النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ (١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالثَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٨٠) ومنها: أن فيه ثلاثةً أنصاريين مدنيين، روى بعضهم عن بعض، وهذا نادر جدّاً، وهم: يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وبُشَير، وسهل. ومنها: قوله: سليمان - يعني ابن بلال - وقوله: يحيى - وهو ابن سعيد - وقد قدمنا في الفصول التي في أول الكتاب وبعدها بيان فائدة قوله: يعني، وقوله: وهو، وأن المراد أنه لم يقع في الرواية بيان نسبهما، بل اقتَصَر الراوي على قوله: سليمان، ويحيى، فأراد مسلم بيانه، ولا يجوز أن يقول: سليمان بن بلال، فإنه يزيد على ما سمعه من شيخه، فقال: يعني ابن بلال، فحصل البيان من غير زيادة منسوبة إلى شيخه. ومنها: ما يتعلق بضبط الأسماء والأنساب، وهو بُشير بن يسار، وقد بيّناه، والقعنبيّ، وهو منسوب إلى جدّه، وهو عبد الله بن مسلمة بن قعنب. ومنها: أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وهو يحيى، عن بُشَير، وهذا وإن كانت نظائره في الحديث كثيرة، فهو من معارفهم. ومنها: قوله: عن بعض أصحاب رسول الله وَّيه، منهم سهل بن أبي حثمة، فيه أنه إذا سمع من جماعة ثقات جاز أن يحذف بعضهم، ويروي عن بعض، وقد تقدم بيان هذا وتفصيله مبسوطاً في الفصول. انتهى كلام النوويّ كَُّ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ بُشَيْرٍ) مصغّراً (ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ بَعْضٍ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ) يعني من بني حارثة، والمراد بالدار: المحلّةِ(٢). (مِنْهُمْ سَهْلُ بْنُ أَبِيَ حَثْمَةَ) وفي رواية البخاريّ: ((قال يحيى بن سعيد: سمعت بُشير بن يسار، قال: سمعت سهل بن أبي حثمة))، وفي الرواية الآتية بعد ثلاثة أحاديث: ((أن رافع بن خَدِيج، وسهل بن أبي حَثْمة حدّثاه)) (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ نَهَى عَنِ الثَّمَرِ) أي: بيع الثمر، وهو بالثاء المثلّثة (بِالثَّمْرِ) بالتاء المثنّاة فوقُ (وَقَالَ: ((ذَلِكَ)؛ أي: بيع الثمر بالتمر (الرِّبَا) بكسر الراء: الفضل والزيادة، وهو مقصور على الأشهر، (١) (شرح النوويّ)) ١٨٦/١٠. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٥/١٠. ١٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع ويُثنّى رِبَوان بالواو على الأصل، وقد يقال: رِبيان على التخفيف، ويُنسب إليه على لفظه، فيقال: رِبَويّ، وقال الْمُطَرِّزِيّ: الفتح في النسبة خطأ، أفاده الفيّوميّ(١). والمعنى: أن هذا البيع هو من الربا الذي حرّمه الله تعالى بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اَللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّيَوْ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥]. وقال أيضاً: (تِلْكَ)؛ أي: البيعة المذكورة (الْمُزَابَنَةُ)))؛ أي: من البيع الذي يُسمّى بالمزابنة، وهو بيع الثمر بالتمر كيلاً، من الزبن، وهو الدفع، وسُمّي هذا البيع مزابنةً؛ لأنهم يتدافعون في مخاصمتهم بسببه؛ لكثرة الغرر والخطر، وسيأتي تمام البحث فيه - إن شاء الله تعالى -. (إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ) وفي لفظ عند البخاريّ: ((أرخص)) (فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ)؛ أي: في بيع ثمر العريّة؛ لأن العريّة هي النخلة، ففيه حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. وقوله: (النَّخْلَةِ، وَالنَّخْلَتَيْنِ) بالجرّ بدل من ((العريّة))، وقوله: (يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ) جملة في محلّ نصب على الحال. قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: أهل البيت على مذهب مالك، ومن قال بقوله: هم الْمُعْرُون، فيضمنون مقدار العرية، فيدفعون ذلك للمُعْرَى له تمراً عند الجداد، رفقاً به حيث كُفِي المؤَنَ، وأُعطي ما يقتات به، ويحصل من ذلك للمُعْرِي دفع ضرر تكرار دخول المعرى له إلى عريته لتعاهدها، وسقيها، واجتنانها . فظهر لمالك: أن العرية إنما رخص فيها لأنها من باب المعروف، والرفق، والتسهيل في فعل الخير، والمعونة عليه. وأما على مذهب الشافعي: فأهل البيت عنده هم: المشترون الذين يشترون الرطب بالتمر ليأكلوها رطباً، فظهر له: أن الموجب لهذه الرخصة هو حاجة من له تمر لأكل الرطب، وقد ذكرنا آنفاً ضعف هذا المعنى. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أنه لا ضعف فيما ذهب إليه الشافعيّ تَُّ، فإنه قائل بما قاله مالك أيضاً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) راجع: ((المصباح المنير)) ١/ ٢١٧. (٢) ((المفهم)) ٣٩٤/٤ - ٣٩٥. ١٤٣ (١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٨١) (بِخَرْصِهَا) تقدّم بفتح الخاء المعجمة، وكسرها، فالفتح اسم للفعل، والكسر اسم للشيء المخروص، والخرص: هو التخمين والحدس، وقوله: (تَمْراً) منصوب على التمييز (يَأْكُلُونَهَا رُطَباً) منصوب على الحال(١)، وهو بضم الراء، وقال الكرمانيّ: ورُوي بفتحها، فهو متناول للعنب، وقال: أهل النخلة هم البائعون، لا المشتري، والآكل هو المشتري، لا البائع، ثم قال: قلت: الضمير في ((يأكلها أهلها)) راجع إلى الثمار التي يدل عليها الخرص، وأهل الثمار هم المشترون، وذِكْرُ الأكل ليس بقيد، بل هو لبيان الواقع، وعن أبي عبيد أنه شرطه، ذكره في ((العمدة))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث سهل بن أبي حثمة به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨٨٠/١٤ و٣٨٨١ و٣٨٨٢ و٣٨٨٣ و٣٨٨٤] (١٥٤٠)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢١٩١) و((المساقاة)) (٢٣٨٣ و٢٣٨٤)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٣٦٣)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٣٠٣)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٦٨/٧) و((الكبرى)) (٢١/٤)، و(الشافعيّ) في (مسنده)) (١٥١/٢)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٢٩/٧)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٤٠٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٠٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٩٦/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٪ ٣٠٩ - ٣١٠) و((المعرفة)) (٣٤٣/٤ و٣٤٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٠٧٢)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٨٨١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ بَسَارٍ، عَنْ أَصْحَابٍ ء (١) ((الإعلام بفوائد عمدة الأحكام)) ١٣٩/٧. (٢) ((عمدة القاري)) ٣٠٤/١١. ١٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع رَسُولِ الهِ ﴿ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَخَّصَ(١) رَسُولُ اللهِ وَهِ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْراً). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم تقدّموا، بعضهم في الباب، وبعضهم قبل باب، و((ابن رُمح)) هو: محمد، و((بعض أصحاب النبيّ وَّه))، تقدّم في السند الماضي أن منهم سهل بن أبي حثمة ظه، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٨٨٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعاً عَنِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ ، عَنْ بَعْضٍ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَهِ مِنْ أَهْلِ دَارِهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلـ نَهَى، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى، غَيْرَ أَنَّ إِسْحَاقَ، وَابْنَ الْمُثَنَّى جَعَلَا مَكَانَ الرِّبَا: الزَّبْنَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: الرِّبَا). رجال هذا الإسناد: سبعة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي، غير إسحاق ابن راهويه، فتقدّم قريباً، و((إسحاق بن إبراهيم)) هو: ابن راهويه، و((ابن أبي عمر)) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، و((الثقفيّ)) هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد الثقفيّ. وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) قال النوويّ ◌َخْتُهُ: الذاكر هو الثقفيّ الذى هو في درجة سليمان بن بلال، وإنما ذكرتُ هذا، وإن كان ظاهراً؛ لأنه قد يُغْلَطُ فيه، بل قد غُلِط فيه. انتهى. وقوله: (غَيْرَ أَنَّ إِسْحَاقَ، وَابْنَ الْمُثَنَّى جَعَلَا مَكَانَ الرِّبَا: الزَّبْنَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: الرِّبًا) يعني أن ابن أبي عمر رفيق إسحاق، وابن المثنى قال في (١) وفي نسخة: ((أرخص)). ١٤٥ (١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَابَا - حديث رقم (٣٨٨٣) روايته: ((ذلك الربا))، كما سبق في رواية سليمان بن بلال، وأما إسحاق، وابن المثنى فقالا: ((ذلك الزَّبْنُ))، وهو بفتح الزاي، وإسكان الموحدة، وبعدها نون، وأصل الزَّبْن: الدفع، وسُمِّي هذا العقد مزابنةً؛ لانهم يتدافعون في مخاصمتهم بسببه؛ لكثرة الغرر والخطر، قاله النوويّ تَظُّهُ(١). [تنبيه]: رواية عبد الوهّاب الثقفيّ عن يحيى بن سعيد لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال: [٣٨٨٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَمْرٌو النَّقِدُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ بَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَمْرٌو النَّاتِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و(يحيى بن سعيد)) هو: الأنصاريّ. [تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها ابن أبي شيبة في («مصنّفه)) (٥٠٦/٤) فقال: (٢٢٥٨٣) - حدّثنا أبو بكر(٢)، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسار، عن سهل بن أبي حَثْمة؛ أن رسول الله وَلُهُ نَهَى عن بيع الثمر بالتمر، ورَأَخَّصَ في العرية أن تباع بخرصها، يأكلها أهلها رُطَباً. انتھی . [تنبيه آخر]: ساق الإمام البخاريّ دَّثُ رواية سفيان هذه في ((صحیحه))، وفيها قصّة، فقال: (١) (شرح النوويّ)) ١٨٦/١٠ - ١٨٧. (٢) هو ابن أبي شيبة، صاحب ((المصنّف))، وقائل: ((حدّثنا)) هو الراوي عنه. ١٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع (٢١٩١) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، قال: قال يحيى بن سعيد: سمعت بُشيراً قال: سمعت سهل بن أبي حثمة؛ أن رسول الله وَّ نَهَى عن بيع الثمر بالتمر، ورَخَّص في العرية أن تباع بخرصها، يأكلها أهلها رُطَباً، وقال سفيان مرةً أخرى: إلا أنه رَخَّص في العرية يبيعها أهلها بخرصها، يأكلونها رُطَباً، قال: هو سواء، قال سفيان: فقلت ليحيى، وأنا غلام: إن أهل مكة يقولون: إن النبيّ وَ﴿ رَأَخَّصَ في بيع العرايا، فقال: وما يدري أهل مكة؟ قلت: إنهم يروونه عن جابر، فسكت، قال سفيان: إنما أردتُ أن جابراً من أهل المدينة، قيل لسفيان: وليس فيه: نَهَى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه؟ قال: لا. انتهى. وقوله: ((وقال سفيان مرة أخرى ... إلخ)) هو كلام عليّ بن عبد الله المدينيّ شيخ البخاريّ في السند، والغرض أن ابن عيينة حدثهم به مرتين على لفظين، والمعنى واحد، كما أشار إليه بقوله: ((هو سواء)»؛ أي: المعنى واحد. وقوله: ((قال سفيان))؛ أي: بالإسناد المذكور: فقلت ليحيى؛ أي: ابن سعید لَمّا حدثه به. وقوله: ((وأنا غلام)) جملة حالية، والغرض الإشارة إلى قِدَم طلبه، وتقدم فِظْنته، وأنه كان في سنّ الصبا يناظر شيوخه، ويباحثهم. وقوله: ((رَخَّص لهم في بيع العرايا)) محل الخلاف بين رواية يحيى بن سعيد، ورواية أهل مكة أن يحيى بن سعيد قيّد الرخصة في بيع العرايا بالْخَرْص، وأن يأكلها أهلها رُطَباً، وأما ابن عيينة في روايته عن أهل مكة، فأطلق الرخصة في بيع العرايا، ولم يُقَيِّدها بشيء مما ذُكر. وقوله: ((قلت: إنهم يروونه عن جابر)) في رواية أحمد في ((مسنده)) عن سفيان: قلت: أخبرهم عطاء؛ أنه سمع من جابر. وقوله: ((قال سفيان: إنما أردت ... إلخ))؛ أي: الحامل لي على قولي ليحيى بن سعيد: إنهم يروونه عن جابر أن جابراً من أهل المدينة، فيرجع الحديث إلى أهل المدينة، وكان ليحيى بن سعيد أن يقول له: وأهل المدينة رووا أيضاً فيه التقييد، فيُحْمَل المطلق على المقيد حتى يقوم الدليل على العمل بالإطلاق، والتقييدُ بالخرص زيادة حافظ، فتعيّن المصير إليها، قال الحافظ: ١٤٧ (١٤) - بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٨٤) وأما التقييد بالأكل فالذي يظهر أنه لبيان الواقع، لا أنه قيد، وعن أبي عبيد أنه شرطه. وقوله: ((أليس فيه))؛ أي: في الحديث المذكور: ((نَهَى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه؟)) قال: لا؛ أي: ليس هو في حديث سهل بن أبي حثمة، وإن كان هو صحيحاً من رواية غيره، قال الحافظ: وقد حدّث به عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان في حديث الباب بهذا اللفظ الذي نفاه سفيان، وحَکَی الإسماعيليّ عن ابن صاعد أنه أشار إلى أنه وَهِمَ فيه، فتعقّبه الحافظ، فقال: قد أخرجه النسائيّ عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهريّ، عن سفيان كذلك، فظهر أن عبد الجبار لم ينفرد بذلك. انتهى ملخّصاً من الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٨٨٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ؛ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ِ نَهَى عَنِ الْمُزَابَةِ: الثَّمَرِ بِالتُّمْرِ، إِلَّا أَصْحَابَ الْعَرَابَا، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب. ٢ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الهلاليّ، أبو عليّ الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦. ٤ - (الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورُمي برأي الخوارج [٦] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤. (١) راجع: ((الفتح)) ٦٦١/٥ - ٦٦٢. ١٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع ٥ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيج) بن عديّ الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، أول مشاهده أُحدَ، ثم الخندق، مات سنة (٣ أو ٧٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٩. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (الثمر بالتمر)) ولفظ النسائيّ: ((بيع الثمر بالتمر))، وهو بالجرّ بدلٌ من ((المزابنة))، أو عطفُ بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفع بتقدير مبتدأ؛ أي: هو بيع الثمر، وإلى النصب بتقدير فعل؛ أي: أعني بيع الثمر. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٨٨٥] (١٥٤١) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثَنَا بَحْيَى بْنُ بَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكِ: حَدَّثَكَ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ - مَوْلَى ابْنٍ أَبِي أَحْمَدَ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ِ وَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا، فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةٍ؟ - يَشُكُ دَاوُدُ - قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ - قَالَ: نَعَمْ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (داود بن الْحُصين) الأمويّ مولاهم، أبو سليمان المدنيّ، ثقة، إلا في عكرمة، ورُمِي برأي الخوارج [٦] (ت١٣٥) (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٢٩٣/١٩. ٦ - (أَبُو سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ) قيل: اسمه وهب، وقيل: قُزْمان، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٩/ ١٢٩٣. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): أبو سفيان هذا مشهور بكنيته، حتى قال النوويّ، تبعاً لغيره: لا يُعْرَف اسمه، وسبقهم إلى ذلك أبو أحمد الحاكم، في (الكنى))، لكن حَكَى أبو داود في ((السنن)) في روايته لهذا الحديث، عن القعنبيّ شيخِهِ فيه: أن اسمه قُزْمان. وابن أبي أحمد - الذي نُسب إليه - هو: عبد الله بن أبي أحمد بن جَخْش الأسديّ، ابن أخي زينب بنت جَحْش، أم المؤمنين، وحَكَى الواقديّ: أن أبا سفيان، كان مولى لبني عبد الأشهل، وكان يجالس ١٤٩ (١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّعْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٨٥) عبد الله بن أبي أحمد، فنُسب إليه. انتهى(١). والباقون كلهم ذُكروا في الباب. شرح الحديث: عَنِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التميميّ النيسابوريّ؛ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكِ) بن أنس إمام دار الهجرة (حَدَّلَكَ) بتقدير أداة الاستفهام؛ أي: أحدّثك (دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ) بالتصغير الأمويّ مولاهم المدنيّ. [تنبيه]: ذكر ابن التين تبعاً لغيره؛ أن داود بن الحصين تفرد بهذا الإسناد، قال: وما رواه عنه إلا مالك بن أنس، قاله في ((الفتح))، والله تعالى أعلم. (عَنْ أَبِي سُفْيَانَ - مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َلُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ ل﴿ رَخَّصَ) - بتشديد الخاء المعجمة - من الترخيص، ويقال فيه: أرخص، من الإرخاص، وهو التيسير، والتسهيل (فِي بَيْع الْعَرَايَا)؛ أي: بيع ثمارها (بِخَرْصِهَا) المشهور في كتب اللغة أنه بكسر، فسكون: اسم بمعنى المخروص؛ أي: القدر الذي يُعرف بالتخمين، وأما بفتح، فسكون: فهو مصدرٌ بمعنى التخمين. قال في ((النهاية)): خَرَصَ النخلة، والكرمة يخرُصها خَرْصاً؛ أي: من باب نصر -: إذا حَزَرَ ما عليها تمراً، ومن العنب زبيباً، فهو من الْخَرْص؛ أي: الظنّ؛ لأن الْحَزْرَ إنما هو تقدير بظنّ، والاسم: الْخِرْصُ بالكسر، يقال: كم خِرْصُ أرضك؟ وفاعل ذلك: الخارص. انتهى (٢). وقال القرطبيّ: الخِرص بكسر الخاء: هو اسم للمخروص، وبفتح الخاء هو: المصدر، والرواية هنا بالكسر. انتهى(٣). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقد تقدّم إنكار ابن العربيّ الفتح، وجزمه بالكسر، لكن جوّز النوويّ الوجهين، وقال: الفتح أشهر، والظاهر أن الأشهر هنا بالكسر، عكس ما قاله النوويّ؛ لأنه المشهور في اللغة، والرواية، كما أشار إليه القرطبيّ آنفاً . (١) ((الفتح)) ٦٥٥/٥ - ٦٥٦. (٣) ((المفهم)) ٣٩٤/٤. (٢) ((النهاية)) ٢٢/٢ - ٢٣. ١٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع والحاصل أن المكسور اسم للمخروص، والمفتوح مصدر بمعنى التخمين، لكن لو أريد به المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق لكان وجيهاً . هذا كله إن جُعلت الباء في ((بخرصها)) للمقابلة، كما هو المتبادر الشائع، والمعنى: أنها تباع بقدر المخروص، وأما إذا كانت للسببيّة، فالخرص يكون مصدراً بمعنى التخمين، أفاده السنديّ(١)، والله تعالى أعلم. ومعنى الحديث أنه * رخّص في العرايا أن يُباع ثمرها بعد أن يُخرَص، ويُعرَف قدره بقدر ذلك من التمر، كما تقدّم البحث فيه مستوفّى. قال ابن المنذر تخلّثُ: ادّعى الكوفيون أن بيع العرايا منسوخ بنهيه وَلِّ، عن بيع الثمر بالتمر، وهذا مردود؛ لأن الذي رَوَى النهي عن بيع الثمر بالتمر، هو الذي رَوَى الرخصة في العرايا، فأثبت النهي والرخصة معاً. ورواية سالم المذكورة في الباب الماضي، تدلّ على أن الرخصة في بيع العرايا، وقعت بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر، ولفظه عن ابن عمر، مرفوعاً: ((أن رسول الله صل* قال: لا تبتاعوا الثمر حتّى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا الثمر بالتمر))، وقال سالم: ((أخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله وَله أنه رخّص بعد ذلك في بيع العرية))، وهذا هو الذي يقتضيه لفظ الرخصة، فإنها تكون بعد المنع، وكذلك بقية الأحاديث، التي وقع فيها استثناء العرايا، بعد ذكر بيع الثمر بالتمر، وقد تقدم إيضاح ذلك كلّه، مطوّلاً، فلا تنس نصيبك، والله تعالى وليّ التوفيق. (فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ) متعلّق بـ((رخّص)) (أَوْ فِي خَمْسَةٍ؟) بالكسر من غير تنوين؛ لنيّة لفظ المضاف إليه؛ أي: أو في خمسة أوسق، و(أو)) هنا للشكّ، كما بيّنه بقوله: (يَشُكَّ دَاوُدُ) يعني أن داود بن الحصين شكّ، هل قال أبو سفيان: ((فيما دون خمسة أوسق، أو قال: في خمسة أوسق))؟ وقوله: (قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ) تفسير لشك داود؛ أي: قال أبو سفيان: هي خمسة، أو دون خمسة. و((الأوسق)): جمع وَسْق، بفتح، فسكون، ويُجمع على وُسُوق أيضاً، (١) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ٢٦٧/٧ - ٢٦٨. ١٥١ (١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالثَّعْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٨٥) كفلس وأفلس، وفُلُوس، ويقال: الوسق بكسر الواو أيضاً، والجمع أَوْساقٌ، كحِمْل وأَحمال، قال ابن منظور تَُّهُ: الوَسْق، والوِسْق - أي: بالفتح، والكسر -: مِكْيلة معلومة، وقيل: هو حِمْل بعير، وهو ستّون صاعاً بصاع النبيّ وَ﴾، وهو خمسة أرطال وثلث، فالوسق على هذا الحساب: مائة وستّون مَناً، قال الزجّاج: خمسة أوسق: هي خمسة وعشرون قَفِيزاً، قال: وهو قَفيزنا الذي يُسمّى الْمُعدّل، وكلُّ وسق بالْمُلَجّم ثلاثة أقفزة، قال: وستّون صاعاً أربعة وعشرون مَكُوكاً بالْمُلَجّم، وذلك ثلاثة أَقْفِزة، وقال في ((التهذيب)): الوسق بالفتح: ستّون صاعاً، وهو ثلاثة وعشرون رِطلاً، عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلاً عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمدّ، والأصل في الوَسق: الْحَمْلُ، وكلُّ شيءٍ وَسَقْته، فقد حَمَلته. انتهى كلام ابن منظور ◌َذَهُ(١). [تنبيه]: قد عرفت مما سبق آنفاً أن الوسق ستون صاعاً بصاع النبيّ وَّر، والصاع النبويّ بالموازين المعاصرة على ما قدّره العلماء المتأخّرون هو ٣٠٠٠ (ثلاثة آلاف غرام)، فالخمسة الأوسق تكون ثلاثمائة صاع، فتكون الثلاثمائة الصاع ٩٠٠٠ (تسعة آلاف غرام). راجع ما كتبه الشيخ البسّام: في ((شرح بلوغ المرام»(٢). وقوله: (قَالَ: نَعَمْ) أي: قال مالك جواباً عن سؤال يحيى: نعم حدّثني داود بن الحصين بهذا الحديث. [تنبيه]: سؤال يحيى مالكاً هذا نوع من أنواع القراءة على الشيخ، فإذا قال الشيخ: نعم، فلا خلاف فيه، وإن لم يقل، ففيه اختلاف بين العلماء، والأصحّ جوازه، قال في ((الفتح)): وهذا التحمّل يُسمَّى عرض السماع، وكان مالك يختاره على التحديث من لفظه، واختَلَف أهل الحديث هل يُشترط أن يقول الشيخ: ((نعم)) أم لا؟ والصحيح أن سكوته يُنزّل منزلة إقراره إذا كان (١) ((لسان العرب)) ٣٧٨/١٠ - ٣٧٩. (٢) ((توضيح الأحكام، شرح بلوغ المرام)) ٤٥/٣. ١٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع عارفاً، ولم يمنعه مانع، وإذا قال: ((نعم)) فهو أولى بلا نزاع. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: نظمت هذه المسألة بقولي: شَيْخِ وَقَدْ أَصْغَى إِلَيْهِ إِذْ تَلَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا قَرَا عَلَى وَلَيْسَ مَانِعٌ لَهُ إِنْ يُنْكِرِ وَهُوَ فَاهِمٌ وَغَيْرُ مُنْكِرٍ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهْوَ الْمُقْتَدَى فَذَا يُنَزَّلُ كَالاقْرَارٍ(٢) لَدَى وَالْحَقُّ لَيْسَ وَاجِباً فَيُلْتَزَمْ وَبَعْضُهُمْ شَرَطَ قَوْلَهُ نَعَمْ والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ﴿ته هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨٨٥/١٤] (١٥٤١)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢١٩٠)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٣٦٤)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٣٠١)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٦٨/٧) و((الكبرى)) (٢١/٤)، و(مالك) في («الموظّإ)» (٦٢٠/٢)، و(الشافعيّ) في («المسند» (١٥١/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٧/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٥٠٠٦ و٥٠٠٧)، و(الطحاويّ) في ((معاني الآثار)) (٣٠/٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٦٥٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣١١/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٠٧٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): قال في ((الفتح)): وقد اعتَبَر من قال بجواز بيع العرايا بمفهوم هذا العدد، ومنعوا ما زاد عليه، واختلفوا في جواز الخمسة؛ لأجل الشكّ المذكور، والخلاف عند المالكية، والشافعية، والراجح عند المالكية: الجواز في الخمسة، فما دونها، وعند الشافعية الجواز فيما دون الخمسة، ولا يجوز في الخمسة، وهو قول الحنابلة، وأهل الظاهر. (١) ((الفتح)) ٦٦٠/٥. (٢) بنقل حركة الهمزة إلى اللام، ودرجها. ١٥٣ (١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالثَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٨٥) فمأخذ المنع: أن الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ منه بما يتحقق منه الجواز، ويُلغى ما وقع فيه الشك. وسبب الخلاف: أن النهي عن بيع المزابنة، هل ورد متقدماً، ثم وقعت الرخصة في العرايا، أو النهي عن بيع المزابنة، وقع مقروناً بالرخصة، في بيع العرايا؟ فعلى الأول لا يجوز في الخمسة؛ للشك في رفع التحريم، وعلى الثاني يجوز؛ للشك في قدر التحريم، ويُرَجِّح الأول روايةُ سالم المتقدّمة بلفظ: ((رَخَّص بعد ذلك في بيع العربيّة بالرطب أو بالتمر))، فإنها نصّ في كون الرخصة بعد النهي عن المزابنة. واحتج بعض المالكية بأن لفظة ((دون)) صالحة لجميع ما تحت الخمسة، فلو عَمِلنا بها للزم رفع هذه الرخصة. وتُعُقِّب بأن العمل بها ممكن، بأن يُحْمَل على أقل ما تَصْدُق عليه، وهو المفتى به في مذهب الشافعي، وقد روى الترمذيّ، حديث الباب من طريق زيد بن الْحُبَاب، عن مالك، بلفظ: ((أرخص في بيع العرايا، فيما دون خمسة أوسق))، ولم يتردد في ذلك، وزعم المازريّ أن ابن المنذر ذهب إلى تحديد ذلك بأربعة أوسق؛ لوروده في حديث جابر من غير شك فيه، فتعيّن طرح الرواية التي وقع فيها الشك، والأخذ بالرواية المتيقنة، قال: وألزم المزنيُّ الشافعيَّ القولَ به. انتهى. قال الحافظ: وفيما نقله نظر، أما ابن المنذر فليس في شيء من كتبه ما نقله عنه، وإنما فيه ترجيح القول الصائر إلى أن الخمسة لا تجوز، وإنما يجوز ما دونها، وهو الذي ألزم المزنيُّ أن يقول به الشافعيُّ، كما هو بيِّن من كلامه. وقد حَكَى ابن عبد البر هذا القول عن قوم، قال: واحتجوا بحديث جابر، ثم قال: ولا خلاف بين الشافعيّ، ومالك، ومن اتبعهما في جواز العرايا في أكثر من أربعة أوسق، مما لم يبلغ خمسة أوسق، ولم يثبت عندهم حديث جابر. قال الحافظ: حديث جابر الذي أشار إليه، أخرجه الشافعيّ، وأحمد، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، أخرجوه كلهم من طريق ابن إسحاق: حدّثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر ظُه: سمعت رسول الله وَ﴿ يقول - حين أَذِن لأصحاب العرايا، أن يبيعوها بخرصها - يقول: ((الوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربع))، لفظ ١٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع أحمد، وترجم عليه ابن حبّان: ((الاحتياط أن لا يزيد على أربعة أوسق))، وهذا الذي قاله يتعيّن المصير إليه، وأما جَعْله حَدّاً لا يجوز تجاوزه، فليس بالواضح. واحتج بعضهم لمالك، بقول سهل بن أبي حثمة: ((إن العريّة تكون ثلاثة أوسق، أو أربعة، أو خمسة))، ولا حجة فيه؛ لأنه موقوف. ومن فروع هذه المسألة: ما لو زاد في صفقة على خمسة أوسق، فإن البيع يبطل في الجميع. وخرّج بعض الشافعية، من جواز تفريق الصفقة، أنه يجوز، وهو بعيد؛ لوضوح الفرق، ولو باع ما دون خمسة أوسق في صفقة، ثم باع مثلها البائع بعينه للمشتري بعينه في صفقة أخرى، جاز عند الشافعية، على الأصح، ومنعه أحمد، وأهل الظاهر، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأصحّ ترجيح عدم الجواز في خمسة أوسق، وإنما يجوز فيما دونها، كما هو مذهب الشافعيّة، والحنبليّة، وأهل الظاهر، وترجيح عدم الجواز أيضاً في أكثر من خمسة أوسق فيما إذا تفرّقت الصفقة، كما هو مذهب الحنبليّة، وأهل الظاهر؛ لقوّة حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ . (١٥) - (بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمُزَابَةِ (٢)) وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٨٨٦] (١٥٤٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلَيهِ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً). (١) ((الفتح)) ٦٥٩/٥ - ٦٦٠. (٢) هكذا ترجم القرطبيّ تَخّْثهُ في ((المفهم))، وهو الأولى، خلاف صنيع النوويّ ومن تبعه، فإنهم أدخلوا هذه الأحاديث تحت ترجمة ((باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا))، فتنبّه. ١٥٥ (١٥) - بَابُ النَّهْيٍ عَنِ الْمُزَابَةِ - حديث رقم (٣٨٨٦) رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلّهم ذُكروا في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَُّهُ، وهو (٢٥٦) من رباعيّات الكتاب. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿يَا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ لَهُ نَهَى عَنِ الْمُزَابَتَةِ) - بميم مضمومة، وزاي، وباء موحّدة، ونون - مفاعلة من الزَّبْن - بفتح الزاي، وسكون الموحّدة -: وهو الدفع الشديد، ومنه سُمّيت الحرب الزَّبُون؛ لشدّة الدفع فيها، وقيل للبيع المخصوص: المزابنة؛ لأن كلّ واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقّه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع، هذا هو تفسير المزابنة لغةً، وأما التفسير الشرعيّ، فهو ما بيّنه بقوله: (وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ) الأول بالثاء المثلّثة، والثاني بالتاء المثناة الفوقانيّة، والمراد ثمر النخل؛ أي: رُطَبه، لا كلّ ثمر، إذ يجوز بيع الثمر من غير النخل بالتمر كيلاً؛ لجواز التفاضل فيه. وقوله: (كَيْلاً) منصوب على التمييز. (وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً) وفي الرواية التالية: ((وبيع العنب بالزبيب كيلاً))، و((الكرم)) - بفتح الكاف، وسكون الراء -: هو شجر العنب، والمراد منه هنا نفس العنب، كما أوضحته الروايةُ الثانية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ◌ًا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨٨٦/١٥ و٣٨٨٧ و ٣٨٨٨ و٣٨٨٩ و٣٨٩٠ و٣٨٩١ و٣٨٩٢ و٣٨٩٣] (١٥٤٢)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢١٧١ و٢١٧٢ و٢١٨٥ و٢٢٠٥)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٣٦١)، و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٦٦/٧)، و((الكبرى)) (٢٠/٤)، و(مالك) في ((الموظّإ)) (٦٢٤/٢)، ١٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع و(الشافعيّ) في ((المسند)) (١٥٣/٢)، و((الرسالة)) فقرة (٩٠٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٤٤٨٩)، و(ابن حبّان) في ((صحيح)) (٤٩٩٨ و٤٩٩٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٩٩/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٠٧/٥)، و((المعرفة)) (٣٣٧/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٠٦٩ و٢٠٧٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن بيع المزابنة. ٢ - (ومنها): بيان تفسير المزابنة، قال الحافظ وليّ الدين وَّلهُ: ((المزابنة)) - بضم الميم، وفتح الزاي، وبعد الألف باء موحدة مفتوحة، ثم نون - مشتقة من الزَّبْن، وهو المخاصمة والمدافعة، وقد فسرها في الحديث بأنها بيع الثمر بالتمر كيلاً، وبيع الكرم بالزبيب كيلاً، والثمر المذكور أولاً بفتح الثاء المثلثة والميم، والثاني بفتح التاء المثناة من فوقُ، وإسكان الميم، فالأول اسم له، وهو رُطَبٌ على رءوس النخل، والثاني اسم له بعد الجداد واليبس، وكذا في حديث أبي سعيد الخدريّ في ((الصحيحين)): والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر على رءوس النخل، وكذا في حديث جابر، فإن كان هذا التفسير مرفوعاً، فلا إشكال في وجوب الأخذ به، وإن كان موقوفاً على هؤلاء الصحابة، فهم رواة الحديث، وأعرف بتفسيره من غيرهم، قال ابن عبد البرّ: ولا مخالف لهم علمته، بل قد أجمع العلماء على أن ذلك مزابنة، ولذلك أجمعوا على أن كل ما لا يجوز إلا مِثلاً بمثل أنه لا يجوز منه كيلٌ بِجِزاف، ولا جِزاف بجزاف؛ لأن في ذلك جهل المساواة، ولا يؤمَن مع ذلك التفاضل. قال وليّ الدين: وحقيقتها الجامعة لأفرادها بيع الرُّطَب من الرِّبويّ باليابس منه، وفسّرها مالك كلّثُ بأعم من ذلك، وهو بيع مجهول بمعلوم من صنف ذلك، سواء كان مما يجوز فيه التفاضل أم لا، وجَعَله من باب المخاطرة والقمار، وأدخله في معنى المزابنة، فقال في ((الموطإ)): وتفسير المزابنة كلُّ شيء من الجزاف الذي لا يُعْلَم كيله، ولا وزنه، ولا عدده يباع بشيء مسمَّى من الكيل، أو الوزن، أو العدد، وذلك أن يقول الرجل للرجل يكون له الطعام الْمُصْبَر الذي لا يُعلم كيله من الحنطة والتمر، وما أشبه ذلك من الأطعمة، أو يكون للرجل السلعة من الحنطة، أو النوى، أو القَصْب، أو ١٥٧ (١٥) - بَابُ الَّهْيٍ عَنِ الْمُزَابَةِ - حديث رقم (٣٨٨٦) العُصْفُر، أو الكُرْسُف، أو الكتان، أو الغزل، أو ما أشبه ذلك من السِّلَع، لا يُعلَم كيلُ شيء من ذلك، ولا وزنه، ولا عدده، فيقول الرجل لرب تلك السلعة: كِلْ سلعتك، أو مُرْ من يكيلها، أو زِنْ من ذلك ما يوزن، أو اعدُد من ذلك ما يُعَدّ، فما نقص من كذا وكذا صاعاً فعليّ غُرْمُه، وما زاد على ذلك فهو لي، أضمن ما نقص من ذلك الكيل، أو الوزن، أو العدد على أن يكون لي ما زاد، فليس ذلك بيعاً، ولكنه الغرر، والمخاطرة، والقمار. ومن ذلك أيضاً أن يقول الرجل للرجل له الثوب: أضمن لك من ثوبك هذا كذا وكذا ظِهارةَ قلنسوةٍ قدر كل ظهارة كذا وكذا، فما نقص من ذلك فعليّ غُرْمُه، وما زاد على ذلك فهو لي، ثم ذكر أمثلة أخرى، ثم قال: فهذا كله، وما أشبهه من الأشياء من المزابنة التي لا تجوز. انتهى تفسير مالك تَظُّ مع إسقاط بعضه اختصاراً(١). وفسَّر الشافعيّ كَّثُ المزابنة بأنه بيع ما حَرُم فيه التفاضل جَزَافاً بجزاف، أو معلوماً بجزاف، أو مع التساوي، ولكن أحدهما رطب ينقص إذا جَفّ، قال: وأما إذا قال: أضمن لك صُبْرتك هذه بعشرين صاعاً، فما زاد فلي، وما نقص فعليّ تمامها، فهذا من القمار، وليس من المزابنة. قال ابن عبد البرّ كَّثُ: وما قدّمنا عن أبي سعيد الخدريّ، وابن عمر، وجابر في تفسير المزابنة يشهد لما قاله الشافعيّ، وهو الذي تدلّ عليه الآثار المرفوعة في ذلك، قال: ويشهد لقول مالك - والله أعلم - أصل معنى المزابنة في اللغة؛ لأنه لفظ مأخوذ من الزَّبْنِ، وهو المقامرة والدفع، والمغالبة، وفي معنى القمار: الزيادة والنقص أيضاً، حتى قال بعض أهل اللغة: إن القمر مُشتقّ من القمار؛ لزيادته ونقصانه، فالمزابنة والقمار والمخاطرة شيء واحد، يشبه أن يكون أصل اشتقاقها واحد، تقول العرب: حَرْبٌ زَبُونٌ؛ أي: ذات دفع، وقمار، ومغالبة، قال أبو الغول الطهويّ [من الوافر]: فَوَارِسُ لَا يَمَلُّونَ الْمَنَايَا إِذَا دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ الزَّبُونِ (١) راجع: ((الموطأ)) ٦٢٥/٢ - ٦٢٦. ١٥٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع وقال أوس بن حجر(١) (من الطويل]: وَمُسْتَعْجِبٍ مِمَّا رَأَى مَنْ أَنَاتِنَا وَلَوْ زَبَنَتْهُ الْحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرِمِ(٣) ٣ - (ومنها): أن فيه حجةً للجمهور على تحريم بيع الرَّظب من الربويّ باليابس منه، ولو تساويًا في الكيل، أو الوزن، وهذا مدلول المزابنة كما تقدم، والمعنى فيه أن الاعتبار بالتساوي حالة الكمال، ولا يلزم من مساواة الرَّظْب له في حالة الرطوبة مساواته في حالة الجفاف؛ إذ ينقص بجفافه كثيراً، وقد ينقص قليلاً، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأكثر العلماء من السلف، وجَوَّز أبو حنيفة البيع في هذه الصورة مع التساوي، واكتفى بالمساواة حالة الرطوبة، وهذا الحديث حجة عليه، وقال النوويّ: اتَّفَقَ العلماء على تحريم بيع الرُّطَب بالتمر في غير العرايا، وأنه رِباً، وعلى تحريم بيع العنب بالزبيب، وسواء عند جمهورهم كان الرُّطَب والعنب على الشجر، أو مقطوعاً، وقال أبو حنيفة: إن كان مقطوعاً جاز بيعه بمثله من اليابس. قال وليّ الدين: ولم أر في كتب الحنفية تقييد ذلك عن أبي حنيفة دَّثُ بالمقطوعة. انتهى(٣). ٤ - (ومنها): أن قوله: ((كيلاً)) ليس تقيداً للنهي بهذه الحالة، فإنه متى كان جزافاً فلا كيل، بل كان أولى بالمنع، وكأنه إنما قَيَّد بذلك لأنها صورة المبايعة التي كانوا يتعاملون بها، فلا مفهوم له؛ لخروجه على سبب، أو له مفهوم، لكنه مفهوم الموافقة؛ لأن المسكوت عنه أولى بالمنع من المنطوق. ٥ - (ومنها): بيان أن معيار التمر والزبيب الكيل، وهو كذلك، قاله وليّ الدين تقذفه(٤). ٦ - (ومنها): تسمية العنب كَرْماً، وقد ورد النهي عنه، وتبيّن بهذا الحديث جوازه، وأن ذلك النهي إنما هو للأدب والتنزيه، دون المنع والتحريم، قاله وليّ الدين تكذّلهُ. (١) هكذا في ((لسان العرب))، وفي ((التمهيد)): وقال معاوية، فليُحرّر. (٢) أي لم يحرك شفته بالكلام. (٤) ((طرح التثريب)) ١٣٥/٦. (٣) ((طرح التثريب)) ١٣٤/٦ - ١٣٥. ١٥٩ (١٥) - بَابُ النَّهْىٍ عَنِ الْمُزَابَةِ - حديث رقم (٣٨٨٧) وقال في ((الفتح)): فيه: جواز تسمية العِنَبِ كَرْماً، وقد ورد النهي عنه، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ظه، عن النبيّ وَّر، قال: ((لا تُسمُّوا العِنَب كَرْماً))، وفي رواية: ((ويقولون: الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن». ويُجمَع بينهما بحمل النهي على التنزيه، ويكون ذِكره هنا؛ لبيان الجواز، وهذا كله بناء على أن تفسير المزابنة، من كلام النبيّ وَللتو، وعلى تقدير كونه موقوفاً، فلا حجة على الجواز، فيُحْمَل النهي على حقيقته. ٧ - (ومنها): أنه اختَلَف السلف: هل يُلحق العنب أو غيره بالرُّطَب في العرايا؟ فقيل: لا، وهو قول أهل الظاهر، واختاره بعض الشافعية، منهم المحبّ الطبري. وقيل: يُلحق العنب خاصة، وهو مشهور مذهب الشافعيّ، وقيل: يُلْحَق كل ما يُدَّخَر، وهو قول المالكية، وقيل: يُلْحَق كل ثمرة، وهو منقول عن الشافعيّ، أيضاً، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفّى. أفاده في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم ترجيح القول بعدم إلحاق غير التمر بالتمر؛ لقوةٌ حجته، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٨٨٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ نَهَى عَنِ الْمُزَابَثَةِ: بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالْثَّمْرِ (٢) كَيْلاً، وَبَبْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً، وَبَيْعِ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلاً). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) بن الْفَرَافصة الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت٢٠٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٧. والباقون تقدّموا في الباب الماضي. (١) ((الفتح)) ٦٥٢/٥. (٢) وفي نسخة: ((والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر)). ١٦٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع وقوله: (بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ) بجرّ ((بيع)) بدلاً من ((المزابنة))، وفي بعض النسخ: ((نهى عن المزابنة، والمزابنةُ بيعُ ثمر النخل بالتمر)). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٨٨٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّاء بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥. والباقيان ذكرا قبله. [تنبيه]: رواية يحيى بن أبي زائدة، عن عبيد الله هذه ساقها أبو عوانة في ((مسنده)) (٢٩٨/٣) فقال: (٥٠٥٢) - حدّثنا أبو داود السِّجْزيّ، قئنا (١) أبو بكر بن أبي شيبة، قثنا يحيى بن أبي زائدة، قثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله وَله نَھَى عن بيع الثمر بالتمر کیلاً، وعن بيع العنب بالزبيب کیلاً، وعن بيع الزرع بالحنطة کیلاً. انتهى. وبالسند المتّصل إلى المؤلف كَثُّ أوّل الكتاب قال: [٣٨٨٩] ( .. ) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحُسَيْنُ ابْنُ عِيسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِلَه عَنِ الْمُزَابَثَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخِّلِ بِالتَّمْرِ كَيْلاً، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ (٢) كَيْلاً، وَعَنْ كُلِّ ثَمَرِ بِخَرْصِهِ). (١) قوله: ((قتنا)) في ثلاثة مواضع مختصر من ((قال: حدّثنا))، فتنبّه. (٢) وفي نسخة: ((وبيع العنب بالزبيب)).