النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(٩) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ صُبْرَةِ الثَّمْرِ الْمَجْهُولَةِ الْقَدْرِ بِتَمْرٍ - حديث رقم (٣٨٤٥)
٤ - (ومنها): أن فيه جابراً ظه من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠)
حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث :
عن ابن جريج (أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ)
(يَقُولُ: ((نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ، عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ) - بضم الصاد المهملة، وسكون
الموحّدة -: جمعها صُبَرٌ، - بضم، ففتح - كغُرْفة وغُرَف: هي الطعام المجتمع،
كالكُومة، يقال: اشتريتُ الشيءَ صُبْرةً؛ أي: بلا كيل، ولا وزن، أفاده
الفيّوميّ(١).
وقوله: (مِنَ التَّمْرِ) بيان لـ«الصُّبْرة))، وقوله: (لَا يُعْلَمُ) بالبناء للمفعول،
ونائب فاعله («مكيلها))، والجملة حال من ((الصبرة))، أو نعت لها، على تقدير
((أل)) جنسيّة، على حدّ قول الشاعر [من الكامل]:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
وقوله: (مَکِیلُهَا) بفتح الميم: مصدر کال، يقال: کال الطعام یکیلہ کیلاً،
ومَكِيلاً ومَكَالاً، واكتاله بمعنّى، والاسم الكِيلة بالكسر، قاله في
((القاموس))(٢)، والمراد هنا أنه لا يُعلم مقدار كيل تلك الصُّبْرة.
وقال الشوكانيّ دَّثُ: قوله: ((لا يُعلم مكيلها)) صفة كاشفة للصُّبْرة؛ لأنه
لا يقال لها: صُبرة، إلا إذا كانت مجهولة الكيل. انتهى(٣).
وقوله: (بِالْكَيْلِ) متعلّقٌ بابيع))، والباء للمقابلة (الْمُسَمَّى مِنَ الثَّمْرِ) قال
النوويّ تَخْثُ: هذا تصريحٌ بتحريم بيع التمر بالتمر حتى يُعلم المماثلة، قال
العلماء: لأنّ الجهل بالمماثلة في هذا الباب كحقيقة المفاضلة؛ لقوله وله: ((إلا
سواءً بسواءٍ))، ولم يحصُل تحقّق المساواة مع الجهل، وحكم الحنطة بالحنطة،
والشعير بالشعير، وسائر الرِّبويّات إذا بِيع بعضها ببعض حكم التمر بالتمر.
(٤)
هى (٤).
انتھی
(١) راجع: ((المصباح المنير)) ٣٣١/١.
(٣) ((نيل الأوطار)) ٢٠٨/٥.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٤٨/٤.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٠/ ١٧٢.

٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أن حكم
الحنطة، والشعير، وسائر الربويات، حكم التمر قد جاء منصوصاً عليه فيما
رواه النسائيّ في ((سننه)) بإسناد صحيح، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن
عبد الله قال: قال النبيّ وَ ر: ((لا تباع الصبرة من الطعام بالكيل بالصبرة من
الطعام، ولا الصبرة من الطعام المسمى من الطعام المسمى)). انتهى (١).
فالطعام، وإن أطلقه أهل الحجاز على البُرّ خاصّة - كما قال
الأزهريّ - إلا أنه في العرف: اسم لما يُؤكل، مثل الشراب: اسم لما
يُشرب، أفاده الفيّوميّ، وقال ابن منظور: الطعام: اسم جامعٌ لكلّ ما
يؤكل، وقال ابن الأثير: الطعام عامّ في كلّ ما يُقتات، من الحنطة،
والشعير، والتمر، وغير ذلك. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله
المصنّف تَخَذَشُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨٤٥/٩ و٣٨٤٦] (١٥٣٠)، و(النسائيّ) في
البيوع (( (٢٦٩/٧ و٢٧٠) و((الكبرى)) (٢٢/٤)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١/
١٤٥)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٤٤/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(١٥٥/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٨٦/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٢٩١/٥ و٣٠٨) و((الصغرى)) (٩٤/٥) و((المعرفة)) (٣٣٩/٤)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم بيع الصُّبْرة المجهولة المقدار بالمعلوم المقدار،
وهو التحريم.
(١) ((السنن الكبرى)) للنسائيّ (٢٣/٤) رقم (٦١٣٩).

٤٣
(٩) - بَابُ تَحْرِيمٍ بَيْعِ صُبْرَةِ الثَّمْرِ الْمَجْهُولَةِ الْقَدْرِ بِتَمْرٍ - حديث رقم (٣٨٤٦)
٢ - (ومنها): أنه يدلّ على أنه لا يجوز أن يباع جنس بجنسه، وأحدهما
مجهول المقدار؛ لأن العلم بالتساوي مع اتّفاق الجنس شرط، لا يجوز البيع
بدونه، ولا شكّ أن الجهل بكلا البدلين، أو بأحدهما فقط، مظِنّة للزيادة
والنقصان، وما كان مظنّةً للحرام وجب تجنّبه، وتجنّب هذه المظنّة إنما يكون
بكيل المكيل، ووزن الموزون من كلّ من البدلين. قاله الشوكانيّ ◌َّتُهُ(١).
٣ - (ومنها): أنه يدلّ بمفهومه على أنه لو باع الصبرة بغير جنسها لجاز،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تََّفُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٤٦] ( ... ) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا
ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى
رَسُولُ اللهِ وَ ﴿ بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مِنَ الثَّمْرِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وهم المذكورون قبل حدیث.
[تنبيه]: رواية روح بن عبادة، عن ابن جريج هذه ساقها البيهقيّ
في ((الكبرى))، إلا أن في روايته ذكر ((من التمر)) في آخر الحديث، فقال
(٣٠٨/٥):
وأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا
إبراهيم بن عبد الله السعديّ، أنا رَوح بن عُبادة، ثنا ابن جريج، قال: أخبرني
أبو الزبير؛ أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ((نَهَى رسول اللهِ وَطّ عن بيع
الصُّبْرة من التمر، لا يُعْلم مَكِيلها بالكيل المسمى من التمر)). انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) ((نيل الأوطار)) ٢٠٨/٥.

٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
(١٠) - (بَابُ تُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَابِعَيْنِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٤٧] (١٥٣١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((الْبَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ
عَلَىَّ صَاحِبِهِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إِلَّ بَيْعَ الْخِيَارِ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلهم تقدّموا قبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف تَّثُ، وهو
(٢٤٩) من رباعيّات الكتاب، وهو أصحّ الأسانيد مطلقاً، كما نُقِلَ ذلك عن
الإمام البخاريّ تَخْلُ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
ـَّ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ قَالَ: ((الْبَيِّعَانِ) - بفتح الموحّدة،
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ)
وتشديد المثنّاة التحتانيّة المكسورة -؛ أي: البائع والمشتري، وتسمية المشتري
بائعاً جائز كما سبق، ووقع أيضاً بلفظ: ((المتبايعان))، وقال وليّ الدين تَُّ:
قوله: ((المتبايعان)) كذا في أكثر الروايات، وفي بعضها: ((البيّعان))، وكلاهما
في ((الصحيحين))، ولم يَرِد في شيء من طرقه فيما أعلم: ((البائعان))، وإن كان
استعمال لفظ البائع أغلب، وقد استُعمل في اللغة الأمران، كما في ضَيِّقٍ،
وضائق، وَصَيِّنٍ، وصائن، واقتصروا على فيعل في ألفاظ محصورة؛ كطيّب،
وسيّئ، وميّتٍ، وكيّسٍ، وريّض، وليّن، وهيّن، وقالوا: بان بمعنى بَعُد، فهو
بائنٌ، وبمعنى ظهر، فهو بيّنٌّ، وقام ببُدْنه، فهو قائمٌ، وقام بالأمر، وعلى
اليتيم، فهو قَيّمٌ، ففرّقوا بينهما بحسب المعنى. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((البيعان)) بتشديد التحتانية، والْبَيِّع بمعنى البائع؛
(١) ((طرح التثريب)) ١٤٨/٦.

٤٥
(١٠) - بَابُ ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَابِعَيْنِ - حديث رقم (٣٨٤٧)
كضَيِّق وضائق، وصَيِّن وصائن، وليس كبَيِّن وبائن، فإنهما متغايران؛ كقَيِّم
وقائم، واستعمال الْبَيِّع في المشتري إما على سبيل التغليب، أو لأن كلّ منهما
بائع. انتهى(١).
(كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ)؛ أي: في إمضاء البيع (عَلَى صَاحِبِهِ، مَا لَمْ
يَتَفَرَّقَا) - بتقديم التاء على الفاء - قال وليّ الدين تَخْتُهُ: كذا في أكثر الروايات،
وفي بعضها ((يَفْتَرِقا)) بتقديم الفاء، وبالتخفيف، وهو عند النسائيّ من غير وجه،
وكذا هو عند مسلم من حديث حكيم بن حِزَام، وحَكَى ثعلب عن ابن
الأعرابيّ، عن الْمُفَضَّل أنه قال: يفترقان بالكلام، ويتفرقان بالأبدان.
وأنكره القاضي أبو بكر ابن العربيّ، وقال: لا يشهد له القرآن، ولا
يعضده الاشتقاق، قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا
جَاءَتْهُمُ الْبَيْنَةُ ﴾ [البينة: ٤]، فذكر التفرق فيما ذكر فيه النبيّ ◌َّ الافتراق في
قوله: ((افترقت اليهود والنصارى على ثنتين وسبعين فرقةً، وستفترق أمتي على
ثلاث وسبعين فرقة)).
قال وليّ الدين: التفرق الذي في الآية، والافتراق الذي في الخبر، لا
يمتنع أن يراد بهما الأبدان؛ لأنه لازم لاختلاف العقائد غالباً، فإن من خالف
شخصاً في عقيدته، هَجَرَه، ولم يساكنه غالباً، وبتقدير أن يراد به الأقوال، فلا
يطابق مَنْ أَوَّل هذا الحديث على الافتراق بالأقوال، كما سنحكيه؛ لأن أقوال
أولئك المختلفين متفرقة، ولا يطابق شيء منها الآخر، وأما هنا فإن قولي
البائعين متوافقان، لا يخالف أحدهما الآخر، فإنه لو خالفه لم يصحّ البيع،
والله أعلم. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((ما لم يتفرقا))، في رواية النسائيّ: ((يفترقا))
بتقديم الفاء، ونَقَلَ ثعلب عن المفضل بن سلمة: افترقا بالكلام، وتفرّقا
بالأبدان، وردّه ابن العربيّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾، فإنه
ظاهر في التفرق بالكلام؛ لأنه بالاعتقاد، وأجيب بأنه من لازمه في الغالب؛
(١) ((الفتح)) ٥٦٢/٥.
(٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٤٨/٦.

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
لأن من خالف آخر في عقيدته كان مستدعياً لمفارقته إياه ببدنه، ولا يخفى
ضعف هذا الجواب، والحقّ حمل كلام المفضل على الاستعمال بالحقيقة،
وإنما استُعْمِل أحدهما في موضع الآخر اتساعاً. انتهى(١).
(إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ) أي: فلا يحتاج إلى التفرّق، وفي رواية: ((إلا أن يكون
البيع كان عن خيار، فإن كان البيع عن خيار، فقد وجب البيع))، وفي رواية:
((أو يقول أحدهما للآخر: اختر)).
وقد اختلف العلماء في المراد بقوله: ((إلا بيع الخيار)»، فقال الجمهور،
وبه جزم الشافعيّ: هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق، والمراد أنهما إن
اختارا إمضاء البيع قبل التفرق، لزم البيع حينئذ، وبطل اعتبار التفرق،
فالتقدير: إلا البيع الذي جرى فيه التخاير.
قال النووي: اتفق أصحابنا على ترجيح هذا التأويل، وأبطل كثير منهم
ما سواه، وغَلَّطُوا قائله. انتهى.
ورواية الليث الآتية بعد حديث ظاهرة جدّاً في ترجيحه.
وقيل: هو استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق، وقيل: المراد بقوله: ((أو
يُخيّر أحدهما الآخر))؛ أي: فيشترط الخيار مدة معينة، فلا ينقضي الخيار
بالتفرق، بل يبقى حتى تمضي المدة، حكاه ابن عبد البر، عن أبي ثور، ورجح
الأول، بأنه أقل في الإضمار، وتُعَيِنُه رواية النسائيّ، من طريق إسماعيل، قيل:
هو ابن أمية، وقيل: غيره، عن نافع، بلفظ: ((إلا أن يكون البيع، كان عن
خیار، فإن كان البيع عن خيار، وجب البيع)).
وقيل: هو استثناء من إثبات خيار المجلس، والمعنى: أو يخيّر أحدهما
الآخر، فيختار في خيار المجلس، فينتفي الخيار، وهذا أضعف الاحتمالات.
وقيل: قوله: ((إلا أن يكون بيع خيار))؛ أي: هما بالخيار، ما لم يتفرقا،
إلا أن يتخايرا، ولو قبل التفرق، وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار، ولو بعد
التفرق، وهو قول يجمع التأويلين الأولين، ويؤيده رواية عبد الرزاق، عن
سفيان، بلفظ: ((إلا بيع الخيار، أو يقول لصاحبه: اختر))، إن حملنا ((أو)) على
(١) ((الفتح)) ٥٦٢/٥.

٤٧
(١٠) - بَابُ ثُبُوتٍ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَابِعَيْنِ - حديث رقم (٣٨٤٧)
التقسيم، لا على الشك، قاله في ((الفتح))(١).
وقال الحافظ وليّ الدين كَّثُ: اختلف في قوله: ((إلا بيع الخيار)) على
أقوال:
[أحدها]: أنه استثناء من امتداد الخيار إلى التفرّق، والمراد ببيع الخيار
أن يتخايرا في المجلس، ويختارا إمضاء البيع، فيلزم بنفس الخيار، ولا يدوم
إلى التفرّق، ويدلّ لهذا قوله في رواية أيوب السختيانيّ، وهي في ((الصحيح)):
((ما لم يتفرّقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر))، وربّما قال: ((أو يكون بيع
الخيار))، فلما وَضَع قوله: ((أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر))، موضع ((بيع
الخيار))، دلّ على أنه بمعناه، ويدلّ لذلك قوله في رواية أخرى: ((ما لم يتفرّقا،
أو يختارا))، وكذا قوله في رواية أخرى: ((ما لم يتفرقا، وكانا جميعاً، أو يخيّر
أحدهما الآخر)).
وقد رجّح الشافعيّ كَّتُهُ هذا المعنى، فقال فيما رواه البيهقيّ في
((المعرفة)): واحتَمَل قولُ رسول الله رَله: ((إلا بيع الخیار)) معنیین:
[أظهرهما]: عند أهل العلم باللسان، وأولاهما بمعنى السنّة، والاستدلال
بها، والقياس أن رسول الله وَ﴾؛ إذ جعل الخيار للمتبايعين، والمتبايعان اللذان
عقدا البيع، حتى يتفرّقا، إلا بيع الخيار، فإن الخيار إذا كان لا ينقطع بعد عقد
البيع في السنّة حتى يتفرّقا، وتفرّقهما هو أن يتفرقا عن مُقامهما الذي تبايعا
فيه، كان بالتفرّق، أو بالتخيير، وكان موجوداً في اللسان، والقياس إذا كان
البيع يجب بشيء بعد البيع، وهو الفراق أن يجب بالثاني بعد البيع، فيكون إذا
خيّر أحدهما صاحبه بعد البيع، كان الاختيار تحديد شيء يوجبه، كما كان
التفرّق تحديد شيء یوجبه، ولو لم یکن فيه سنّة تبیّنه بمثل ما ذهبت إليه كان ما
وصفنا أولى المعنيين أن يؤخذ به؛ لما وصفت من القياس، مع أن سفيان بن
عيينة أخبرنا عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، قال: خيّر رسول الله وَلّ رجلاً
بعد البيع، فقال الرجل: عمَّرك الله، ممن أنت؟ فقال رسول الله وَمليون: ((امرؤ من
قريش))، قال: فكان أبي يحلف ما كان الخيار إلا بعد البيع، قال الشافعيّ:
(١) ((الفتح)) ٥٧٢/٥.

٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وبهذا نقول، وكذا حكاه الترمذيّ عن الشافعيّ، وغيره، وحكاه ابن المنذر عن
الثوريّ، والأوزاعيّ، وابن عيينة، وعبيد الله بن الحسن العنبريّ، والشافعيّ،
وإسحاق ابن راهويه.
وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): اتّفق أصحابنا على ترجيح هذا القول،
وأبطل كثير منهم ما سواه، وغلّطوا قائله.
وممن رجحه من المحدّثين البيهقيّ، ثم بسط دلائله، وبيّن ضعف ما
یعارضها .
[القول الثاني]: أنه استثناء من انقطاع الخيار بالتفرّق، والمراد إلا بيعاً
شُرِط فيه خيار الشرط، ثلاثة أيام، أو دونها، فلا ينقضي الخيار فيه بالتفرّق،
بل يبقى حتى تنقضي المدّة المشروطة، حكى ابن عبد البرّ هذا عن الشافعيّ،
وأبي ثور، وجماعة.
[القول الثالث]: أنه استثناء من إثبات الخيار، والمعنى: إلا بيعاً شُرِط
فيه نفي خيار المجلس، فيلزم البيع، ولا يكون فيه خيار. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي هو القول الأول الذي
رجحه الشافعيّ ◌َّثُ؛ لقوة حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر طها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨٤٧/١٠ و٣٨٤٨ و٣٨٤٩ و٣٨٥٠ و٣٨٥١]
(١٥٣١)، و(البخاريّ) في ((البيوع)) (٢١٠٧ و٢١٠٩ و٢١١١ و٢١١٢ و٢١١٣)،
و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٤٥٤)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٢٤٥)،
و(النسائيّ) في ((البيوع)) (٢٤٨/٧ و٢٥٠) و((الكبرى)) (٧/٧ و٨ و٩)، و(ابن
ماجه) في ((التجارات)) (٢١٨١)، (ومالك) في ((الموطًا)) (١٣٧٤)، و(الشافعيّ)
(١) ((طرح التثريب)) ١٥٦/٦ - ١٥٧.

٤٩
(١٠) - بَابُ تُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ - حديث رقم (٣٨٤٧)
في («مسنده)) (١٣٧/١ و٢١٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٤٢٦٥)، و(ابن
أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٢٤/٧)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٦٥٥)، و(أحمد)
في «مسنده)) (٥٦/١ و٤/٢ و٥٤ و٧٣ و٥٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٩١٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٤٨/١٢) و((الأوسط)) (٩٣/٦) و((الصغير))
(٢/ ٩٢)، و(أبو يعلى) في («مسنده)) (١٩٢/١٠)، و(ابن الجعد) في ((مسنده))
(٢٤٣/١)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٦١٧)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٢٦٦/٣ و٢٦٧ و٢٦٨)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٥٤/١٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٩/٥) و((المعرفة)) (٢٧٣/٤ و٢٨١)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (٣٩/٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ثبوت الخيار للمتبايعين ..
٢ - (ومنها): جواز البيع بشرط الخيار.
٣ - (ومنها): ثبوت خيار المجلس في البيع، وهو قول الجمهور، وسيأتي
تحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): بيان عِظَم ما جاءت به الشريعة الغرّاء، حيث تكفّلت
مصالح العباد في كلّ شؤون حياتهم، فشرعت التروّي في أبواب كثيرة من
أبواب المعاملات؛ كباب البيع، فمثلاً شرعت الخيار في هذا الباب لكلّ من
المتبايعين، حتى لا يقع واحد منهما في ندم لا يمكنه تلافيه، فإنه إذا أتيح له
وقت واسع يتروّى فيه، ويفكّر فيما يؤول إليه أمره، يَسْلَم من هذا الندم، ويُقدِم
على هذا الفعل، وهو على بصيرة من أمره، والعكس بالعكس، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم خيار المجلس:
ذهب الجمهور، من السلف، والخلف إلى ثبوته، وممن قال به عليّ بن
أبي طالب، وابن عمر، وابن عبّاس، وأبو هريرة، وأبو برزة الأسلميّ،
وطاوس، وسعيد بن المسيّب، وعطاء، وشُريح القاضي، والحسن البصريّ،
والشعبيّ، والزهريّ، وابن جريج، والأوزاعيّ، وابن أبي ذئب، والليث بن
سعد، وسفيان بن عيينة، والشافعيّ، ويحيى القطّان، وعبد الرحمن بن مهديّ،

٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وعبيد الله بن الحسن العنبريّ، وسوّار القاضي، ومسلم بن خالد الزنجيّ، وابن
المبارك، وعليّ ابن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وأبو
ثور، وأبو عبيد، والبخاريّ، وسائر المحدّثين، وآخرون، وقال به من المالكيّة:
عبد الملك بن حبيب.
وذهب مالك، وأبو حنيفة، وأصحابهما إلى إنكار خيار المجلس،
وقالوا: إنه يلزم البيع بنفس الإيجاب والقبول، وبه قال إبراهيم النخعيّ،
واختلف في ذلك عن ربيعة، وسفيان الثوريّ، قال ابن حزم: ما نعلم لهم من
التابعين سلفاً، إلا إبراهيم وحده، ورواية مكذوبة عن شريح، والصحيح عنه
موافقة الحقّ، وكذا قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحداً ردّه غير هذين الاثنين،
إلا ما رُوي عن إبراهيم النخعيّ. انتهى، هكذا ذكره ولي الدين تَخْذِفُهُ(١).
وقال في ((الفتح)) في شرح هذا الحديث: وفيه دليل على إثبات خيار
المجلس، وقد مضى قبلُ بباب أن ابن عمر، حمله على التفرق بالأبدان،
وكذلك أبو برزة الأسلميّ، ولا يُعرف لهما مخالف من الصحابة، وخالف في
ذلك إبراهيم النخعيّ، فروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه: قال: البيع
جائز، وإن لم يتفرقا، ورواه سعيد بن منصور عنه، بلفظ: إذا وجبت الصفقة،
فلا خيار، وبذلك قال المالكية، إلا ابن حبيب، والحنفية كلهم، قال ابن
حزم: لا نعلم لهم سلفاً، إلا إبراهيم وحده.
وقد ذهبوا في الجواب عن هذا الحديث فِرَقاً :
فمنهم من ردّه؛ لكونه معارضاً لما هو أقوى منه.
ورُدّ بأنه لا يوجد ما هو أقوى، بل ولا ما يساويه.
ومنهم من صححه، ولكن أوّله على غير ظاهره، وهؤلاء المأوّلون على
أقوال، نلخّصها فيا يلي:
[أحدها]: قالت طائفة منهم: هو منسوخ، بحديث: ((المسلمون على
شروطهم))، والخيار بعد لزوم العقد، يفسد الشرط، وبحديث التحالف عند
اختلاف المتبايعين؛ لأنه يقتضي الحاجة إلى اليمين، وذلك يستلزم لزوم العقد،
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٤٩/٦.

٥١
(١٠) - بَابُ ثُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَابِعَيْنِ - حديث رقم (٣٨٤٧)
ولو ثبت الخيار، لكان كافياً في رفع العقد. وبقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا
تَبَايَعْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٢]، والإشهاد إن وقع بعد التفرق، لم يطابق الأمر،
وإن وقع قبل التفرق، لم يصادف محلّاً.
ولا حجة في شيء من ذلك؛ لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع
بين الدليلين مهما أمكن، لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع هنا ممكن بين
الأدلة المذكورة، بغير تعسف، ولا تكلف.
[ثانيها]: قال بعضهم: هو من رواية مالك، وقد عمل بخلافه، فَدَلّ على
أنه عارضه ما هو أقوى منه، والراوي إذا عمل بخلاف ما رَوَى، دلّ على وَهْن
المرويّ عنده.
وتُعُقِّب بأن مالكاً لم يتفرد به، فقد رواه غيره، وعَمِل به، وهم أكثر
عدداً، روايةً، وعملاً، وقد خص كثير من محققي أهل الأصول الخلاف
المشهور، فيما إذا عمل الراوي بخلاف ما روى بالصحابة، دون من جاء
بعدهم، ومن قاعدتهم: أن الراوي أعلمُ بما روى، وابن عمر هو راوي الخبر،
وكان يفارق إذا باع ببدنه، فاتباعه أولى من غيره.
[ثالثها]: قالت طائفة: هو معارض بعمل أهل المدينة، ونقل ابن التين
عن أشهب، بأنه مخالف لعمل أهل مكة أيضاً.
وتُعُقّب بأنه قال به ابن عمر، ثم سعيد بن المسيِّب، ثم الزهريّ، ثم ابن
أبي ذئب، كما مضى، وهؤلاء من أكابر علماء أهل المدينة، في أعصارهم،
ولا يُحفَظ عن أحد من علماء المدينة القول بخلافه، سوى عن ربيعة، وأما
أهل مكة، فلا يُعرف عن أحد منهم القول بخلافه، فقد سبق عن عطاء،
وطاوس، وغيرهما من أهل مكة.
وقد اشتد إنكار ابن عبد البر، وابن العربيّ على من زعم من المالكية؛
أن مالكاً ترك العمل به؛ لكون عمل أهل المدينة على خلافه.
وأيضاً فإن إجماعهم على تقدير صحته ليس حجة، قال الشيخ تقيّ الدين
ابن دقيق العيد ﴿ّ في ((شرح العمدة)): الحقّ الذي لا شكّ فيه أن إجماعهم لا
يكون حجة فيما طريقه الاجتهاد والنظر؛ لأن الدليل العاصم للأمة من الخطإ
في الاجتهاد لا يتناول بعضهم، ولا مستند للعصمة سواه، وكيف يمكن أن

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
يقال: بأن من كان بالمدينة من الصحابة يُقبل خلافه ما دام مقيماً بها، فإذا
خرج عنها لم يقبل خلافه، هذا محال، فإن قبول قوله باعتبار صفات قائمة به،
حيث حلّ، وقد خرج منها عليّ رُه، وهو أفضل أهل زمانه بإجماع أهل
السنّة، وقال أقوالاً بالعراق، كيف يمكن أن تُهْدَر إذا خالفها أهل المدينة، وهو
كان رأسهم؟ وكذلك ابن مسعود ﴿ه، ومحلّه من العلم معلوم، وغيرهما قد
خرجوا، وقالوا أقوالاً، على أن بعض الناس يقولون: إن المسائل المختلف
فيها خارج المدينة، مختلف فيها بالمدينة، وادّعى العموم في ذلك. انتهى(١).
؟
وقال ابن العربيّ: إنما لم يأخذ به مالك؛ لأن وقت التفرق غير معلوم،
فأشبه بيوع الغرر، كالملامسة.
وتُعُقّب بأنه يقول بخيار الشرط، ولا يَخُدّه بوقت معين، وما ادّعاه من
الغرر موجود فيه، وبأن الغرر في خيار المجلس معدوم؛ لأن كلّاً منهما متمكن
من إمضاء البيع، أو فسخه بالقول، أو بالفعل، فلا غرر.
(رابعها): قالت طائفة: هو خبر واحد، فلا يُعمل به إلا فيما تعمّ به
البلوي .
ورُدّ بأنه مشهور، فيُعْمَل به كما ادَّعَوا نظير ذلك في خبر القهقهة في
الصلاة، وإيجاب الوتر.
(خامسها): قال آخرون: هو مخالف للقياس الجليّ، في إلحاق ما قبل
التفرق بما بعده. وتعقب بأن القياس مع النصّ فاسد الاعتبار.
(سادسها): قال آخرون: التفرق بالأبدان محمول على الاستحباب،
تحسيناً للمعاملة مع المسلم، لا على الوجوب.
(سابعها): قال آخرون: هو محمول على الاحتياط؛ للخروج من
الخلاف، وهذا والذي قبله على خلاف الظاهر، ولا يُعدل عن الظاهر إلا
بدلیل، ولا يوجد.
(ثامنها): قالت طائفة: المراد بالتفرق في الحديث، التفرق بالكلام، كما
في عقد النكاح، والإجارة، والعتق.
(١) ((طرح التثريب)) ٦/ ١٥٠.

٥٣
(١٠) - بَابُ ثُبُوتِ خِيَّارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَابِعَيْنِ - حديث رقم (٣٨٤٧)
وتُعُقّب بأنه قياس مع ظهور الفارق؛ لأن البيع يُنقل فيه ملك رقبة المبيع،
ومنفعته، بخلاف ما ذُكر.
وقال ابن حزم: سواء قلنا: التفرق بالكلام، أو بالأبدان، فإن خيار
المجلس بهذا الحديث ثابت، أما حيث قلنا: التفرق بالأبدان فواضح، وحيث
قلنا: بالكلام فواضح أيضاً؛ لأن قول أحد المتبايعين مثلاً: بعتكه بعشرة،
وقول الآخر: بل بعشرين مثلاً، افتراق في الكلام بلا شك، بخلاف ما لو
قال: اشتريته بعشرة، فإنهما حينئذ متوافقان، فيتعين ثبوت الخيار لهما حين
يتفقان، لا حين يتفرقان، وهو المدَّعَى.
(تاسعها): قيل: المراد بالمتبايعين المتساومان.
ورُدّ بأنه مجاز، والحمل على الحقيقة، أو ما يقرُب منها أولى.
واحتجّ الطحاويّ بآيات، وأحاديث، استُعِمل فيها المجاز، وقال: من
أنكر استعمال لفظ البائع في السائم، فقد غفل عن اتساع اللغة.
وتُعُقّب بأنه لا يلزم من استعمال المجاز في موضع، طرده في كل
موضع، فالأصل من الإطلاق الحقيقة، حتى يقوم الدليل على خلافه.
وقالوا أيضاً: وقت التفرق في الحديث، هو ما بين قول البائع: بعتك
هذا بكذا، وبين قول المشتري: اشتريت، قالوا: فالمشتري بالخيار في قوله:
اشتريت، أو تركه، والبائع بالخيار إلى أن يوجب المشتري، وهكذا حكاه
الطحاويّ عن عيسى بن أبان منهم، وحكاه ابن خويزمنداد عن مالك، قال
عيسى بن أبان: وفائدته تظهر فيما لو تفرقا قبل القبول، فإن القبول يتعذر.
وتُعُقّب بأن تسميتهما متبايعين، قبل تمام العقد مجاز أيضاً، فأجيب بأن
تسميتهما متبايعين بعد تمام العقد مجاز أيضاً؛ لأن اسم الفاعل في الحال
حقيقة، وفيما عداه مجاز، فلو كان الخيار بعد انعقاد البيع، لكان لغير البيّعين،
والحديث يردّه، فتعيّن حمل التفرق على الكلام.
وأجيب: بأنه إذا تعذر الحمل على الحقيقة، تعيّن المجاز، وإذا تعارض
المجازان، فالأقرب إلى الحقيقة أولى، وأيضاً فالمتبايعان، لا يكونان متبايعين
حقيقة، إلا في حين تعاقدهما، لكن عقدهما لا يتم إلا بأحد أمرين: إما بإبرام
العقد، أو التفرق على ظاهر الخبر، فصحّ أنهما متعاقدان ما داما في مجلس

٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
العقد، فعلى هذا تسميتهما متبايعين حقيقة، بخلاف حمل المتبايعين على
المتساومین، فإنه مجاز باتفاق.
(عاشرها): قالت طائفة: التفرق يقع بالأقوال، كقوله تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا
يُغْنِ اَللَّهُ كُلَّ مِّنِ سَعَتِّهِ﴾ الآية [النساء: ١٣٠].
وأجيب: بأنه سُمي بذلك لكونه يفضي إلى التفرق بالأبدان. قال
البيضاويّ: ومن نفى خيار المجلس، ارتكب مجازين: بحمله التفرق على
الأقوال، وحمله المتبايعين على المتساومين، وأيضاً فكلام الشارع يصان عن
الحمل عليه؛ لأنه يصير تقديره أن المتساومين إن شاءا عقدا البيع، وإن شاءا
لم يعقداه، وهو تحصيل الحاصل؛ لأن كل أحد يعرف ذلك، ويقال لمن زعم
أن التفرق بالكلام: ما هو الكلام الذي يقع به التفرق، أهو الكلام الذي وقع
به العقد، أم غيره؟ فإن كان غيره فما هو؟ فليس بين المتعاقدين كلام غيره،
وإن كان هو ذلك الكلام بعينه، لزم أن يكون الكلام الذي اتّفقا عليه، وتم
بيعهما به، هو الكلامَ الذي افترقا به، وانفسخ بيعهما به، وهذا في غاية
الفساد.
(حادي عشرها): قال آخرون: العمل بظاهر الحديث متعذر، فيتعيّن
تأويله، وبيان تعذره أن المتبايعين، إن اتفقا في الفسخ، أو الإمضاء، لم يثبت
لواحد منهما على الآخر خيار، وإن اختلفا فالجمع بين الفسخ والإمضاء جمع
بين النقيضين، وهو مستحيل.
وأجيب: بان المراد أن لكل منهما الخيار في الفسخ، وأما الإمضاء، فلا
احتياج إلى اختياره، فإنه مقتضى العقد، والحال يفضي إليه مع السكوت،
بخلاف الفسخ.
(ثاني عشرها): قال آخرون: حديث ابن عمر هذا، وحكيم بن حزام،
معارَض بحديث عبد الله بن عمرو، وذلك فيما أخرجه أبو داود وغيره، من
طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، مرفوعاً: ((الْبَيِّعَان بالخيار، ما لم
يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارق صاحبه، خشية أن
یستقیله)).
قال ابن العربيّ: ظاهر هذه الزيادة، مخالف لأول الحديث في الظاهر،

٥٥
(١٠) - بَابُ ثُبُوتٍ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَابِعَيْنِ - حديث رقم (٣٨٤٧)
فإن تأولوا الاستقالة فيه على الفسخ، تأولنا الخيار فيه على الاستقالة، وإذا
تعارض التأويلان، فُزع إلى الترجيح، والقياس في جانبنا، فيرجح.
وتُعُقّب: بأن حمل الاستقالة على الفسخ، أوضح من حمل الخيار على
الاستقالة؛ لأنه لو كان المراد حقيقة الاستقالة، لم تمنعه من المفارقة، لأنها لا
تختص بمجلس العقد، وقد أثبت في أول الحديث الخيار، ومَدَّه إلى غاية
التفرق، ومن المعلوم أن من له الخيار، لا يحتاج إلى الاستقالة، فتعيّن حملها
على الفسخ، وعلى ذلك حمله الترمذيّ وغيره، من العلماء، فقالوا: معناه: لا
يحل له أن يفارقه بعد البيع، خشية أن يختار فسخ البيع؛ لأن العرب تقول:
استقلت ما فات عني، إذا استدركته، فالمراد بالاستقالة، فسخ النادم منهما
للبيع، وحملوا نفي الحل على الكراهة؛ لأنه لا يليق بالمروءة، وحسن معاشرة
المسلم، لا أَنَّ اختيار الفسخ حرام.
قال ابن حزم: احتجاجهم بحديث عمرو بن شعيب، على التفرق
بالكلام، لقوله فيه: ((خشية أن يستقيله))؛ لكون الاستقالة لا تكون إلا بعد تمام
البيع، وصحةُ انتقال الملك، يستلزم أن يكون الخبر المذكور، لا فائدة له؛
لأنه يلزم من حمل التفرق على القول، إباحة المفارقة، خشي أن يستقيله، أو
لم يخش.
(ثالث عشرها): قال بعضهم: التفرق بالأبدان في الصرف، قبل القبض
يبطل العقد، فكيف يُثبت العقد ما يبطله؟
وتُعُقّب باختلاف الجهة، وبالمعارضة بنظيره، وذلك أن النقد، وترك
الأجل شرط لصحة الصرف، وهو يُفسد السَّلَم عندهم.
واحتَجَّ بعضهم بحديث ابن عمر الآتي بعد بابين في قصة البكر الصعب(١)
(١) قصّة البكر هو ما أخرجه البخاريّ: في (صحيحه)) (٢١١٦) من طريق عمرو بن
دينار، عن ابن عمر ﴿ قال: كنا مع النبيّ ◌َّله في سفر، فكنت على بكر صعب
لعمر، فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويردّه، ثم يتقدم، فيزجره عمر
ويردّه، فقال النبيّ وَ ﴿ لعمر: ((بعنيه))، قال: هو لك يا رسول الله، قال: ((بعنیه))،
فباعه من رسول الله وَّه، فقال النبيّ ◌َير: ((هو لك يا عبد الله بن عمر، تصنع به
ما شئت)). انتهى.

٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
وسيأتي توجيهه وجوابه(١).
واحتجّ الطحاويّ بقول ابن عمر ﴿يا: ما أدركت الصفقة، حيّاً مجموعاً،
فهو من مال المبتاع.
وتُعقب بأنهم يخالفونه، أما الحنفية، فقالوا: هو من مال البائع، ما لم
يره المبتاع، أو ينقله. والمالكية قالوا: إن كان غائباً غيبة بعيدة، فهو من
البائع، وأنه لا حجة فيه؛ لأن الصفقة فيه محمولة على البيع الذي انبرم، لا
على ما لم ينبرم، جمعاً بين كلاميه.
(رابع عشرها): قال بعضهم: معنى قوله: ((حتى يتفرقا))؛ أي: حتى
يتوافقا، يقال للقوم: على ماذا تفارقتم؛ أي: على ماذا اتفقتم.
وتُعُقّب بما ورد في بقية حديث ابن عمر في جميع طرقه، ولا سيما في
طريق الليث الآتية بعد حديث.
(خامس عشرها): قال بعضهم: حديث ((البيعان بالخيار)) جاء بألفاظ
مختلفة، فهو مضطرب، لا يُحتجّ به.
وتُعُقّب بأن الجمع بين ما اختلف من ألفاظه، ممكن بغير تكلف، ولا
تعسف، فلا يضره الاختلاف، وشرط المضطرب أن يتعذر الجمع بين مختلف
ألفاظه، وليس هذا الحديث من ذلك.
(سادس عشرها): قال بعضهم: لا يتعين حمل الخيار في هذا الحديث
على خيار الفسخ، فلعله أريد به خيار الشراء، أو خيار الزيادة في الثمن، أو
المثمن.
(١) جوابه أنه ** قد بيّن ذلك بالأحاديث السابقة المصرّحة بخيار المجلس، والجمع
بين الحديثين ممكن، بأن يكون بعد العقد فارقه عمر، بأن تقدّمه، أو تأخّر عنه
مثلاً، ثم وهب، وليس في الحديث ما يُثبت ذلك، ولا ما ينفيه، فلا معنى
للاحتجاج بهذه الواقعة العينيّة في إبطال ما دلّت عليه الأحاديث المصرّحة، من
إثبات خيار المجلس، فإنها إن كانت متقدمة على حديث ((البيعان بالخيار))، فحديث
((البيعان)) قاض عليها، وإن كانت متأخرة عنه حُمِل على أنه ◌َ ﴿ اكتفى بالبيان
السابق، واستفيد منه أن المشتري إذا تصرف في المبيع، ولم ينكر البائع كان ذلك
قاطعاً لخيار البائع، كما فهمه البخاريّ، والله أعلم. انتهى. ((الفتح)) ٥٧٥/٥.

٥٧
(١٠) - بَابُ تُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَابِعَيْنِ - حديث رقم (٣٨٤٧)
وأجيب بأن المعهود في كلامه بَيّر، حيث يُطلق الخيار إرادة خيار
الفسخ، كما في حديث المصرّاة، وكما في حديث الذي يُخدَع في البيوع،
وأيضاً فإذا ثبت أن المراد بالمتبايعين المتعاقدان، فبعد صدور العقد، لا خيار
في الشراء، ولا في الثمن.
(سابع عشرها): تمسّك بعضهم في ردّ ذلك بالعمومات، مثل قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْقُواْ بِالْعُقُودِ﴾ الآية [المائدة: ١]، قالوا: وفي الخيار إبطال
الوفاء بالعقد، ومثل قوله وَله: ((من ابتاع طعاماً، فلا يبعه حتى يستوفيه))،
قالوا: فقد أباح بيعه بعد قبضه، ولو كان قبل التفرّق.
وأجيب بأن هذا مسلك ضعيف؛ لأن العمومات لا تردّ بها النصوص
الخاصّة، وإنما يُقضى للخاصّ على العامّ(١).
(ثامن عشرها): حَكَى ابن السمعاني في ((الاصطلام)) عن بعض الحنفية،
قال: البيع عقد مشروع بوصف، وحكم، فوصفه اللزوم، وحكمه الملك، وقد
تم البيع بالعقد، فوجب أن يتم بوصفه وحكمه، فأما تأخير ذلك، إلى أن يفترقا
فليس عليه دليل؛ لأن السبب إذا تم يفيد حكمه، ولا ينتفي إلا بعارض، ومن
ادعاه فعلیه البيان.
وأجاب أن البيع سبب للإيقاع في الندم، والندم يحوج إلى النظر، فأثبت
الشارع خيار المجلس، نظراً للمتعاقدين؛ ليسلما من الندم، ودليله خيار الرؤية
عندهم، وخيار الشرط عندنا، قال: ولو لزم العقد بوصفه وحكمه، لَمَا شُرعت
الإقالة، لكنها شُرعت نظراً للمتعاقدين، إلا أنها شرعت لاستدراك ندم، ينفرد
به أحدهما، فلم تجب، وخيار المجلس شرع لاستدراك ندم، يشتركان فيه،
فوجب. انتهى ما في ((الفتح)) بتصرّف(٢).
وقال الحافظ وليّ الدين تَُّ بعد إيراد نحو ما تقدّم من الأقوال، ما
حاصله: وقد ظهر بما بسطناه أنه ليس لهم متعلّق صحيح في ردّ هذا الحديث،
ولذلك قال ابن عبد البر: أَكْثَرَ المتأخّرون من المالكية، والحنفية من الاحتجاج
(١) ((طرح التثريب)) ١٥٣/٦ - ١٥٤.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٥٧/٥ - ٦٠.

٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
لمذهبنا، في رد هذا الحديث، بما يطول ذكره، وأكثره تشغيب، لا يُحصَل منه
على شيء لازم لا مدفع له.
وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): الأحاديث الصحيحة ترُدّ عليهم، وليس
لهم عليها جواب صحيح، فالصواب ثبوته، كما قاله الجمهور.
وانتصر ابن العربيّ في ذلك لمذهبه بما لا يقبله منصف، ولا يرتضيه
لنفسه عاقل، فقال: الذي قصد مالك هو أن النبيّ ◌َ﴿ لَمّا جعل العاقدين
بالخيار بعد تمام البيع، ما لم يتفرّقا، ولم يكن لفرقتهما، وانفصال أحدهما عن
الآخر وقتٌ معلوم، ولا غاية معروفة، إلا أن يقوما، أو يقوم أحدهما على
مذهب، وهذه جهالة يقف معها انعقاد البيع، فيصير من باب بيع المنابذة،
والملامسة، بأن يقول: إذا لمسته، فقد وجب البيع، وإذا نبذته، أو نبذت
الحصاة، فقد وجب البيع، وهذه الصفة مقطوع بفسادها في العقد، فلم يتحصّل
المراد من الحديث مفهوماً، وإن فسّره ابن عمر راويه بفعله، وقيامه عن
المجلس، ليجب البيع، فإنما فسّره بما يثبت الجهالة فيه، فيدخل تحت النهي
عن الغرر، كما يوجبه النهي عن الملامسة، والمنابذة، وليس من قول
النبيّ ◌َ﴿، ولا تفسيره، وإنما هو من فهم ابن عمر، وأصل الترجيح الذي هو
قضيّة الأصول أن يقدّم المقطوع به على المظنون، والأكثر رواةً على الأقلّ،
فهذا هو الذي قصده مالك، مما لا يدركه إلا مثله، ولا يتفطّن له أحد قبله،
ولا بعده، وهو إمام الأئمة، غير مدافع له في ذلك. انتهى.
وهو عجيب، أيُتَمَعْقَلُ على الشارع، ويقال له: هذا الذي حكمت به
غرر، وقد نهيت عن الغرر، فلا نقبل هذا الحكم، ونتمسّك بقاعدة النهي عن
الغرر، وأيّ غرر في ثبوت الخيار، رفقاً بالمتعاقدين؛ لاستدراك ندم، وهذا
المخالف يُثبت خيار الشرط، على ما فيه من الغرر بزعمه، وحديث خيار
المجلس أصحّ منه، ويعتبر التفرّق في إبطاله للبيع، إذا وُجد قبل التقابض في
الصرف، ولا يرى تعليق ذلك بالتفرّق بالأبدان غرراً، مبطلاً للعقد، ثم بتقدير
أن يكون فيه غررٌ، فقد أباح الشارع الغرر في مواضع معروفة؛ کالسلم،
والإجارة، والحوالة، وغيرها، ثم بتقدير أن يكون لحكمة اقتضت ذلك، بل
ولو لم يظهر لنا حكمته، فإنه يجب علينا الأخذ به تعبّداً، والمسلك الذي نفاه

٥٩
(١٠) - بَابُ تُبُوتِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ - حديث رقم (٣٨٤٧)
عن إمامه أقلّ مفسدة من الذي سلكه، فإن ذلك تقديم للإجماع في اعتقاده، إن
صحّ على خبر الواحد، وأما ما سلكه ففيه ردّ السنن بالرأي، وذلك قبيحٌ
بالعلماء. انتهى كلام وليّ الدين تَذَفُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ وليّ الدين كَُّ في هذا
الردّ على ابن العربيّ، فإن ما ذهب إليه الجمهور هو الحقّ، والانتصار للحقّ
هو الواجب على العلماء.
والحاصل أنه قد اتّضح بما سبق من إيراد أدلّة الفريقين أن الحقّ هو ما
عليه الجمهور، من إثبات خيار المجلس؛ لوضوح أدلّته، فتبصّر بالإنصاف،
ولا تكن أسير التقليد، فإنه حجة البليد، ومُتمسّك العنيد، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): لم يُذكر في الحديث للتفرق ضابطً، فيكون مرجعه
إلى العرف، وقد كان ابن عمر، راوي الحديث، إذا اشترى شيئاً يعجبه فارق
صاحبه، وفي رواية: إذا ابتاع بيعاً، وهو قاعد، قام ليجب له، وفي رواية:
كان إذا بايع رجلاً، فأراد أن لا يقيله قام، فمشى هُنيّةً، ثم رجع إليه. قال وليّ
الدين: قال أصحابنا - يعني الشافعيّة -: ما عدّه الناس تفرّقاً، لزم به العقد،
فلو كانا في دار صغيرة، فالتفرق أن يخرج أحدهما منها، أو يصعد السطح،
وكذا لو كانا في مسجد صغير، أو سفينة صغيرة، فالتفرّق أن يخرج أحدهما
منها، فإن كانت الدار كبيرة، حصل التفرّق بأن يخرج أحدهما من البيت إلى
الصحن، أو من الصحن إلى بيت، أو صفّة، وإن كانا في صحراء، أو سوق،
فإذا ولّى أحدهما ظهره، ومشى قليلاً، حصل التفرّق على الصحيح، وقال
الإصطخريّ: يشترط أن يبعد عن صاحبه، بحيث لو كلّمه على العادة من غير
رفع صوت لم يسمع كلامه، ولا يحصل التفرّق بأن يُرخَى بينهما سترٌ، أو يُشقّ
نهرٌ، وهل يحصل ببناء جدار بينهما؟ فيه وجهان، أصحّهما لا، وصحن الدار،
والبيت الواحد إذا تفاحش اتساعهما كالصحراء، فلو تناديا متباعدين، وتبايعا،
فلا شكّ في صحّة البيع، ثم قال إمام الحرمين: يَحْتَمِل أن لا يقال: لا خيار
(١) ((طرح التثريب)) ١٥٤/٦ - ١٥٥.

٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب البيوع
لهما؛ لأن التفرّق الطارئ يقطع الخيار، فالمقارن يمنع ثبوته، ويحتمل أن
يقال: يثبت ما داما في موضعهما، وبهذا قطع المتولّي، ثم إذا فارق أحدهما
موضعه بطل خياره، وهل يبطل خيار الآخر، أم يدوم إلى أن يفارق مكانه؟ فيه
احتمالان للإمام، قال النوويّ: الأصحّ ثبوت الخيار، وأنه متى فارق أحدهما
موضعه، بطل خيار الآخر.
وحكى ابن عبد البرّ عن الأوزاعيّ، قال: حدّ التفرقة أن يتوارى كلّ
واحد منهما عن صاحبه، وهو قول أهل الشام، قال: وقال الليث ابن سعد:
التفرّق أن يقوم أحدهما. انتهى(١).
وقال ابن حزم تَُّ في ((المحلّى)): فإن تبايعا في بيت، فخرج أحدهما
عن البيت، أو دخل حنية في البيت، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، أو تبايعا في حنية،
فخرج أحدهم إلى البيت، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، فلو تبايعا في صحن دار،
فدخل أحدهما البيت، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، فلو تبايعا في دار، أو خُصّ،
فخرج أحدهما إلى الطريق، أو تبايعا في طريق، فدخل أحدهما داراً، أو
خصّاً، فقد تفرّقا، وتمّ البيع، فإن تبايعا في سفينة، فدخل أحدهما البليج، أو
الخزانة، أو مضى إلى الفندقوق، أو صعِد الصاري، فقد تفرّقا، وتمّ البيع،
وكذلك لو تبايعا في أحد هذه المواضع، فخرج أحدهما إلى السفينة، فقد تمّ
البيع، إذ تفرّقا، فإن تبايعا في دكّان، فزال أحدهما إلى دكان آخر، أو خرج
إلى الطريق، فقد تمّ البيع، وتفرّقا، ولو تبايعا في الطريق، فدخل أحدهما
الدكان، فقد تمّ البيع، وتفرّقا، فلو تبايعا في سفر، أو في فضاء، فإنهما لا
يفترقان إلا بأن يصير بينهما حاجز يسمّى تفريقاً في اللغة، أو بأن يغيب عن
بصره في الرفقة، أو خلف ربوة، أو خلف شجرة، أو في حفرة، وإنما يُرعَى
ما يُسمّى في اللغة تفريقاً فقط، وبالله تعالى التوفيق. انتهى كلام ابن
حزم ◌َّقُ(٢)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
٠
(١) ((طرح التثريب)) ١٥٥/٦ - ١٥٦.
(٢) ((المحلى)) ٣٦٦/٨ - ٣٦٧.