النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٩)
عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلاً، لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةٍ
شُهَدَاءَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (نَعَمْ))، قَالَ: كَلَّ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ كُنْتُ
لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ،
إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ، أبو الْهَيثم الْبَجَليّ مولاهم الكوفيّ،
صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س
ق) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٧/٦٥.
والباقون ذُكروا في الباب، وشرح الحديث يأتي بعده.
وقوله: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ كُنْتُ لَأَعَاجِلُهُ ... إلخ) وفي رواية أبي داود:
أن سعد بن عبادة قال: ((يا رسول الله الرجل يجد مع أهله رجلاً فيقتله؟ قال: ((لا))،
قال: بلى والذي أكرمك بالحقّ))، وأخرج الطبراني من حديث عبادة بن
الصامت له: لَمّا نزلت آية الرجم قال النبيّ وَّر: إن الله قد جعل لهنّ سبيلاً ...
الحديث، وفيه: فقال أناس لسعد بن عبادة: يا أبا ثابت قد نزلت الحدود، أرأيت
لو وجدت مع امرأتك رجلاً، كيف كنت صانعاً؟ قال: كنت ضاربه بالسيف حتى
يسكنا، فأنا أذهب، وأجمع أربعة؟ فإلى ذلك قد قَضَى الخائب حاجته، فأنطلق،
وأقول: رأيت فلاناً، فيجلدوني، ولا يقبلون لي شهادة أبداً، فذكروا ذلك
لرسول الله وَل﴿، فقال: ((كفى بالسيف شاهداً - ثم قال -: لولا أني أخاف أن يتتابع
فيها السكران، والغَيْران))(١)، وفي الحديث: أن الأحكام الشرعية لا تُعَارَضُ
بالرأي، أفاده في ((الفتح)) (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذَتُ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٩] (١٤٩٩) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِبِرِيُّ، وَأَبُو كَامِلِ
فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنَّ
(١) حديث ضعيف، راجع: ((صحيح سنن أبي داود)) للشيخ الألبانيّ ٤/ ١٤٤.
(٢) ((الفتح)) ٦٩٤/١٥ ((كتاب الحدود)) رقم (٦٨٤٦).

٤٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ
سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِ، لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، غَيْرُ مُصْفِحٍ عَنْهُ،
فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ وَهِ، فَقَالَ: ((أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَوَاللهِ لَأَنَا أَغْيَّرُ مِنْهُ،
وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنَ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا
شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
بَعَثَ اللهُ الْمُرْسَلِينَ، مُبَشِّرِينَ، وَمُنْذِرِينَ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللهِ،
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الْجَنَّةَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ
ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٥) وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٧٥/٦.
٢ - (أَبُوِ كَامِلِ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٣٧) (خت م دَ ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧]
(ت٥ أو١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) اللَّخْميّ الكوفيّ الْفَرَسيّ، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه،
وربما دلّس [٣] (ت١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٦/٤٦.
٥ - (وَرَّادٌ كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ) الثقفيّ مولاهم، أبو سعيد، أو أبو الْوَرْد
الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٤١/٢٦.
٦ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةً) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ الشهير،
أسلم قبل الْحُدَيبية، وولي إمْرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة (٥٠) على
الصحيح (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
شرح الحديث:
◌َّه أنه (قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) الأنصاريّ
(عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً) .
(لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِي) أي يفعل بها الفاحشة (لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، غَيْرُ مُصْفِحٍ
عَنْهُ) بكسر الفاء؛ أي: غير ضارب بصَفْح السيف، وهو عرضه وجانبه،

٤٢٣
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٩)
والمراد: أني لا أضربه بعَرْض السيف كما يُضرَب للتأديب، وإنما أضربه بحدّه
كما يُضرب للقتل، ثم ضبطه الأكثرون بكسر الفاء، على أنه صفة للضارب حالٌ
منه، وقيل: إنه بفتح الفاء على أنه صفة للسيف حال منه.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((غير مُصْفَح)) قال عياض: هو بكسر الفاء،
وسكون الصاد المهملة، قال: وَرَويناه أيضاً بفتح الفاء، فمَن فَتَحَ جعله وصفاً
للسيف، وحالاً منه، ومن كسر جعله وصفاً للضارب، وحالاً منه. انتهى.
وزَعَم ابن التين أنه وقع في سائر الأمهات بتشديد الفاء، وهو من ((صُفْح
السيف)) (١) أي عَرْضه وحدّه، ويقال له: غِرَار، بالغين المعجمة، وللسيف
صفحان، وحَدّان، وأراد أنه يضربه بحدّه، لا بعرضه، والذي يضرب بالحدّ
يقصد إلى القتل، بخلاف الذي يضرب بالصفح، فإنه يقصد التأديب.
قال: ووقع عند مسلم من رواية أبي عوانة: ((غير مُصْفَح عنه))، وهذه
يترجح فيها كسر الفاء، ويجوز الفتح أيضاً على البناء للمجهول، وقد أنكرها
ابن الجوزيّ، وقال: ظَنَّ الراوي أنه من الصفح الذي هو بمعنى العفو، وليس
كذلك، إنما هو من صَفْح السيف.
قال الحافظ: ويمكن توجيهها على المعنى الأول، والصفح، والصفحة
بمعنى، وقد أورده مسلم من طريق زائدة، عن عبد الملك بن عُمير، وبَيَّن أنه
ليس في روايته لفظة: ((عنه))، وكذا سائر من رواه عن أبي عوانة في البخاريّ
وغيره لم يذكروها. انتهى(٢).
(فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي قول سعد المذكور (رَسُولَ اللهِ وَّ) بالنصب على
المفعوليّة (فَقَالَ) نَّهِ ((أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟) قال النوويّ: قال العلماء:
الْغَيْرَةُ - بفتح الغين - وأصلها المنع، والرجل غَيُور على أهله؛ أي يمنعهم من
التعلّق بأجنبيّ بنظر، أو حديث، أو غيره، والغيرةُ صفة كمال، فأخبر وَّر بأن
سعداً غَيور، وأنه أغير منه، وأن الله أغير منه وَّه، وأنه من أجل ذلك حَرَّم
(١) صَفْح السيف - بضمّ الصاد، وفتحها: عرضه، وهو خلاف الطول. انتهى.
((المصباح)) ٣٤٢/١.
(٢) ((الفتح)) ٦٦٩/١١ - ٦٧٠.

٤٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
الفواحش، فهذا تفسير لمعنى غَيْرة الله تعالى؛ أي أنها مَنْعُه ◌َلَ الناسَ من
الفواحش، لكن الغيرة في حقّ الناس يقارنها تغير حال الإنسان، وانزعاجه،
وهذا مستحيل في غيرة الله تعالى. انتهى كلام النوويّ (١).
وقال القرطبيّ: الْغَيْرة: هَيَجَانٌ، وانزعاج يجده الإنسان من نفسه، يَحْمِل
على صيانة الْحُرَم، ومنعهم من الفواحش ومقدماتها، والله تعالى مُنَزَّهُ عن مثل
ذلك الهيجان، فإنه تَغَيُّر يدلُّ على الحدوث، فإذا أُطلق لفظ الغيرة على الله
تعالى فإنما معناه: أنه تعالى مَنَعَ من الإقدام على الفواحش، بما توَّد ورتّب
عليها من العقاب والزجر، والذّمِّ، وبما نَصَب عليها من الحدود، وقد دلَّ على
صحَّة هذا قوله في حديث آخر: ((وغيرةُ الله أن لا يأتي المؤمن ما حرَّمه الله)).
انتھی .
وقال في ((الفتح)): ((الْغَيْرَة)) - بفتح المعجمة، وسكون التحتانية، بعدها
راء - قال عياض وغيره: هي مشتقة من تغير القلب، وهَيَجَان الغضب، بسبب
المشاركة فيما به الاختصاص، وأشدّ ما يكون ذلك بين الزوجين.
هذا في حقّ الآدميّ، وأما في حقّ الله، فقال الخطابيّ: أحسن ما يُفَسَّر
به ما فُسِّر به في حديث أبي هريرة ربه، وهو قوله: ((وغيرة الله أن يأتي
المؤمن ما حَرَّم الله عليه))، قال عياض: ويَحْتَمِل أن تكون الغيرة في حقّ الله
الإشارةَ إلى تغير حال فاعل ذلك، وقيل: الغيرة في الأصل الْحَمِيَّة، والأَنَفَة،
وهو تفسير بلازم التغير، فيرجع إلى الغضب، وقد نسب تُعَلَ إلى نفسه في كتابه
الغضب والرضا.
وقال ابن العربيّ: التغير محال على الله بالدلالة القطعية، فيجب تأويله
بلازمه؛ كالوعيد، أو إيقاع العقوبة بالفاعل، ونحو ذلك، ثم قال: ومن أشرف
وجوه غَيْرته تعالى اختصاصه قوماً بعصمته، يعني فمن اذَّعَى شيئاً من ذلك
لنفسه عاقبه، قال: وأشدّ الآدميين غيرةً رسول الله وَّة؛ لأنه كان يَغار لله
ولدينه، ولهذا كان لا ينتقم لنفسه. انتهى (٢).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١٠.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٦٦٧/١١ - ٦٦٨ (كتاب النكاح)) رقم (٥٢٢٠).

٤٢٥
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٩)
وقال ابن دقيق العيد: المنزّهون لله، إما ساكتٌ عن التأويل، وإما مؤوّلٌ،
والثاني يقول: المراد بالغيرة المنع من الشيء، والحماية، وهما من لوازم
الغيرة، فأُطلقت على سبيل المجاز؛ كالملازمة، وغيرها، من الأوجه الشائعة
في لسان العرب. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا بعض ما قاله من أوَّل الغيرة الثابتة لله تعالى
في هذا الحديث وغيره، ولا شكّ أن التأويل غير مقبول؛ لأنه مخالف لمنهج
السلف؛ فإن منهجهم، وهو الحقّ الذي لا مرية فيه، والصواب الذي لا خطأ فيه
أن يُثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله ◌ّ في أحاديثه
الصحيحة، على ظاهره، على ما يليق بجلاله تعالى، دون تأويل، ولا تعطیل،
ودون تشبيه، ولا تمثيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:
١١]، فيؤمنون بأن الله تعالى غيرةً تليق بجلاله، وغضباً، ورضاً، ومحبّة، ونزولاً،
واستواء، وغير ذلك، مما صحّ في النصوص الصحيحة، على ما يليق بجلاله تُعَالَ .
وقد أجاد الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البرّاك حيث كتَب ردّاً على قول
ابن دقيق العيد المذكور، فقال: قول ابن دقيق العيد: المنزِّهون لله ... إلخ
يريد ابن دقيق العيد بالمنزِّهين نُفاة حقائق كثيرة من الصفات؛ كالمحبّة،
والرضا، والضحك، والفرح، والغضب، والكراهة، والغيرة، وأنهم في
نصوص هذه الصفات طائفتان: إما مفوّضة، وإما مؤوّلة، وهذا يصدق على
الأشاعرة ونحوهم، فإنهم ينفون هذه الصفات، ويوجبون فيما نفوه إما
التفويض، وإما التأويل المخالف لظاهر اللفظ، وإطلاق لفظ المنزِّهة عليهم
يستلزم أن من يُثبت هذه الصفات مشبّهٌ، وكذلك يسمُّون المثبتين لسائر الصفات
- وهم أهل السنّة - مشبّهة، كما أن الجهميّة، والمعتزلة يسمّون المثبتين لبعض
الصفات؛ كالأشاعرة مشبّهةً.
والحقّ أن المنزّهة على الحقيقة هم أهل السنّة والجماعة الذين أثبتوا لله
تعالى جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنّة، ونزّهوه عن مماثلة
المخلوقات، فتسمية النُّفاة منزّهة، والمثبتين لها مشبّهةً من المغالطات، وتسميةٍ
(١) راجع: ((الفتح)) ٣٨٢/١٧ ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٤١٦).

٤٢٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
الحقائق بغير أسمائها. انتهى(١).
وكتب البرّاك أيضاً على حديث ابن مسعود أنه مرفوعاً: ((ما من أحد
أغير من الله ... )) الحديث، ما نصّه: دلّ حديث ابن مسعود ◌َُّه على إثبات
صفة الغيرة لله تعالى، وأن غيرته أكمل، وأعظم من غيرة كلّ أحد، فيجب أن
يكون القول فيها كالقول في سائر الصفات، وهو الإيمان بأن الله تعالى يغار
حقيقةً، وأن غيرته ليست كغيرة المخلوقين، بل غيرة تليق به نَّ اللّ، ويدلّ على
أن الغيرة من الله حقيقة قوله صل* في حديث سعد بن عبادة: ((أتعجبون من غيرة
سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير منّي))، والغيرة في مثل هذا السياق تتضمّن
الغضب لانتهاك الحرمة، والله سبحانه يُبغض ما حرّم، ويغضب إذا انتُهكت
حرماته.
قال: وقول عياض: ((ويَحْتَمل أن تكون الغيرة في حقّ الله تعالى الإشارةَ
إلى تغيّر حال فاعل ذلك)) هو من التأويل المخالف لظاهر اللفظ بغير حجة،
والحامل له عليه الحذر من إضافة التغيّر إلى الله تعالى الذي يُشعر به لفظ
الغيرة، وهو ممتنع عنده، وعند ابن العربيّ، ولهذا قال - فيما نقله الحافظ ابن
حجر -: التغيّر محال على الله بالدلالة القطعيّة.
والحقّ أن التغيّر من الألفاظ المجملة المبتدَعة في باب صفات الله
تعالى؛ إذ لم يَرِد إطلاقه على الله تعالى نفياً ولا إثباتاً، والواجب في مثل هذا
التفصيل، والاستفصال، فمن أراد بالإثبات، أو النفي حقّاً قُبِل، وإن أراد
باطلاً رُدّ، فالتغيّر إن أريد به النقص بعد الكمال، أو الكمال بعد النقص، فهو
ممتنع على الله ريك؛ لأنه منزّه عن النقص أزلاً وأبداً، وإن أريد به التغيّر في
أفعاله تبعاً لمشيئته وحكمته، مثل أن يُحبّ، ويُبغض، ویغضب، ويرضى،
فذلك من كماله، وتسمية هذا تغيّراً في ذاته ممنوع وباطلٌ، والأسماء لا تُغيِّر
الحقائق، والمعوّل في الأحكام على الحقائق والمعاني، لا على الألفاظ
والعبارات. انتهى كلام الشيخ البراك(٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً، فتمسّك به،
(١) راجع هامش: ((الفتح)) ٣٨٢/١٧ - ٣٨٣ ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٤١٦).
(٢) راجع هامش: ((الفتح)) ٦٦٨/١١ ((كتاب النكاح)) رقم (٥٢٢٠).

٤٢٧
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٩)
فإنه تفصيل لمذهب السلف الذي أشرنا إليه سابقاً، والله تعالى الهادي إلى سواء
السبيل.
وقال في ((الفتح)): تمسك بتقرير النبيّ وَ ﴿ سعداً على ما قاله مَن أجاز
فِعْلَ ما قال سعد، وقال: إن وقع ذلك ذَهَب دم المقتول هَدَراً، نُقِل ذلك عن
ابن الموّاز من المالكية. انتهى، وقد تقدّم بسط ذلك وبيانه قريباً، فلا تنس
نصيبك منه .
(وَاللهُ أَغْيَرُ
(فَوَ اللهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ) أي أشدّ غيرةً من سعد بن عبادة
مِنِّي، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ) جمع فاحشة، وهي القبائح؛ کالزنا،
ونحوه، قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: فَحُشَ الشيءُ فُحْشاً، مثلُ قَبُح قُبْحاً وزناً ومعنَى،
وفي لغة من باب قتل، وهو فَاحِشٌ، وكلّ شيء جاوز الحدّ فهو فَاحِشٌ، ومنه
غَبْنٌ فَاحِشٌ، إذا جاوزت الزيادةُ ما يُعتاد مثلُهُ، وأَفْحَشَ الرجلُ أتى بِالفُحْشِ،
وهو القول السّئ، وجاء بِالفَحْشَاءِ مثله، ورماه بِالفَاحِشَةِ، وجمعها فَوَاحِشُ،
وأفحش بالألف أيضاً: بَخِلَ، وقوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [الطلاق:
١] قيل: معناه إلا أن يزنين، فَيُخْرَجن للحدّ، وقيل: إلا أن يرتكبن الفاحشة
بالخروج بغير إذن. انتهى(١).
(مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي من الفواحش (وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ) قال
في ((الفتح)): قال ابن بطال(٢): أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يجوز أن
يوصف بأنه شخص؛ لأن التوقيف لم يَرِد به، وقد منعت منه المجسمة، مع
قولهم بأنه جسم لا كالأجسام، كذا قال، والمنقول عنهم خلاف ما قال.
وقال الإسماعيليّ: ليس في قوله: ((لا شخص أغير من الله)) إثبات أن الله
شخص، بل هو كما جاء: ما خلق الله أعظم من آية الكرسيّ، فإنه ليس فيه
إثبات أن آية الكرسيّ مخلوقة، بل المراد أنها أعظم من المخلوقات، وهو كما
يقول من يصف امرأة كاملة الفضل، حسنة الخلق: ما في الناس رجل يشبهها،
يريد تفضيلها على الرجال، لا أنها رجل.
(١) ((المصباح المنير)) ٢ / ٤٦٣.
(٢) راجع: ((شرح ابن بطال على البخاريّ)) ٤٤٢/١٠.

٤٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
وقال ابن بطال: اختَلَفت ألفاظ هذا الحديث، فلم يُختَلَف في حديث ابن
مسعود أنه بلفظ: ((لا أَحَدَ))، فظهر أن لفظ ((شخص)) جاء موضع ((أَحَدٍ))، فكأنه
من تصرّف الراوي، ثم قال: على أنه من باب المستثنى من غير جنسه، كقوله
تعالى: ﴿وَمَا لَهُ بِهِ، مِنْ عِلٍَّ إِن يَشَبِعُونَ إِلَّا الَّنِّ﴾ [النجم ٢٨]، وليس الظن من نوع
العلم.
قال صاحب الحافظ: وهذا هو المعتمد.
قال الجامع: بل هذا مما لا يُعتمد عليه؛ لمخالفته ظاهر النصوص،
ومنهج السلف، فتبصّر.
قال: وقد قرّره ابن فُورك، ومنه أخذه ابن بطال، فقال بعدما تقدّم من
التمثيل بقوله: ﴿إِن يَتَِّعُونَ إِلَّا اللَّنَّ﴾: فالتقدير إن الأشخاص الموصوفة
بالغيرة لا تبلغ غيرتها، وان تناهت غيرة الله تعالى، وإن لم يكن شخصاً
بو جه .
وأما الخطابيّ فبنى على أن هذا التركيب يقتضي إثبات هذا الوصف لله
تعالى، فبالغ في الإنكار، وتخطئة الراوي، فقال: إطلاق الشخص في
صفات الله تعالى غير جائز؛ لأنّ الشخص لا يكون إلا جسماً مؤلفاً، فخليقٌ أن
لا تكون هذه اللفظة صحيحةً، وأن تكون تصحيفاً من الراوي، ودليل ذلك أن
أبا عوانة رَوَى هذا الخبر عن عبد الملك، فلم يذكرها، ووقع في حديث أبي
هريرة، وأسماء بنت أبي بكر بلفظ: ((شيء))، والشيء والشخص في الوزن
سواء، فمن لم يُمْعِنْ في الاستماع، لم يأمن الوهم، وليس كلّ من الرواة
يُراعي لفظ الحديث، حتى لا يتعداه، بل كثير منهم يحدّث بالمعنى، وليس
كلهم فَهِماً، بل في كلام بعضهم جفاء، وتعجرف، فلعل لفظ شخص جرى
على هذا السبيل، إن لم يكن غَلَطاً من قبيل التصحيف، يعنى السمعيّ، قال:
ثم إن عبيد الله بن عمرو انفرد، عن عبد الملك، فلم يتابع عليه، واعتوره
الفساد من هذه الأوجه، وقد تلقى هذا عن الخطابيّ أبو بكر بن فورك، فقال:
لفظ الشخص غير ثابت من طريق السند، فإن صح فبيانه في الحديث الآخر،
وهو قوله: ((لا أحد))، فاستَعْمَل الراوي لفظ ((شخص)) موضع ((أَحَدٍ)»، ثم ذكر

٤٢٩
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٩)
نحو ما تقدّم عن ابن بطال، ومنه أخذ ابن بطال، ثم قال ابن فورك: وإنما
مَنَعَنا من إطلاق لفظ الشخص أمور: أحدها: أن اللفظ لم يثبت من طريق
السمع، والثاني: الإجماع على المنع منه، والثالث: أن معناه الجسم المؤلف
المركب، ثم قال: ومعنى الغيرة: الزجر والتحريم، فالمعنى أن سعداً الزجور
عن المحارم، وأنا أشدّ زجراً منه، والله أزجر من الجميع. انتهى.
قال الحافظ: وطَعْنُ الخطابيّ، ومن تبعه في السند مبنيّ على تفرد
عبيد الله بن عمرو به، وليس كذلك، كما تقدم(١). وكلامه ظاهر في أنه لم
يراجع ((صحيح مسلم))، ولا غيره، من الكتب التي وقع فيها هذا اللفظ، من
غير رواية عبيد الله بن عمرو.
ورَدُّ الروايات الصحيحة، والطعن في أئمة الحديث الضابطين، مع إمكان
توجيه ما رَوَوْا من الأمور التي أقدم عليها كثير من غير أهل الحديث، وقد
(١) قوله: ((كما تقدّم)) أراد به ما سبق له في شرح قول البخاريّ كَّهُ: ((وقال عبيد الله بن
عمرو، عن عبد الملك: ((لا شخص أغير من الله)). قال: قوله: ((وقال عبيد الله بن
عمرو)) يعني أن عبيد الله بن عمرو روى الحديث المذكور، عن عبد الملك بالسند
المذكور أوّلاً، فقال: ((لا شخص)) بدل قوله: ((لا أحد)»، وقد وصله الدارميّ عن
زكريا بن عديّ، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن ورّاد مولى
المغيرة، عن المغيرة، قال: بلغ النبيّ ◌َيه أن سعد بن عبادة يقول، فذكره بطوله،
وساقه أبو عوانة يعقوب الإسفرايني في ((صحيحه)) عن محمد بن عيسى العطار، عن
زكريا بتمامه، وقال في المواضع الثلاثة: ((لا شخص))، قال الإسماعيليّ بعد أن
أخرجه من طريق عبيد الله بن عمر القواريريّ، وأبي كامل فُضيل بن حُسين
الْجَحْدريّ، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثلاثتهم عن أبي عوانة
الوضّاح البصريّ، بالسند الذي أخرجه البخاريّ، لكن قال في المواضع الثلاثة:
((لا شخص)) بدل ((لا أحد))، ثم ساقه من طريق زائدة بن قُدامة، عن عبد الملك
كذلك، فكأن هذه اللفظة لم تقع في رواية البخاريّ في حديث أبي عوانة عن
عبد الملك، فلذلك علّقها عن عبيد الله بن عمرو. قلت: وقد أخرجه مسلم عن
القواريريّ، وأبي كامل كذلك، ومن طريق زائدة أيضاً. انتهى. ((الفتح)) ٣٨٤/١٧ -
٣٨٥ ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٤١٦).

٤٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
يقتضي قصور فهم من فعل ذلك منهم، ومن ثَمّ قال الكرمانيّ: لا حاجة لتخطئة
الرواة الثقاة، بل حُكْم هذا حُكْم سائر المتشابهات، إما التفويض، وإما
التأويل.
وقال عياض(١) بعد أن ذكر معنى قوله: ((ولا أحد أحبّ إليه العذر
من الله)): إنه قدَّم الإعذار، والإنذار قبل أخذهم بالعقوبة، وعلى هذا لا يكون
في ذكر الشخص ما يُشكل، كذا قال، ولم يتجه أخذ نفي الإشكال مما ذُكر،
ثم قال: ويجوز أن يكون لفظ الشخص وقع تجوُّزاً من شيء، أو أحد، كما
يجوز إطلاق الشخص على غير الله تعالى، وقد يكون المراد بالشخص:
المرتفع؛ لأن الشخص هو ما ظَهَرَ، وشَخَصَ، وارتَفَعَ، فيكون المعنى: لا
مرتفع أرفع من الله، كقوله: ((لا متعالي أعلى من الله))، قال: ويَحتَمِل أن يكون
المعنى: لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله تعالى، وهو مع ذلك لم
يعاجل، ولا بادر بعقوبة عبده؛ لارتكابه ما نهاه عنه، بل حذّره، وأنذره،
وأعذر إليه، وأمهله، فينبغي أن يتأدَّب بأدبه، ويَقِف عند أمره ونهيه، وبهذا
تظهر مناسبة تعقيبه بقوله: ((ولا أحد أحب إليه العذر من الله)).
وقال القرطبيّ(٢): أصل وضع الشخص - يعني في اللغة - لجٍرم الإنسان
وجسمه، يقال: شَخص فلان وجُثمانه، واستُعمِل في كلّ شيء ظاهر، يقال:
شَخَصَ الشيءُ: إذا ظَهَر، وهذا المعنى محالٌ على الله تعالى، فوجب تأويله،
فقيل: معناه: لا مرتفع، وقيل: لا شيء، وهو أشبه من الأول، وأوضح منه:
لا موجود، أو لا أحد، وهو أحسنها، وقد ثبت في الرواية الأخرى، وكأن
لفظ الشخص أُطلق مبالغةً في إثبات إيمان من يتعذر على فهمه موجودٌ لا يشبه
شيئاً من الموجودات؛ لئلا يفضي به ذلك إلى النفي والتعطيل، وهو نحو
قوله ◌َله للجارية: ((أين الله؟)) قالت: في السماء، فحكم بإيمانها مخافةً أن تقع
في التعطيل؛ لقصور فهمها عما ينبغي له من تنزيهه، مما يقتضي التشبيه،
تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. انتهى(٣).
(١) راجع: ((إكمال المعلم)) ٩٣/٥.
(٢) راجع: ((المفهم)) ٣٠٥/٦.
(٣) ((الفتح)) ٣٨٥/١٧ - ٣٨٧ ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٤١٦).

٤٣١
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٩)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا خلاصة ما ذهب إليه المؤوّلون الذين لا
يُثبتون صفة الشخص، ولا غيرها لله تعالى على ظاهرها، على مراد الله تعالى،
بل يصرفونها إلى ما أرادوا من المعاني حسب أهوائهم المتفرّقة، وآرائهم
المتمزّقة، والحقّ، والصواب، كما أسلفناه، هو ما كان عليه السلف الصالح،
ومن تبعهم بإحسان، وذلك إثبات هذه الصفات التي وردت في النصوص
الصحيحة لله تعالى على ظاهرها، على الوجه اللائق به سبحانه تعالى، من غير
تشبيه، ولا تكييف، ولا تمثيل، ومن غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تأويل.
وقد أجاد الشيخ البرّاك حين قال في الردّ على هؤلاء المؤوّلة:
المنكرون لإطلاق لفظ الشخص على الله تعالى؛ كابن بطّال، والخطّابيّ،
وابن فُورك، لم يذكروا لهذا الإنكار دليلاً، إلا أن إثبات ذلك عندهم يستلزم
أن يكون الله تعالى جسماً، وهذه عين الشبهة التي نفت بها المعتزلة جميع
الصفات، ونفى بها الأشاعرة ما نفوا من الصفات، ومعلوم أن الجسم لم يَرِد
في الكتاب والسنّة نفيه، ولا إثباته، وهو لفظ مجمل يَحْتَمِل حقّاً وباطلاً، فلا
يجوز إطلاقه على الله تعالى في النفي، ولا في الإثبات، فعلم أن المنع من
إطلاق الشخص على الله تعالى مبنيّ على هذه الشبهة الباطلة التي نُفي بها
كثير من الصفات، وهي باطلة، وما بُني عليها باطلٌ، ودعوى الإجماع على
منع إطلاق الشخص على الله تعالى، ودعوى التصحيف كل ذلك ممنوع، فلا
إجماع، ولا تصحيف، ولفظ الشخص يدلّ على الظهور، والارتفاع، والقيام
بالنفس، فلو لم يَرِد في الحديث لَمَا صِحّ نفيه؛ لعدم الموجب لذلك، بل لو
قيل: يصحّ الإخبار به؛ لصحّة معناه، لكان له وجهٌ، وفكيف، وقد ورد في
الحديث، ونقله الأئمة، ولم يَرَوْه مُشكلاً، فنقول: إن الله تعالى شخصٌ، لا
كالأشخاص، كما نقول مثل ذلك فيما ورد من الأسماء والصفات، والله
تعالى أعلم. انتهى كلام البرّاك ــ جزاه الله خيراً - وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدّاً،
والله تعالى أعلم.
(وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ) قال القرطبيّ كَُّهُ: («أحبُّ)): مرفوعٌ
على أنَّه خبر المبتدأ الذي هو: ((العذرُ))، على التقديم والتأخير، وخبر ((لا))
التبرئة محذوف؛ أي: لا أحد موجودٌ العذر أحبّ إليه من الله، ويمكن فيه

٤٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
إعراب آخر، وهذا أوضح. انتهى(١).
والمعنى: ليس أحدٌ أحبّ إليه الإعذار من الله تعالى، فالعُذر هنا بمعنى
الإعذار، والإنذار قبل أخذهم بالعقوبة، ولهذا بعث المرسلين، كما أوضحه
بقوله: (مِنْ أَجْلٍ ذَلِكَ) أي: لأجل إقامة العذر (بَعَثَ اللهُ) أي: أرسل
(الْمُرْسَلِينَ) حال كونهم (مُبَشِّرِينَ) أي: يُبشّرون من آمن بالله، واتّبع هداه
(وَمُنْذِرِينَ) أي: مخوّفين بالعذاب من كفر بالله، واتّبع هواه، وإليه الإشارة
بقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين))
ذلك إشارة إلى العذر، ومعناه: الإعذار للمكلفين، قال بعض أهل المعاني:
إنما قال النبيّ وَل9: ((لا أحد أغير من الله، ولا أحد أحبُّ إليه العذر من الله))
منبِّهاً لسعدٍ، ورادعاً له عن الإقدام على قتل من وَجَدَه مع امرأته، فكأنه قال:
إذا كان الله مع شدّة غيرته يُحبُّ الإعذار، ولم يؤاخذ أحداً إلا بعد إنهاء
الإعذار، فكيف تُقْدِم على قتل من وجدته على تلك الحال؟! والله أعلم.
(٢)
انتھی
.
(وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللهِ﴾ ((الْمِدحة)) بكسر الميم: هي
المدح بفتحها، وهو الثناء بذكر أوصاف الكمال والإفضال، فإذا ثبتت الهاء
كُسرت الميم، وإذا حُذفت فُتحت، وقوله: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الْجَنَّةَ)))
معناه: لأجل محبته مَدْحَ عباده له وعدهم الجنّة، ورغّبهم فيها، حتى كثُر
سؤالهم إياها، وثناؤهم عليه، وقال النوويّ رَّتُهُ: معنى ((من أجل ذلك وعد
الجنّة)): أنه لَمَّا وعدها، ورَغَّب فيها، كثُر سؤال العباد إياها، والثناء عليه.
(٣)
انتھی(٣).
وقال القرطبيّ كَخَُّ: قوله: ((من أجل ذلك وعد الله الجنة)) أي: من سبب
حُبِّه للمدح وَعَدَ عليه بالجنَّة، وذِكْرُه المدح مقروناً مع ذكر الغَيْرة والإعذار تنبيهٌ
لسعدٍ على ألا يُعْمِل غيرته، ولا يَعْجَل بمقتضاها، بل يتأنى، ويترفق، ويتثبت؛
(١) ((المفهم)) ٣٠٥/٤.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٣٢/١٠.
(٢) ((المفهم)) ٣٠٦/٤.

٤٣٣
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٩)
حتى يحصل على وجه الصواب من ذلك، وعلى كمال الثناء والمدح بالتأني،
والرفق، والصبر، وإيثار الحقّ، وقمع النفس عند هَيَجَانها، وغلبتها عند
منازلتها، وهذا نحو من قوله وَله: ((ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي
يملك نفسه عند الغضب))، والله أعلم. انتهى(١).
وقال الكلاباذيّ كَّلُهُ: ويجوز أن يكون معنى قوله: ((لا شخص أغير
من الله))؛ أي: لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله، فمعناه؛ أي: لا يكون
العباد الذين هم أشخاص أغير من الله الذي ليس بشخص؛ لأن الله تعالى لا
يوصف بالشخص، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ويجوز أن يكون معناه كأنه
يقول: ليس من حقّ من يترفّع، ويعظم قدره، ويشرف مرتبته أن يكون لشرفه في
الرتبة، وعظم قدره، وترفعه على غيره، وأن يكون أغير من الله تعالى، والله
تعالى جليل عظيم، رفيع المكان، وهو على جلالته وكبريائه، وشدته شدة
غيرته، يُمهل عباده في مواقعتهم الفواحش، ولا يعاجلهم بالعقوبة عليها، فلا
ينبغي لعبد أن يرتفع عن الإمهال، وترك معاجلة العقوبة لغيرته، فيقتل من يواقع
الفاحشة، ويأتيها، ولكن يُمْهِل إلى أن تطلق عنه الأمر من الله تعالى في قتله،
فإن أطلق الأمر، وإلا مَهُل وتربص، وإن كان شديد الغيرة، وذلك أن سعداً
كان سيد قومه، وشريف قبيلته الخزرج، وسيدها، ورفيع القدر فيها، وجليل
الخطر عندها، ومن كان كذلك، فهو أقدر على معاجلة العقوبة، إذ يكاد يخاف
تبعتها، والشخص ما ارتفع، ونما، وتزايد، فكأنه يقول: من كان رفعته،
وشرفه، وجلالة قدره بالنمو، والتزايد، والارتفاع من حالة الانخفاض، فلا
ينبغي أن يجاوز الحدّ الذي حُدّ له، والوقت الذي يجوز له أن يواقع بالعقوبة
مواقع الفاحشة، فإن الله أجلّ وأعظم، وأعلى جلالته، وعظمته، وعلوّه، لم
يزل، ولا يزال، وغيرته أشد، وهو مع هذا يمهل مُواقِع الفاحشة، ولا یعاجله،
فالشخص أولى بترك معاجلة العقوبة، والدليل على هذا التأويل رواية أبي
هريرة ظه - يعني المذكور قبل حديث المغيرة - ثم أورده، ثم قال: فدل هذا
الحديث على أنه أراد معاجلة العقوبة قبل وقتها لغيرته، ولم يخف التبعة فيها
(١) ((المفهم)) ٤ /٣٠٦.

٤٣٤
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
لشرفه في قومه، فكأن النبيّ وَل﴿ أخبر أنه أغير من سعد، وأشرف، وأبلغ
سؤدداً منه، وهو ينتهي إلى الحد في الغيرة، فلا يعاجل بالعقوبة مُواقع الفاحشة
قبل وقتها، والله أغير مني وأعلى وأجل، وهو لا يعاجل بالعقوبة، والشخص
الذي شرفه وسؤدده من جهة الشخص بالنمو والازدياد لإلزامه أحق وأولى، ثم
الأشخاص وهم المترفعون الأشراف يحبون أن يُعْذَروا من أفعالهم التي يجوز
أن يلاموا عليها، فربما يفعلون الفعل الذي يلزمهم اللوم عليه، وهم يحبون أن
يُعذروا إلى الناس في أفعالهم لإزالة اللوم عنهم، والتعيير لهم، والنكير ممن
فوقهم عليهم، فالله تعالى في جلاله، وعظمته، وكبريائه، وقهره لخلقه يبدي
العذر فيما يفعل بخلقه من عدو يهلكه، أو ولي يبليه، فقال في أعدائه: ﴿وَمَا
ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانَوْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣]، وقال: ﴿وَمَا ظَلَمْتَهُمْ
جَزَينَهُـ
﴿وَلَا
ذَالِكَ
﴾ [الزخرف: ٧٦]، وقال:
وَلَكِن كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ
[الأنعام: ١٤٦]، وأشباهه كثير، وقال في أوليائه: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِبْتَلِيَكُمْ
الآية [آل عمران: ١٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]،
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَلَمُو بِلِفْكِ
عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [النور: ١١]، ﴿وَمَا أَصَبَّكُمْ يَوْمَ
اُلْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، فهو جَلَّ جلاله وعزّ يبدي هذه الأعذار في
فعله، وقد بعث الأنبياء ﴿مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
الرُّسُلِّ﴾ [النساء: ١٦٥]، ولئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾
[الأعراف: ١٧٢]، ﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيَّنَا اُلْكِنَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام:
١٥٧]، وأمثالها كثيرة، فأبدى هذه الأعذار إلى خلقه، وأحب إبداء العذر في
فعله مع غناه عن ذلك، إذ لا يلزمه تعالى في فعله لوم، ولا يلحقه تغير، ولا
من غيره عليه نكير، ولا حد له فيجاوزه، وهو يفعل ما يفعل في ملكه، وهو
حكيم عالم قادر، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم
يُسألون وهو تعالى يحب العذر فضلاً منه وكرماً، وإجلالاً لعذر أوليائه وبراً
بهم، ولطفاً بهم أكثر من محبة الأجلة والأشراف الذين هم أشخاص معلولون،
وعباد مربوبون، وهو الجليل العظيم الرب الكريم.
قال: ويجوز أن يكون معناه: أنه يحب العذر من عباده إليه، وهو أن

٤٣٥
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٩)
يعتذروا إليه من خباءاتهم، وتقصيرهم، فيغفرها لهم، وبعث المرسلين ليحثّوا
على ذلك عباده، وليبلوا أعذار عباده، ويشفعوا لهم، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ
يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ - إلى قوله تعالى - ﴿فَغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾ الآية [غافر: ٧].
وقوله: ((ولا شخص أحب إليه المدح من الله)) الأشخاص: وهم
المترفعون المتزايدون، يحبون أن يُمدحوا ويثنى عليهم في أوصافهم في أنفسهم
وأفعالهم بمكان غيرهم وأوصافهم، فهل غيرهم بهم وأفعالهم بقوة يحدثها فيهم
من له العذرة والقوة، ويستحق عليهم الثواب منهم في المدح لهم، والثناء
عليهم، وربما لم يثنوا لرؤية فضل بدونه فيهم، وهم بحبهم عنه عواري، والله
تعالى للمدح أحب، وللثناء عليه أشكر، إذ هو المستحق للمدح، وهو الله
تعالى رفيع الأوصاف، جميل الأفعال، وهو المنعم المتفضل، ذو الجلال
والجمال، فهو يحب المدح من عباد له، والثناء منهم عليه، والحمد والشكر له
ليثيبهم عليه أفضل الثواب، ويُنعم عليهم بأفضل النعم، وكذلك وعد الجنة
ليُمدح بالفضل واللطف والبر؛ لأنه لا يستحق عليه شيئاً، ولا يجب عليه فعل
فهو متفضل فيما وعد من الجنة ونعيمها، فأحب أن يُمدح بما يمدح المتفضل
الحسن الفعال، الجميل الأوصاف، ووعد أيضاً على المدح له والثناء له
والشكر له الجنة وثوابها ونعيمها، وما أعدّ فيها مما لا عين رأت، ولا أُذن
سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهو للمدح أشدّ حباً من الأشخاص
المعلومين، وهو بالمدح أولى، وله أحق، تبارك الله الممدوح في أوصافه،
المحمود على أفعاله، المنعم على عباده، المتفضل البر الرءوف. انتهى(١)،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شُعبة
، هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٥٩ و٣٧٦٠] (١٤٩٩)، و(البخاريّ) في
(١) ((بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخيار)) للكلاباذيّ ٢٢٤/١ - ٢٢٥.

٤٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
((الحدود)) (٦٨٤٦)، و((التوحيد)) (٧٤١٦)، و(أبو داود) (٤٥٣٢ و٤٥٣٣)،
و(مالك) في ((الموطإٍ)) (٧٣٧/٤ و٨٢٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٨/٤)،
و(عبد الله بن أحمد) في ((زوائد المسند)) (٢٤٨/٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٢١٤/٣ - ٢١٥)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (١٥١/١)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٥٧٧٣)، و(الطبرانيّ) في ((المعجم الكبير)) (٩٢٢/٢٠)، و(الدارميّ)
في «سننه)) (١٤٩/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١١٠/٥)، والله تعالى
أعلم.
وفوائد الحديث، وبقيّة مسائله، تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَذَتُ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٦٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ،
عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: غَيْرَ مُصْفَحِ، وَلَمْ
يَقُلْ: عَنْهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الجعفيّ الكوفيّ المقرىء، ثقة عابدٌ [٩]
(ت٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١/ ١٥٤.
٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ [٧]
(ت١٦٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٣/٦.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: عَنْهُ) يعني أن زائدة لم يذكر في روايته عن
عبد الملك بن عُمير لفظة: ((عنه))، بل قال: ((غير مصفح)) فقط، وقد تقدّم
اختلاف العلماء في إثباتها، وعدمه، في الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية زائدة بن قُدامة، عن عبد الملك بن عُمير هذه لم أجد من
ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُثِبُ﴾ .

٤٣٧
(١) - بَابٌ لَا يُنْفَى الْوَلَدُ لِمُخَالَفَةٍ لَوْنٍ، أَوْ شَهٍ
(١) - (بَابٌ لَا يُنْفَى الْوَلَدُ لِمُخَالَفَةِ لَوٍْ، أَوْ شَبَهٍ)(١)
قال الجامع عفا الله عنه: ترجم الإمام البخاريّ تَُّ على حديث أبي
هريرة يته هذا بقوله: ((بابٌ إذا عرّض بنفي الولد))، قال في ((الفتح)): قوله:
((عَرَّضَ)) - بتشديد الراء - من التعريض، وهو ذِكْرُ شيءٍ يُفهَم منه شيء آخر، لم
يُذكَر، ويفارق الكناية بأنها ذكر شيء بغير لفظه الموضوع، يقوم مقامه، وترجم
البخاريّ لهذا الحديث في ((الحدود)): ((ما جاء في التعريض))، وكأنه أخذه من
قوله في بعض طرقه: ((يُعَرِّض بنفيه)).
وقد اعترضه ابن الْمُنَيِّر، فقال: ذَكَر ترجمة التعريض عقب ترجمة
الإشارة؛ لاشتراكهما في إفهام المقصود، لكن كلامه يُشعر بإلغاء حكم
التعريض، فيتناقض مذهبه في الإشارة. والجوابُ أن الإشارة المعتبرة هي التي
لا يُفهم منها إلا المعنى المقصود، بخلاف التعريض، فإن الاحتمال فيه إما
راجح، وإما مساوٍ، فافترقا.
قال الشافعيّ في ((الأُمّ)): ظاهر قول الأعرابيّ أنه اتَّهَم امرأته، لكن لما
كان لقوله وجه غير القذف، لم يَحكم النبي ◌ِّ فيه بحكم القذف، فدلّ ذلك
على أنه لا حدّ في التعريض.
ومما يدلّ على أن التعريض لا يُعطَى حكمَ التصريح الإذن بِخِطبة المعتدّة
بالتعريض، لا بالتصريح، فلا يجوز، والله أعلم. انتهى(٢).
وقد أشار السيوطيّ تَُّ في ((الكوكب الساطع)) إلى بيان الفرق بين
الكناية، والتعريض، فقال:
أُرِيدَ مِنْهُ لَازِمُ الْمَعْنَى فَسَمْ
اللَّفْظُ إِنْ أُظْلِقَ فِي مَعْنَاهُ ثُمَّ
أَوْ لَمْ يُرَدْ مَعْنَى وَلَكِنْ عُبِّرَا
كِنَايَةً وَهْوَ حَقِيقَةً جَرَى
(١) ترجم القرطبيّ في ((مختصره)) بنحو هذه الترجمة، وأما بقيّة شرّاح مسلم، فلم
يتعرّضوا للترجمة، بل جعلوا الأحاديث كلّها تحت الترجمة السابقة ((كتاب اللعان)).
(٢) ((الفتح)) ١٦١/١٢ (كتاب الطلاق)) رقم (٥٣٠٥).

٤٣٨
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
يَجْرِي مَجَازاً فِي الَّذِي السُّبْكِ احْتَدَى
عَنْ لَازِمٍ مِنْهُ بِمَلْزُومٍ فَذَا
أَوْ لَا وَلَا كُلٌّ لَدَيْهِ حُجَّةٌ
وَمَنْ يَقُلْ مَجَازٌ اوْ حَقِيقَةُ
تَعْرِيضُهُمْ لَيْسَ مَجَازاً أَبَدًا
وَإِنْ لِتَأْوِيحِ سِوَاهُ قُصِدَا
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَخْذُ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٦١] (١٥٠٠) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَبِّبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي
فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَاماً أَسْوَدَ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َّ: ((هَلْ
لَكَ مِنْ إِبِلِ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَمَا أَلْوَانُهَا؟)) قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: ((هَلْ فِيهَا مِنْ
أَوْرَقَ؟)) قَالَّ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقاً، قَالَ: ((فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟)) قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ
عِرْقُ، قَالَ: ((وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ))).
رجال هذا الإسناد: ثمانيةٌ:
١ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ
الإمام الثبت الحجة الفقيه، من كبار [٣] (٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَن الزُّهْرِيِّ) قال الدارقطنيّ: أخرجه أبو مصعب في ((الموطٍ)) عن
مالك، وتابعه جماعة من الرواة خارج ((الموطا))، ثم ساقه من رواية محمد بن
الحسن، عن مالك: أنا الزهريّ، ومن طريق عبد الله بن محمد بن أسماء، عن
مالك، ومن طريق ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب، ومالك، كلاهما عن ابن
شهاب. وطريق ابن وهب هذه أخرجها أبو داود، قاله في ((الفتح))(١).
(عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبٍ) قال في ((الفتح)): كذا لأكثر أصحاب الزهريّ،
وخالفهم يونس، فقال: عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وسيأتي بعد
(١) ((الفتح)) ١٦١/١٢ - ١٦٢.

(١) - بَابٌ لَا يُنْفَى الْوَلَدُ لِمُخَالَفَةِ لَوْنٍ، أَوْ شَبَهٍ - حديث رقم (٣٧٦١)
٤٣٩
حديث من طريق ابن وهب، عنه، وهذا يدلّ على أن الشيخين يريان إلى أنه
عند الزهريّ، عن سعيد، وأبي سلمة معاً، قال الحافظ: ويؤيده رواية يحيى بن
الضحاك، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عنهما جميعاً، وقد أطلق الدار قطنيّ أن
المحفوظ رواية مالك، ومن تابعه، وهو محمول على العمل بالترجيح، وأما
طريق الجمع فهو ما صنعه الشيخان، ويتأيّد أيضاً بأن عُقيلاً رواه عن الزهريّ،
قال: بلغنا عن أبي هريرة، فإن ذلك يُشعر بأنه عنده عن غير واحد، وإلا لو
كان عن واحد فقط، كسعيد مثلاً لاقتصر عليه. انتهى (١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ) - بفتح الفاء،
وبالزاي، وبعد الألف راء مهملة - وللبخاريّ: ((أن رجلاً أتى النبيّ ◌َّ))، وفي
رواية له: ((جاء أعرابيّ))، وللنسائيّ: ((جاء رجل من أهل البادية))، وكذا في
رواية أشهب، عن مالك، عند الدارقطنيّ، وفي رواية ابن وهب عند أبي داود:
((أن أعرابيّاً من بني فزارة)).
قال الحافظ تَُّهُ: واسم هذا الأعرابي ضمضم بن قتادة، أخرج حديثه
عبد الغنيّ بن سعيد في ((المبهمات)) له، من طريق قُطبة بنت عمرو بن هَرِم؛ أن
مدلوكاً حدّثها أن ضمضم بن قتادة، وُلد له مولود أسود، من امرأة من بني
عِجْل، فشكا النبيّ وَّ، فقال: ((هل لك من إبل؟)) (إِلَى النَّبِيِّ وََِّّ) وفي رواية
ابن أبي ذئب: ((صَرَخَ بالنبيّ ◌ِّ)) (فَقَالَ: ((إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَاماً أَسْوَدَ) قال
الحافظ تَخَّتُهُ: لم أقف على اسم المرأة، ولا على اسم الغلام، وزاد في رواية
يونس: ((وإني انكرته))؛ أي: استنكرته بقلبي، ولم يرد أنه أنكر كونه ابنه
بلسانه، وإلا لكان تصريحاً بالنفي، لا تعريضاً، ووجه التعريض أنه قال: غلاماً
أسود؛ أي: وأنا أبيض، فكيف يكون مني؟
ووقع في رواية معمر، عن الزهريّ في الرواية التالية: ((وهو حينئذ يُعَرِّض
بأن ينفيه))، ويؤخذ منه أن التعريض بالقذف ليس قذفاً، وبه قال الجمهور،
واستدلّ الشافعيّ بهذا الحديث لذلك، وعن المالكية: يجب به الحدّ، إذا كان
مفهوماً، وأجابوا عن الحدیث بما سيأتي بيانه في آخر شرحه.
(١) ((الفتح)) ١٢/ ١٦٢.

٤٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
وقال ابن دقيق العيد كَّلُ: في الاستدلال بالحديث نظرٌ؛ لأن المستفتي
لا یجب عليه حدّ، ولا تعزیر.
قال الحافظ: وفي هذا الإطلاق نظر؛ لأنه قد يستفتي بلفظ لا يقتضي
القذف، وبلفظ يقتضيه، فمن الأول أن يقول مثلاً: إذا كان زوج المرأة أبيض،
فأتت بولد أسود: ما الحكم؟ ومن الثاني أن يقول مثلاً: إن امرأتي أتت بولد
أسود، وأنا أبيض، فيكون تعريضاً، أو يزيد فيه مثلاً: زنت، فيكون تصريحاً،
والذي ورد في حديث الباب هو الثاني، فيتم الاستدلال، وقد نبه الخطابيّ(١)
على عكس هذا، فقال: لا يلزم الزوج إذا صرح بأن الولد الذي وضعته امرأته
ليس منه حدّ قذف؛ لجواز أن يريد أنها وطئت بشبهة، أو وضعته من الزوج
الذي قبله، إذا كان ذلك ممكناً. انتهى.
(فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلِ؟)) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ) ◌ِ ((فَمَا أَلْوَانُهَا؟»
قَالَ: حُمْرٌ) بضمّ، فسكون: جمع أحمر، وفي رواية محمد بن مصعب، عن
مالك عند الدارقطنيّ: ((قال: أرمك))، والأرمك الأبيض إلى حمرة (قَالَ) وَيهوى
((هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟») بوزن أحمر، قال النوويّ: الأورق: هو الذي فيه سواد
ليس بصاف، ومنه قيل للرماد: أورق، وللحمامة ورقاء، وجمعه وُرْقٌ - بضم
الواو، وإسكان الراء - كأحمر وحُمْرٍ. انتهى(٢)، وقال في ((الفتح)): الأورق:
الذي فيه سواد، ليس بحالِكِ، بل يميل إلى الْغُبْرة(٣)، ومنه قيل للحمامة:
وَرْقاء. انتهى. (قَالَ) الرجل (إِنَّ فِيهَا لَوُرْقاً) بضمّ، فسكون: جمع أورق
(قَالَ) مَِّ ((فَأَنَّى) - بفتح الهمزة، وتشديد النون - بمعنى ((من أين)) (أَتَاهَا
ذَلِكَ؟))) أي: من أين أتاها اللون الذي خالفها؟ هل هو بسبب فحل من غير
لونها، طرأ عليها، أو لأمر آخر؟ (قَالَ) الرجل (عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ) وفي
رواية يونس الآتية: ((فقال: لعله يا رسول الله يكون نزعه عِرْق له))، وزاد في
رواية معمر التالية: ((فلم يُرخّص له في الانتفاء منه))، وفي رواية شُعيب بن
(١) راجع: ((الأعلام)) ٢٣٠٠/٤ و٢٣٠١، و((معالم السنن)) ٢٣٥/٣.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٣٣/١٠.
(٣) بفتحتين، أو بضمّ، فسكون: التراب.