النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٢)
ضيته حادي النبيّ ◌َل، يرجز له في بعض أسفاره، وشهد.
البراء
إلا بدراً.
رَوَى البغويّ بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، عن أنس ◌َُّته قال:
دخلت على البراء بن مالك رُبه، وهو يتغنّى، فقلت له: قد أبدلك الله ما هو
خير منه، فقال: أترهب أن أموت على فراشي، لا والله، ما كان الله ليَحْرِمني
ذلك، وقد قتلت مائةً منفرداً، سوى من شاركت فيه.
وأخرج بَقِيّ بن مَخْلَد في ((مسنده)) عن أبي إسحاق، قال: زَحَف
المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجئوهم إلى حَديقة فيها عدوّ الله
مسيلمة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين، ألقوني إليهم، فاحتُمِل حتى
إذا أشرف على الجدار اقتحم، فقاتلهم على الحديقة، حتى فتحها على
المسلمين، ودخل عليهم المسلمون، فقتل الله مسيلمة.
وأخرج بسنده عن أنس ظُه، قال: رَمَى البراء بنفسه عليهم، فقاتلهم
حتى فتح الباب، وبه بضع وثمانون جراحةً من بين رمية بسهم، وضربة، فحُمل
إلى رحله يُداوَى، وقام عليه خالد شهراً.
وأخرج الترمذيّ من طريق ثابت، وعليّ بن زيد، عن أنس ظبه: أن
النبيّ وَّم قال: ((ربّ أشعث أغبر لا يُؤْبه له، لو أقسم على الله لأبرّه، منهم
البراء بن مالك))، فلما كان يوم تُستر من بلاد فارس، انكشف الناس، فقال
المسلمون: يا براء أقسم على ربّك، فقال: أُقسمُ عليك يا ربّ لَمَا مَنَحتنا
أكتافهم، وألحقتني بنبيّك، فحَمَل، وحَمَل الناس معه، فقَتَل مرزُبان الزارة من
عظماء الفرس، وأخذ سَلَبه، فانهزم الفرس، وقُتل البراء.
استُشهِد يوم حِصْن تستر في خلافة عمر ظله سنة عشرين، وقيل: قبلها،
وقيل: سنة ثلاث وعشرين، وذكر سيف أن الهرمزان هو الذي قتله. انتهى
ملخّصاً من ((الإصابة))(١).
(وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلِ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَامِ) قال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْلُهُ: هذا
يقتضي أن آية اللعان نزلت بسبب هلالَ بن أميّة، وكذلك ذكره البخاريّ، وهو
(١) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٢٣٥/١ - ٢٣٧.

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
مخالفٌ لما تقدّم أنها نزلت بسبب عويمر العجلانيّ، وهذا يَحْتَمِل أن تكون
القضيّتان متقاربي الزمان، فنزلت بسببهما معاً، ويَحْتَمِل أن تكون الآية أنزلت
على النبيّ وَّ﴿ مرّتين؛ أي: كرّر نزولها عليه، كما قال بعض العلماء في ((سورة
الفاتحة)): إنها نزلت بمكّة، وتكرر نزولها بالمدينة، وهذه الاحتمالات - وإن
بُعُدت - فهي أولى من أن يُطرَّق الوهم للرواة الأئمة الحفّاظ. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه القرطبيّ ◌َُّ أن
الجمع بأنها نزلت بسببهما هو الأرجح، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك قريباً،
فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
(قَالَ: فَلَعَنَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ تَطِ: ((أَبْصِرُوهَا) الضمير للمرأة الملاعِنة،
ثم الظاهر أنه من الإبصار، فهمزته همزة قطع، ويَحْتَمِل أن يكون من البصر
- بفتحتين - من بابي كَرُم، وعَلِمَ، لكن هذا قليل، إذ الفصيح أن يتعدى بالباء،
قال الفيّوميّ: يقال: أبصرته برؤية العين إبصاراً، وبَصُرتُ بالشيء - بالضمّ،
والكسرُ لغةٌ، بَصَراً - بفتحتين -: عَلِمت به، فأنا بصير به، يتعدّى بالباء في
اللغة الفصحى، وقد يتعدّى بنفسه. انتهى.
وقال السمين الحلبيّ كَّثُ في قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ [القصص: ١١]:
يقال: بَصِر بالشيء؛ أي: عَلِمه، وأبصره؛ أي: نظر إليه، كذا قال الزجّاج،
وقال غيره: بَصِر بالشيء، وأبصره: بمعنى عَلِمه، والعامّة بضم الصاد في
الماضي، ومضارعه، وقرأ الأعمش، وأبو السمّال: ((بصِرت)) بالكسر، يبصَر
بالفتح، وهي لغة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الفصيح في قوله: ((أبصروا))
قطع الهمزة، أو تعديته بالباء، والمعنى: اعلموا ولدها، أو انظروا إلى ولدها
الذي ستلده من هذا الحمل الذي لاعنت به على أي صفة تَلِده، حتى تستدلّوا
على كذب أحدهما، والله تعالى أعلم.
(فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ، سَبِطاً) بكسر الباء، وإسكانها؛ أي: مُسترسِل
الشعر، منبسطه، يقال: سَبِط الشعرُ سَبَطاً، من باب تعب، فهو سَبِطٌ - بكسر
الباء -، وربّما قيل: سَبَطً بالفتح وصفٌ بالمصدر: إذا كان مسترسلاً، وسَبُطَ
سَبُوطةً، فهو سَبْطٌ، مثلُ سَهُل سُهُولةً، فهو سَهْلٌ، لغةٌ فيه، قاله الفيّومِيّ ◌َُّ .

٤٠٣
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٢)
(قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ) - بفتح القاف، وكسر الضاد المعجمة - على وزن فَعِيل
أي: فاسد العينين بكثر دمع، أو حمرة، أو غير ذلك، قال ابن منظور في
((اللسان)): قَضِئَتْ عينُهُ تَقْضَأْ قَضَأَ، فهي قَضِئَةٌ: احمرّت، واسترخت مآقيها،
وقَرِحَت، وفَسَدَت، والقُضْأَةُ الاسم، وفيها قَضْأَةٌ؛ أي: فسادٌ. انتهى.
(فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ) أي: لأن هذه صفته (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ) أفعل من
الْكَحَل بفتحتين، وهو سَوادٌ يعلو جُفُون العين خِلْقَةً، يقال: كَحِلت العينُ
كَحَلاً، من باب تَعِبَ، ورجلٌ أكحل، وامرأة كحلاء، مثلُ أحمر، وحَمراء،
قاله الفيّوميّ(١).
وفي رواية ((النسائيّ)): (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ آدَمَ)) بالمدّ من الأُدمة، وهي شدّة
السمرة، يقال: رجلٌ آدم، وامرأة أَدْماءُ؛ كأحمر، وحمراء، ويُجمع آدم على
أُدْم؛ كَحُمْر، قاله في ((المفهم))، وفي ((القاموس)): أَدُمَ؛ كعَلِم، وكرُم، فهو
آدم، جمعه أُدٌْ، وأُدْمَانٌ - بضمّهما -، وهي أَدْمَاءُ، وشذّ: أَدَمَانَةٌ، جمعها أُدْمٌ
- بالضمّ - انتهى. (جَعْداً) - بفتح الجيم، وسكون العين المهملة - المراد هنا
هو المتكسّر الشعر، ضدّ السبوطة المتقدّمة، قال الفيّوميّ: جَعد الشعر - بضمّ
العين، وكسرها - جُعُودً إذا كان فيه التواء، وتقبّضٌ، فهو جعد، وذلك خلاف
المسترسل. انتهى.
وفي رواية أخرى: ((إن جاءت به جعداً قَطِطاً))؛ أي: شديد الجعودة.
وزاد في رواية النسائيّ: ((رَبْعاً)) - بفتح الراء، وسكون الموحّدة، وتُفتح -
ويقال أيضاً: رَبعة؛ أي: متوسّطاً، غير طويل، ولا قصير، قال الفيّوميّ: رجلٌ
رَبْعةٌ، وامرأة رَبْعَةٌ؛ أي: معتدل، وحذف الهاء في المذكّر لغةٌ، وفتح الباء
فيهما لغةٌ، ورجلٌ مربوٌ مثله. انتهى. (حَمْشَ السَّاقَيْنِ) - بفتح الحاء المهملة،
وسكون الميم، وشين معجمة -، وزان فَلْس، يقال: رجلٌ حَمْشُ الساقين،
وأحمش الساقين؛ أي: دقيقهما، وحَمِشَ عَظْمُ ساقه، من باب تَعِب حَمْشةً؛
أي: رقّ (فَهُوَ لِشَرِيِكِ بْنِ سَحْمَاءَ))) قال القرطبيّ: هذا يدلّ على أن هذا كان
منه وَل﴿ تفرّساً وحَدْساً، لا وحياً، ولو كان وحياً لكان معلوماً عنده، وفيه ما
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٥٢٧.

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
يدلّ على إلغاء حكم الشَّبَه في الحرائر، كما هو مذهب مالك، قال: وفيه: أن
ذكر الأوصاف المذمومة للضرورة، والتحلية بها للتعريف ليس بغيبة. انتهى(١).
(فَأَنَّبِثْتُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ، جَعْداً، حَمْشَ السَّاقَيْنِ)
(قَالَ) أنس تظـ
أي: على صفة شريك بن سَحْماء الذي ادّعَى هلال أنه وجده مع امرأته، زاد
في رواية النسائيّ: ((فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: ((لَوْلًا مَا سَبَقَ فِيهَا مِنْ كِتَابِ اللهِ،
لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌّ»، وفي رواية: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها
شأن))؛ أي: لولا ما سبق من حكم الله تعالى أن اللعان يدفع الحدّ عن المرأة
لأقمت عليها الحدّ من أجل الشبه الظاهر بالذي رُميت به، ويستفاد منه أنه وَّه
كان يحكم بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه وحي خاصّ، فإذا أُنزل الوحي
بالحكم في تلك المسألة قَطَع النظر، وعَمِل بما نزل، وأَجرى الأمر على
الظاهر، ولو قامت قرينة تقتضي خلاف الظاهر، قاله في ((الفتح)).
وقال القرطبيّ: يُفْهَم من ذلك أن الحكم إذا وقع على شروطه لا يُنقض،
وإن تبیّن خلافه.
هذا إن لم يقع خلل، أو تفريط في شيء من أسبابه، فأما لو فرّط
الحاكم، فغلط، وتبيّن تفريطه، وغلطه بوجه واضح، نُقض حكمه، وهذا
مذهب الجمهور. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك به هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٥٢] (١٤٩٦)، و(النسائيّ) في ((الطلاق))
(٣٤٩٥ و٣٤٩٦)، و((الكبرى)) (٥٦٦٢ و٥٦٦٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣/
١٤٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٠٩/٣)، أما فوائد الحديث، وبيان
المسائل المتعلّقة به، فقد تقدّمت في شرح حديث سهل بن سعد ﴿ًا، فراجعها
(١) ((المفهم)) ٣٠٣/٤.
(٢) ((المفهم)) ٣٠٣/٤.

٤٠٥
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٣)
تستفد علماً جمّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٣] (١٤٩٧) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرٍ، وَعِيسَى بْنُ
حَمَّادٍ الْمِصْرِيَّانِ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رُمْح، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ:
ذُكِرَ الثَّلَاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدٍِّ فِي ذَلِكَ قَوْلاً، ثُمَّ
انْصَرَفَ، فَأَتَّهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلاً، فَقَالَ عَاصِمٌ:
مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا إِلَّ لِقَوْلِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ
امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرّاً، قَلِيلَ اللَّحْمِ، سَبِطَ الشَّعَرِ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى
عَلَيْهِ؛ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ، خَدْلاً، آدَمَ، كَثِيرَ اللَّحْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((اللَّهُمَّ
بَيِّنْ))، فَوَضَعَتْ شَبِيهاً بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجَهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَوْ رَجَمْتُ أَحَداً بِغَيْرِ بَيِّئَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ)؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا،
تِلْكَ امْرَأَةٌ، كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ السُّوءَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عِيسَى بْنُ حَمَّادِ) بن مسلم التُّجيبيّ، أبو موسى المصريّ، لقبه
زُغْبةُ، وهو لقب أبيه أيضاً، ثقةٌ [١٠] (٢٤٨)، وقد جاوز التسعين، وهو آخر
من حدّث عن الليث من الثقات (م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦٢.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام الشهير المصريّ، تقدّم قريباً.
٤ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو محمد
المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في ((الحيض)) ٢٧/ ٨٢٢.
٦ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ
فاضلٌ من كبار [٣] (ت١٠٦) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٩٥/٣.

٤٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عَّ، تقدّم قريباً.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف وَّلُ
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول انفرد به
هو وابن ماجه، والثاني ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخيه، والليث، فمصريّون.
٤ - (ومنها): أن رواية يحيى، عن عبد الرحمن من رواية الأكابر، عن
الأصاغر؛ لأن يحيى من الطبقة الخامسة، وعبد الرحمن من السادسة، وفيه
رواية الابن عن أبيه، وفيه القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة، وفيه ابن
عبّاس ظّ أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وكلهم تقدّموا غير
مرّة، وإنما أعدته من باب التذكير، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿هَا (أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ الثَّلَاعُنُ) ببناء الفعل للمفعول،
و(التلاعن) بالرفع على أنه نائب الفاعل، وفي رواية عند البخاريّ: ((ذُكر
المتلاعنان))، والمراد: ذِكْرُ حكم الرجل يرمي امرأته بالزنا، فعبّر عنه بالتلاعن
باعتبار ما آل إليه الأمر بعد نزول الآية (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ
عَدِيٍّ) الأنصاريّ الصحابيّ، تقدّمت ترجمته في شرح حديث سهل بن سعد
(فِي ذَلِكَ قَوْلاً) قال الكرمانيّ: معنى قوله: ((قولاً))؛ أي: كلاماً لا يليق به،
كعُجْب النفس، والنَّخْوَة (١)، والمبالغة في الغيرة، وعدم المردّ إلى الله،
وقدرته.
وتعقّبه الحافظ، فقال: وكلّ ذلك بمعزل عن الواقع، وإنما المراد بقول
عاصم ما تقدّم في حديث سهل بن سعد أنه سأل عن الحكم الذي أمره عويمرٌ
أن يسأل له عنه، وإنما جزمت بذلك؛ لأنه تبيّن لي أن حديثي سهل بن سعد،
وابن عبّاس من رواية القاسم بن محمد، عنه في قصّة واحدة، بخلاف رواية
(١) بفتح، فسكون: العظمة.

٤٠٧
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٣)
عكرمة، عن ابن عبّاس، فإنها قصّة أخرى، كما تقدّم في تفسير ((سورة النور))،
عن ابن عبد البرّ أن القاسم روى قصّة اللعان عن ابن عبّاس، كما رواه سهل بن
سعد، وغيره، في أن الملاعن عويمر، وبيّنت هناك توجيهه، وعلى هذا فالقول
المبهم عن عاصم في رواية القاسم هذه هو قوله: ((أرأيت رجلاً وجد مع امرأته
رجلاً؛ أيقتله، فتقتلونه؟)) الحديث، ولا مانع أن يروي ابن عباس القصّتين معاً،
ويؤيّد التعدّد اختلاف السياقين، وخلوّ أحدهما عما وقع في الآخر، وما وقع
بين القصّتين من المغايرة، كما أبيّنه. انتهى(١).
(ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: رجع عاصم من مجلس رسول الله وَّه إلى منزله (فَأَتَاهُ
رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) هو عويمر كما تقدّم، ولا يمكن تفسيره بهلال بن أُميّة؛ لأنه لا
قرابة بينه وبين عاصم؛ لأنه هلال بن أمية بن عامر بن عبد قيس من بني
واقف، وهو مالك بن امرىء القيس بن مالك بن الأوس، فلا يجتمع مع بني
عمرو بن عوف الذي ينتمي عاصم إلى حلفهم، إلا في مالك بن الأوس؛ لأن
عمرو بن عوف هو ابن مالك، قاله في ((الفتح)) (يَشْكُو إِلَيْهِ؛ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ
رَجُلاً، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا) ببناء الفعل للمجهول؛ أي: ما ابتُليت
بوقوع هذه الفاحشة في قومي إلا بسؤالي عما لم يقع، وإنما أسند الابتلاء إليه؛
لأن عويمراً كانت تحته بنت عاصم، أو بنت أخيه، فما وقع منها فهو ابتلاء
له.
وقوله (إِلَّا بِقَوْلِي) أي: بسؤالي عما لم يقع، كأنه قال: فعوقبت بوقوع
ذلك في آل بيتي.
قال الحافظ: وزعم الداوديّ أن معناه أنه قال مثلاً: لو وجدت أحداً
يفعل ذلك لقتلته، أو عيّر أحداً بذلك، فابتلي به، وكلامه أيضاً بمعزل عن
الواقع، فقد وقع في مرسل مقاتل بن حيّان عن ابن أبي حاتم: ((فقال عاصم:
إنا لله، وإنا إليه راجعون، هذا والله بسؤالي عن هذا الأمر بين الناس، فابتليت
به))، والذي كان قال: ((لو رأيته لضربته بالسيف)) هو سعد بن عبادة.
وقد أورد الطبريّ من طريق أيوب، عن عكرمة، مرسلاً، ووصله ابن
(١) ((الفتح)) ١٨١/١٢.

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
مردويه بذكر ابن عبّاس، قال: لما نزلت: ﴿وَلَّذِينَ يَزَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ قال سعد بن
عبادة: ((إن أنا رأيت لَكَاع يَفجُر بها رجل ... )) فذكر القصّة، وفيه: فوالله ما
لبثوا إلا يسيراً حتى جاءَ هلال بن أُميّة، فذكر قصّته، وهو عند أبي داود في
رواية عبّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، فوضح أن قول عاصم كان
في قصّة عويمر، وقول سعد بن عبادة كان في قصّة هلال، فالكلامان مختلفان،
وهما مما يؤيّد تعدد القصّة، ويؤيّد التعدّد أيضاً أنه وقع في آخر حديث ابن
عباس عند الحاكم: ((قال ابن عبّاس: فما كان بالمدينة أكثر غاشية منه))، وعند
أبي داود وغيره: «قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميراً على مصر، وما يُدْعَى
لأب))، فهذا يدلّ على أن ولد الملاعنة عاش بعد النبيّ وَّ زماناً.
وقوله: ((على مصر))؛ أي: من الأمصار، وظنّ بعض شيوخنا أنه أراد
مصر البلد المشهور، فقال: فيه نظر؛ لأن أمراء مصر معروفون معدودون، ليس
فیهم هذا.
ووقع في حديث عبد الله بن جعفر، عند ابن سعد في ((الطبقات)) أن ولد
الملاعنة عاش بعد ذلك سنتين، ومات، فهذا أيضاً مما يقوّي التعدد، والله
أعلم. انتهى كلام الحافظ تَقَّهُ(١).
(فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَأَخْبَرَهُ، بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ
الرَّجُلُ) أي: الذي رَمَى امرأته (مُصْفَرّاً) - بضم أوله، وسكون الصاد المهملة،
وفتح الفاء، وتشديد الراء - أي: قويّ الصفرة، وهذا لا يخالف قوله في
حديث سهل ظه: ((إنه أحمر، أو أشقر))؛ لأن ذاك لونه الأصليّ، والصفرة
عارضة (قَلِيلَ اللَّحْم) أي: نحيف الجسم (سَبِطَ الشَّعْرِ) بفتح، فكسر، أو
بفتحتين؛ أي: مسترسله، وهو ضدّ الجعودة (وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ
عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلاً) - بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الدال المهملة -: هو الممتلئ
الساق الضخم؛ أي: ممتلىء الساقين، وقال أبو الحسين بن فارس: ((ممتلىء
الأعضاء))، وقال الطبريّ: لا يكون إلا مع غلظ العظم مع اللحم، وقال ابن
التين: ضُبِط في بعض الكتب بكسر الدال، وتخفيف اللام، وفي بعضها بتشديد
(١) ((الفتح)) ١٢/ ١٨٢.

٤٠٩
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٣)
اللام، وفي بعضها بسكون الدال، وكذلك هو في كتب اللغة، وكذا ضُبِط في
رواية أبي صالح، وابن يوسف. قاله العينيّ تَخْذُهُ(١).
(آدَمَ) بالمدّ؛ أي: لونه قريبٌ من السواد (كَثِيرَ اللَّحْم) أي: في جميع
جسده. قال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن تكون صفة شارحة لقوله: ((خَدْلاً))، بناءً
على أن الخذل: الممتلىء البدن، وأما على قول من قال: إنه الممتلىء الساق،
فيكون فيه تعميم بعد تخصيص، وزاد في روايةٍ للبخاريّ: ((جَعْداً قَطَطاً)»،
و((الجعد)): هو المتكسّر، ضدّ السبوطة، و((الْقَطَطُ)) - بفتحتين، أو بفتح، فكسر -:
هو المتفلفل الشعر، قال في ((الفتح))، وهذه الصفة موافقة للتي في حديث سهل
ابن سعد حيث إن فيه: ((عظيم الأَلْيَتين خَدَلّج الساقين إلخ)). انتهى (٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ بَيِّنْ))) أي: بيّن لنا الحكم في هذه المسألة.
قال أبو العبّاس القرطبيّ تَّتُهُ: ظاهره أنه دعاءٌ في أن يبيّن له ممن
الولد؟ فأجيب بأنه للذي رُمي به، وتبيّن له ذلك بأن الله تعالى خلقه يُشبه الذي
رُميت به، وعلى الصفة التي قال النبيّ وَّهَ، ولذلك نسّق قوله: ((فوَضَعت)) على
الكلام المتقدّم بالفاء، وقيل: معناه: اللَّهمّ بيّن الحكم في هذه الواقعة، كما
جاء في الرواية الأخرى: ((اللَّهم افتح))؛ أي: احكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ
يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ الآية [سبأ: ٢٦] أي: يحكم. انتهى.
وقال البدر العينيّ رَّتُهُ: قوله: ((اللَّهم بيّن)) أي: حكم المسألة، ويقال:
معناه الحرص على أن يعلم من باطن المسألة ما يَقِف به على حقيقتها، وإن
كانت شريعته قد أحكمها الله في القضاء بالظاهر، وإنما صارت شرائع
الأنبياء للَّلا يُقضَى فيها بالظاهر؛ لأنها تكون سبباً لمن بعدهم من أممهم، ممن
لا سبيل له إلى وحي يعلم به بواطن الأمور.
(فَوَضَعَتْ) أي: ولدت تلك المرأة ولداً (شَبِيهاً بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا؛
أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ) أي: أمر باللعان (رَسُولُ اللهِّ بَيْنَهُمَا) هذا ظاهره أن
الملاعنة بينهما تأخّرت حتى وضعت، فيُحمَل على أن قوله: ((فلاعن)) معقّب
بقوله: فذهب به إلى النبيّ ◌َل، فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، واعترض
(١) ((عمدة القاري)) ١٧/ ٨٥.
(٢) ((الفتح)) ١٨٢/١٢ - ١٨٣.

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
قوله: ((وكان ذلك الرجل إلخ))، والحامل على ذلك ما قدّمناه من الأدلّة على
أن رواية القاسم هذه موافقة لحديث سهل بن سعد. ويَحْتَمِل على بُعْد أن تكون
الملاعنة وقعت مرّة بسبب القذف، وأخرى بسبب الانتفاء. قاله في (الفتح)).
(فَقَالَ رَجُلٌ لِاِبْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َّ (فِي الْمَجْلِسِ) متعلّق بـ((قال))، وهذا السائل
هو عبد الله بن شدّاد بن الهاد، وهو ابن خالة ابن عبّاس، سمّاه أبو الزناد عن
القاسم بن محمد في الرواية التالية (أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لَوْ رَجَمْتُ
أَحَداً بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، رَجَمْتُ هَذِهِ؟))، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿هَا (لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ، كَانَتْ
تُظْهِرُ فِي الْإِسْلاَمِ الشَّرَّ) وفي رواية: ((كانت تظهر في الإسلام السوء)) أي:
كانت تُعلن بالفاحشة، ولكن لم يثبت عليها ذلك ببيّنة، ولا اعتراف. قال
الداوديّ: فيه جواز عيب من يسلك مسالك السوء.
وتُعُقّب بأن ابن عبّاس لم يسمِّها، فإن أراد إظهار العيب على الإبهام
فمُحْتَمِلٌ.
وقال القرطبيّ: قوله: ((تلك امرأة كانت تُظهِر في الإسلام السوء)) أي:
تَظْهَر عليها قرائنُ، تدلّ على أنها بَغِيّ، تتعاطى الفاحشة، فقد وقع في طريق
عروة نظريته عن ابن عبّاس ◌ّا عند ابن ماجه: ((لو كنت راجماً أحداً لغير بيّنة
لرجمت فلانة، فقد ظهر فيها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها))،
ولكن لم يثبت عليها سببٌ شرعيّ، يتعلّق به الرجم، لا إقرارٌ، ولا حملٌ، ولا
بيّنةٌ، فلم يُقَم عليها حدٌّ لتلك الأسباب المحصورة، وفيه أنه لا يقام الحدّ
بمجرّد الشياع، والقرائن، بل لا بدّ من بيّنة، أو اعتراف. انتهى بزيادة(١)، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس .
! هذا متّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٥٣ و٣٧٥٤ و٣٧٥٥] (١٤٩٧)، و(البخاريّ)
(١) ((المفهم)) ٣٠٣/٤، و((تكملة فتح الملهم)) ٢٥٤/١.

٤١١
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٤)
في ((الطلاق)) (٥٣١٠ و٥٣١٦)، و((الحدود)) (٦٨٥٥ و٦٨٥٦)، و((التمنّي))
(٧٢٣٨)، و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (٣٤٩٤ و٣٤٩٧ و٣٤٩٨)، و((الكبرى))
(٥٦٦٤)، و(ابن ماجه) في ((الحدود)) (٢٥٦٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤/
٢١١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٠٦/٧)، وأما فوائد الحديث، وسائر
متعلّقاته، فقد تقدّمت في شرح حديث سهل بن سعد ◌ًا، وما بعده، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ
الْقَاسِمِ، عَن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: كَثِيرَ اللَّحْمِ، قَالَ:
جَعْداً قَطَطاً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان،
ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٦٤) وله (٨٠) سنةً (م دس ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٠.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) هو: إسماعيل بن عبد الله بن أُويس بن
مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ، أخطأ في أحاديث
من حفظه [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م د ت ق) تقدم في ((الحج)) ٢٩٢١/١٧.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب
المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٠/١٤.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد هذه، ساقها
البخاريّ كْثُ في ((صحيحه))، فقال:
(٥٠١٠) - حدّثنا إسماعيل، قال: حدّثني سليمان بن بلال، عن يحيى بن
سعيد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن ابن
عباس؛ أنه قال: ذُكِر المتلاعنان عند رسول الله وَّر، فقال عاصم بن عديّ في

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
ذلك قولاً، ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه، فذَكَر له أنه وَجَد مع امرأته
رجلاً، فقال عاصم: ما ابتُليت بهذا الأمر إلا لقولي، فذهب به إلى
رسول الله وَّله، فأخبره بالذي وَجَد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مُصْفَرّاً،
قليل اللحم، سَبْطَ الشعر، وكان الذي وَجَد عند أهله آدم خَدْلاً، كثير اللحم،
جَعْداً قَطَطاً، فقال رسول الله وَّهِ: ((اللهم بَيِّنْ))، فوضعت شبيهاً بالرجل الذي
ذَكَر زوجُها أنه وجد عندها، فلاعن رسول الله وَّيه بينهما، فقال رجل لابن
عباس في المجلس: هي التي قال رسول الله وَلي: ((لو رجمت أحداً بغير بينة
لرجمت هذه؟))، فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت تُظْهِر السُّوء في
الإسلام. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو،
قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنٍ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ
عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ: وَذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ شَدَّادٍ: أَهُمَا
اللَّذَانِ قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَوْ كُنْتُ رَاجِماً أَحَداً بِغَيْرٍ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهَا؟))، فَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ. قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ
مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم في الباب
الماضي.
٢ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان القُرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
والباقون ذُكروا في الباب، و((ابن أبي عمر)) هو: محمد بن يحيى بن أبي
عمر الْعَدَنيّ.
[تنبيه]: رواية أبي الزناد، عن القاسم بن محمد هذه ساقها أبو يعلى في
«مسنده)» (٣١٢/٤) مطوّلةً، فقال:
(٢٤٢٤) - حدّثنا محمد بن بكّار، حدّثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن

٤١٣
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٦)
القاسم بن محمد، قال: سمعت ابن عباس يقول: لاعن رسول الله وَله بين
أخوي بني عجلان، أو بين رجل وامرأة، شكّ عبد الرحمن(١)، قال: فقال
زوجها: والله ما قربتها منذ عَفَّرْنا، والعَفْرُ(٢) أن يُسْقَى النخل بعد أن يُتْرَك من
السقي بعد الإِبَار بشهرين، قال رسول الله وَّةٍ: ((اللهم بَيِّنْ بَيِّنْ))، قال: وكان
زوج المرأة أصهب الشعر، حَمْشَ الذراعين والساقين، قال: وكان الذي رُميت
به ابن السحماء، قال: فجاءت بغلام أسود، جَعْد قَطَطِ عَبْل الذراعين، خَدَلَّج
الساقين، فقال ابن شدّاد: يا أبا العباس، أهي المرأة التي قال رسول الله وجليقول:
(لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمتها))، قال: فقال ابن عباس: لا، وقال:
تلك امرأة كانت قد أعلنت في الإسلام، قال رجل آخر: يا أبا عباس، كيف
الصفة؟ فقال ابن عباس: جاءت به على الوصف السيئ. انتهى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٦] (١٤٩٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي
الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً؛ أيقْتُلُهُ؟ قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: (لَ))، قَالَ سَعْدٌ: بَلَى، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ:
((اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ))).
(١) هو ابن أبي الزناد.
(٢) بفتح، فسكون، قال في ((اللسان)) ٥٨٩/٤: عَفَرَ الناس يَعْفِرون عَفْراً - أي من باب
ضرب - إذا سَقَوُا الزرع بعد طرح الحبّ، والْعَفَارُ بالفتح: تلقيح النخل،
وإصلاحه، وقال في ((النهاية)) لابن الأثير: وفي حديث هلال: ((ما قَرِبت أهلي مذ
عَقَّرنا النخل))، ويُرْوَى بالقاف، وهو خطأ، والتعفير: أنهم كانوا إذا أَبَّروا النخل
تركوها أربعين يوماً، لا تُسْقَى؛ لئلا ينتفض حملها، ثم تُسقَى، ثم تترك إلى أن
تَعطش، ثم تُسقَى، وقد عَفَّر القومُ: إذا فعلوا ذلك، وهو من تعفير الوحشية
ولدها، وذلك أن تُفطمه عند الرضاع أياماً، ثم تُرضعه، تفعل ذلك مراراً؛ ليعتاده.
انتهى. ((النهاية في غريب الأثر)) ٢٦٣/٣.

٤١٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد بن عُبيد، أبو محمد الْجُهَنيّ
مولاهم المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كتُب غيره، فيُخطىء [٨] (ت٦
أو ١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)» ١٣٥/٨.
٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح السّمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ تغيّر بآخره [٦]
(ت١٣٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان الزّيّات المدنيّ، ثقةُ ثبتٌ [٣]
(ت١٠٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُه تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبُهُ (أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ) بضمّ العين المهملة،
وتخفيف الموحّدة، وهو: سعد بن عُبادة بن دُليم بن حارثة بن حَرَام بن
خزيمة بن ثعلبة بن طَرِيف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج
الأنصاريّ، سيد الخزرج، يُكْنَى أبا ثابت، وأبا قيس، وأمه عمرة بنت مسعود،
لها صحبة، وماتت في زمن النبيّ و ◌َل﴿ سنة خمس، وشَهِد سعد العقبة، وكان
أحد النقباء، واختُلِف في شهوده بدراً، فأثبته البخاريّ، وقال ابن سعد: كان
يتهيأ للخروج، فنُهِس، فأقام، وقال النبيّ وَيقول: ((لقد كان حريصاً عليها))، قال
ابن سعد: وكان يكتب بالعربية، ويُحسن العوم، والرمي، فكان يقال له:
الكامل، وكان مشهوراً بالْجُود، هو وأبوه، وجدّه، وولده، وكان لهم أُظُمٌ
ينادي عليه كلَّ يوم: من أحب الشحم واللحم، فليأت أُظُم دُليم بن حارثة،
وكانت جفنة سعد تدور مع النبيّ ◌َّ﴾ في بيوت أزواجه.
وقال مِقْسَمٌ، عن ابن عباس: كان لرسول الله وَ ﴿ في المواطن كلها
رايتان: مع عليّ راية المهاجرين، ومع سعد بن عُبادة راية الأنصار.
ورَوَى له أحمد من طريق محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن
قيس بن سعد: زارنا النبيّ 18َ في منزلنا، فقال: ((السلام عليكم

٤١٥
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٦)
ورحمة الله ... )) الحديث، وفيه: ثم رفع يده، فقال: ((اللهم اجعل صلواتك،
ورحمتك على آل سعد بن عُبادة)).
عليه قال: قال رسول الله وجليقول:
ورَوَى أبو يعلى من حديث جابر ضـ
((جَزَى الله عنا الأنصار خيراً، لا سيما عبد الله بن عمرو بن حرام، وسعد بن
عبادة)) .
وروى ابن أبي الدنيا من طريق ابن سيرين، قال: كان أهل الصفّة إذا
أَمْسَوا انطلَق الرجل بالواحد، والرجل بالاثنين، والرجل بالجماعة، فأما سعد،
فكان ينطلق بثمانين.
ورَوَى الدارقطنيّ في ((كتاب الأسخياء)) من طريق هشام بن عروة، عن
أبيه، قال: كان منادي سعد ينادي على أُطُمه: من كان يريد شحماً ولحماً
فليأت سعداً، وكان سعد يقول: اللهم هب لي مَجْداً، لا مجد إلا بفِعَال، ولا
فِعَال إلا بمال، اللهم إنه لا يُصلحني القليل، ولا أصلح عليه.
وعن محمد بن سيرين: كان سعد بن عبادة يُعَشِّي كلَّ ليلة ثمانين من أهل
الصفّة، وقصته في تخلفه عن بيعة أبي بكر مشهورة، وخرج إلى الشام، فمات
بِحُوران سنة خمس عشرة، وقيل: سنة ست عشرة.
ورَوَى عنه بنوه: قيس، وسعيد، وإسحاق، وحفيده، شُرَحبيل بن سعيد،
وروى عنه من الصحابة أيضاً ابن عباس، وأبو أمامة بن سهل، وأرسل عنه
الحسن، وعیسی بن فائد.
وروى أبو داود من حديث قيس بن سعد: أن النبيّ وَّ﴾ قال: ((اللهم
اجعل صلواتك، ورحمتك على آل سعد بن عبادة))، أخرجه في أثناء حديث،
وقيل: إن قبره بالمنيحة قرية بدمشق بالغُوطة.
ويروى أنه مات بُبُصْرَى، وهي أول مدينة فُتحت من الشام(١).
وأخرج له أصحاب ((السنن))، وله ذكر بلا رواية عند الشيخين، والله
تعالى أعلم.
(١) راجع: ((الإصابة في تمييز الصحابة)) ٦٥/٣ - ٦٦.

٤١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
(قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً؛ أيقْتُلُهُ؟ قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((لَا))) أي: لا يحلّ له أن يقتله (قَالَ سَعْدٌ: بَلَى، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ
بِالْحَقِّ) أي: بلى ليقتلنّه، كما قال في الرواية الآتية: ((قال: كلّا، والذي بعثك
بالحقّ إن كنتُ لأعاجله بالسيف قبل ذلك)).
للنبيّ وَّ طَمَعاً في
قال الخطابيّ تَخُّ: يُشبه أن تكون مراجعة سعد
الرخصة، لا ردّاً لقوله ﴿، فلما أبى ذلك رسول الله وَله، وأنكر عليه قوله
سكت، وانقاد، ومما يدلّ على ذلك حديث ابن عباس ظها عند أحمد، واللفظ
له، وأبي داود، والحاكم: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ الآية
قال سعد بن عبادة: أهكذا أُنزلت؟ فلو وجدت لَكَاع متفخذها رجل لم يكن لي
أن أُحَرِّكه، ولا أُهيجه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فوالله لا آتي بأربعة شهداء،
حتى يقضي حاجته، فقال رسول الله وسلم: ((يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما
يقول سيدكم؟))، قالوا: يا رسول الله لا تَلُمْه، فإنه رجل غَيور، والله ما تزوّج
امرأة قط إلا عذراء، ولا طلّق امرأةً، فاجترأ رجل منا أن يتزوجها، من شدّة
غيرته، فقال سعد: والله إني لأعلم يا رسول الله أنها لحقّ، وإنها من عند الله،
ولكني عَجِبْتُ.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ))) عَدّى السمع بـ((إلى))
لتضمّنه معنى الإصغاء؛ أي: اسمعوا مصغين إلى قوله، ولعل الحاضرين كانوا
من الخزرج، وكان سعد وجيهاً في الأنصار، ذا رياسة وسيادة، كما تقدّم آنفاً
في ترجمته، وفي ذكر السيّد هنا إشارة إلى أن الغيرة من شيمة كرام الناس،
وساداتهم .
وقال ابن الأنباريّ وغيره: السيّد هو الذي يفوق قومه في الفخر، قالوا:
والسيد أيضاً الحليم، وهو أيضاً حَسَنُ الخلق، وهو أيضاً الرئيس، ومعنى
الحديث: تعجبوا من قول سيِّدكم.
وقال القرطبيّ بعد نقل قول ابن الأنباريّ: ((السيّد هو الذي يفوق قومه في
الفخر))، ما نصّه:
قلت: وذلك لا يكون حتى يجتمع له من خصال الشرف والفضائل
والكمال ما يُبَرِّز بها عليهم، ويتقدّمهم بسببها، كما قال [من المتقارب]:

٤١٧
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٦)
فَإِنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنَا وَإِنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخَلْ(١)
وقال الماورديّ وغيره: ليس قول سعد هذا ردّاً لقول النبيّ وَلّى، ولا
مخالفة منه لأمره وسلط*، وإنما معناه إخبارٌ عن حالة الإنسان عند رؤيته الرجل
عند امرأته، واستيلاء الغضب عليه، فإنه حينئذ يعاجله بالسيف، وإن كان
(٢)
عاصياً. انتهى (٢).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ ◌َُّ: يريد - والله أعلم - أن الغيرة لا تبيح
للغَيُور ما حُرِّم عليه، وأنه يلزمه مع غيرته الانقياد لحكم الله تعالى،
ورسوله 8، وأن لا يتعدى حدوده، فالله تعالى ورسوله وَليل أغير، ولا خلاف
علمته بين العلماء فيمن قَتَل رجلاً، ثم اذَّعَى أنه إنما قتله؛ لأنه وجده مع امرأته
بَيْن فخذيها، ونحو ذلك من وجوه زناه بها، ولم يُعْلَم ما ذُكر عنه إلا بدعواه؛
أنه لا يُقبَل منه ما ادَّعاه، وأنه يُقْتَل به، إلا أن يأتي بأربعة شهداء، يشهدون
أنهم رأوا وطأه لها، وإيلاجه فيها، ويكون مع ذلك مُحْصَناً مُسلماً بالغاً، أو
من يحل دمه بذلك، فإن جاء بشهداء يشهدون له بذلك نجا، وإلا قُتل، وهذا
أمر واضح، لو لم يجئ به الخبر لأوجبه النظر؛ لأن الله حرّم دماء المسلمين
تحريماً مطلقاً، فمن ثبت عليه أنه قَتَل مسلماً، فادَّعَى أن المسلم قد كان يجب
قتله، لم يُقبل منه دفع القصاص عن نفسه، حتى يتبين ما ذُكر، وهكذا كل من
لزمه حقّ لآدمي لم يقبل قوله في المَخرج منه، إلا ببينة تشهد له بذلك. انتهى
كلام ابن عبد البرّ كَُّ(٣)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قصّة سعد بن عُبادة به هذه ساقها الإمام أحمد تَُّ في
((مسنده)) من حديث ابن عبّاس ﴿ها، فقال ٢٣٨/١:
(٢١٣١) - حدّثنا عبد الله (٤)، حدّثني أبي، ثنا يزيد، أنا عباد بن منصور،
عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ
بِأَرْبَعَةِ شُهَّةَ فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِينَ جَلْدَةً وَلَا نَقْبَلُواْ لَمْ شَهَدَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، قال سعد بن
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠/ ١٣١.
(١) ((المفهم)) ٣٠٤/٤.
(٣) ((التمهيد)) لابن عبد البرّ ٢٥٦/٢١.
(٤) هو ابن الإمام أحمد، راوي ((المسند)) عنه.

٤١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
عبادة - وهو سيد الأنصار -: أهكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله والله :
((يا معشر الأنصار، ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟» قالوا: يا رسول الله لا
تَلُمْه، فإنه رجل غَيُور، والله ما تزوج امرأة قطّ إلا بكراً، وما طَلَّق امرأة له قطّ،
فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها، من شدّة غيرته، فقال سعد: والله يا
رسول الله، إني لأعلم أنها حقّ، وأنها من الله تعالى، ولكني قد تعجبت أني لو
وجدت لكاعاً تفخّذها رجل، لم يكن لي أن أُهيجه، ولا أحرّكه حتى آتي بأربعة
شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته، قال: فما لبثوا إلا يسيراً حتى
جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عِشاءً،
فوجد عند أهله رجلاً، فرأی بعینیه، وسمع بأذنيه، فلم يُهجه حتى أصبح، فغدا
على رسول الله وَة، فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاءً، فوجدت
عندها رجلاً، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني، فكّرِه رسول الله ێ ما جاء به،
واشتدّ عليه، واجتمعت الأنصار، فقالوا: قد ابتُلينا بما قال سعد بن عبادة،
الآن يَضْرِب رسول الله وَ ﴿ هلال بن أمية، ويُبطل شهادته في المسلمين، فقال
هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجاً، فقال هلال: يا رسول الله
إني قد أرى ما اشتدّ عليك مما جئت به، واللهُ يعلم أني لصادق. ووالله إن
رسول الله ﴿ يريد أن يأمر بضربه؛ إذ أنزل الله على رسول الله وَ ﴾ الوحي،
وكان إذا نزل عليه الوحي عَرَفُوا ذلك في تربُّد جلده، فأمسكوا عنه، حتى فرغ
من الوحي، فنزلت: ﴿وَِّنَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَمْ شُهَدَآَهُ إِلََّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾
الآية [النور: ٦]، فَسُرِّي عن رسول الله بَله، فقال: ((أبشر يا هلال، فقد جعل الله
لك فرجاً ومخرجاً))، فقال هلال: قد كنت أرجو ذاك من ربي، فقال
رسول الله وَل: ((أرسلوا إليها))، فأرسلوا إليها، فجاءت، فقرأها رسول الله وله
عليهما، وذَكَّرهما، وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشدّ من عذاب الدنيا، فقال
هلال: والله يا رسول الله، لقد صدقت عليها، فقالت: كَذَبَ، فقال
رسول الله صلج: ((لاعنوا بينهما))، فقيل لهلال: اشهَدْ، فشهِد أربع شهادات بالله
إنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة، قيل: يا هلال اتّقِ الله، فإن عذاب
الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب،
فقال: والله لا يعذّبني الله عليها، كما لم يَجلِدني عليها، فشَهِد في الخامسة أن

٤١٩
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٥٧)
لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل لها: اشهَدي أربع شهادات بالله، إنه
لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قيل لها: اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون
من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت
ساعةً، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب الله
عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله وَل﴿ بينهما، وقَضَى أنه لا يُدْعَى
ولدها لأب، ولا تُرْمَى هي به، ولا يُرْمَى ولدها، ومن رماها، أو رمى ولدها،
فعليه الحدّ، وقضى أن لا بيت لها عليه، ولا قُوت من أجل أنهما يتفرقان من
غير طلاق، ولا مُتَوَفَّى عنها، وقال: ((إن جاءت به أُصيهب، أُريسح(١)، حَمْشَ
الساقين، فهو لهلال، وإن جاءت به أَورق، جَعْداً، جماليّاً، خَدَلَّج الساقينِ،
سابغ الأَلْيَتين، فهو للذي رُميت به))، فجاءت به أورق، جعداً، جمالياً، خَدَلَّج
الساقين، سابغ الأَلْيتين، فقال رسول الله وَّيه: ((لولا الأيمان، لكان لي ولها
شأن))، قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميراً على مصر، وكان يُدْعَى لأمه، وما
يدعی لأبيه. انتھی.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضيبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٥٦ و٣٧٥٧ و٣٧٥٨] (١٤٩٨)، و(أبو داود)
في ((الديات)) (٤٥٣٢ و٤٥٣٣)، و(ابن ماجه) في ((الحدود)) (٢٦٠٥)،
وفوائده، وبقيّة مسائله تقدّمت قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَّتُ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٧] (.) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا
مَالِكَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ!
(١) قال في ((النهاية)) / ٢٢١: الأرسح - أي بالحاء المهملة - : الذي لا عَجُز له، أو
هي صغيرة، لاصقة بالظهر، انتهى.

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلاً، أَؤُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى) بن نَجيح البغداديّ، أبو يعقوب ابن الطبّاع،
سَكَن أَذَنة، صدوقٌ [٩] (ت٢١٤) أو بعدها بسنة (م ت س ق) تقدم في
«الكسوف)) ٢١١٠/٣.
والباقون ذُكروا في ((الباب))، و((مالك)) هو: ابن أنس إمام دار الهجرة،
والحديث سبق تمام البحث فيه.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن عبد البرّ كَّلُ: زعم أبو بكر البزار أن مالكاً
انفرد بحديثه عن سهيل في هذا الباب، وأنه لم يروه غيره، ولا تابعه أحد
عليه، قال: وأظنه لَمّا رأى حماد بن سلمة قد أرسله، وأسنده مالك ظنّ أنه
انفرد به، وليس كما ظَنّ البزار، وقد رواه سليمان بن بلال، عن سهيل مسنداً
عن أبيه، عن أبي هريرة، كما رواه مالك، ورواه الدّراوَرْديّ أيضاً عن سهيل
بإسناده نحو رواية سليمان بن بلال، ثم ساق رواية سليمان بن بلال، نحو
سياق مسلم هنا، ثم قال: فهذا سليمان بن بلال، قد رواه مسنداً كما رواه
مالك، ولو لم يروه أحد غير مالك، كما زعم البزار ما كان في ذلك شيء،
فإن(١) أكثر السنن والأحاديث قد انفرد بها الثقات، وليس ذلك بضائر لها، ولا
لشيء منها، والمعنى الموجود في هذا الحديث مجتمع عليه، قد نطق به
الكتاب المحكم، وقد وردت به السنة الثابتة، واجتمعت عليه الأمة، فأي
انفراد في هذا؟ وليت كل ما انفرد به المحدِّثون كان مثل هذا. انتهى كلام ابن
عبد البرّ ◌َخَّتُهُ (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف تَقَّتُهُ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ،
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ
(١) وقع في النسخة: ((لكن))، والظاهر أنه مصحّف.
(٢) ((التمهيد)) ٢٥٥/٢١.