النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(١٦) - بَابُ مَنْ بَاعَ نَخْلاً عَلَيْهَا ثَمَرٌ - حديث رقم (٣٨٩٨)
يد العبد شيء من مال السيد، فأضيف ذلك المال إلى العبد؛ للاختصاص،
والانتفاع، لا للملك، كما يقال: جُلّ الدابة، وسَرْج الفرس، وإلا فإذا باع
السيد العبد فذلك المال للبائع؛ لأنه مُلكه، إلا أن يشترطه المبتاع، فيصحّ؛
لأنه يكون قد باع شيئين: العبد، والمال الذي في يده، بثمن واحد، وذلك
جائز، قالا: ويشترط الاحتراز من الربا، قال الشافعيّ: فإن كان المال دراهم،
لم يجز بيع العبد وتلك الدراهم بدراهم، فكذا إن كان دنانير لم يجز بيعها
بذهب، وإن كان حنطة لم يجز بيعها بحنطة.
وقال مالك: يجوز أن يشترط المشتري، وإن كان دراهم، والثمن
دراهم، وكذلك في جميع الصور؛ لإطلاق الحديث، قال: وكأنه لا حصة
للمال من الثمن. انتهى.
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: في الحديث دليل على صحة قولنا: إن العبد يملك،
خلافاً للشافعيّ، وأبي حنيفة، حيث قالا: إنه لا يملك، وقد تقدَّم ذلك.
ويلتحق بالبيع في هذا الحكم كل عقد معاوضةٍ؛ كالنكاح، والإجارة، فأما
العتق فيتبع العبدَ فيه مالُهُ؛ لِمَا رواه أبو داود عن ابن عمر ﴿ّ قال: قال
رسول الله وَج: ((من أعتق عبداً، وله مال، فمال العبد له، إلا أن يشترط
السَّيد))(١)، وقد رواه مالك في ((الموطأ))(٢) موقوفاً على ابن عمر ﴿يا، ولا
يضره الوقف، فإن المرفوع صحيح السند، وهذا الحديث حجة على أبي
حنيفة، والشافعيّ، حيث قالا: إن المال في العتق للسيد، فأمَّا في الصدقة
والهبة، فهل يتبعه ماله فيهما، أو لا؟ قولان، سببهما تردّدهما بين البيع
والعتق؛ إذ فيهما شَبَهُ من كل واحد منهما، وذلك: أن الهبة، والصدقة خروج
من ملك إلى ملك، فأشبهت البيع، وخروج عن ملك بغير عوض، فأشبهت
العتق، والأرجح: إلحاقها بالبيع، وقطعها عن العتق؛ لاختصاص العتق بمعنى
لا يوجد في غيره، على ما قد أوضحه أصحابنا في كتبهم.
وأما الجناية: فالمال فيها تبع للرَّقبة، فينتقل بانتقالها؛ لأن العبد الجاني
(١) رواه أحمد في ((مسنده)) (٣٩٦٢)، وابن ماجه (٢٥٢٩).
(٢) راجع: ((الموطإ)» (٧٧٥/٢).

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
إذا كان له مال فالجناية فيه، فإن وسع الجناية بقيت الرقبة لسيده، وإن لم يكن
له مال؛ تعلَّقت برقبته، فكان الرقبة مرجع عند العدم. انتهى كلام
القرطبيّ كَُّ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقال العلّامة ابن قدامة ◌َظُّ: إذا باع السيّد عبده، أو جاريته، وله مال،
ملّكه إياه مولاه، أو خصه به، فهو للبائع؛ لما رَوَى ابنُ عمر ﴿مَا؛ أن
رسول الله ◌َ، قال: ((من باع عبداً، وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه
المبتاع))، متفقٌ عليه، ولأن العبد، وماله للبائع، فإذا باع العبد، اختَصّ البيع به
دون غيره، كما لو كان له عبدان، فباع أحدهما، وإن اشترطه المبتاع، كان له
للخبر، وروى ذلك نافع عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب ﴿ها، وقَضَى به
شُرَيح، وبه قال عطاء، وطاوس، ومالك، والشافعيّ، وإسحاق، وقال
الْخِرَقيّ: إذا كان قصده للعبد لا للمال، هذا منصوص أحمد، وهو قول
الشافعيّ، وأبي ثور، وعثمان الْبَتّيّ، ومعناه أنه لا يقصد بالبيع شراء مال
العبد، إنما يقصد بقاء المال لعبده، وإقراره في يده، فمتى كان كذلك صح
اشتراطه، ودخل في البيع به، سواء كان المال معلوماً، أو مجهولاً، من جنس
الثمن، أو من غيره، عيناً كان أو ديناً، وسواء كان مثل الثمن، أو أقل، أو
أكثر، قال البتي: إذا باع عبداً بألف درهم، ومعه ألف درهم، فالبيع جائز، إذا
كانت رغبة المبتاع في العبد، لا في الدراهم، وذلك لأنه دخل في البيع تبعاً
غير مقصود، فأشبه أساسات الحيطان، والتمويه بالذهب في السقوف، فأما إن
كان المال مقصوداً بالشراء، جاز اشتراطه، إذا وجدت فيه شرائط البيع من
العلم به، وأن لا يكون بينه وبين الثمن رباً، كما يعتبر ذلك في العينين
المبيعتين، لأنه مبيع مقصود، فأشبه ما لو ضَمّ إلى العبد عيناً أخرى وباعهما،
وقال القاضي: هذا ينبني على كون العبد يملك، أو لا يملك، فإن قلنا: لا
يملك فاشترط المشتري ما له صار مبيعاً معه، فاشتُرِط فيه ما يشترط في سائر
المبيعات، وهذا مذهب أبي حنيفة، وإن قلنا: يملك احتُمِلت فيه الجهالةُ
وغيرها، مما ذكرنا من قبلُ؛ لأنه تبع في البيع، لا أصل، فأشبه طيّ الآبار،
(١) ((المفهم)) ٣٩٩/٤ - ٤٠٠.

١٨٣
(١٦) - بَابُ مَنْ بَاعَ نَخْلاً عَلَيْهَا ثَمَرٌ - حديث رقم (٣٨٩٨)
وهذا خلاف نصّ أحمد، وقولِ الخرقيّ؛ لأنهما جعلا الشرط الذي يختلف
الحكم به، قصد المشتري دون غيره، وهو أصح إن شاء الله تعالى، واحتمال
الجهالة فيه؛ لكونه غير مقصود كما ذكرنا؛ كاللبن في ضرع الشاة المبيعة،
والحمل في بطنها، والصوف على ظهرها، وأشباه ذلك، فإنه مبيع، ويُحتَمَل
فيه الجهالة وغيرها؛ لِمَا ذكرنا، وقد قيل: إن المال ليس بمبيع ههنا، وإنما
استبقاء المشتري على ملك العبد، لا يزول عنه إلى البائع، وهو قريب من
الأول. انتهى كلام ابن قدامة ◌َّفُ (١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم.
[تنبيه]: قال النوويّ ◌َّلُ: وفى هذا الحديث دليل للأصحّ عند الشافعيّة
أنه إذا باع العبد، أو الجارية، وعليه ثيابه، لم تدخل في البيع، بل تكون
للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع؛ لأنه مال في الجملة، وقال بعضهم: تدخل،
وقال بعضهم: يدخل ساتر العورة فقط، والأصح أنه لا يدخل ساتر العورة ولا
غيره؛ لظاهر هذا الحديث، ولأن اسم العبد لا يتناول الثياب. انتهى كلام
النوويّ ◌َُّ(٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم، هل يملك العبد المال، أم
لا؟
ذهب عامّة أهل العلم، إلى أنه لا يملك شيئاً، إذا لم يُمَلِّكه سيده، وقال
أهل الظاهر: يملك؛ لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُم مَّا فِ الْأَرْضِ
جَمِيعًا﴾ الآية [البقرة: ٢٩]، وقول النبيّ وَّطاهر: ((من باع عبداً، وله مال))، فأضاف
المال إليه بلام التمليك.
واحتجّ الأولون بقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى
شَىْءٍ﴾ الآية [النحل: ٧٥]، ولأن سيده يَملِك عينه ومنافعه، فما حصل بذلك
يجب أن يكون لسيده كبهيمته، قال الموفّق: فأما إن ملّكه سيده شيئاً، ففيه
روايتان:
(١) ((المغني)) ٢٥٧/٦ - ٢٥٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٩١/١٠ - ١٩٢.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
[إحداهما]: لا يملكه، وهو ظاهر قول الخرقيّ، فإنه قال: والسيد
يُزَكّي عما في يد عبده؛ لأنه ملكه، وقال: والعبد لا يرث، ولا مال له،
فيورث عنه، وهو اختيار أبي بكر، وقولُ أبي حنيفة، والثوريّ، وإسحاق،
والشافعيّ في الجديد؛ لأنه مملوك، فلم يملك كالبهيمة. [والثانية]: يملك،
قال الموفّق: وهي أصح عندي، وهو قول مالك، والشافعيّ في القديم؛
للآية، والخبر، ولأنه آدميّ حيّ، فمَلَك كالحرّ، ولأنه يملك في النكاح،
فملك في المال كالحرّ، ولأنه يصح الإقرار له، فأشبه الحرّ، وما ذكروه
تعليل بالمانع، ولا يثبت اعتباره، إلا أن يوجد المقتضي في الأصل، ولم
يوجد في البهيمة ما يقتضي ثبوت الملك لها، وإنما انتفى ملكها؛ لعدم
المقتضي له، لا لكونها مملوكة، وكونها مملوكة عديم الأثر، فإن سائر
البهائم التي ليست مملوكة، من الصيود والوحوش، لا تملك، وكذلك
الجمادات، وإذا بطل كون ما ذكروه مانعاً، وقد تحقق المقتضي، لزم ثبوت
حكمه - والله أعلم. انتهى كلام ابن قدامة كَخَذُ(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّاً،
والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٩٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، غير سفيان بن عيينة، فتقدّم قبل باب.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها النسائيّ في
((المجتبى)) (٢٩٧/٧) فقال:
(٤٦٣٦) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا سفيان، عن الزهريّ،
عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ وَّر قال: ((من ابتاع نخلاً بعد أن تُؤَبَّر فثمرتها
(١) ((المغني)) ٢٥٩/٦ - ٢٦٠.

١٨٥
(١٧) - بَابُ الَّهْي عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٠١)
للبائع، إلا أن يشترط المبتاع، ومن باع عبداً، وله مالٌ، فماله للبائع، إلا أن
يشترط المبتاع)). انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذِفُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٠٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ بَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ أَبَاهُ قَالَّ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب والذي قبله، إلا ((حرملة بن يحيى))، فتقدّم قبل
بابین.
[تنبيه]: رواية يونس بن يزيد الأيليّ، عن ابن شهاب هذه لم أجد من
ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ ◌ِللهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٧) - (بابُ النَّهْي عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ، وَهُوَ
بَيْعُ السِّنِينَ (١))
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٠١] (١٥٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ
نُمَيْرِ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا جَمِيعاً: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ
عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ لَّهِ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمَّزَّابَثَةِ،
وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا يُبَاعُ إِلَّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إِلَّا
الْعَرَايَا).
(١) هكذا ترجم القرطبيّ تَقْذَلُهُ، وهو الأليق، كما لا يخفى على من تأمله، خلاف ما
ترجم به النوويّ ومن تبعه، فإنه تكرار لما سبق، فتنبّه.

١٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنِ جُرَيْج) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قريباً.
٢ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
٣ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ) ﴿هَا، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ﴾ ﴿َا أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِوَهِ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ)
قال في (الفتح)): قال أبو عبيد: المحاقلة: بيع الطعام في سنبله بالبرّ، مأخوذ
من الحقل، وقال الليث: الحقل: الزرع إذا تشعّب من قبل أن يغلظ سُوقه،
والمنهيّ عنه بيع الزرع قبل إدراكه، وقيل: بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها، وقيل:
بيع ما في رؤوس النخل بالتمر، وعن مالك: هو كراء الأرض بالحنطة، أو
بكيل طعام، أو إدام، والمشهور أن المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تُنبت.
انتھی(١).
وقال القرطبيّ تَّثُ: هي: مفاعلة من الحقل، وهي المزارعة، كما قال
النبيّ وَ﴿ للأنصار: ((ما تصنعون بمحاقلكم؟))، يعني: مزارعهم، وفي مثل
العرب: لا تُنبت البقلةَ إلا الحقلةُ، وهي التي تسمى في العراق: القراح، وقال
الليث: هي بيع الزرع قبل أن يغلظ، وقال أبو عبيد: هي بيع الطعام في سنبله
بالبر، وقال قوم: هي المزارعة بالجزء مما تنبته الأرض، وسيأتي القول في
کراء الأرض. انتهى.
وقال في موضع آخر بعد ذلك: قد تقدَّم القول في أصل اشتقاق
المحاقلة، وقد فسَّرها هنا جابر بأنَّها بيع الزرع القائم بالحب كيلاً، وقال
الجوهريّ في ((الصحاح)): المحاقلةُ: بيع الزرع في سنبله بالبرِّ، وقد نُهِي عنه،
قال: وهذا يرجع إلى المزابنة، كما قدمناه، وقد فَسَّرها غيره بأنها كراء الأرض
(١) ((الفتح)) ٦٨٤/٥.

١٨٧
(١٧) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٠١)
بما يخرج منها، وهو الذي صار إليه أصحابنا. انتهى كلام القرطبيّ تَذّهُ(١).
وقال الفيّوميّ ◌َخْدَةُ: الْحَقْل: الأرضِ الْقَرَاحُ، وهي التي لا شجر بها،
وقيل: هو الزرع إذا تشعّب ورقه، ومنه أُخذت المحاقله، وهي بيع الزرع في
سُنبله بحنطة، وجمعه حُقُولٌ، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس. انتهى(٢).
وقال ابن الأثير تَّقُ: المحاقلة مختلف فيها، قيل: هي اكتراء الأرض
بالحنطة، هكذا جاء مفسّراً في الحديث، وهو الذي يسمّيه الزرّاعون:
المحارثة، وقيل: هي المزارعة على نصيب معلوم؛ كالثلث، والربع،
ونحوهما، وقيل: هي بيع الطعام في سنبله بالبرّ، وقيل: بيع الزرع قبل إدراكه،
وإنما نُهي عنها؛ لأنها من المكيل، ولا يجوز فيه إذا كان من جنس واحد، إلا
مِثلاً بمثل، ويداً بيد، وهذا مجهولٌ، لا يُدرى أيهما أكثر. انتهى(٣).
(وَالْمُزَابَنَةِ) هي: بيع الرُّطَب في رؤوس النخل بالتمر، وأصله من الزَّبْنِ،
وهو الدّفْعُ، كأن كلّ واحد من المتبايعين يزيِنُ صاحبه عن حقّه بما يزداد منه،
وإنما نُهي عنها؛ لِمَا يقع فيها من الغبن، والجهالة، قاله ابن الأثير تَظَّقُ(٤)،
وقد تقدّم تمام البحث فيها في بابها، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(وَالْمُخَابَرَةِ) قال ابن الأثير تَُّ: قيل: هي المزارعة على نصيب معيّن؛
كالثلث، والربع، وغيرهما، والْخُبْرة: النصيب، وقيل: هو من الْخَبَار: الأرض
اللّنة، وقيل: أصل المخابرة من خيبر؛ لأن النبيّ وَ ﴿ أقرّها في أيدي أهلها
على النصف من محصولها، فقيل: خابرهم؛ أي: عاملهم في خيبر. انتهى (٥).
وقال القرطبيّ تَّتُهُ: فأمَّا المخابرة فمأخوذة من الخبرة - بضم الخاء -
وهو النصيب، هكذا حكاه أهل اللغة، وأنشدوا عليه [من الطويل]:
إِذَا مَا جَعَلْتَ الشَّاةَ لِلنَّاسِ خُبْرَةً فَشَأْنَكَ إِنِّي ذَاهِبٌ لِشُؤونِي
وقال ابن الأعرابي: أصل المخابرة مأخوذ من خيبر؛ لأن النبيّ وَلّ كان قد
أقرها في أيدي أهلها على النصيب منها، فقيل: خابرهم؛ أي: عاملهم في خيبر.
(١) ((المفهم)) ٣٩١/٤ - ٣٩٢ و٤٠١.
(٣) ((النهاية)) ٤١٦/١.
(٥) ((النهاية)) ٢/ ٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ١٤٤/١.
(٤) ((النهاية)) ٢٩٤/٢.

١٨٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال القرطبيّ: وعلى هذا فلا تكون المخابرة منهيّاً عنها، وقد ثبت النهي
عنها فهي غيرها، والصحيح ما حكاه الجوهريّ وغيره: أن المخابرة هي
المزارعة بجزء مما يخرج من الأرض، وهو: الخِبْر أيضاً - بالكسر - ويشهد له
ما ذكرناه آنفاً عن اللغويين، وعلى هذا فيكون الفرق بين المحاقلة والمخابرة:
أن المحاقلة كراء الأرض بما يخرج منها مطلقاً، والمخابرة: كراؤها بجزء مما
يخرج منها؛ كثلث وربع، وقد قال بعض الناس: إنهما بمعنى واحد،
والمشهور ما ذكرناه، وهو الأولى، والله تعالى أعلم. انتهى كلام
القرطبيّ كَذَهُ(١).
وقال النوويّ نَّثُهُ: وأما المخابرة، فهي والمزارعة متقاربتان، وهما
المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع؛ كالثلث، والربع، وغير
ذلك من الأجزاء المعلومة، لكن في المزارعة يكون البذر من مالك الأرض،
وفى المخابرة يكون البذر من العامل، هكذا قاله جمهور أصحابنا، وهو ظاهر
نصّ الشافعيّ، وقال بعض أصحابنا، وجماعة من أهل اللغة، وغيرهم: هما
بمعنىَ، قالوا: والمخابرة مشتقة من الْخَبِير، وهو الأَثَّار أي: الفَلّاح، هذا قول
الجمهور، وقيل: مشتقة من الْخَبَار، وهي الأرض اللَّيِّنة، وقيل: من الْخُبْرة،
وهي النصيب، وهي بضم الخاء، وقال الجوهريّ: قال أبو عبيد: هي النصيب
من سَمَك، أو لحم، يقال: تَخَبَّروا خُبْرَةً: إذا اشتَرَوَا شاةً، فذبحوها،
واقتسموا لحمها، وقال ابن الأعرابيّ: مأخوذة من خيبر؛ لأن أول هذه
المعاملة كان فيها، وفى صحة المزارعة والمخابرة خلاف مشهور للسلف،
وسنوضحه فى بابٍ بعده - إن شاء الله تعالى. انتهى(٢).
(وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ) تقدّم شرح هذه الجملة في بابها، وفي
الرواية الآتية: ((وَعن بَيْع الثَّمَرَةِ، حَتَّى تُظْعِمَ)) بضمّ أوله مبنيّاً للفاعل، من
الإطعام: يقال: أطعمتَ الشجرة بالألف: أدرك ثمرها(٣)، والمعنى: حتى
تصير صالحةً للأكل.
(١) ((المفهم)) ٤٠١/٤.
(٢) ((شرح النوويّ ١٩٢/١٠ - ١٩٣.
(٣) ((المصباح المنير)) ٣٧٣/٢، و((القاموس المحيط)) ١٤٤/٤.

١٨٩
(١٧) - بَابُ النَّهْي عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٠١)
(وَلَا يُبَاعُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم) المراد أنها تباع بالعروض، وإنما خصّ
الدينار والدرهم؛ لأنهما أكثر ما يتعامل به الناس، فتنبّه.
(إِلَّا الْعَرَايَا) قال النوويّ ◌َُّهُ: معناه: لا يباع الرُّطَب بعد بُدُوّ صلاحه
بتمر، بل يُباع بالدينار والدرهم وغيرهما، والممتنع إنما هو بيعه بالتمر إلا
العرايا، فيجوز بيع الرُّطب فيها بالتمر بشرطه السابق في بابه. انتهى(١).
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: قوله: ((نهى عن بيع الثمرة حتى تطعم، ولا تباع إلا
بالدراهم أو الدنانير إلا العرايا))؛ هذا المساق فيه تشبيجٌ(٢) بالتقديم والتأخير،
وذلك لا يجوز بالاتفاق، لا بهما، ولا بالعُروض إلا على شرط القطع، فيجوز
بالعين، والعَرَض، فلا يصح أن يكون ذلك استثناء من بيع الثمرة بوجه، وإنما
يصح رجوع الاستثناء للمحاقلة، والمخابرة، فإنها هي التي نهي عن بيعها إلا
بالعین، کما یأتي بعد هذا في حدیث رافع بن خديج
حيث قال: ((أما
ضُمُ عَنْه
بالذهب والورِق فلا بأس به)).
وقال: وقوله: ((إلا العرايا)) مستثنى من المزابنة، كما جاء في الحديث
المتقدِّم، وترتيب هذا الحديث أن يقال: نَهَى عن المحاقلة، والمخابرة إلا
بالدنانير أو الدراهم، وعن المزابنة إلا العرايا، وهذا واضح، والله أعلم.
انتهى كلام القرطبيّ تَّهُ(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: لا حاجة إلى دعوى التقديم والتأخير، بل
المعنى صحيح بدون ذلك، والاستثناء من بيع الثمر، وليس من المزابنة،
نَهَى أولاً عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، ومفهومه أنه يجوز بيعه بعد بدوّ
صلاحه، ثم استثنى من هذا، فبيّن: لا يجوز بيعه بعد بدوّ الصلاح
بجنسه، وإنما يباع بالدينار والدرهم، ثم استثنى من هذا الاستثناء العرايا،
فإنه يجوز بيعها بجنسها؛ للحاجة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٩٣/١٠ - ١٩٤.
(٣) ((المفهم)) ٤٠٢/٤.
(٢) أي تخليط.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله يا هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧ /٣٩٠١ و ٣٩٠٢ و ٣٩٠٣ و٣٩٠٤ و ٣٩٠٥
و٣٩٠٦ و٣٩٠٧] (١٥٣٦)، (والبخاريّ) في ((الزكاة)) (١٤٨٧) و((البيوع))
(٢١٩٦)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٣٧٠)، و(الترمذيّ) في ((البيوع))
(١٢٩٠)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٦٣/٧ - ٢٦٤) و((الكبرى)) (٩٣/٣ و٩٤
و٩٥ و٩٦ و٢٠/٤ و٤٤)، و(ابن ماجه) في ((التجارات)) (٧٦٢/٢)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٤٦/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٢٩/٧)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٣٢٠/٣ و٣٦١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٠٦/٣)،
و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٤٩٩٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٦٩/٦)،
و(أبو يعلى) في («مسنده)) (٣٤١/٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (١٥٣/١)،
و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٤٨/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠١/٥)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٠٧١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم المحاقلة، وسيأتي في تفسیر جابر څبه أن يباع
الحقل؛ أي: الزرع بكيل من الطعام معلوم.
٢ - (ومنها): بيان تحريم المزابنة، ويأتي بعد حديث أنها بيع الرُّطَب في
النخل بالتمر کیلاً .
٣ - (ومنها): بيان تحريم المخابرة أن الأرجح في معناها أنها كراء
الأرض ببعض ما يخرج منها، وسيأتي تمام البحث في ذلك في الباب التالي -
إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): بیان تحریم بيع الثمر حتى يبدو صلاحه.
٥ - (ومنها): بيان أن الثمر لا يباع بعد بدوّ صلاحه بجنسه، وإنما يباع
بالدينار والدرهم، ونحو ذلك، مما ليس من جنسه.
٦ - (ومنها): بيان جواز بيع العرايا بجنسها من التمر، وهو مستثنى من تحريم
المزابنة؛ لحاجة الفقير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

١٩١
(١٧) - بَابُ الَّهْيِ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَّةِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٠٢ -٣٩٠٣)
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَُّ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٠٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِم، أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ، عَنْ عَطَاءٍ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِّ يَقُولُ: نَهَى
رَسُولُ اللهِّهِ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩)
(خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٢ - (أَبُو عَاصِم) الضحّاك بن مَخْلَد النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩]
(ت٢١٢) (ع) تقدم فيَّ ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن ابن جريج هذه لم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٠٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ
بَزِيدَ الْجَزَرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ ◌ِّ نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ، وَالْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى
تُطْعِمَ، وَلَا تُبَاعُ إِلَّ بِالدَّرَاهِم وَالدَّتَانِيرِ، إِلَّ الْعَرَابَا، قَالَ عَطَاءٌ: فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ(١)
قَالَ: أَمَّا الْمُخَابَرَةُ فَالأَرْضُ الْبَيْضَاءُ، يَدْفَعُهَا الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ، فَيُنْفِقُ فِيهَا، ثُمَّ
يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَرِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِي النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً، وَالْمُحَاقَلَةُ
فِي الزَّرْعِ عَلَى نَحْرِ ذَلِكَ، يَبِيعُ الَّرْعَ الْقَائِمَ (٢) بِالْحَبِّ تَيْلاً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مَخْلَدُ بْنُ بَزِيدَ الْجَزَرِيُّ) أبو يحيى، ويقال: أبو خِداش، ويقال:
(١) وفي نسخة: ((فسّرها لنا جابر)).
(٢) وفي نسخة: ((بيع الزرع القائم)).

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
أبو الحسين، ويقال: أبو خالد الحرّانيّ القرشيّ، صدوقٌ له أوهام، من كبار
[٩].
رَوَى عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وحَرِيز بن عثمان الرَّحَبيّ،
والأوزاعيّ، وابن جريج، ويونس بن أبي إسحاق، وإسرائيل بن يونس،
وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وأبو جعفر النُّفَيليّ،
وابنا أبي شيبة، وعبد الحميد بن محمد بن الْمُستام، وأبو أمية عمرو بن هشام،
وغيرهم.
قال الأثرم، عن أحمد: لا بأس به، وكان يَهِمُ، وقال عثمان الدارميّ،
عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال أبو داود، ويعقوب بن سفيان، وقال أبو حاتم:
صدوقٌ، وقال أحمد بن عليّ الأَبّار: سألت عليّ بن ميمون عنه؟ فقال: كان
قرشيّاً نِعْم الشيخ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الساجيّ: كان يَهِم،
وقدَّم أحمد مسكينَ بن كثير عليه، وقال ابن سعد: حدّثنا عباد بن عمرو، حدّثنا
مخلد بن يزيد، وكان فاضلاً، خيّراً، كبير السنّ.
قال أبو جعفر النُّفَيليّ: مات سنة ثلاث وتسعين ومائة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (حَتَّى تُطْعِمَ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، مبنيّاً للفاعل، أي: تُدْرك،
وتكون صالحاً للأكل.
وقوله: (قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح.
وقوله: (فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ) وفي بعض النسخ: فسّرها لنا جابر، وهو ابن
عبد الله
.
وقوله: (فَالأَرْضُ الْبَيْضَاءُ) أي: التي لا زرع فيها، ولا شجر.
وقوله: (فَيُنْفِقُ فِيهَا) من الإنفاق، أي: يُخرج ماله في زرعها،
واستثمارها .

١٩٣
(١٧) - بَابُ النَّهْي عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٠٤)
وقوله: (ثُمَّ يَأْخُذُ مِنَ الثَّمَرِ) يعني أنه يجعل أجرته مما يخرج منها من
الثمر.
وقوله: (وَزَعَمَ أَنَّ الْمُزَابَنَةَ ... إلخ) الزعم هنا بمعنى القول المحقّق،
وليس بالزعم الباطل؛ أي: قال جابر څله.
وقوله: (وَالْمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرْعِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ) يعني أن معنى المحاقلة
كمعنى المزابنة، لكن الفرق بينهما أن المزابنة في النخل، والمحاقلة في الزرع،
وهو أن يبيع ما على الزرع من الحبّ بكيل معلوم من الحبّ، وهو معنى قوله:
«یبیع الزرع القائم بالحبّ کیلاً)).
وقوله: (يَبِيعُ الزَّرْعَ الْقَائِمَ ... إلخ) هو بتقدير ((أن)) المصدريّة؛ أي: أن
يبيع الزرع ... إلخ، وفي بعض النسخ: ((بيعُ الزرع القائم ... إلخ)) بلفظ
المصدر، خبر لمحذوف؛ أي: هو بيع الزرع ... إلخ.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف رَّتُهُ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٠٤] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي
خَلَفٍ، كِلَاهُمَا عَنْ زَكَرِنَّاءَ، قَالَ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِنَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا
عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنٍ أَبِي أُنَيْسَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الْمَكِيُّ، وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ
عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَّهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ،
وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَّابَرَةِ، وَأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ حَتَّى تُشْقِهَ - وَالإِشْقَاهُ أَنْ يَحْمَرَّ، أَوْ
يَصْفَرَّ، أَوْ يُؤْكَلَ مِنْهُ شَيْءٌ - وَالْمُحَاقَلَةُ أَنْ يُبَاعَ الْحَقْلُ بِكَيْلٍ مِنَ الطَّعَامِ مَعْلُوم،
وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ النَّخْلُ بِأَوْسَاقٍ مِنَ الثَّمْرِ، وَالْمُخَابَرَةُ الثُّلُثُ وَالرُّبُعَُ، وَأَشْبََّهُ
ذَلِكَ. قَالَ زَيْدٌ: قُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَذْكُرُ هَذَا
عَنْ رَسُولِ اللهِ وَِّ؟ قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ) السلميّ، أبو عبد الله البغداديّ
الْقَطِيعِيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٧) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٩٢/ ٥٠٢.
٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ) بن الصَّلْت التيميّ مولاهم، أبو يحيى الكوفيّ،

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ جليلٌ، من كبار [١٠] (ت١١ أو ٢١٢) (خ م مد ت س
ق) تقدّم في ((المقدّمة)) ٨٨/٦.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمرو بن أبي الوليد الرَّقّيّ، أبو وهب الأسديّ، ثقةٌ
فقيهٌ، ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨٠) عن (٨٠) سنةً (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٩٦/٦.
٤ - (زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ) الْجَزَريّ، أبو أسامة أصله من الكوفة، ثمّ سكن
الرُّها، ثقةٌ(١) [٦] (ت١١٩) وقيل غيره (ع) تقدّم في ((المقدّمة)) ٩٦/٦.
٥ - (أَبُو الْوَلِيدِ الْمَكِّيُّ) هو: سعيد بن ميناء - بكسر الميم، والمدّ
والقصر - مولى الْبَخْتريّ بن أبي ذُباب الحجازيّ المكيّ، أو المدنيّ، ثقةٌ [٣]
(خ م د ت ق) تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٠٧/٢١.
[تنبيه]: ذكر الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ الغسّاني: في ((تقييده)) أن أبا الوليد
الذي في هذا الإسناد هو سعيد بن ميناء، قال: وزعم الحاكم أبو عبد الله
النيسابوريّ أن أبا الوليد المكيّ الذي في هذا الإسناد اسمه يسار بن
عبد الرحمن، وقال مثل ذلك أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازيّ(٢).
وردّ ذلك أبو محمد عبد الغنيّ بن سعيد(٣)، وقال: هذا وَهَمِّ، وهذه
التسمية خطأ، وإنما هو سعيد بن ميناء الذي روى عنه أيوب السَّخْتيانيّ،
وزيد بن أبي أُنيسة.
وقال البخاريّ في ((تاريخه))(٤): سعيد بن ميناء أبو الوليد المكيّ، سمع
جابر بن عبد الله، وأبا هريرة، روى عنه سَلِيم بن حيّان، وزيد بن أبي أُنيسة،
وتابعه على ذلك مسلم بن الحجاج (٥).
وقال ابن أبي حاتم في كتابه(٦): يسار بن عبد الرحمن أبو الوليد، روى
(١) قال في ((التقريب)): ثقة له أفراد. وقوله: له أفراد فيه نظر، فقد وثقه جل الأئمة،
إلا ما روي عن أحمد، وهو بالنظر إلى توثيقهم على الإطلاق كلا شيء، فتأمله.
(٢) ((الجرح والتعديل)) ٩/ ٣٠٧.
(٣) ((الأوهام التي في المدخل)) ص١٣١.
(٥) ((الكنى والأسماء)» ٨٥٧/٢.
(٤) ((التاريخ الكبير ٥١٢/٣.
(٦) ((الجرح والتعديل)) ٣٠٧/٩.

١٩٥
(١٧) - بَابُ النَّهْي عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٠٤)
عن جابر بن عبد الله، روى عنه زيد بن أبي أنيسة، ولا يتابع على هذا، ولعل
الحاكم إنما نَقَل قوله من كتاب ابن أبي حاتم. انتهى كلام أبي عليّ
الغسّانيّ ◌َ﴿ه(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
والباقیان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح) جملة حاليّة؛ أي: والحال
أن أبا الوليد المكيّ حين حدّثنا بهذا الحديث جالس عند عطاء.
وقوله: (وَأَنْ تُشْتَرَى النَّخْلُ) فعل، ونائب فاعله، وأنّثه؛ لأن النخل اسم
جمع يُفرّق بينه وبين واحده بالهاء، والغالب في مثله التأنيث، وقد تقدّم البحث
في هذا مستوفَّى، فلا تنس نصيبك، والله تعالى وليّ التوفيق.
وقوله: (حَتَّى تُشْقِهَ) بضمّ أوله، من الإشقاه رباعيّاً، قال النوويّ دَّتُهُ:
قوله: ((حتّى تُشقه))، وفي رواية: ((حتى تُشقح)) بالحاء، وهو بضم التاء،
وإسكان الشين فيهما، وتخفيف القاف، ومنهم من فتح الشين في (تشقه))،
وهما جائزان: تشقه، وتشقح، ومعناهما واحد، ومنهم من أنكر ((تشقه))،
وقال: المعروف بالحاء، والصحيح جوازهما، وقيل: إن الهاء بدل من الحاء،
كما قالوا: مَدَخَهُ، ومَدَهَهُ، وقد فَسَّر الراوي الإشقاه، والإشقاح بالاحمرار،
والاصفرار، قال أهل اللغة: ولا يُشتَرط في ذلك حقيقة الاصفرار والاحمرار،
بل ينطلق عليه هذا الاسم إذا تغير يسيراً إلى الحمرة، أو الصفرة، قال
الخطابيّ: الشُّقْحَةُ لون غير خالص الحمرة، أو الصفرة، بل هو تغيُّر إليهما في
كُمُودة. انتهى كلام النوويّ ◌َّهُ(٢).
وقوله: (أَنْ يُبَاعَ الْحَقْلُ) بفتح الحاء المهملة، وسكون القاف: وهو
الزرع.
وقوله: (بِأَوْسَاقٍ مِنَ التَّمْرِ) بفتح الهمزة: جمع وٍسق بكسر الواو، كحِمْل
وأحمال، ويقال له: وَسْق بفتح الواو، ويُجمع على وُسُوق، كفَلْس وفُلُوس،
والوسق: ستون صاعاً بصاع النبيّ وَّر، وقد تقدّم البحث فيه مستوفّى، فلا تكن
من الغافلين.
(١) (تقييد المهمل)) ٨٥٩/٣ - ٨٦٠.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠/ ١٩٤ - ١٩٥.

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وقوله: (وَالْمُخَابَرَةُ الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ) أي: دفع الأرض البيضاء لمن يعمل
فيها بثلث ما يخرج منها، أو ربعه، وهي المزارعة، وسيأتي تمام البحث فيها
في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ) أي: أمثال الثلث والربع، كالنصف، والخمس.
وقوله: (قَالَ زَيْدٌ) هو: ابن أبي أُنيسة.
وقوله: (قُلْتُ لِعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح ... إلخ) المعنى أن زيد بن أبي أُنيسة
بعد أن سمع الحديث عن أبي الوليد المكيّ في مجلس عطاء بن أبي رباح سأل
عطاء عن الحديث نفسه، هل سمعته عن جابر يذكر هذا عن رسول الله وَليه؟
فأجابه قائلاً: نعم، فصار لزيد في الحديث شيخان: أبو الوليد، وعطاء،
كلاهما عن جابر
وقال القرطبيّ كَُّهُ: قوله: ((أسمعت جابر بن عبد الله يذكر هذا ... إلخ))
تحتمل هذه الإشارة أن تكون عائدةً إلى الحديث، وتفسيره المتقدّم، فيكون كلُّ
ذلك من قول رسول الله وَ*، ويَحْتَمل أن تكون عائدةً إلى الأمور التي نُهي
عنها في صدر الحديث، لا إلى التفسير، وهو الأولى؛ لقول عطاء: فسّر لنا
جابر، فذَكَر التفسير. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٠٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ
حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَه
عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُحَاقَلَةٍ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُشْقِحَ، قَالَ: قُلْتُ
لِسَعِيدٍ: مَا تُشْقِحُ؟ قَالَ: تَحْمَارُ، وَتَصْفَارُّ، وَيُؤْكَلُ مِنْهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم) بن حيّان الْعبديّ، أبو عبد الرحمن الُّوسيّ،
(١) ((المفهم)) ٤/ ٤٠٣.

١٩٧
(١٧) - بَابُ النَّهْي عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٠٥)
سكن نيسابور، ثقةٌ صاحب حديث، من صغار [١٠] مات سنة بضع و(٢٥٠)
من أفراد المصنّف تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد
المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٣ - (سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ(١)) الْهُذليّ البصريّ، ثقةٌ [٧] (خ م د ت سي ق)
تقدم في ((الجنائز)) ٢٢٠٧/٢١.
[تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستّة من اسمه سَلِيم بفتح أوله، وكسر ثانيه
إلا سَلِيم بن حيّان هذا، ومن عداه فَسُليم مصغّراً، وإلى ذلك أشرت بقوله:
مَعْ کَسْرٍ ثَانِيِهِ بِهَذَا صَرَّحُوا
قُلْ نَجْلُ حَیَّانَ سَلِيمٌ يُفْتَحُ
كُتْبِ الأَئِمَّةِ سِوَاهُ فَاعْرِفٍ
وَلَيْسَ يُوجَدُ بِهَذَا الضَّبْطِ فِي
مُصَغَّراً فَاحْفَظْ عَدَاكَ الضَّيْمُ
وَمَنْ عَدَاهُ كُلُّهُ سُلَيْمُ
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (حَتَّى تُشْقِحَ) - بضم أوله، من الإشقاح رباعيّاً، يقال: أشقح ثمر
النخل إشقاحاً: إذا احمرّ، أو اصفَرّ، والاسم: الشُّفْحُ - بضم المعجمة،
وسكون القاف، بعدها مهملة - وقد سبق في الرواية الماضية بلفظ: ((حتى
تُشْقِه))، بإبدال الحاء هاءً؛ لقربها منها(٢).
وقال القرطبيّ تَظُّ: التشقيح، والتشقيه - بالحاء، والهاء - كما فسّره
الراوي بقوله: ((أن تحمرّ، وتصفرّ، ويؤكل منها))، وكذلك فسّره أهل اللغة،
قالوا: يقال: أشقح النخلُ، وشَقَّحَ - مشدّداً -: إذا أزهى، ويقال: أشقه النخل
- بالهاء، فيُبدلون من الحاء هاء؛ لتقارب مخرجيهما. انتهى(٣).
وقوله: (قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدٍ) القائل هو سَلِيم بن حيّان، وسعيد هو ابن
ميناء.
قال في ((الفتح)) ما حاصله: وأخرج الحديث الإسماعيليّ من طريق
(١) ((سَليم)) بفتح السين المهملة، وكسر اللام، و((حيّان)) بفتح الحاء المهملة، وتشديد
التحتانيّة .
(٢) ((الفتح)) ٦٧٢/٥.
(٣) ((المفهم)) ٤٠٣/٤.

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
عبد الرحمن بن مهديّ، عن سَلِيم بن حَيّان، فقال في روايته: ((قلت لجابر: ما
تُشقحُ ... إلخ))، فظهر أن السائل عن ذلك هو سعيد، والذي فسره هو جابر.
قال: وقد أخرج مسلم الحديث من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن أبي
الوليد، عن جابر مطولاً، وفيه: ((وأن يشتري النخل حتى يُشْقِه، والإشقاه أن
يَحْمَرّ، أو يصفرّ، أو يؤكل منه شيء))، وفي آخره: ((فقال زيد: فقلت لعطاء:
أسمعت جابراً يذكر هذا عن النبيّ وَ ل﴿؟ قال: نعم))، وهو يَحْتَمِل أن يكون
مراده بقوله هذا جميع الحديث، فيدخل فيه التفسير، ويَحْتَمِل أن يكون مراده
أصل الحديث، لا التفسير، فيكون التفسير من كلام الراوي، وقد ظهر من
رواية ابن مهديّ أنه جابر، والله أعلم.
ومما يقوّي کونه مرفوعاً وقوع ذلك في حديث أنس أيضاً، وفيه دليل
على أن المراد ببدوّ الصلاح قدر زائد على ظهور الثمرة، وسبب النهي عن ذلك
خوف الغرر؛ لكثرة الجوائح فيها، وقد بيّن ذلك في حديث أنس به: ((فإذا
احمرّت، وأُكِل منها أُمنت العاهة عليها))؛ أي: غالباً. انتهى.
وقوله: (تَحْمَارُ، وَتَصْفَارُ، وَيُؤْكَلُ مِنْهَا) قال الخطابيّ كَّلُ: لم يُرِد بذلك
اللون الخالص من الصفرة والحمرة، وإنما أراد حمرةً، أو صفرةً بكمودة،
فلذلك قال: ((تحمارّ، وتصفارّ))، قال: ولو أراد اللون الخالص لقال: تَحْمَرّ،
وتصفر.
وقال ابن التين: التشقيح تغيّر لونها إلى الصفرة والحمرة، فأراد بقوله:
(«تحمارّ، وتصفارّ)) ظهور أوائل الحمرة والصفرة قبل أن تشبع، قال: وإنما
يقال: تَفْعَالّ في اللون الغير المتمكن، إذا كان يتلون، وأنكر هذا بعض أهل
اللغة، وقال: لا فرق بين تَحْمَرّ، وتَصْفَرّ، وتحمارّ، وتصفارٌ.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد: المبالغة في احمرارها واصفرارها، كما تقرر
أن الزيادة تدل على التكثير والمبالغة. انتهى(١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((الفتح)) ٦٧٢/٥ - ٦٧٣.

(١٧) - بَابُ النَّهْي عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣٩٠٦)
١٩٩
وبالسند المتّصل إلى المؤلف ◌َّتُ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٠٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ
الْغُبَرِبُّ - وَاللَّفْظُ لِعُبَيْدِ اللهِ - قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي
الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدٍ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِوَ عَنِ
الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُعَاوَمَةٍ، وَالْمُخَابَرَةِ - قَالَ أَحَدُهُمَا: بَيْعُ السِّنِينَ هِيَ
الْمُعَاوَمَةُ - وَعَنِ النُّنْيَا، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبرِيُّ) هو: عبيد الله بن عُمر بن ميسرة، أبو
سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) وله (٨٥) سنةً (خ م د
س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ(١)) هو: محمد بن عُبيد بن حِسَاب(٢)
البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٨) (م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقون ذُكروا في الباب وما قبله، و((أيوب)) هو: السّختيانيّ، و((أبو
الزبير)) هو: محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ.
وقوله: (وَالْمُعَاوَمَةِ) قال النوويّ تَظُّهُ: بيع المعاومة، وهو بيع السنين،
معناه: أن يبيع ثمر الشجرة عامين، أو ثلاثة، أو أكثر، فيُسَمَّى بيع المعاومة،
وبيع السنين، وهو باطل بالإجماع، نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره؛ لهذه
الأحاديث، ولأنه بيع غرر؛ لأنه بيع معدوم ومجهول غير مقدورٍ على تسليمه،
وغير مملوك للعاقد. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ كَذَلُهُ: المعاومة: بيع الثمر أعواماً، وهو المعبّر عنه باللفظ
الآخر: بيع السنين، ولا خلاف في تحريم بيعه؛ لكثرة الغَرَر والجهل.
(٤)
ـى (٤).
انتھی
(١) بضمّ الغين المعجمة، وفتح الموحّدة.
(٢) بكسر الحاء، وتخفيف السين المهملتين.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٩٣/١٠.
(٤) ((المفهم)) ٤/ ٤٠٣.

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وقوله: (قَالَ أَحَدُهُمَا: بَيْعُ السِّنِينَ هِيَ الْمُعَاوَمَةُ) هذا إشارة إلى أن أبا
الزبير، وسعيد بن مِيناء اختلفا، فقال أحدهما: ((والمعاومة))، وقال الآخر:
((وبيع السنين)).
[تنبيه]: ظاهر سياق المصنّف أن الغرض من قوله: ((قال أحدهما ...
إلخ)) بيان أن بيع السنين هي المعاومة، فيكون قوله: ((بيعُ السنين)) مبتدأ خبره
جملة ((هي المعاومة))، فكأنه يريد تفسير أحدهما بالآخر، وهو الذي يدلّ عليه
ضبط ((بيعُ)) بالرفع بضبط القلم، وهذا يخالف ما يدلّ عليه سياق غيره، فقد
أخرج الحديث أبو داود في ((سننه)) (٢٦٢/٣) فقال:
(٣٤٠٤) - حدّثنا أحمد بن حنبل، ثنا إسماعيل (ح) وثنا مسدّد أن حماداً
وعبد الوارث حدّثاهم كلهم عن أيوب، عن أبي الزبير، قال عن حماد:
وسعيد بن ميناء، ثم اتفقوا عن جابر بن عبد الله، قال: نهى رسول الله وَله عن
المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة، قال عن حماد: وقال أحدهما:
والمعاومة، وقال الآخر: بيع السنين، ثم اتفقوا: وعن الثنيا، ورَخّص في
العرايا. انتهى.
وأخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) (١٥٣/١) من طريق حماد بن زيد،
عن أيوب، عن أبي الزبير، وسعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله ضيًا؛ أن
رسول الله وَ نَهَى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة، وقال
الآخر: بيع السنين، وعن الثنيا، ورَخَّص في العرايا. انتهى.
وأخرجه أيضاً البيهقيّ في ((الكبرى)) (٣٣٦/٥) ولفظه: أن رسول الله وَليه
نَهَى عن المحاقلة، والمزابنة، والمخابرة، والمعاومة، وقال الآخر: عن بيع
السنين، وعن الثنيا، ورَخَّص في العرايا. انتهى.
فسياق هؤلاء صريح في أن الغرض من قوله: ((قال أحدهما ... إلخ))
بيان الاختلاف الواقع بين أبي الزبير، وسعيد بن مٍيناء، حيث رواه أحدهما
بلفظ: ((بيع السنين))، ورواه الآخر بلفظ: ((المعاومة))، وليس الغرض تفسير بيع
السنين بأنها هي المعاومة، خلاف ما يفيده لفظ المصنّف، فليُتأمل.
ويَحْتَمِل أن قوله: ((بيع السنين)) مجروراً على الحكاية؛ أي: قال
أحدهما: ((بيع السنين)) بدل قول الآخر ((المعاومة))، وأما قوله: ((هي المعاومة))