النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالثَّعْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧٢)
ثم إِنَّ صور العربة كثيرة:
[منها]: أن يقول الرجل لصاحب حائط: بعني ثمر نخلات بأعيانها،
بخرصها من التمر، فيخرصها ويبيعه، ويقبض منه التمر، ويسلم إليه النخلات
بالتخلية، فينتفع برطبها .
[ومنها]: أن يهب صاحبُ الحائط لرجل نخلات، أو ثمر نخلات معلومة
من حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه، فيخرصها، ويشتري منه رطبها، بقدر
خرصه بتمر، یعجله له.
[ومنها]: أن يهبه إياها، فيتضرر الموهوب له، بانتظار صيرورة الرطب
تمراً، ولا يحب أكلها رطباً؛ لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ذلك الرطب بخرصه
من الواهب، أو من غيره، بتمر یأخذه معجلاً.
[ومنها]: أن يبيع الرجل ثمر حائطه، بعد بُدُوّ صلاحه، ويستثني منه
نخلات معلومة، يُبقيها لنفسه، أو لعياله، وهي التي عُفي له عن خرصها في
الصدقة، وسُمِّيت عرايا؛ لأنها أُعريت من أن تُخرَص في الصدقة، فرُخّص
لأهل الحاجة، الذين لا نقد لهم، وعندهم فضول من تمر قُوْتهم، أن يبتاعوا
بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها .
[ومما يطلق عليه اسم عَرِيّة]: أن يُعرِي رجلاً تمر نخلات، يُبِيح له
أكلها، والتصرف فيها، وهذه هبة مخصوصة.
[ومنها]: أن يُعري عامل الصدقة لصاحب الحائط، من حائطه نخلات
معلومة، لا يَخرُصها في الصدقة، وهاتان الصورتان من العرايا لا يبيع فيهما.
ذكر ذلك كله في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم العَرَايا:
ذهب أكثر أهل العلم إلى إباحتها، منهم: مالك، وأهل المدينة،
والأوزاعيّ، وأهل الشام، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يحل بيعها؛ لأن النبيّ وَّل: ((نهى عن بيع
(١) ((الفتح)) ٦٦٣/٥ - ٦٦٤.

١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر))، متفق عليه، ولأنه يبيع الرطب بالتمر، من
غير كيل في أحدهما فلم يجز، كما لو كان على وجه الأرض، أو فيما زاد
على خمسة أوسق.
واحتجّ الجمهور بالحديث المتّفق عليه: ((أن النبيّ وَّه رخص في العرايا،
في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق))، فقد رواه جماعة من الصحابة: أبو
هريرة، وزيد بن ثابت، وسهل بن أبي حثمة، وغيرهم.
قال ابن قدامة تَظْدُ: خرّجه أئمة الحديث في كتبهم، وحديثهم في
سياقه: ((إلا العرايا))، كذلك في المتفق عليه، وهذه زيادة يجب الأخذ بها،
ولو قُدِّرَ تعارضُ الحديثين وجب تقديم حديثنا؛ لخصوصه، جمعاً بين
الحديثين، وعملاً بكلا النصين.
وقال ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة، هو الذي أرخص في العرايا،
وطاعة رسول الله * أولى، والقياس لا يُصار إليه مع النصّ، مع أن في
الحديث أنه أرخص في العرايا، والرخصة استباحة المحظور، مع وجود السبب
الحاظر، فلو منع وجود السبب من الاستباحة، لم يبق لنا رخصة بحال. انتهى
كلام ابن قدامة كَذَتُهُ(١).
وقال في ((الفتح)) - بعد أن أورد صور العرايا المذكورة في المسألة
السابقة -: وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعيّ، والجمهور، وقَصَر مالك
العرية في البيع على الصورة الثانية، وقَصَرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة،
من صور البيع، وزاد أنه رُخّص لهم أن يأكلوا الرطب، ولا يشتروه لتجارة،
ولا ادخار.
ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها، وقصر العرية على الهبة، وهو أن يُعرِي
الرجل تمر نخلة من نخله، ولا يُسَلِّم ذلك له، ثم يبدو له في ارتجاع تلك
الهبة، فرُخص له أن يحتبس ذلك، ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب، بخرصه
تمراً، وحَمَله على ذلك أَخذُه بعموم النهي عن بيع الثمر بالتمر.
وتُعُقّب بالتصريح باستثناء العرايا، في حديث ابن عمر، كما تقدم، وفي
(١) ((المغني)) ١١٩/٦ - ١٢٠.

١٢٣
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالثَّعْرِ إِلَّا فِي الْعَرَابًا - حديث رقم (٣٨٧٢)
حديث غيره. وحكى الطحاويّ عن عيسى بن أبان، من أصحابهم: أن معنى
الرخصة، أن الذي وُهِبت له العربية لم يملكها؛ لأن الهبة لا تُملك إلا
بالقبض، فلمّا جاز له أن يُعطي بدلها تمراً، وهو لم يملك المبدَل منه، حتى
يستحق البدل، كان ذلك مستثنى، وكان رخصة، وقال الطحاوي: بل معنى
الرخصة فيه: أن المرء مأمور بإمضاء ما وعد به، ويعطي بدله، ولو لم يكن
واجباً عليه، فلما أُذن له أن يحبس ما وعد به، ويعطي بدلاً، ولا يكون في
حكم من أَخلَف وعده، ظهر بذلك معنى الرخصة، واحتج لمذهبه بأشياء، تَدُلُّ
على أن العربية العطية، ولا حجة في شيء منها؛ لأنه لا يلزم من كون أصل
العرية العطية، أن لا تُطلق العرية شرعاً على صور أخرى.
قال ابن المنذر: الذي رَخّص في العرية، هو الذي نهى عن بيع الثمر
بالتمر، في لفظ واحد، من رواية جماعة من الصحابة، قال: ونظير ذلك:
الإذنُ في السَّلَم، مع قوله وَلاير: ((لا تبع ما ليس عندك))، قال: فمن أجاز
السلم، مع كونه مستثنى من بيع ما ليس عندك، ومنع العرية، مع كونها مستثناة
من بيع الثمر بالتمر، فقد تناقض، وأما حملهم الرخصة على الهبة، فبعيد مع
تصريح الحديث بالبيع، واستثناء العرايا منه، فلو كان المراد الهبة، لما استثنيت
العربية من البيع، ولأنه عبّر بالرخصة، والرخصة لا تكون إلا بعد ممنوع،
والمنع إنما كان في البيع، لا الهبة، وبأن الرخصة قُيِّدت بخمسة أوسق، أو ما
دونها، والهبة لا تتقيد؛ لأنهم لم يفرقوا في الرجوع في الهبة، بين ذي رحم
وغيره، وبأنه لو كان الرجوع جائزاً، فليس إعطاؤه بالتمر بدل الرطب، بل هو
تجديد هبة أخرى، فإن الرجوع لا يجوز، فلا يصح تأويلهم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن لك مما ذُكِر أن الحقّ هو ما عليه
الجمهور من جواز بيع العرايا؛ لوضوح أدلّته، وتبيّن لك أيضاً أن التأويلات
التي ذكرها الحنفيّة لأحاديث العرايا كلها باطلة؛ لمعارضتها النصوص
الصريحة .
(١) (الفتح)) ٦٦٤/٥ - ٦٦٥.

١٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وإنْ تَعْجَب فعجبٌ ما أطال به صاحب ((تكملة فتح الملهم)) نفسه في
شرحه مؤيّداً مذهبه الحنفيّ، قاتل الله التعصّب، والله المستعان.
قال القرطبيّ تَخُّ بعد أن ذكر مذهب الحنفيّة في تأويل أحاديث العرايا،
ما نصّه: وهذا المذهب إبطال لحديث العريّة من أصله، فيجب اطّراحه، وذلك
أن حديث العريّة تضمّن أنه بيعٌ مرخّصٌ فيه في مقدار مخصوص، وأبو حنيفة
يُلغي هذه القيود الشرعيّة. انتهى(١).
والحاصل أن الواجب هو الأخذ بما دلّت عليه النصوص الصريحة
الصحيحة، وإلغاء ما خالفها من الآراء، التي لا تعتمد إلا على الأدلة
القياسيّة، ولقد تكرّر إنشاد قول القائل:
تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْماً
تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى
فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أنه اختَلَف العلماء في أن هذه الرخصة هل يُقتَصَر
بها على مورد النصّ، وهو النخل، أم يتعدى إلى غيره؟ على أقوال:
[أحدها]: اختصاصها بالنخل، وهذا قول الظاهرية، على قاعدتهم في
ترك القياس.
[الثاني]: تعدّيها إلى العنب، بجامع ما اشتركا فيه من إمكان الخرص،
فإن ثمرتهما متميزة مجموعة في عناقيدها، بخلاف سائر الثمار، فإنها متفرقة
مستترة بالأوراق، لا يتأتى خرصها، وبهذا قال الشافعيّ.
[الثالث]: تعديها إلى كل ما بيبس ويُدَّخَر من الثمار، وهذا هو المشهور
عند المالكية، وجعلوا ذلك علة الحكم في محل النصّ، وأناطوا الحكم به
وجوداً وعدماً، حتى قالوا: لو كان البسر مما لا يتتمر، والعنب مما لا يتزبب
لم يجز شراء العرية منه بخرصها، بل يخرج عن محل الرخصة؛ لعدم العلة.
[الرابع]: تعدّيها إلى كل ثمرة مُدَّخَرة، وغير مُدَّخرة، وهذا قول محمد بن
(١) ((المفهم)) ٣٩٤/٤.

١٢٥
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّعْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧٢)
الحسن، وهو قول عن الشافعيّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح عدم إلحاق غير التمر بالتمر؛
لأن هذا الترخيص ورد على خلاف النصّ الوارد في النهي عن المزابنة؛
للضرورة، فيُقتصر ما عداه على الأصل، وهو منع المزابنة، وقد أسلفت تحقيق
ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم القائلين بجواز بيع العرايا في
مقدارها :
قال ابن قدامة تَخُّْ: لا تجوز العرايا في زيادة على خمسة أوسق، بغير
خلاف نعلمه، وتجوز فيما دون خمسة أوسق، بغير خلاف بين القائلين
بجوازها، فأما في خمسة أوسق، فلا يجوز عند الإمام أحمد نَظّتُهُ، وبه قال
ابن المنذر، والشافعيّ في أحد قوليه، وقال مالك، والشافعيّ في قول:
يجوز، ورواه إسماعيل بن سعيد، عن أحمد؛ لأن في حديث زيد، وسهل أنه
رَخّص في العرية مطلقاً، ثم استثنى ما زاد على الخمسة في حديث أبي
هريرة، وشكّ في الخمسة، فاستثنى اليقين، وبقي المشكوك فيه على مقتضى
الإباحة، ولنا أنَّ النبيّ وَّه، نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الرطب بالتمر،
ثم أرخص في العرية، فيما دون خمسة أوسق، وشكّ في الخمسة، فيبقى
على العموم في التحريم، ولأن العرية رخصة، بُنيت على خلاف النص
والقياس يقيناً فيما دون الخمسة، والخمسة مشكوك فيها، فلا تثبت إباحتها
مع الشك.
ورَوَى ابن المنذر بإسناده أن النبيّ وَّ*ِ، رَأَخَّصَ في بيع العرية، في
الوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربعة، والتخصيص بهذا يدل على أنه لا
تجوز الزيادة في العدد عليه، كما اتفقنا على أنه لا تجوز الزيادة على الخمسة؛
لتخصيصه إياها بالذكر.
وروى مسلم عن سهل؛ أن رسول الله وَل*، رخص في بيع العرية النخلة،
والنخلتين، ولأن خمسة الأوسق في حكم ما زاد عليها، بدليل وجوب الزكاة
(١) ((طرح التثريب)) ١٤٠/٦.

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
فيها، دون ما نقص عنها، ولأنها قدر تجب الزكاة فيه، فلم يجز بيعه عرية،
كالزائد عليها .
فأما قولهم: أرخص في العرية مطلقاً، فلم يثبت أن الرخصة المطلقة
سابقة على الرخصة المقيدة، ولا متأخرة عنها، بل الرخصة واحدة، رواها
بعضهم مطلقة، وبعضهم مقيدة، فيجب حمل المطلق على المقيد، ويصير القيد
المذكور في أحد الحديثين، كأنه مذكور في الآخر، ولذلك يقيد فيما زاد على
الخمسة اتفاقاً. انتهى كلام ابن قُدامة كَذَهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أحمد، وجماعة
من تقديره بأقل من خمسة أوسق، هو الأرجح؛ لوضوح حجته، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في أنه هل يجوز أن يشتري
أكثر من خمسة فيما زاد على صفقة؟
قال ابن قدامة كثّلهُ: لا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق، فيما زاد على
صفقة، سواء اشتراها من واحد، أو من جماعة، وقال الشافعي: يجوز للإنسان بيع
جميع ثمر حائطه عرايا، من رجل واحد، ومن رجال في عقود متكررة؛ لعموم
حديث زيد، وسهل، ولأن كل عقد جاز مرة، جاز أن يتكرر، كسائر البيوع.
ولنا أن النهي عن المزابنة عامّ، استُثنِيَ منه العرية، فيما دون خمسة
أوسق، فما زاد يبقى على العموم في التحريم؛ ولأن ما لا يجوز عليه العقد
مرة، إذا كان نوعاً واحداً، لا يجوز في عقدين، كالذي على وجه الأرض،
وكالجمع بين الأختين، فأما حديث سهل، فإنه مقيد بالنخلة والنخلتين، بدليل
ما روينا، فيدل على تحريم الزيادة عليهما، ثم إن المطلق يُحْمَل على المقيد،
كما في العقد الواحد. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الحنبليّة من عدم
جواز أكثر من خمسة أوسق مطلقاً هو الأرجح؛ لوضوح حجته، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((المغني)) ١٢١/٦ - ١٢٢.

١٢٧
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧٢)
(المسألة التاسعة): قال ابن قدامة تَخْدَثُ أيضاً: إن باع رجل عَرِيتين من
رجلين، فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز، وقال أبو بكر، والقاضي: لا يجوز؛
لِمَا ذكرنا في المشتري، ولنا أنّ الْمُغَلَّب في التجويز حاجة المشتري، بدليل ما
رَوَى محمود بن لبيد، قال: ((قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ فسمى
رجالاً محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول الله وَ لايز؛ أن الرُّطَب يأتي، ولا
نقد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن
يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر، الذي في أيديهم، يأكلونه رُطَباً))، وإذا كان
سبب الرخصة حاجة المشتري، لم تعتبر حاجة البائع إلى البيع، فلا يتقيد في
حقه بخمسة أوسق، ولأننا لو اعتبرنا الحاجة من المشتري، وحاجة البائع إلى
البيع، أفضى إلى أن لا يحصل الإرفاق؛ إذ لا يكاد يتفق وجود الحاجتين،
فتسقط الرخصة، فإن قلنا: لا يجوز ذلك بطل العقد الثاني، وإن اشترى
عريتين، أو باعهما، وفيهما أقل من خمسة أوسق جاز وجهاً واحداً. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الأول أرجح؛ لوضوح
حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): أنه لا يشترط في بيع العرية، أن تكون موهوبة
البائعها، قال ابن قدامة: هذا ظاهر كلام أصحابنا، وبه قال الشافعيّ، وظاهر
قول الْخِرَقي أنه شرط، وقد روى الأثرم، قال: سمعت أحمد سئل عن تفسير
العرايا؟ فقال: العريا أن يُعري الرجل الجار، أو القرابة للحاجة، أو المسكنة،
فللمُعرَى أن يبيعها ممن شاء.
وقال مالك: بيع العرايا الجائز هو أن يُعري الرجلُ الرجلَ نخلات من
حائطه، ثم يكره صاحب الحائط، دخول الرجل المعرَى؛ لأنه ربما كان مع
أهله في الحائط، فيؤذيه دخول صاحبه عليه، فيجوز أن يشتريها منه.
واحتجوا بأن العرية في اللغة: هبة ثمرة النخيل عاماً، قال أبو عبيد:
الإعراء أن يجعل الرجل للرجل ثمرة نخله عامَها ذلك، قال الشاعر الأنصاري،
يَصِف النخل [من الطويل]:
(١) ((المغني)) ١٢٢/٦ - ١٢٣.

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
فَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رُجَّبِيَّةٍ وَلَكِنْ عَرَآَيَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
يقول: إنا نُعرِيها الناس، فتعيّن صرف اللفظ إلى موضوعه لغة، ومقتضاه
في العربية ما لم يوجد ما يصرفه عن ذلك.
ولنا حديث زيد بن ثابت ظه، وهو حجة على مالك، في تصريحه
بجواز بيعها من غير الواهب، ولأنه لو كان لحاجة الواهب، لما اختص بخمسة
أوسق؛ لعدم اختصاص الحاجة بها، ولم يجز بيعها بالتمر؛ لأن الظاهر من
حال صاحب الحائط، الذي له النخيل الكثير، يعريه الناس، أنه لا يعجز عن
أداء ثمن العرية، وفيه حجة على من اشترط كونها موهوبة لبائعها؛ لأن علة
الرخصة حاجة المشتري إلى أكل الرطب، ولا ثمن معه، سوى التمر، فمتى
وجد ذلك جاز البيع، ولأن اشتراط كونها موهوبة، مع اشتراط حاجة المشتري
إلى أكلها رُطَباً، ولا ثمن معه، يفضي إلى سقوط الرخصة؛ إذ لا يكاد يتفق
ذلك، ولأن ما جاز بيعه إذا كان موهوباً، جاز وإن لم يكن موهوباً، كسائر
الأموال، وما جاز بيعه لواهبه، جاز لغيره، كسائر الأموال، وإنما سُمِّي عرية؛
لتعريه عن غيره وإفراده بالبيع. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأظهر عدم اشتراط كونها موهوبة
للبائع؛ لوضوح مستنده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): أنه إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر، لا أقل
منه، ولا أكثر، ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلوماً بالكيل، ولا
يجوز جزافاً، قال ابن قدامة: لا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا
اختلافاً؛ لما رَوَى زيد بن ثابت ه: ((أن رسول الله وَلو أرخص في العرايا،
أن تُباع بخرصها كيلاً))، متفق عليه، ولمسلم: ((أن تؤخذ بمثل خرصها تمراً،
يأكلها أهلها رُطَباً))، ولأن الأصل اعتبار الكيل من الطرفين، وسقط في أحدهما
للتعذر، فيجب في الآخر بقضية الأصل، ولأن ترك الكيل من الطرفين، يُكثِرُ
الغرر، وفي تركه من أحدهما يقلل الغرر، ولا يلزم من صحته مع قلة الغرر،
صحته مع کثرته.
(١) ((المغني)) ١٢٣/٦ - ١٢٤.

١٢٩
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالثَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧٢)
ومعنى خرصها بمثلها من التمر: أن يُطيف الخارص بالعَرِيّة، فينظر كم
يجيء منها تمراً؟ فيشتريها المشتري بمثلها تمراً، وبهذا قال الشافعيّ، ونقل
حنبل عن أحمد أنه قال: يخرصها رُطَباً، ويعطي تمراً رُخصة، وهذا يَحْتَمِل
الأول، ويَحْتَمِل أنه يشتريها بتمر، مثل الرطب الذي عليها؛ لأنه بيعٌ اشترطت
المماثلة فيه، فاعتبرت حال البيع، كسائر البيوع، ولأن الأصل اعتبار المماثلة
في الحال، وأن لا يباع الرُّطَب بالتمر، وخولف الأصل في بيع الرُّطَب
بالتمر، فيبقَى فيما عداه على قضية الدليل، وقال القاضي: الأول أصح؛ لأنه
يبنى على خرص الثمار في العُشرِ الصحيحِ، ثم خرصه تمراً، ولأن المماثلة
في بيع التمر بالتمر معتبرة حالة الادخار، وبيع الرطب بمثله تمراً يفضي إلى
فوات ذلك.
فأما إن اشتراها بخرصها رطباً لم يجز، وهذا أحد الوجوه لأصحاب
الشافعيّ، والثاني: يجوز، والثالث: لا يجوز مع اتفاق النوع، ويجوز مع
اختلافه، ووجه جوازه ما رَوَى الْجُوزَجاني عن أبي صالح، عن الليث، عن
ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله وَلات:
((أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو التمر، ولم يرخص في غير
ذلك))، ولأنه إذا جاز بيع الرطب بالتمر، مع اختصاص أحدهما بالنقص في
ثاني الحال، فلأن يجوز مع عدم ذلك أولی.
واحتجّ الأولون بما رَوَى مسلم بإسناده، عن زيد بن ثابت ظُبه: ((أن
رسول الله ◌َ﴿ أرخص في العرايا، أن تؤخذ بمثل خرصها تمراً))، وعن سهل بن
أبي حثمة ◌َُّه؛ أن رسول الله وَّهِ، نَهَى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: «ذلك
الربا، تلك المزابنة))، إلا أنه رخص في العربية: النخلة، والنخلتين، يأخذها
أهل البيت، بخرصها تمراً، يأكلونها رُطُباً، رواه مسلم، ولأنه مبيع يجب فيه
مثله تمراً، فلم يجز بيعه بمثله رطباً، كالتمر الجافّ، ولأن من له رطب، فهو
مستغن عن شراء الرطب بأكل ما عنده، وبيع العرايا يشترط فيه حاجة المشتري
على ما أسلفناه، وحديث ابن عمر شك في الرطب والتمر، فلا يجوز العمل به
مع الشك، سيّما وهذه الأحاديث تبيّنه، وتزيل الشك. انتهى كلام ابن

١٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قُدامة ◌َّهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): يُشترط في بيع العرايا التقابض في المجلس،
وهذا قول الشافعيّ، قال ابن قدامة: ولا نعلم فيه مخالفاً؛ لأنه بيع تمر بتمر،
فاعتبر فيه شروطه، إلا ما استثناه الشرع مما لا يمكن اعتباره في بيع العرايا،
والقبض في كل واحد منهما على حسبه، ففي التمر اكتياله أو نقله، وفي الثمرة
التخليةُ، وليس من شروطه حضور التمر عند النخيل، بل لو تبايعا بعد معرفة
التمر والثمرة، ثم مضيا جميعاً إلى النخلة، فسلّمها إلى مشتريها، ثم مشيا إلى
التمر فتسلّمه من مشتريها، أو تسلّم التمر، ثم مضيا إلى النخلة جميعاً، فسلمها
إلى مشتريها، أو سلم النخلة، ثم مضيا إلى التمر، فتسلمه جاز؛ لأن التفرق لا
يحصل قبل القبض.
إذا ثبت هذا، فإن بيع العَرِيّة يقع على وجهين:
[أحدهما]: أن يقول: بعتك ثمرة هذه النخلة بكذا وكذا، من التمر
ويصفه.
[والثاني]: أن يكيل من التمر بقدر خرصها، ثم يقول: بعتك هذا بهذا، أو
يقول: بعتك ثمرة هذه النخلة بهذا التمر، ونحو هذا، وإن باعه بمعيّن، فقَبضُهُ
بنقله وأخذه، وإن باع بموصوف فقبضه باكتياله. انتهى كلام ابن قدامة كَّقُ،
وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): قال ابن قدامة ◌َُّهُ أنه لا يجوز بيع العريّة إلا
لمحتاج إلى أكلها رُطَباً، ولا يجوز بيعها لغنيّ، وهذا أحد قولي الشافعيّ،
وأباحها في القول الآخر مطلقاً لكل أحد؛ لأن كل بيع جاز للمحتاج، جاز
للغنيّ كسائر البياعات، ولأن حديث أبي هريرة، وسهل مطلقان.
قال: ولنا حديث زيد بن ثابت، حين سأله محمود بن لبيد: ما عراياكم
هذه؟ فسمى رجالاً محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول الله وَ ل ◌ٍ؛ أن
الرُّطَب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رُطَباً يأكلونه، وعندهم فضول من
(١) ((المغني)) ١٢٤/٦ - ١٢٦.

١٣١
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمِ بَبْعِ الرُّطَبِ بِالتَّعْرِ إِلَّ فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧٢)
التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر، يأكلونه رطباً، ومتى
خولف الأصل بشرط، لم تجز مخالفته بدون ذلك الشرط؛ ولأن ما أبيح
للحاجة لم يبح مع عدمها، كالزكاة للمساكين، والترخصٍ في السفر فعلى
هذا، متى كان صاحبها غير محتاج إلى أكل الرطب، أو كان محتاجاً، ومعه
من الثمن مما يشتري به العرية، لم يجز له شراؤها بالتمر، وسواء باعها
لواهبها، تحرزاً من دخول صاحب العربية حائطه، كمذهب مالك، أو لغيره،
فإنه لا يجوز. وقال ابن عقيل: يباح، ويحتمله كلام أحمد؛ لأن الحاجة
وجدت من الجانبين، فجاز كما لو كان المشتري محتاجاً إلى أكلها، ولنا
حديث زيد الذي ذكرناه، والرخصة لمعنى خاص، لا تثبت مع عدمه؛ ولأنه
في حديث زيد، وسهل: ((يأكلها أهلها رطباً))، ولو جاز لتخليص الْمُعري لَمَا
شرط ذلك.
فيشترط إذاً في بيع العرية شروط خمسة: أن يكون فيما دون خمسة
أوسق، وبيعها بخرصها من التمر، وقبض ثمنها قبل التفرق، وحاجة المشتري
إلى أكل الرطب، وأن لا يكون معه ما يشتري به سوى التمر، واشترط
القاضي، وأبو بكر شرطاً سادساً، وهو حاجة البائع إلى البيع، واشترط الخرقي
كونها موهوبة لبائعها، واشترط أصحابنا لبقاء العقد أن يأكلها أهلها رطباً، فإن
تركها حتى تصير تمراً، بطل العقد. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اشتراط كون المشتري محتاجاً إلى أكلها
رطباً هو الظاهر؛ لِمَا تقدّم من رواية مسلم: ((أن تؤخذ بمثل خرصها يأكلها
أهلها رُطباً))، وأما الحديث الذي ذكره ابن قدامة عن زيد بن ثابت: ((أن
رجالاً من المحتاجين شكوا إلى رسول الله يفر أن الرطب يأتي إلخ))، فليس
بثابت؛ إذ لم يوجد له سند، كما نقله الزيلعيّ في ((نصب الراية)) (١٣/٤ -
١٤) عن صاحب ((التنقيح))، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(١) ((المغني)) ١٢٨/٦.

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ
ثَابِتٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ (١) يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا
تَمْراً، بَأْكُلُونَهَا رُطَباً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
٢ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ المدنيّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ) وفي بعض النسخ: ((في بيع العريّة)).
وقوله: (رَخَّصَ فِي الْعَرِبَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ ... إلخ) وفي الرواية الآتية:
((قال يحيى: العريّة أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رُطباً بخرصها
تمراً)).
وقال القرطبيّ تَخْتُ: العريّة في اللغة - على ما نقله الجوهريّ -: النخلة
يُعْرِيهَا صاحبها رجلاً محتاجاً، فيجعل ثمرها له عاماً، فيَعْرُوها؛ أي: يأتيها،
وهي: فَعِيلة، بمعنى مفعولة. وإنما أدخلت فيها الهاء لأنها أفردت، فصارت
في عداد الأسماء، كالتَّطِيحة، والأكيلة، ولو جئت بها مع النخلة؛ قلت: نخلةٌ
عَرِيٌّ، وأنشد لسويد بن الصامت:
وَلَيْسَتْ بِسَنْهاءٍ ولا رُجَّبِيَّة ولكن عَرَايَا في السِّنِين الْجَوائح
وقال غيره: هي فَعِيلة، بمعنى: فاعلة؛ أي: عَرِيت من ملك مُعْريها .
وقال غيرهما: عراه يعروه: إذا أتاه يطلب منه عرية، فأعراه؛ أي: أعطاه
إياها، كما يقال: سألني فأسألته، وطلبني فأطلبته، فالعريَّة: اسم للنخلة
المعطى ثمرها، فهي اسم لعطيّة خاصة، وقد سَمَّت العرب عطايا خاصّة بأسماء
(١) وفي نسخة: ((في بيع العربيّة)).

١٣٣
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧٣)
خاصّة، كالمنيحة: لعطية الشاة لِلَّبن، والإفقار: لما رُكِب فقاره، والإخبال:
لما ينتفع به من المال.
قال القرطبيّ: فقد حصل من نقل أهل اللغة: أن العرية عطية؛ لا بيعٌ،
ولما ثبت ذلك فسَّر مالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، والأوزاعيّ العرية
المذكورة في الحديث: بأنَّها إعطاء الرَّجل من جملة حائطه نخلة أو نخلتين
عاماً، على ما تقتضيه اللغة، غير أنهم اختلفوا في شروط كثيرة، وأحكام
متعددة، وحاصل مذهب مالك في العربية: أنها عطية ثمرة نخلة أو نخلات من
حائط، فيجوز لمن أُعطيها أن يبيعها إذا بدا صلاحها من كل أحد بالعين،
والعروض، ومن معطيها خاصة بخرصها تمراً، وذلك بشروط:
أحدها: أن تكون أقل من خمسة أوسقٍ، وفي الخمسة خلاف.
وثانيها: أن تكون بخرصها من نوعها ويابسها نخلاً، وعنباً، وفي غيرهما
مما يوسق، ويُدَّخَر للقوت، خلاف.
وثالثها: أن تقوَّم بالخرص عند الجداد.
ورابعها: أن يكون المشترَى جملتها، لا بعضها.
وخامسها: أن يكون بيعها عند طيبها، فلو باعها من الْمُعْرِي قبل ذلك
على شرط القطع لم يجز، لتعدِّي محل الرُّخصة.
وأما الشافعيّ: فالعرية عنده: بيع الرُّطب في رؤوس النخل بتَمْر مُعَجَّل،
فلم يُعَرِّج على اللغة المعروفة فيها، وكأنه اعتمد في مذهبه على تفسير يحيى بن
سعيد راوي الحديث، فإنه قال: العرية: أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام
أهله رطباً بخرصها تمراً، وهذا لا ينبغي أن يعوَّل عليه؛ لأن يحيى بن سعيد
ليس صحابيّاً، فيقال: فهمه عن النبيّ ◌َّ، ولا رفعه للنبيّ وَّل، ولا يثبت به
عرف غالب شرعيّ حتى يرجِّحه على اللغة، وغايته: أن يكون رأياً ليحيى، لا
رواية له، ثم يعارضه تفسير ابن إسحاق، فإنه قال: العرايا: أن يهب الرجل
للرجل النخلات، فيشقّ عليه أن يقوم عليها، فيبيعها بمثل خرصها، ثم هو عين
المزابنة المنهيّ عنها، ووضع رخصة في موضع لا تُرهق إليه حاجة وَكِيدة، ولا
تندفع بها مفسدة، فإن المشتري لها بالتمر متمكن من بيع تمره بعين أو
عروض، ويشتري بذلك رطباً، فإن قيل: قد يتعذَّر هذا، قيل: فأَجِز بيع الرُّطب

١٣٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
بالتمر؛ إذا كان الرطب لا على رؤوس النخل؛ إذ قد يتعذر بيع التمر على من
هو عنده ممن يريد أن يشتري الرطب به، ولا يجوز ذلك، فلا يجوز تفسير
العرية بما ذكر.
وأمَّا أبو حنيفة: فإنَّه فسَّر العرية بما إذا وهب رجل ثمر نخلة، أو
نخلات، ولم يقبضها الموهوب له، فأراد الواهب أن يعطي الموهوب له تمراً،
ويتمسك بالثمرة، جاز له ذلك؛ إذ ليس من باب البيع، وإنما هو من باب
الرجوع في الهبة؛ التي لم تجب بناء على أصله في أن الهبة لا تجب إلا
بالقبض، وهذا المذهب إبطال لحديث العريّة من أصله فيجب إطَّراحه، وذلك:
أن حديث العرية تضمن أنه بيع مُرَخّص فيه في مقدار مخصوص، وأبو حنيفة
يلغي هذه القيود الشرعية. انتهى كلام القرطبيّ كَّلُمُ(١).
وقال الحافظ تَّلهُ بعد ذكر كلام القرطبيّ فيما قاله في الردّ على
الشافعيّ، ما نصّه: والشافعي أقعد باتباع أحاديث هذا الباب من غيره، فإنها
ناطقة باستثناء العرايا من بيع المزابنة، وأما إلزامه الأخير فليس بلازم؛ لأنها
رخصة وقعت مقيدةً بقيد، فيتبع القيد، وهو كون الرطب على رؤوس النخل،
مع أن كثيراً من الشافعية ذهبوا إلى إلحاق الرطب بعد القطع بالرطب على
رؤوس النخل بالمعنى كما تقدم، والله أعلم.
قال: وكل ما ورد من تفسير العرايا في الأحاديث لا يخالفه الشافعيّ،
فقد روى أبو داود من طريق عمرو بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد، وهو
أخو يحيى بن سعيد، قال: العرية الرجل يُعْرِي الرجل النخلة، أو الرجلُ
يستثني من ماله النخلة يأكلها رطباً، فيبيعها تمراً، وقال أبو بكر بن أبي شيبة في
((مصنفة)): حدّثنا وكيع، قال: سمعنا في تفسير العربية أنها النخلة يرثها الرجل،
أو يشتريها في بستان الرجل.
وإنما يتجه الاعتراض على من تمسك بصورة من الصور الواردة في تفسير
العربية، ومنع غيرها، وأما مَن عَمِل بها كلها ونظمها في ضابط يجمعها، فلا
اعتراض عليه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رَُّ .
(١) «المفهم)) ٣٩٢/٤ - ٣٩٤.

١٣٥
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧٤)
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله الحافظ تَخْذَلُ أن ما ذهب إليه
الشافعيّ تَّثُ أولى من غيره، وهو أنه يعمل بكل ما دلّت به أحاديث العرايا،
وقد تقدّمت صورها، فالعمل بكل الروايات أولى وأحقّ من إلغاء بعضها،
فتأمل بالإنصاف، وأما مذهب إليه الحنفيّة من إلغاء أحاديث العريّة، ودفعهم
لها بالتأويلات الباردة، والمتعسّفة، فيجب اطّراحه، كما قال القرطبيّ، فتبصّر،
ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال القرطبيّ تَخْذُ أيضاً: قوله: (رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ
بِخَرْصِهَا تَمْراً، يَأْكُلُونَهَا رُطَباً) الخِرْصُ - بكسر الخاء - هو: اسم للمخروص،
ويفتحها هو: المصدر، والرواية هنا: بالكسر، و((أهل البيت)) - على مذهب
مالك، ومن قال بقوله -: هم الْمُعْرُون، فيضمنون مقدار العرية، فيدفعون ذلك
للمُعْرَى له تمراً عند الجداد رفقاً به حيث كفي المؤن، وأعطي ما يقتات به.
ويحصل من ذلك للمُعْرِي دفع ضرر تكرار دخول المعرى له إلى عريته
لتعاهدها، وسقيها، واجتنانها، فظهر لمالك: أن العرية إنما رخص فيها لأنها
من باب المعروف، والرفق، والتسهيل في فعل الخير، والمعونة عليه، وأما
على مذهب الشافعيّ، فأهل البيت عنده هم: المشترون الذين يشترون الرطب
بالتمر ليأكلوها رطباً. فظهر له: أن الموجب لهذه الرخصة هو حاجة من له تمر
لأكل الرطب، وقد ذكرنا آنفاً ضعف هذا المعنى. انتهى كلام القرطبيّ تَظّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد مرّ أنه لا ضعف فيما ذهب إليه
الشافعيّ تَخْلُهُ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ:
سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلهم تقدّموا في السند الماضي، وفي الباب الماضي، و((عبد الوهّاب))
هو: ابن عبد المجيد الثقفيّ.
(١) ((المفهم)) ٣٩٤/٤ - ٣٩٥.

١٣٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
[تنبيه]: رواية عبد الوهاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو
عوانة في ((مسنده)) (٢٩٦/٣) فقال:
(٥٠٤٧) - حدّثنا إسماعيل القاضي، قثنا (١) عليّ ابن المدينيّ، قئنا
عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى يقول: أخبرني نافع؛ أنه سمع ابن عمر
حَدَّث أن زيد بن ثابت حدَّثه، أن رسول الله وَّهِ رَخَّصَ في العَرِبّة يأخذها أهل
البيت بخرصها، ثم يأكلونها رُطَباً. انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ
سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَالْعَرِبَّةُ النَّخْلَةُ تُجْعَلُ لِلْقَوْمِ، فَيَبِيعُونَهَا
بِخَرْصِهَا تَمْرا).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (ُهُشَيْمُ) بن بَشِير الواسطيّ، أبو معاوية بن أبي خازم، ثقةٌ ثبتٌ، كثير
التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَالَ: وَالْعَرِبَّةُ ... إلخ) فاعل ((قال)) ضمير يحيى بن سعيد
الأنصاريّ، كما بيّنه في الرواية التالية، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية هشيم، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها البيهقيّ في
«الکبری)) (٥/ ٣١٠) فقال:
(١٠٤٤١) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه،
أنا إسماعيل بن قتيبة، ثنا يحيى بن يحيى، أنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن
نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، قال: نَهَى رسول الله وَّر عن بيع الثمر
حتى يبدو صلاحها، ورَخَّصَ في العرايا، قال: والْعَرِيّة: النخلة تُجْعَل للقوم،
يبيعونها بخرصها تمراً. انتهى، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: نقل أبو مسعود الدمشقيّ في ((الأجوبة)) (١٣) كلام
(١) ((قثنا)) في الموضعين مختصر من ((قال: حدّثنا))، فتنبّه.

١٣٧
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالثَّمْرِ إِلَّا فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧٦)
الدارقطنيّ، حيث قال: وأخرج حديث هُشيم، عن يحيى بن سعيد، عن نافع،
عن ابن عُمر، عن زيد بن ثابت في بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، وبيع
العرايا، ويقال: إن هُشيماً وَهِمَ فيه، وأوّله عن ابن عمر، عن النبيّ وَّهِ، وعن
زيد، عن النبيّ ◌َّ في العرايا فقط.
قال أبو مسعود: أما حديث هُشيم، فقال: حدّثنا يحيى بن يحيى، حدّثنا
هُشيم، عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد، ولم يزد على هذا، ومثله حديث
عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد،
عن النبيّ ◌َ﴿ في العرايا فقط، وألغى مسلم حديث الأول، والذي وَهِمَ فيه
هُشيم، فلم يُخرجه، إنما أخرجه في عقب حديث زيد، عن النبيّ بِّ في
العرايا، فلم يتأمّل عليّ بن عمر هذا، ولو تأمّله لم يَنسُب إلى الوهم فيه. انتهى
كلام أبي مسعود ◌َُّهُ.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد أبو مسعود الدمشقيّ ◌َّهُ في هذا
التعقّب على الدارقطنيّ حيث اعترض على مسلم بما هو بريء منه، فإن صنيعه
يدلّ على مهارته في علم الحديث، وقوّة فِطنته في علله حيث تفطّن لوهم
هشيم، فذكر متابعته لسليمان بن بلال في أصل الحديث، كما تابعه الثقفيّ، ثم
حذف محلّ الوهم، وهذا من جملة ما أشار إليه في أول كتابه بأنه يوضح علل
الحديث كلما أتى عليها، فقد أوضح هنا حيث حذف ما وَهِمَ فيه هشيم من
متن الحديث، وذكر ما لم يَهِم فيه، وهو الإسناد، وهذا هو غاية الحِذق، فللّه
درّه محدّثاً حافظاً، وناقداً بصيراً.
وقد سقتُ في التنبيه الأول حديث هُشيم مما أخرجه البيهقيّ في
(الكبرى))، وفيه وهمه المذكور، كما قال الدارقطنيّ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ
يَحْبَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، أَنَّ
رَسُولَ اللهِ﴿ وَخَّصَ فِي بَّبْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْراً، قَالَ يَحْيَى: الْعَرِيَّةُ أَنْ
يَشْتَرِيّ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخَلَاتِ لِطَّعَامِ أَهْلِهِ رُطَباً بِخَرْصِهَا تَمْرأ).

١٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
رجال هذا الإسناد: ستة:
وهم المذكورون قبله، غير شيخه، والليث بن سعد، فتقدّما قبل ثلاثة
أبواب.
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنِي
نَافِعُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنٍ ثَابِتٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ
ءُ
تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلاً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبله، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن عبد الله بن
نُمير، و((عُبيد الله)) هو ابن عمر العمريّ.
وقوله: (أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا) في تأويل المصدر بدل من ((العرايا))؛ أي: في
بيعها .
وقوله: (كَيْلاً) منصوب على التمييز.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: أَنْ تُؤْخَذَ بِخَرْصِهَا).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
و ((ابن المثنّى)) هو: محمد، و((يحيى بن سعيد)) هو: القطّان، و((عبيد الله))
هو المذكور في السند الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم.

١٣٩
(١٤) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَبْعِ الرُّطَبِ بِالثَّعْرِ إِلَّ فِي الْعَرَايَا - حديث رقم (٣٨٧٩ - ٣٨٨٠)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْفُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٩] (.) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع، وَأَبُو كَامِلِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (ح)
ء
وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَابَا بِخَرْصِهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا قريباً، و((أبو الربيع)) هو: سليمان بن داود الزهرانيّ، و((أبو
كامل)) هو: فُضيل بن حسين الْجَحْدريّ، و((حماد)) هو ابن زيد، و((إسماعيل))
هو ابن عليّة (١)، و((أيوب)) هو: السختيانيّ.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٨٠] (١٥٤٠) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ
- يَعْنِ ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ بَعْضٍ
أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ، مِنْهُمْ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَتْمَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَهِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَقَالَ: ((ذَلِكَ الرِّبَا، تِلْكَ الْمُزَابَنَةُ))، إِلَّا
أَنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِبَّةِ: النَّخْلَةِ، وَالنَّخْلَتَيْنِ يَأْخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْراً،
يَأْكُلُونَهَا رُطَباً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) تقدّم قريباً.
٢ - (بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ (٢)) الحارثيّ الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ
[٣].
رَوَى عن أنس، وجابر، ورافع بن خَدِيج، وسهل بن أبي حَثْمة،
وسُوَيد بن النعمان، ومُحَيِّصة بن مسعود، وغيرهم.
(١) راجع: ((تحفة الأشراف)) ٣٥٨/٥.
(٢) (بُشَير)) بضمّ الموحّدة، وفتح الشين، و((يسار)) بالمثنّاة تحتُ، والسين المهملة.

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وروى عنه ابنُ ابنه بُشَير بن عبد الله بن بُشَير بن يسار، وربيعة الرأي،
وسعيد بن عُبيد الطائيّ، وابن إسحاق، ويحيى بن سعيد، وأبو الرَّحَّال عقبة بن
عُبيد، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقة، وليس بأخي سليمان بن يسار، وقال ابن سعد: كان
شيخاً كبيراً فقيهاً، وكان قد أدرك عامة أصحاب رسول الله بصير، وكان قليل
الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وكناه محمد بن إسحاق في روايته عنه: أبا
کیسان، وذكره ابن حبان في ((الثقات)).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٥٤٠)
وكرره ثلاث مرّات، وحديث (١٦٦٩): ((كَبِّر الْكُبْرَ في السنّ ... )) الحديث،
وكرّره أيضاً ثلاث مرّات.
٣ - (سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ(١)) واسمه عبد الله بن ساعدة، وقيل: عامر بن
ساعدة، وكنية سهل: أبو يحيى، وقيل: أبو محمد الأنصاريّ الخزرجيّ، تُوفّي
النبيّ ◌َ، وهو ابن ثمان سنين، أخرج له الجماعة، ومات في خلافة
معاوية يا (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٩٤٧/٥٧.
و ((سليمان بن بلال))، و((يحيى بن سعيد)) الأنصاريّ ذُكرا في الباب قبل
أحاديث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه وإن كان
بصريّاً إلا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، وأنه لا يوجد في الرّواة من
اسمه بُشَير مصغّراً إلا بُشَير بن يسار هذا، ويُشير بن كعب العدويّ البصريّ،
وهو مخضرم تقدّم في ((شرح المقدّمة».
وقد ذكر النوويّ تَخَّتُهُ جملاً من لطائف هذا الإسناد، ودونك عبارته:
قال تَخَّتُهُ: في هذا الإسناد أنواع من معارف علم الإسناد، وطُرَفه:
منها: أنه إسناد كله مدنيون، وهذا نادرٌ في صحيح مسلم، بخلاف
الكوفيين، والبصريين، فإنه كثير، قدمنا في مواضع كثيرة من أوائل هذا الكتاب
وبعدها بيانه.
(١) بفتح الحاء المهملة، وإسكان الثاء المثلّثة.