النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
و٤٢٨٥)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٠٢/٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٣٩٩/٧ و٤٠٠ و٤٠١)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٣٦٧)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): بيان بدء مشروعيّة اللعان.
٢ - (ومنها): مشروعيةُ الاستعداد للوقائع قبل وقوعها؛ ليُعلم أحكامها إذا
وقعت.
٣ - (ومنها): الرجوع إلى من له الأمر.
٤ - (ومنها): إجراء الأمر على الظواهر، والله تعالى يتولّى السرائر.
٥ - (ومنها): كراهة المسائل التي يترتّب عليها هتك المسلم، أو التوصّل
إلى أذيّته بأيّ سبب كان، وفي كلام الشافعيّ تَُّ إشارة إلى أن كراهة ذلك
كانت خاصّة بزمنه و 18 من أجل نزول الوحي؛ لئلا تقع المسألة عن شيء مباح،
فيقع التحريم بسبب المسألة، وقد ثبت في ((الصحيح)): ((أعظم المسلمين جُرْماً
من سأل عن شيء لم يُحرّم، فحُرّم من أجل مسألته)). وقد استمرّ جماعة من
السلف على كراهة السؤال عما لم يقع، لكن عمل الأكثر على خلافه، فلا
يُحصى ما فرّعه الفقهاء من المسائل قبل وقوعها .
٦ - (ومنها): أن العالم يُقصد في منزله، ولا يُنتظر به حتى يُصادفه في
المسجد، أو الطريق.
٧ - (ومنها): مشروعيّة اللعان؛ لقول الله وَل: ﴿وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللّهِ
عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴾﴾ [النور].
٨ - (ومنها): أن اللعان يكون بحضرة الإمام، أو القاضي، وبمجمع من
الناس.
(١) المراد فوائد حديث اللعان عموماً، لا خصوص السياق المشروح الآن، بل
الأحاديث المتعلّقة به، فقد أخرج المصنّف في الباب حديث سهل، وحديث ابن
عمر، وحديث ابن عبّاس، وحديث أنس، وحديث أبي هريرة، وحديث المغيرة بن
شعبة

٣٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
٩ - (ومنها): تغليظ اللعان، قال النوويّ تَخَّتُهُ: يغلّظ اللعان بالزمان،
والمكان، والجمع، فأما الزمان فبعد العصر، والمكان في أشرف موضع في
ذلك البلد، والجمع طائفة من الناس، وأقلّهم أربعة، وهل هذه التغليظات
واجبة، أم مستحبّة؟ فيه خلاف عندنا، والأصحّ الاستحباب. انتهى(١).
١٠ - (ومنها): أن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين؛ لأن الله تعالى خصّه
بالأزواج، حيث قال: ﴿وَلَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٦].
١١ - (ومنها): سقوط الحدّ به عن الرجل.
١٢ - (ومنها): أن شرط مشروعيّة اللعان عدم إقامة البيّنة؛ لقوله تعالى:
﴿فُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَّةَ﴾ الآية [النور: ٤]، فلو أقام الزوج الشهداء لا يجوز
اللعان، بل يقام عليها الحدّ.
١٣ - (ومنها): أن شرط وجوب اللعان إنكار المرأة وجود الزنا منها، فلو
أقرّت به لا يجوز اللعان، بل يقام عليها الحدّ المذكور.
١٤ - (ومنها): أن في حديث سعيد بن جبير الآتي ينبغي للعالم إذا سُئل
عن واقعة، ولم يعلم حكمها، ورجا أن يجد فيها نصّاً أن لا يُبادر إلى
الاجتهاد فيها .
١٥ - (ومنها): الرحلة في المسألة النازلة؛ لأن سعيد بن جُبير رحل من
العراق إلى مكّة من أجل مسألة الملاعنة.
١٦ - (ومنها): إتيان العالم في منزله، ولو كان في قائلته، إذا عَرف
الآتي أنه لا يشُقّ عليه.
١٧ - (ومنها): تعظيم العالم، ومخاطبته بكنيته؛ لقول سعيد لابن
عمر ﴿يا: يا أبا عبد الرحمن.
١٨ - (ومنها): التسبيح عند التعجّب؛ لقول ابن عمر: ((نعم سبحان الله))،
وفيه إشعار بسعة علم سعيد؛ لأن ابن عمر عجب من خفاء مثل هذا الحكم
(١) (شرح النوويّ)) ٣٦٠/١٠.

٣٦٣
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
عليه، ويَحْتَمِل أن يكون تعجّبه لِعلمه بأن الحكم المذكور كان مشهوراً من قبلُ،
فتعجّب كيف خفي على بعض الناس.
١٩ - (ومنها): بيان أوّليات الأشياء، والعناية بمعرفتها؛ لقول ابن
عمر ◌ًا: ((أوّل من سأل عن ذلك فلان))، وقول أنس به: ((أول لعان كان)).
٢٠ - (ومنها): أن البلاء موّلٌ بالمنطق، وأنه إن لم يقع بالناطق وقع
بمن له به صلة.
٢١ - (ومنها): أن الحاكم يَرْدَع الخصم عن التمادي على الباطل
بالموعظة، والتذكير، والتحذير، ويكرّر ذلك؛ ليكون أبلغ.
٢٢ - (ومنها): ارتكاب أخفّ المفسدتين بترك أثقلهما؛ لأن مفسدة الصبر
على خلاف ما توجبه الغيرة مع قبحه وشدّته أسهل من الإقدام على القتل الذي
يؤدّي إلى الاقتصاص من القاتل، وقد نَهَج له الشارع سبيلاً إلى الراحة منها،
إما بالطلاق، وإما باللعان.
٢٣ - (ومنها): أن الاستفهام بـ ((أرأيت)) كان قديماً.
٢٤ - (ومنها): أن خبر الواحد يُعمل به إذا كان ثقةً.
٢٥ - (ومنها): أنه يسنّ للحاكم وعظ المتلاعنين عند إرادة التلاعن،
ويتأكّد عند الخامسة، ونقل ابن دقيق العيد عن الفقهاء أنهم خصّوه بالمرأة عند
إرادة تلفّظها بالغضب، واستشكله بما في حديث ابن عمر، لكن قد صرّح
جماعة من الشافعيّة وغيرهم باستحباب وعظهما معاً، وهذا هو الحقّ.
٢٦ - (ومنها): أن فيه ذكر الدليل مع بيان الحكم.
كانوا يسألون عن الحكم الذي لم ينزل
٢٧ - (ومنها): أن الصحابة
فيه وحي.
٢٨ - (ومنها): أن للعالم إذا كره السؤال أن يَعيبه، ويُهَجّنه.
٢٩ - (ومنها): أن من لقي شيئاً من المكروه بسبب غيره له أن يعاتبه
عليه .
٣٠ - (ومنها): أن المحتاج إلى معرفة الحكم لا يردّه كراهة العالم لِمَا
سأل عنه، ولا غضبه عليه، ولا جفاؤه له، بل يُعاود ملاطفته إلى أن يقضي
حاجته .

٣٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
٣١ - (ومنها): أن السؤال عما يلزم من أمور الدين مشروع سرّاً وجهراً،
وأن لا عيب في ذلك على السائل، ولو كان مما يُستقبح.
٣٢ - (ومنها): أن فيه التحريض على التوبة، والعمل بالستر، وانحصار
الحقّ في أحد الجانبين عند تعذّر الواسطة؛ لقوله: ((إن أحدكما كاذب))، وأن
الخصمين المتكاذبين لا يُعاقب واحد منهما، وإن أحاط العلم بكذب أحدهما
لا بعينه.
٣٣ - (ومنها): أن اللعان إذا وقع سقط حدّ القذف عن الملاعن للمرأة،
وللذي رميت به؛ لأنه صرّح في بعض طرقه بتسمية المقذوف، ومع ذلك لم
يُنقل أن القاذف حُدّ، قال الداوديّ: لم يقل به مالكٌ؛ لأنه لم يبلغه الحديث،
ولو بلغه لقال به، وأجاب بعض من قال: يُحدّ من المالكيّة، والحنفيّة بأن
المقذوف لم يطلب، وهو حقّه، فلذلك لم يُنقل أن القاذف حدّ؛ لأن الحدّ
سقط من أصله باللعان، وذكر عياض أن بعض أصحابهم اعتذر عن ذلك بأن
شريكاً كان يهودياً.
٣٤ - (ومنها): أن فيه ليس على الإمام أن يُعلم المقذوف بما وقع من
قاذفه .
٣٥ - (ومنها): أن الحامل تلاعنُ قبل الوضع؛ لقوله في الحديث:
(انظروا، فإن جاءت به إلخ))، كما في حديث سهل ربه، وفي حديث ابن
عبّاس ◌َّ، وفي حديث ابن مسعود رُه: فجاء - يعني الرجل - هو وامرأته،
فتلاعنا، فقال النبيّ وَّرِ: ((لعلّها أن تجيء به أسود جَعْداً، فجاءت به أسود،
جعداً))، وبه قال الجمهور؛ خلافاً لمن أبى ذلك من أهل الرأي، معتلّاً بأن
الحمل لا يُعلم لأنه قد يكون نفخة، وحجة الجمهور أن اللعان شُرع لدفع حدّ
القذف عن الرجل، ودفع حدّ الرجم عن المرأة، فلا فرق بين أن تكون حاملاً،
أو حائلاً، ولذلك يُشرع اللعان مع الآيسة، وقد اختلف في الصغيرة، فالجمهور
على أن الرجل إذا قذفها فله أن يلتعن لدفع حدّ القذف عنه دونها .
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الجمهور هو الأظهر حجةً، والله تعالى
أعلم.

٣٦٥
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
٣٦ - (ومنها): أنه استدلّ به على أن لا كفّارة في اليمين الغموس؛ لأنها
لو وجبت لبيّنت في هذه القصّة.
وتُعقّب بأنه لم يتعيّن الحانث، وأُجيب بأنه لو كان واجباً لبّنه مجملاً بأن
يقول مثلاً: فليُكفّر الحانث منكما عن يمينه، كما أرشد أحدهما إلى التوبة.
٣٧ - (ومنها): أن في قوله وَّ لهلال بن أُميّة ◌َ الله: ((أربعة شُهداء، وإلا
فحدّ في ظهرك)) دلالةً على أن القاذف لو عجز عن البيّنة، فطلب تحليف
المقذوف لا يُجاب؛ لأن الحصر المذكور لم يتغيّر منه إلا زيادة مشروعيّة
اللعان.
٣٨ - (ومنها): جواز ذكر الأوصاف المذمومة عند الضرورة الداعية إلى
ذلك، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرّمة.
٣٩ - (ومنها): أن الحكم يتعلّق بالظاهر، وأمر السرائر موكول
إلى الله محمد .
٤٠ - (ومنها): ما قال ابن التين: وبه احتجّ الشافعيّ على قبول توبة
الزنديق، وفيه نظر؛ لأن الحكم يتعلّق بالظاهر فيما لا يتعلّق فيه حكم الباطن،
والزنديق قد علم باطنه بما تقدّم، فلا يقبل منه ظاهر ما يبديه بعد ذلك، قال
الحافظ: كذا قال، وحجة الشافعيّ ظاهرة؛ لأنه ◌َ * قد تحقّق أن أحدهما
كاذب، وكان قادراً على الاطلاع على عين الكاذب، لكن أخبر أن الحكم
بظاهر الشرع يقتضي أنه لا ينقب عن البواطن، وقد لاحت القرائن بتعيين
الكاذب في المتلاعنين، ومع ذلك فأجراهما على حكم الظاهر، ولم يُعاقب
المرأة.
٤١ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن الحاكم لا يكتفي بالمظنّة، والإشارة في
الحدود، إذا خالفت الحكم الظاهر، كيمين المدّعَى عليه، إذا أنكر، ولا بيّنة.
٤٢ - (ومنها): أن الشافعيّ كََّثُ استدلّ به على إبطال الاستحسان؛
لقوله: («لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)).
٤٣ - (ومنها): أن الحاكم إذا بذل وسعه، واستوفى الشرائط لا ينقض
حكمه إلا إن ظهر عليه إخلال شرط، أو تفريق في سبب.
٤٤ - (ومنها): أن اللعان يُشرع في كلّ امرأة دخل بها، أو لم يدخل،

٣٦٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
ونقل فيه ابن المنذر الإجماع، وفي صداق غير المدخول بها خلاف للحنابلة،
والمشهور أن لها نصف المهر؛ لأنها فُرقة منه، وبه قال الحسن، وسعيد بن
جبير، وقتادة، ومالك، وفي رواية: لا صداق لها؛ لأن الفرقة حصلت بلعانهما
جميعاً، فأشبه الفرقة بعيب في أحدهما .
٤٥ - (ومنها): أنه لو نكح فاسداً، أو طلّق بائناً، فولدت، فأراد نفي
الولد، فله الملاعنة. وقال أبو حنيفة: يلحقه الولد، ولا نفي، ولا لعان؛ لأنها
أجنبيّة، وكذا لو قذفها، ثم أبانها بثلاث فله اللعان، وقال أبو حنيفة: لا، وقد
أخرج ابن أبي شيبة عن هُشيم، عن مغيرة، قال الشعبيّ: إذا طلّقها ثلاثاً،
فوضعت، فانتفى منه، فله أن يلاعن، فقال له الحارث: إن الله يقول: ﴿وَلَّذِينَ
يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٦]، أفتراها زوجة؟ فقال الشعبيّ: إني لأستحيي
من الله إذا رأيت الحقّ أن لا أرجع إليه، فلو التعن ثلاث مرّات فقط، فالتعنت
المرأة مثله، ففرّق الحاكم بينهما لم تقع الفرقة عند الجمهور؛ لأن ظاهر القرآن
أن الحدّ وجب عليهما، وأنه لا يندفع إلا بما ذُكر، فتعيّن الإتيان بجميعه،
وقال أبو حنيفة: أخطأ السنّة، وتحصل الفرقة؛ لأنه أُتي بالأكثر، فتعلّق به
الحکم، ومذهب الجمهور أصحّ.
٤٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الالتعان ينتفي به الحمل؛ خلافاً
لأبي حنيفة، ورواية عن أحمد؛ لقوله وَله: ((انظروا، فإن جاءت إلخ))، فإن
الحديث ظاهر في أنها كانت حاملاً، وقد أُلحق الولد مع ذلك بأمه.
٤٧ - (ومنها): أن فيه جواز الحلف على ما يغلب على الظنّ، ويكون
المستند التمسّك بالأصل، أو قوة الرجاء من الله تعالى عند تحقّق الصدق؛
لقول من سأله هلال: ((والله ليجلدنّك))، ولقول هلال: ((والله لا يضربني، وقد
علم أني رأيت، حتى استفتيت)).
٤٨ - (ومنها): أن اليمين التي يُعتدّ بها في الحكم ما يقع بعد إذن
الحاكم؛ لأن هلالاً قال: ((والله إني لصادق))، ثم لم يحتسب بها من كلمات
اللعان الخمس.
٤٩ - (ومنها): أنه تمسّك به من قال بإلغاء حكم القافة، وتُعقّب بأن إلغاء
حكم الشبه هنا إنما وقع حيث عارضه حكم الظاهر بالشرع، وإنما يُعتبر حكم

٣٦٧
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
القافة حيث لا يوجد ظاهر يُتمسّك به، ويقع الاشتباه، فيرجع حينئذ إلى القافة،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صفة الزوجين اللذين يصحّ
منهما اللعان:
ذهبت طائفة إلى أن اللعان يصحّ من كلّ زوجين مكلّفين، مسلمين کانا،
أو كافرين، أو عدلين، أو فاسقين، أو محدودين في قذف، أو كان أحدهما
كذلك، وبهذا قال سعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، والحسن، وربيعة،
ومالك، وإسحاق، وأحمد في رواية.
وحجّتهم عموم قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٦]؛ ولأن
اللعان يمين، فلا يفتقر إلى سائر ما اشترطوه، كسائر الأيمان، ودليل أنه يمين
قوله ويحيى: (لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن))، وأما تسميته شهادة؛ فلقوله في
يمينه: أشهد بالله، فسمي ذلك شهادة، وإن كان يميناً، كما قال تعالى: ﴿إِذَا
جَلَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ الآية [المنافقون: ١].
وذهبت طائفة إلى أنه لا يصحّ اللعان إلا من زوجين مسلمين، عدلین،
حرّين، غير محدودين في قذف، روي هذا عن الزهريّ، والثوريّ، والأوزاعيّ،
وحماد، وأصحاب الرأي. وعن مكحول: ليس بين المسلم والذّمّيّة لعانٌ، وعن
عطاء، والنخعيّ في المحدود في القذف: يُضرب الحدّ، ولا يُلاعن، وروي فيه
حديث، ولا يثبت، كذلك قال الشافعيّ، والساجيّ؛ ولأن اللعان شهادة، بدليل
قوله رَّ: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَلَهُ إِلَّ أَنْفُهُ﴾ [النور: ٦]، فاستثنى أنفسهم من
الشهداء، وقال تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِْ أَرَبَعُ شَهَدَاتٍ﴾ [النور: ٦]، فلا يُقبل ممن
ليس من أهل الشهادة(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي ما ذهب إليه الأولون؛
لقوّة دليله، والله تعالى أعلم.
وقال في ((الفتح)) عند شرح حديث ابن عمر ظها: ((أن رجلاً من الأنصار
قذف امرأته، فأحلفهما النبيّ وَّر، ثم فرّقهما))، ما نصّه: وقد تمسّك به من
(١) راجع: ((المغني)) لابن قدامة تختمُ ١٢٤/١١.

٣٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
قال: إن اللعان يمين، وهو قول مالك، والشافعيّ، والجمهور، وقال أبو
حنيفة: اللعان شهادة، وهو وجه للشافعيّة، وقيل: شهادة فيها شائبة اليمين،
وقيل: بالعكس، ومن ثمّ قال بعض العلماء: ليس بيمين، ولا شهادة.
وانبنى على الخلاف أن اللعان يُشرع بين كلّ زوجين مسلمين، أو
كافرين، حرّين، أو عبدين، عدلين، أو فاسقين؛ بناءً على أنه يمين، فمن صحّ
يمينه صحّ لعانه، وقيل: لا يصحّ اللعان إلا من زوجين حرّين مسلمين؛ لأن
اللعان شهادة، ولا يصحّ من محدود في قذف، وهذا الحديث حجة للأولين؛
لتسوية الراوي بين لاعَنَ، وحلف، ويؤيّده أن اليمين: ما دلّ على حثّ، أو
منع، أو تحقيق خبر، وهو هنا كذلك، ويدلّ عليه قوله ◌َّ في بعض طرق
حديث ابن عباس رضيًا: ((فقال له: احلف بالله الذي لا إله إلا هو إني لصادق،
يقول ذلك أربع مرّات))، أخرجه الحاكم، والبيهقيّ، من رواية جرير بن حازم،
عن أيوب، عن عكرمة، عنه. وقوله وَّامٍ: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)).
واعتلّ بعض الحنفيّة بأنها لو كانت يميناً لما تكرّرت، وأجيب بأنها
خرجت عن القياس تغليظاً لحرمة الفرج، كما خرجت القسامة لحرمة الأنفس،
وبأنها لو كانت شهادة لم تكرر أيضاً.
قال الحافظ وَّلُهُ: والذي تحرّر لي أنها من حيث الجزم بنفي الكذب،
وإثبات الصدق يمين، لكن أطلق عليها شهادة لاشتراط أن لا يُكتفَى في ذلك
بالظنّ، بل لا بدّ من وجود علم كلّ منهما بالأمرين علماً يصحّ معه أن يشهد
به، ويؤيّد كونها يميناً أن الشخص لو قال: أشهد بالله لقد كان كذا لعُدّ حالفاً،
وقد قال القفّال في ((محاسن الشريعة)): كررت أيمان اللعان؛ لأنها أقيمت مقام
أربع شهود في غيره ليقام عليها الحدّ، ومن ثمّ سمّيت شهادات. انتهى كلام
الحافظ تَّقُ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط تفريق الحاكم بين
المتلاعنين :
ذهبت جماعة إلى أن الفُرقة لا تحصل إلا بتفريق الحاكم بينهما، وبه قال
(١) راجع: ((الفتح)) ١٢/ ١٩٣ - ١٩٦.

٣٦٩
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
أبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد؛ لقول ابن عبّاس ﴿ه في حديثه: ففرّق
رسول الله ﴿ بينهما، وفي حديث عويمر رظُبه، قال: ((كذبت عليها يا
رسول الله إن أمسكتها، فطلّقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله وَ لات))، وهذا
يقتضي إمكان إمساكها، وأنه وقع طلاقه، ولو كانت الفرقة وقعت قبل ذلك،
لما وقع طلاقه، ولا أمكنه إمساكها، ولأن سبب هذه الفرقة يَقِفُ على الحاكم،
فالفرقة المتعلّقة به لا تقع إلا بحكم الحاكم، كفرقة الْعُنّة.
وذهبت طائفة إلى أن الفرقة تحصل بمجرّد التعانهما، وبه قال مالكٌ،
وأبو عبيد، وأبو ثور، وداود، وزفر، وابن المنذر، وروي ذلك عن ابن عبّاس؛
لِمَا روي عن عمر ◌َّه أنه قال: ((المتلاعنان يُفرّق بينهما، ولا يجتمعان أبداً))،
رواه سعيد بن منصور، ولأنه معنى يقتضي التحريم المؤبّد، فلم يقف على حكم
الحاكم كالرضاع، ولأن الفرقة لو لم تحصل إلا بتفريق الحاكم، لساغ ترك
التفريق إذا كرهاه؛ كالتفريق للعيب، وللإعسار، وَلَوَجب أن الحاكم إذا لم
يُفرّق بينهما أن يبقى النكاح مستمرّاً، وقول النبيّ وَل جر: ((لا سبيل لك عليها))
يدلّ على هذا، وتفريقه بينهما بمعنى إعلامه لهما بحصول الفرقة، وعلى كلتا
الروايتين لا تحصل الفرقة قبل تمام اللعان منهما .
وقال الشافعيّ تَخْذَثُ: تحصل الفرقة بقول الزوج وحده، وإن لم تلتعن
المرأة؛ لأنها فرقة حاصلة بالقول، فتحصل بقول الزوج وحده، كالطلاق، قال
ابن قدامة: ولا نعلم أحداً وافق الشافعيّ على هذا القول، وحُكي عن الْبَتّيّ أنه
لا يتعلّق باللعان فرقةٌ؛ لِمَا روي أن العجلانيّ لَمّا لاعن امرأته طلّقها ثلاثاً،
فأنفذه رسول الله وَله، ولو وقعت الفرقة لَمَا نفذ طلاقه.
قال ابن قدامة: وكلا القولين لا يصحّ؛ لأن النبيّ وَّ فرّق بين
المتلاعنين، رواه عبد الله بن عمر، وسهل بن سعد، وأخرجهما مسلم، وقال
سهل بن سعد: ((فكانت سنّة لمن كان بعدهما أن يفرّق بين المتلاعنين))، وقال
عمر ظه: ((المتلاعنان يُفرّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً))، وأما القول الآخر
فلا يصحّ؛ لأن الشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين، ولا يكونان متلاعنين
بلعان أحدهما، وإنما فرّق النبيّ وَّ بينهما بعد تمام اللعان منهما، فالقول
بوقوع الفرقة قبله تحكّمٌ، يخالف مدلول السنّة، وفعل النبيّ وَّر. انتهى

٣٧٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
المقصود من كلام ابن قدامة مقدثه(١).
وقال في ((الفتح)): ذهب مالكٌ، والشافعيّ، ومن تبعهما إلى أن الفرقة
تقع بنفس اللعان، قال مالك، وغالب أصحابه: بعد فراغ المرأة، وقال
الشافعيّ، وأتباعه، وسحنون من المالكيّة: بعد فراغ الزوج، واعتلّ بأن التعان
المرأة إنما شُرع لدفع الحدّ عنها، بخلاف الرجل، فإنه يزيد على ذلك في حقّه
نفي النسب، ولحاق الولد، وزوال الفراش.
وتظهر فائدة الخلاف في التوارث لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل،
وفيما إذا علّق طلاق امرأة بفراق أخرى، ثم لاعن الأخرى، وقال الثوريّ،
وأبو حنيفة، وأتباعهما: لا تقع الفرقة حتى يوقعها عليهما الحاكم، واحتجّوا
بظاهر ما وقع في أحاديث اللعان، وعن أحمد روايتان، وذهب عثمان البتّيّ إلى
أنه لا تقع الفرقة حتى يوقعها الزوج، واعتلّ بأن الفرقة لم تذكر في القرآن،
ولأن ظاهر الأحاديث أن الزوج هو الذي طلّق ابتداءً، ويقال: إن عثمان تفرّد
بذلك، لكن نقل الطبريّ عن أبي الشعثاء جابر بن زيد البصريّ، أحد أصحاب
ابن عبّاس ﴿ه، من فقهاء التابعين نحوه، ومقابله قول أبي عبيد: إن الفرقة بين
الزوجين تقع بنفس القذف، ولو لم يقع اللعان، وكأنه مفرّعٌ على وجوب اللعان
على من تحقّق ذلك من المرأة، فإذا أخلّ به عوقب بالفرقة، تغليظاً عليه.
(٢)
انتهى ٢ ١١.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه لا يحتاج إلى حكم
الحاكم، بل تقع الفرقة بنفس اللعان، وأنه لا بدّ من تمام لعانهما، فلا تقع
قبله؛ عملاً بظاهر الأحاديث، وأما تفريق النبيّ وَّ بينهما، فالظاهر أنه
أعلمهما بذلك، وأنهما لا يجتمعان بعد ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في فرقة اللعان، هل هي
فسخٌ، أم طلاق؟:
ذهبت طائفة إلى أن الفرقة فسخٌ، وبه قال الشافعيّ، وأحمد رحمهما الله
(١) راجع: ((المغني)) ١٤٤/١١ - ١٤٦.
(٢) ((الفتح)) ١٦٨/١٢ - ١٦٩.
:

٣٧١
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
تعالى؛ لأنها فرقة توجب تحريماً مؤيّداً، فكانت فسخاً، كفرقة الرضاع، ولأن
اللعان ليس بصريح في الطلاق، ولا نوى به الطلاق، فلم يكن طلاقاً، كسائر
ما ينفسخ به النكاح.
وقال أبو حنيفة كَُّهُ: هي طلاقٌ؛ لأنها فرقة من جهة الزوج، تخصّ
النكاح، فكانت طلاقاً، كالفرقة بقوله: أنت طالقٌ، ذكره ابن قدامة تَقَّهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المذهب الأول هو الأظهر عندي؛ لظهور
حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن وجد مع امرأته رجلاً،
فتحقق الأمر، فقتله، هل يُقتل به أم لا؟:
ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، فإن قتله يُقتصّ منه،
إلا أن يأتي ببيّنة الزنا، أو على المقتول بالاعتراف، أو يعترف به ورثته، فلا
يُقتل القاتل به بشرط أن يكون المقتول محصناً، وقيل: بل يُقتل به؛ لأنه ليس
له أن يُقيم الحدّ بغير إذن الإمام، وقال بعض السلف: بل لا يُقتل أصلاً،
ويُعزّر فيما فعله، إذا ظهرت أمارات صدقه، وشرط أحمد، وإسحاق، ومن
تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه قتله بسبب ذلك، ووافقهم ابن القاسم، وابن حبيب
من المالكيّة، لكن زاد أن يكون المقتول قد أحصن، أفاده في ((الفتح))(٢).
وقال في موضع آخر: قال الجمهور: عليه الْقَوَد، وقال أحمد،
وإسحاق: إن أقام بينة أنه وجده مع امرأته هَدَر دمه، وقال الشافعيّ: يَسَعُهُ فيما
بينه وبين الله قتل الرجل، إن كان ثَيِّباً، وعَلِم أنه نال منها ما يوجب الغسل،
ولكن لا يسقط عنه القَوَد في ظاهر الحكم، وقد أخرج عبد الرزاق بسند
صحيح إلى هانئ بن حِزَام أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، فقتلهما، فكَتَب
عمر كتاباً في العلانية أن يُقِيدوه به، وكتاباً في السرّ أن يعطوه الدية، وقال ابن
المنذر: جاءت الأخبار عن عمر في ذلك مختلفةً، وعامّة أسانيدها منقطعة،
وقد ثبت عن عليّ أنه سئل عن رجل قتل رجلاً وجده مع امرأته، فقال: إن لم
يأت بأربعة شهداء، وإلا فليغط بِرُمّته، قال الشافعيّ: وبهذا نأخذ، ولا نعلم
(١) ((المغني)) ١٤٧/١١.
(٢) ((الفتح)) ١١/ ١٧٢.

٣٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
لعليّ مخالفاً في ذلك. انتهى (١).
وقال في ((المفهم)): وكونه وي لم ينكر على السائل قوله: أيقتله؟ تقرير
منه على ذلك، ويلزم منه إن قتله لم يكن فيه قصاص، ولا غيره، وقد عضده
قول سعد رضيالله: لو رأيته ضربته بالسيف، ولم ينكر عليه، بل صوّبه بقوله:
(تعجبون من غيرة سعد؟))، متّفق عليه، ولهذا قال أحمد، وإسحاق: يُهدر دمه
إذا جاء القاتل بشاهدين. انتهى (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله أحمد، وإسحاق - رحمهما الله
تعالى - عندي أرجح؛ لظاهر حديث سعد، وعويمر طها، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٣٧٣٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، أنَّ عُوَيْمِرَأَ الْأَنْصَارِيَّ
مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ، أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ مَالِكِ،
وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: وَكَانَ فِرَاقُهُ إِيَّاهَا بَعْدُ سُنَّةً فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَزَادَ فِيهِ :
قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ حَامِلاً، فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَى أُمِّهِ، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ بَرِثُهَا،
وَتَرِثُ مِنْهُ، مَا فَرَضَ اللهُ لَهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا في الباب، وقبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل ((ساق)) ضمير يونس.
وقوله: (فَكَانَتْ حَامِلاً، فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَى أُمِّهِ إلخ) قال النوويّ تَذَُّ:
فيه جواز لعان الحامل، وأنه إذا لاعنها، ونفى عنه نَسَب الحمل انتفى عنه،
وأنه يثبت نسبه من الأم، ويرثها، وترث منه ما فرض الله للأم، وهو الثلث،
إن لم يكن للميت ولد، ولا ولد ابن، ولا اثنان من الإخوة أو الأخوات، وإن
(١) ((الفتح)) ٦٩٣/١٥ (كتاب الحدود)) رقم (٦٨٤٦).
(٢) ((المفهم)) ٢٩٠/٤ - ٢٩١.

٣٧٣
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٩)
كان شيء من ذلك، فلها السدس، وقد أجمع العلماء على جريان التوارث بينه
وبين أمه، وبينه وبين أصحاب الفروض من جهة أمه، وهم إخوته وأخواته من
أمه، وجدّاته من أمه، ثم إذا دفع إلى أمه فرضها، أو إلى أصحاب الفروض،
وبقي شيء فهو لموالي أمه، إن كان عليها ولاء، ولم يكن عليه هو، ولا
بمباشرة إعتاقه، فإن لم يكن لها موال، فهو لبيت المال، هذا تفصيل مذهب
الشافعيّ، وبه قال الزهريّ، ومالك، وأبو ثور، وقال الحكم، وحماد: ترثه
ورثة أمه، وقال آخرون: عصبة أمه، رُوي هذا عن عليّ، وابن مسعود،
وعطاء، وأحمد بن حنبل، قال أحمد: فإن انفردت الأم أخذت جميع ماله
بالعصوبة، وقال أبو حنيفة: إذا انفردت أخذت الجميع، لكن الثلث بالفرض،
والباقي بالردّ على قاعدة مذهبه في إثبات الردّ، والله أعلم. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه ساقها الرويانيّ تَظُّ في
((مسنده)) ٢٢١/٢ فقال :
(١٠٧٩) - نا أحمد بن عبد الرحمن، نا عبد الله بن وهب، حدّثني
يونس، عن الزهريّ، أخبرني سهل بن سعد أنّ عُويمراً الأنصاريّ، ثم من بني
العجلان، أتى عاصم بن عديّ، فقال له: يا عاصم أرأيت رجلاً وجد مع
امرأته رجلاً أيقتله فيقتلونه، أم كيف يفعل؟ سَلْ لي يا عاصم رسول الله وَّر عن
ذلك، فكره رسول الله وسر المسائل وعابها، حتى كُبُر على عاصم مما سمع من
رسول الله وَيقر، فلما رجع عاصم إلى أهله جاء عويمرٌ، فقال: يا عاصم ماذا
قال لك رسول الله وَ﴾؟ قال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير، قد كَرِهِ
رسول الله ◌َ﴾ التي سألته عنها وعابها، قال عويمر: والله ما أنتهي حتى أسأله،
فأتى عويمر، حتى سأل رسول الله وَله وسط الناس، فقال: يا رسول الله أرأيت
رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، فقتله، أيقتلونه(٢)؟ أم كيف يفعل؟ قال
رسول الله وسلم: ((قد أُنزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فائت بها))، ونزل
القرآن، قال سهل: فتلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول الله وَّ، فلما فرغا من
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠/ ١٢٣ - ١٢٤.
(٢) هكذا النسخة: ((أيقتلونه)) بالياء، ولعله بالتاء، فليُحرّر.

٣٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
تلاعنهما، قال: يا رسول الله كذبت عليها، إن أنا أمسكتها، فطلقها ثلاثاً، قبل
أن يأمره رسول الله ﴿ ﴿، وكان فراقه إياها يعد (١) سنّةً في المتلاعنين، قال
سهل: وكانت حاملاً، فأنكر الرجل حملها، فكان ابنه (٢) يدعى إلى أمه، ثم
جرت السنة أنه يرثها، وترثه ما فرض الله لها. انتهى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذَثُ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٤٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَعَّنِ السُّنَّةِ فِيهِمَا، عَنْ حَدِيثِ سَهْلٍ
ابْنِ سَعْدٍ، أَخِي بَنِي سَاعِدَةَ أَنْ رَجُلاً مِن الْأَنْصَارِ، جَاءَ إِلَى النَّبِّ نَّهِ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَزَادَ فِیهِ :
فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَا شَاهِدٌ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَطَلَّقَهَا ثَلَاثاً، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَفَارَقَّهَا عِنْدَ النَّبِيِّ ◌َهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهِ: ((ذَاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ
مُتَلَاعِنَيْنِ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وکلھم تقدّموا في الباب، وقبل باب.
قوله: (أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْأَنْصَارِ) تقدّم أنه عويمر العجلانيّ.
وقوله: (وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ) فاعل ((ذَكَر)) ضمیر ابن ◌ُريج.
وقوله: (فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ) قال القرطبيّ تَخْذُ: فيه بيان أن سنّة اللعان
كونه في المسجد، ولم يُختَلف في ذلك، إلا ما روي عن عبد الملك أنه يكون
في المسجد، أو عند الإمام، وفيه أنه يكون بحضرة الإمام، والقياس،
والإجماع على أنه لا يكون إلا بسلطان. انتهى(٣).
(١) هكذا النسخة: ((يعدّ)) بالياء من العدّ، والظاهر أنه مصحّف من ((بعد)) بالباء
الموحّدة، کما هو في ((صحيح مسلم))، فليُحرّر.
(٢) هكذا النسخة، والظاهر ((ابنها))، كما في ((صحيح مسلم))، فليُحرّر.
(٣) ((المفهم)) ٤/ ٢٩٢.

٣٧٥
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٤٠)
وقوله: ((ذَاكُمُ التَّقْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنٍ))) قال النوويّ ◌َُّهُ: معناه عند
مالك، والشافعيّ، والجمهور بيان أن الفُرقة تحصل بنفس اللعان بين كل
متلاعنين، وقيل: معناه تحريمها على التأبيد، كما قال جمهور العلماء، قال
القاضي عياض: واتفق علماء الأمصار على أن مجرد قذفه لزوجته لا يحرمها
عليه، إلا أبا عبيد، فقال: تصير محرَّمةً عليه بنفس القذف، بغير لعان. انتهى(١).
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن ابن شهاب هذه ساقها البخاريّ تَظُّهُ في
((صحيحه))، فقال:
(٥٣٠٩) - حدّثنا يحيى(٢)، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال:
أخبرني ابن شهاب، عن الملاعنة، وعن السنّة فيها، عن حديث سهل بن سعد،
أخي بني ساعدة أن رجلاً من الأنصار جاء إلى رسول الله وَله، فقال: يا
رسول الله، أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً، أيقتله، أم كيف يفعل؟
فأنزل الله في شأنه ما ذُكر في القرآن، من أَمْر المتلاعنين، فقال النبيّ وَّى: ((قد
قضى الله فيك، وفي امرأتك))، قال: فتلاعنا في المسجد، وأنا شاهد، فلما
فرغا قال: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً، قبل أن يأمره
رسول الله ير حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبيّ وَّ، فكان ذلك تفريقاً
بين كل متلاعنين.
قال ابن جريج: قال ابن شهاب: فكانت السنّة بعدهما أن يُفَرَّق بين
المتلاعنين، وكانت حاملاً، وكان ابنها يُدْعَى لأمه، قال: ثم جرت السنّة في
ميراثها أنها ترثه، ويرث منها ما فَرَضَ الله له.
قال ابن جريج: عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعديّ في هذا
الحديث: إن النبيّ وَّ قال: ((إن جاءت به أحمر قصيراً، كأنه وَحَرَةٌ، فلا أراها
إلا قد صدقت، وكذب عليها، وإن جاءت به أسود، أعين، ذا أَلْيتين، فلا أراه
إلا قد صدق عليها))، فجاءت به على المكروه من ذلك. انتهى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٢٣/١٠.
(٢) هو ابن يحيى التميميّ النيسابوريّ كَُّهُ.

٣٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٣٧٤١] (١٤٩٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح)
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنٍ جُبَيْرٍ، قَالَ: سُئِلْتُ عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ،
فِي إِمْرَةِ مُصْعَبٍ، أَيْفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ، فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ
عُمَرَ بِمََّةَ، فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ: اسْتَأْذِنْ لِي، قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ، فَسَمِعَ صَوْتِي، قَالَ: ابْنُ
مُبَيْرٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَّ: ادْخُلْ، فَوَ اللهِ مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ،
فَدَخَلْتُ، فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْذَعَةً، مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً، حَشْوُهَا لِيفٌ، قُلْتُ: أَبَا عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ نَعَمْ، إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ
ذَلِكَ فُلَانُ ابْنُ فُلانٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأَتَهُ عَلَى
فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلٍ
ذَلِكَ(١)، قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ◌َ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمََّّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ
الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ، قَدْ ابْتُلِيتُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي ((سُورَةِ النُّورِ)):
﴿وَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ، وَوَعَظَهُ، وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ
الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا،
ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا، وَذَكَّرَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ،
قَالَتْ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ
بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى
بِالْمَرْأَةِ، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ، إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللهِ
عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) تقدَّم في الباب الماضي.
(١) وفي نسخة: ((عن مثل ذلك)).

٣٧٧
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٤١)
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قريباً.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) مَيْسرة الْعَرزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥]
(ت١٤٥) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣]
(ت٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢٩/٥٧.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) ﴿ُهَا، تقدّم قريباً.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ) أنه (قَالَ: سُئِلْتُ) بالبناء للمفعول (عَنِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ)
أي: عن حكمهما (فِي إِمْرَةٍ) بكسر الهمزة، وسكون الميم: اسم من الإمارة
(مُصْعَبٍ) بن الزبير بن العوّام القرشيّ الأسديّ، أمير العراقين، أبو عيسى، وأبو
عبد الله، لا رواية له، كان فارساً شجاعاً جميلاً وَسِيماً حارب المختار،
وقتله، وكان سفّاكاً للدماء، سار لحربه عبد الملك بن مروان، وكان يسمى من
سخائه آنية النحل، قال إسماعيل بن أبي خالد: ما رأيت أميراً قط أحسن من
مصعب، ورَوَى عمر بن أبي زائدة أن الشعبيّ قال: ما رأيت أميراً قط على منبر
أحسن من مصعب، قال المدائنيّ: كان يُحسد على الجمال.
قُتِل مصعب يوم نصف جمادى الأولى، سنة اثنتين وسبعين، وله أربعون
سنة، ذكره الذهبيّ في ((السير))(١).
(أَيْفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟) بالبناء للمفعول (قَالَ) سعيد (فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ، فَمَضَيْتُ
إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ﴾ ﴾ (بِمَكَّةَ) الظاهر أنه منزله الذي نزله لما جاء مكة
للحج، أو العمرة؛ لأنه من سكان المدينة، والظاهر أن سعيداً سافر من الكوفة
إلى مكة ليسأل ابن عمر ﴿ه عن هذه المسألة التي لم يدر جوابها حين سئل.
وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد، قال: ((كنّا
بالكوفة نختلف في الملاعنة، يقول بعضنا: يفرّق بينهما، ويقول بعضنا: لا
يفرّق)). ويؤخذ منه أن الخلاف في ذلك كان قديماً، وقد استمرّ عثمان البتّيّ
(١) راجع: ((سير أعلام النبلاء)) ١٤٠/٤ - ١٤٣.

٣٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
من فقهاء البصرة على أن اللعان لا يقتضي الفرقة، كما تقدّم نقله عنه، وكأنه لم
يبلغه حديث ابن عمر، قاله في ((الفتح))(١).
(فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ) لا يُعرف اسمه(٢). (اسْتَأْذِنْ لِي، قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ) من
القيلولة، يقال: قالَ يَقِيل قَيْلاً، وقَيْلُولةً: نام نصف النهار، والقائلة: وقت
القيلولة، وقد تُطلق على القيلولة(٣). (فَسَمِعَ صَوْتِي، قَالَ: ابْنُ جُبَيْرٍ؟) برفع
((ابن))، وهو بتقدير الاستفهام، أي: قال ابن عمر: أأنت ابن جبير؟ (قُلْتُ:
نَعَمْ، قَالَ: ادْخُلْ، فَوَ اللهِ مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّ حَاجَةٌ) فيه أنه لا يُشقّ على
العالم، ومن يُحتاج إليه في أوقات راحتهم، وأن المحتاج إليه إذا عَلِم من
القرائن أن الآتي إليه في وقت راحته إنما جاء لضرورة عَرَضت له، لا ينبغي أن
يضجر له، بل يواجهه ببشاشة(٤). (فَدَخَلْتُ، فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ) ((إذا)) هي
الْفُجائيّة، أي: ففاجأني افتراشه (بَرْذَعَةً) بفتح الموحّدة، وسكون الراء، فذال
معجمة، ويقال: بالدال المهملة: الْحِلْسُ يُلْقَى تحت الرحل، أفاده المجد(٥)،
وفيه زَهادة ابن عمر ﴿هَا (مُتَوَسِّدُ وِسَادَةً) بكسر الواو: الْمِخَدّة، وجمعها
وَسادات، ووسائد، والوساد بغير هاء: كلُّ ما يُتوسّد به، من قُماش، وتُراب،
وغير ذلك، وجمعها وُسُدِّ، مثلُ كتابٍ وكُتُبٍ، ويقال: الوسائد لغة في
الوسادة، قاله الفيّوميّ (٦). (حَشْوُهَا) بفتح، فسكون؛ أي: ما جُعل فيها، ومُلئت
به (لِيفٌ) بكسر اللام؛ أي: لحاء شجر (قُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن
عمر ﴿ًّا، وهو بتقدير حرف النداء، كما قال الحريريّ كَُّهُ في ((مُلحته)):
وَحَذْفُ ((يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءَ كَقَوْلِهِمْ ((رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي))
وقال ابن مالك كَُّ في ((خلاصته)):
جَا مُسْتَغَاثاً قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا
قَلَّ وَمَنْ يَمْنَعْهُ فَانْصُرْ عَاذِلَهْ
وَذَاكَ فِي اسْمِ الْجِنْسِ وَالْمُشَارِ لَهْ
(٢) راجع: ((تنبيه المعلم)) ص٢٥٤.
(١) ((الفتح)) ١٢/ ١٨٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ٥٢١/٢.
(٤) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٢٤٠/١ - ٢٤١.
(٥) ((القاموس المحيط)) ٤/٣.
(٦) ((المصباح المنير)) ٦٥٨/٢.

٣٧٩
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٤١)
(الْمُتَلَاعِنَانِ) مبتدأ خبره جملة قوله: (أَيُفَرَّقُ) بالبناء للمفعول (بَيْنَهُمَا؟)
وفي رواية عزرة، عن سعيد بن جبير: قال: ((لم يفرّق المصعب - يعني ابن
الزبير - بين المتلاعنين، فذكرت ذلك لابن عمر، فقال: فرّق رسول الله وَّو بين
أخوي بني العجلان)).
(قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ نَعَمْ) أي: يُفرّق بينهما، إنما سبّح تعجباً من خفاء هذا
الحكم المشهور على سعيد (إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ ابْنُ قُلَانٍ) قال
القرطبيّ تَخْتُ: هو - والله أعلم - عويمر العجلانيّ المتقدّم الذكر. انتهى (١).
(قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا) ((أنْ)) بفتح الهمزة هي المخفّفة
من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي: أنه، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة)):
وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ ((أَنْ))
وَإِنْ تُخَفَّفْ ((أَنَّ) فَاسْمُهَا اسْكَنْ
وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا
وَإِنْ یَكُنْ فِعْلاً وَلَمْ يَكُنْ دُعًا
تَنْفِيسِ أوْ ((لَوْ)) وَقَلِيلٌ ذِكْرُ ((لَو)»
فَالأَحْسَنُ الْفَضْلُ بِـ ((قَدْ» أَوْ نَفْي أوْ
(امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ) يعني الزنا (كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيم)
أي: لما فيه من الفضيحة (وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ) وفي نسخة: (عَّن
مثل ذلك))؛ أي: على أمر عظيم؛ أي: لما فيه من الْمَضَض(٢)، والغيظ (قَالَ)
ابن عمر ﴿هَا (فَسَكَتَ النَّبِيُّ وَ﴿ِ، فَلَمْ يُحِبْهُ) أي: لما ينتظره من الوحي، ففي
حديث ابن مسعود رضيه الآتي: (لَمّا سأل الرجل النبيّ وَ له عن ذلك، قال ◌َّه:
(اللهم افتح))، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان)) (فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ) ذلك
الرجل (فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ، قَدْ ابْتُلِيتُ بِهِ) هذا يدلّ على أن سؤاله
الأول ليس عن شيء واقع حقيقة، وإنما هو شيء ارتاب فيه، فحمله شدّة غيرته
على أن يسأل، فوقع له ذلك حقيقة، ابتلاءً، كما يقال: البلاء موكّل
(٣)
بالمنطق(٣) .
وقال القرطبيّ كَذَتُهُ: قوله: ((قد ابْتُليتُ به)) ظاهر هذا أنه خطاب من
السائل للنبيّ وَ﴿ لَمّا لم يُجبه، فأخبره بوقوع ذلك له؛ ليُحقّق عنده أنه مضطرّ
(١) ((المفهم)) ٢٩٥/٤.
(٣) هذا من كلام الناس، وروي مرفوعاً، ولا يصحّ.
(٢) محرّكةً: وجَع المصيبة.

٣٨٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
إلى المسألة، فَيُجيبه، كما فَعَل النبيّ ◌َّ، وقد جاء من حديث ابن عبّاس
قال: ذُكر التلاعن عند رسول الله وَّر، فقال عاصم بن عديّ في ذلك قولاً، ثم
انصرف، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه وجد مع امرأته رجلاً، فقال
عاصم: ما ابتُليت بهذا إلا لقولي، فذهب به إلى رسول الله وَل*، وذكر
الحديث، وهذا نصّ في أنّ المبتلَى به عاصم من جهة أنه امتُحن بوقوع ذلك
برجل من قومه، فعَظُم عليه ذلك، وشَقّ عليه، حتى تكلّف سؤال النبيّ وَّ عن
تلك المسألة القبيحة، ورأى أن ذلك كالعقوبة له؛ لما تكلّم في اللعان قبل
وقوعه، وأما ابتلاء السائل الذي سأل النبيّ وَّ، فإنما هو أن وَجَد الرجل مع
امرأته، فهو ابتلاء آخر، غير ابتلاء عاصم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا مانع من كون ابتلاء السائل من نوع
ابتلاء عاصم، كما أسلفت تقريره، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(فَأَنْزَلَ اللهُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي ((سُورَةِ النُّورِ)): ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾﴾ أي:
يقذفون زوجاتهم بالزنا، زاد في رواية النسائيّ: حتى بلغ ﴿ وَاُلَْمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ
اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴾﴾ (فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ) أي: تلا النبيّ وَلّ هؤلاء
الآيات (وَوَعَظَّهُ، وَذَكَّرَهُ) وفي رواية النسائيّ: ((فبدأ بالرجل، فوعظه، وذكّره))،
قال القرطبيّ: هذا الوعظ والتذكير كان منه 9 قبل اللعان، وينبغي أن يُتخذ
سنّة في وعظ المتلاعنين قبل الشروع في اللعان، ولذلك قال الطبريّ: إنه يجب
على الإمام أن يعظ كلّ من يحلّفه، وذهب الشافعيّ إلى أنه يعظ كلّ واحد بعد
تمام الرابعة، وقبل الخامسة؛ تمسّكاً بحديث ابن عبّاس ظه في لعان هلال بن
أمية ◌ُله أنه وَلّ وعظهما عند الخامسة. انتهى (٢).
(وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا) هو حدّ القذف في حقّه (أَهْوَنُ مِنْ عَذَابٍ
الْآخِرَةِ) أي: من نار جهنّم - أعاذنا الله منها ــ (قَالَ) الرجل (لا) أي: لا
أتراجع مما قلته؛ لأنه حقّ، وصدقٌ، كما أوضحه بقوله: (وَالَّذِي بَعَتَكَ بِالْحَقِّ
مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا) أي: المرأة (فَوَعَظَهَا، وَذَكَّرَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ
الدُّنْيَا) هو الرجم في حقّها حيث كانت محصنةً (أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ) قال
(١) ((المفهم)) ٢٩٥/٤.
(٢) ((المفهم)) ٢٩٥/٤ - ٢٩٦.