، عن عمرو، فقد ساقها أيضاً ابن ماجه تَخُّْهُ في
((سننه)) (٨٢١/٢) فقال:
(٢٤٥٦) - حدّثنا محمد بن رُمح، أنا الليث بن سعد، عن
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن
ابن عباس؛ أنه لَمّا سَمِع إكثار الناس في كراء الأرض قال: سبحان الله،
إنما قال رسول الله وَله: «أَلَا مَنَحَها أحدكم أخاه»، ولم ينه عن كرائها.
انتھی.
وأما روايتا أيوب، وشعبة كلاهما عن عمرو بن دينار، فلم أر من
ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - قَالَ عَبْدٌ:
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِّ طَاوُسٍ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ ﴿ قَالَ: ((لأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَرْضَهُ خَيْرٌ لَهُ
مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا كَذَا وَكَذَ)). لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ
الْحَقْلُ (١)، وَهُوَ بِلِسَانِ الأَنْصَارِ الْمُحَاقَلَةُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا قريباً.
وقوله: (لِشَيْءٍ مَعْلُوم) تفسير من بعض الرواة لكناية ((كذا وكذا)).
وقوله: (هُوَ الْحَقْلُ) وفي بعض النسخ: ((لهو الحقل))، يعني أن إكراء
الأرض بشيء معيّن هو الحق المعبّر عنه في ألسنة الأنصار بالمحاقلة.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم.
(١) وفي نسخة: ((لهو الحقل)).

(٢٢) - بَابٌ: فِيمَنْ رَأَى أَنَّ الَّهْيَ عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٥٤)
٢٧٩
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا
عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدٍ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ
عَبْدِ الْمَلِكِ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ وَِّ قَالَ: ((مَنْ كَانَتْ
لَهُ أَرْضٌ، فَإِنَّهُ أَنْ يَمْنَحَهَا (١) أَخَاهُ خَيْرٌ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنديّ، صاحب
((المسند))، ثقةُ حافظ، متقنٌّ، فاضلٌ [١١] (ت٢٥٥) (م د ت) تقدم في
((المقدمة)) ٢٩/٥.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ الرَّقِّيُّ) أبو عبد الرحمن القرشيّ مولاهم، ثقةٌ تغيّر
بآخره، ولم يفحش اختلاطه [١٠].
رَوَى عن عبيد الله بن عمرو، وأبي المليح الحسن بن عمر الرقيّ،
وعبد العزيز الدَّراوَرْديّ، ومعتمر بن سليمان، وموسى بن أعين، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، وأبو الأزهر النيسابوريّ،
وإسماعيل بن عبد الله الرقيّ، وعلي بن الحسين الرقيّ، والدارميّ، وعمرو
الناقد، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقةٌ، وهو أحب إلي من عليّ بن معبد الذي كان بمصر،
وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأس قبل أن
يتغير، ووثقه العجليّ.
وقال هلال بن العلاء: ذهب بصره سنة (٢١٦) وتغيّر سنة (٢١٨) ومات
سنة (٢٢٠)، وكذا أرّخ وفاته أبو داود وغيره، وكذا قال ابن حبان في ((الثقات))،
لكن لم يذكر تاريخ عماه، وقال: لم يكن اختلاطه فاحشاً، وربما خالف.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم
(١٥٥٠) و(١٧٢٣) و(٢٠٤٠) و(٢٩٤٦).
(١) وفي نسخة: ((إن منحها)).

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو) بن أبي الوليد الأسديّ الجزريّ، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
٤ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) تقدّم أيضاً قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (عَبْدُ الْمَلِكِ أَبو زَيْدٍ) هو: عبد الملك بن ميسر الهلاليّ، أبو زيد
العامريّ الكوفيّ الزّرّاد، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وأبي الطُّفيل، وزيد بن وهب، وطاووس، وسعيد بن
جبير، ومجاهد، وعطاء، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، ومِسْعَر، ومنصور بن المعتمر، وزيد بن أبي أنيسة،
وسليمان بن بلال، وموسى بن مسلم الصغير، وغيرهم.
قال ابن معين، وابن خِرَاش، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقة
صدوق، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن سعد: هو مولى هلال بن
عامر، وكان ثقةً كثير الحديث، تُؤُفّي زمن خالد بن عبد الله، يعني القسريّ،
وقال العجليّ، وابن نُمير: كوفيّ ثقةٌ، وذكره البخاريّ في ((الأوسط)) فيمن مات
في العشر الثاني من المائة الثانية.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم
(١٥٥٠) و(٢٠٧١) و(٢٨٨٣).
[تنبيه]: وقع في النسخ التي بين يديّ كلها هنا غلط في هذا الاسم،
فوقع في بعضها: ((عن عبد الملك بن زيد))، وفي بعضها: ((عن عبد الملك بن
أبي زيد))، وكلاهما غلط، والصواب: ((عن عبد الملك أبي زيد)»، فأبو زيد
كنية عبد الملك، وأما أبوه، فاسمه ميسرة، كما مرّ آنفاً، وقد بيّن ذلك الحافظ
المزّيّ كَّثُ في ((تحفته))(١)، فتنبّه.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَإِنَّهُ أَنْ يَمْنَحَهَا أَخَاهُ خَيْرٌ) ضمير ((فإنه)) للشأن، و((أن يمنحها)) في
تأويل المصدر مبتدأ، خبره ((خيرٌ))، و((أخاه)) مفعول أول لـ((يمنح))، والثاني
قوله: ((ها)) مقدّماً.
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)» ٤٢٢/٤.