النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
١٩ - كتاب اللعان
١٩ - (كِتَابُ اللِّعَانِ)
مسألتان تتعلّقان بهذه الترجمة:
(المسألة الأولى): في تعريف اللعان لغة، وشرعاً، وأصل اشتقاقه:
(اعلم): أن ((اللعان)) - بكسر اللام - مصدر لاعن، كالملاعنة، كما قال
ابن مالك تَكْثُ في ((لاميّته)):
لِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالاً اوْ مُفَاعَلَةً
وِفِعْلَةٌ عَنْهُمَا قَدْ نَابَ فَاحْتُمِلَا
قال الفيّوميّ كَّلُهُ: لاعن الرجل زوجته: قذفها بالفجور. وقال ابن دريد:
كلمة إسلاميّة في لغة فصيحة. انتهى.
وقال في ((الفتح)): هو مأخوذ من اللعن؛ لأن الملاعن يقول: ((لعنة الله
عليه إن كان من الكاذبين)).
واختير لفظ اللعن، دون الغضب في التسمية؛ لأنه قول الرجل، وهو
الذي بُدئ به في الآية، وهو أيضاً يُبدأ به، وله أن يرجع عنه، فيسقط عن
المرأة بغير عكس.
وقيل: سُمّي لعاناً؛ لأن اللعن الطردُ والإبعاد، وهو مشترك بينهما، وإنما
خُصّت المرأة بلفظ الغضب؛ لعظم الذنب بالنسبة إليها؛ لأن الرجل إذا كان
كاذباً لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبةً، فذنبها أعظم؛
لما فيه من تلويث الفراش، والتعرّض لإلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر
المحرميّة، وتَثْبُتُ الولاية، والميراث لمن لا يستحقّهما.
واللعان، والالتعان، والملاعنة بمعنَى. ويقال: تلاعنا، والتعنا، ولاعن
الحاكم بينهما، والرجل ملاعن، والمرأة ملاعنةٌ؛ لوقوعه غالباً من الجانبين.
وأجمعوا على مشروعيّة اللعان، وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقّق،

٣٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
واختُلف في وجوبه على الزوج، لكن لو تحقّق أن الولد ليس منه قَوِيَ
الوجوب. انتهى(١).
وقال البدر العينيّ ◌َّتُهُ: ويقال: تلاعنا، والتعنا، ولا عن الحاكم بينهما،
والرجل ملاعِنٌ، والمرأة ملاعنةٌ، وسمّي به؛ لما فيه من لَعْن نفسه في
الخامسة، وهي من تسمية الكلّ باسم البعض، كالصلاة تُسمّى ركوعاً وسُجوداً.
ومعناه الشرعيّ: شهادات مؤكّدات بالأيمان مقرونة باللعن.
وقال الشافعيّ: هي أيمان مؤكّدات بلفظ الشهادة، فيُشترط أهليّة اليمين
عنده، فيجري بين المسلم وامرأته الكافرة، وبين الكافر والكافرة، وبين العبد
وامرأته، وبه قال مالكٌ، وأحمد. وعندنا - يعني الحنفيّة - يُشترط أهليّة
الشهادة، فلا يَجري إلا بين المسلمين الحرّين العاقلين البالغين، غير محدودين
في قذف.
قال: وجُوّز اللعان؛ لحفظ الأنساب، ودفع المعَرَّة عن الأزواج، وأجمع
العلماء على صحّته. انتهى المقصود منه (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في سبب نزول آية اللعان:
قال في ((الفتح)): وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع: فمنهم من رجّح
أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجّح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم
من جمع بينهما بأن أوّل من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضاً،
فنزلت في شأنهما معاً في وقت واحد، وقد جنح النوويّ إلى هذا، وسبقه
الخطيب، فقال: لعلّهما اتفق كونهما جاءاً في وقت واحد، ويؤيّد التعدّد أن
القائل في قصّة هلال: سعد بن عبادة، كما أخرجه أبو داود، والطبريّ من
طريق عبّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عبّاس مثل رواية هشام بن حسّان
بزيادة في أوله: ((لَمّا نزلت ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٦]، قال سعد بن
عبادة: لو رأيت لكاعاً قد تفخّذها رجلٌ، لم يكن لي أن أُهيجه حتى آتي أربعة
شهداء، ما كنت لآتي بهم حتى يَفرُغ من حاجته، قال: فما لبثوا إلا يسيراً حتى
جاء هلال بن أميّة ... )) الحديث.
(١) ((الفتح)) ١٥٦/١٢.
-
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٢٩/١٥ - ٣٣٠.

٣٤٣
١٩ - كتاب اللعان
وعند الطبريّ من طريق أيوب، عن عكرمة، مرسلاً فيه نحوه، وزاد:
((فلم يلبثوا أن جاء ابن عمّ له، فرمى امرأته ... )) الحديث.
والقائل في قصّة عويمر: عاصم بن عديّ، كما في حديث سهل بن سعد
في هذا الباب. وأخرج الطبريّ من طريق الشعبيّ مرسلاً، قال: ((لما نزلت:
﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ الآية، قال عاصم بن عديّ: إن أنا رأيت، فتكلّمت،
جُلِدتُ، وإن سكتّ سكتّ على غيظ ... )) الحديث، ولا مانع أن تتعدّد
القصص، ويتّحد النزول.
وروى البزّار من طريق زيد بن يُثيع، عن حذيفة بنظُبه، قال: ((قال
رسول الله وَل﴿ لأبي بكر: لو رأيت مع أم رومان رجلاً ما كنت فاعلاً به؟ قال:
كنت فاعلاً به شرّاً، قال: فأنت يا عمر؟ قال: أقول: لعن الله الأبعد، قال:
فنزلت)).
ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال، فلما جاء عويمر، ولم يكن علم
بما وقع لهلال أعلمه النبيّ وَ ﴿ بالحكم، ولهذا قال في قصّة هلال: ((فنزل
جبريل))، وفي قصّة عويمر: ((قد أنزل الله فيك))، فيؤوّل قوله: ((قد أنزل الله
فيك))؛ أي: وفيمن كان مثلك، وبهذا أجاب ابن الصبّاغ في ((الشامل))، قال:
نزلت الآية في هلال، وأما قوله لعويمر: ((قد نزل فيك وفي صاحبتك))، فمعناه
ما نزل في قصّة هلال.
ويؤيّده أن في حديث أنس عند أبي يعلى قال: ((أول لعان كان في
الإسلام أن شريك بن سَخْماء قذفه هلال بن أميّة بامرأته ... )) الحديث.
وجنح القرطبيّ إلى تجويز نزول الآية مرّتين، قال: وهذه الاحتمالات،
وإن بُعُدت أولى من تغليط الرواة الحفّاظ.
وقد أنكر جماعة ذِكْرَ هلال فيمن لاعن، قال القرطبيّ: أنكره أبو
عبد الله بن أبي صفرة، أخو المهلّب، وقال: هو خطأ، والصحيح أنه عويمر،
وسبقه إلى نحو ذلك الطبريّ.
وقال ابن العربيّ: قال الناس: هو وَهَمٌّ من هشام بن حسّان، وعليه دار
حديث ابن عبّاس، وأنس بذلك.
وقال عياضٌ في ((المشارق)): كذا جاء من رواية هشام بن حسّان، ولم

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
يقله غيره، وإنما القصّة لعويمر العجلانيّ، قال: ولكن وقع في ((المدوّنة)) في
حديث العجلانيّ ذِكْرُ شريك. وقال النوويّ في ((مبهماته)): اختلفوا في الملاعن
على ثلاثة أقوال: عويمر العجلانيّ، وهلال بن أُميّة، وعاصم بن عديّ، ثم
نقل عن الواحديّ أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر.
قال الحافظ: وكلام الجميع مُتعقّبٌ، أما قول ابن أبي صفرة، فدعوى
مجرّدة، وكيف يجزم بخطأ حديث ثابت في ((الصحيحين)) مع إمكان الجمع؟
وما نسبه إلى الطبريّ لم أره في كلامه.
وأما قول ابن العربيّ: إن ذِكْرَ هلال دار على هشام بن حسّان، وكذا
جزم عياض بأنه لم يقله غيره، فمردود؛ لأن هشام بن حسّان لم ينفرد به، فقد
رواه عبّاد بن منصور، كما قدّمته، وكذا جزم جرير بن حازم، عن أيوب،
أخرجه الطبريّ، وابن مردويه، موصولاً، قال: ((لَمّا قذف هلال بن أميّة
امرأته».
وأما قول النوويّ تبعاً للواحديّ، وجنوحه إلى الترجيح فمرجوح؛ لأن
الجمع مع إمكانه أولى من الترجيح، ثم قوله: ((وقيل: عاصم بن عديّ)) فيه
نظر؛ لأنه ليس لعاصم فيه قصّة أنه الذي لاعن امرأته، وإنما الذي وقع من
عاصم نظير الذي وقع من سعد بن عبادة.
ولمّا روى ابن عبد البرّ في ((التمهيد)» طريق جرير بن حازم تعقّبه بأن قال:
قد رواه القاسم بن محمد، عن ابن عبّاس كما رواه الناس، وهذا يوهم أن
القاسم سمّى الملاعن عويمراً، والذي في ((الصحيح)): ((فأتاه رجلٌ من قومه))؛
أي: من قوم عاصم، وللنسائيّ من هذا الوجه: ((لاعن بين العجلانيّ وامرأته))،
والعجلانيّ هو عمير. انتهى كلام الحافظ تَُّ في ((تفسير سورة النور))(١).
وقال في ((كتاب الطلاق)) بعد الإشارة إلى ما تقدّم: وظهر لي الآن
احتمال أن يكون عاصم سأل قبل النزول، ثم جاء هلال بعده، فنزلت عند
سؤاله، فجاء عويمرٌ في المرّة الثانية التي قال فيها: ((إن الذي سألتك عنه، قد
ابتليت به))، فَوَجَدَ الآيةَ نزلت في شأن هلال، فأعلمه وَلي بأنها نزلت فيه، يعني
(١) ((الفتح)) ٣٨٢/١٠ - ٣٨٤.

٣٤٥
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
أنها نزلت في كلّ من وقع له ذلك؛ لأن ذلك لا يختصّ بهلال، وكذا يجاب
على سياق حديث ابن مسعود ظه: يَحْتَمِل أنه لما شَرَع يدعو بعد توجّه
العجلانيّ جاء هلال، فذكر قصّته، فنزلت، فجاء عويمرٌ، فقال: قد نزل فيك،
وفي صاحبتك. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجمع الذي سلكه الحافظ تَظّثُ جمع
حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَثُ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٣٨] (١٤٩٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عُوَيْمِراً الْعَجْلَانِيَّ، جَاءَ
إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ يَا عَاصِمُ لَوْ أَنَّ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ
امْرَأَتِهِ رَجُلاً، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَسَلْ لِي عَنْ ذَلِكَ يَا عَاصِمُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللهِ،وَهَ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِوَالِهِ الْمَسَائِلَ،
وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِم مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى
أَهْلِهِ، جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَّا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ عَاصِمٌ
لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِوَهِ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا، قَالَ
عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ لَا أَنْتَهِي، حَتَى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ وَهـ
وَسَطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ،
فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((قَدْ نَزَلَ فِيكَ، وَفِي صَاحِبَتِكَ،
فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا))، قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ، عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَلَمَّا
فَرَغَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاناً، قَبْلَ أَنْ
يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِوَهِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
(١) ((الفتح)) ١٧٤/١٢ - ١٧٥.

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المشهور، تقدّم قبل بابين.
٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد
الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس المدنيّ، الصحابيّ ابن
الصحابيّ ◌ّ، مات سنة (٨٨) أو بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في
((الإيمان)) ٣١٣/٥٠.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف ◌َذَثُ، وهو (٢٣٨) من رباعيّات
الکتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، كما أسلفته آنفاً .
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو من المعمّرين، وآخر من
مات بالمدينة على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) في رواية الشافعيّ، عن مالك: ((حدّثني ابن شهاب)) (أَنَّ
سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) ﴿هَا (السَّاعِدِيَّ) منسوب إلى ساعدة بن كعب بن الخزرج بن
الحارث بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة، قاله في ((اللباب))(١). (أَخْبَرَهُ) أي: ابنَ
شهاب (أَنَّ عُوَيْمِراً الْعَجْلَانِيَّ) في رواية القعنبيّ، عن مالك: ((عويمر بن
أشقر))، وكذا أخرجه أبو داود، وأبو عوانة، من طريق عياض بن عبد الله
الْفِهْريّ، عن الزهريّ، ووقع في ((الاستيعاب)): عويمر بن أبيض، وعند
الخطيب في ((المبهمات)): عويمر بن الحارث، وهذا هو المعتمد، فإن الطبري
نسبه في ((تهذيب الآثار))، فقال: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن الجدّ بن
عَجْلان، فلعل أباه كان يلقب أشقر، أو أبيض، وفي الصحابة ابن أشقر آخر،
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٤٢٢/١.

٣٤٧
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
وهو مازنيّ، أخرج له ابن ماجه، واتفقت الروايات عن ابن شهاب على أنه في
مسند سهل، إلا ما أخرجه النسائيّ، من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة،
وإبراهيم بن سعد، كلاهما عن الزهريّ، فقال فيه: عن سهل، عن عاصم بن
عديّ، قال: كان عويمر رجلاً من بني العجلان، فقال - أي: عاصم - فذكر
الحديث، والمحفوظ الأول، وسيأتي عن سهل أنه حضر القصة.
وفي رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، قال: قال سهل بن سعد:
شَهِدت المتلاعنين، وأنا ابن خمس عشرة سنةً.
ووقع في نسخة أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهريّ، عن سهل بن
سعد، قال: تُوُفّي رسول الله وَّز، وأنا ابن خمس عشرة سنةً، فهذا يدلّ على
أن قصة اللعان، كانت في السنة الأخيرة، من زمان النبيّ وَّ، لكن جزم
الطبريّ، وأبو حاتم، وابن حبان بأن اللعان كان في شعبان سنة تسع، وجزم به
غير واحد من المتأخرين.
ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند الدارقطني أن قصة اللعان كانت
بمنصرف النبيّ وَّ من تبوك، وهو قريب من قول الطبريّ، ومن وافقه، لكن
في إسناده الواقديّ، فلا بد من تأويل أحد القولين، فإن أمكن، وإلا فطريق
شعیب أصحّ.
ومما يوهن رواية الواقديّ ما اتفق عليه أهل السير أن التوجه إلى تبوك
كان في رجب، وما ثبت في ((الصحيحين)) أن هلال بن أمية أحد الثلاثة الذين
تِيب عليهم، وفي قصته أن امرأته استأذنت له النبيّ وَ﴿ أن تخدمه، فأَذِن لها
بشرط أن لا يَقْرَبها، فقالت: إنه لا حِرَاك به، وفيه أن ذلك كان بعد أن مضى
لهم أربعون يوماً، فكيف تقع قصة اللعان في الشهر الذي انصرفوا فيه من
تبوك، ويقع لهلال مع كونه فيما ذُكر من الشغل بنفسه، وهجران الناس له،
وغير ذلك؟
وقد ثبت في حديث ابن عباس أن آية اللعان نزلت في حقّه، وكذا عند
مسلم من حديث أنس أنه أول من لاعن في الإسلام.
ووقع في رواية عباد بن منصور، في حديث ابن عباس، عند أبي داود،
وأحمد: ((حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فوجد

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
عند أهله رجلاً ... )) الحديث، فهذا يدلّ على أن قصة اللعان تأخرت عن قصة
تبوك، والذي يظهر أن القصة كانت متأخرةً، ولعلها كانت في شعبان سنة
عشر، لا تسع، وكانت الوفاة النبوية في شهر ربيع الأول، سنة إحدى عشرة
باتفاق، فیلتئم حينئذ مع حديث سهل بن سعد.
ووقع عند مسلم، من حديث ابن مسعود: «كنا ليلة جمعة في المسجد،
إذ جاء رجل من الأنصار))، فذكر القصة في اللعان باختصار، فعيَّن اليوم، لكن
لم يعيِّن الشهر، ولا السنة. انتهى(١).
(جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ) أي: ابن الجدّ بن العجلان
العجلانيّ، وهو ابن عَمّ والد عويمر، وفي رواية الأوزاعيّ، عن الزهريّ:
((وكان عاصم سيد بني عجلان))، والْجَدّ - بفتح الجيم، وتشديد الدال ـ
والعجلان - بفتح المهملة، وسكون الجيم - هو ابن حارثة بن ضُبيعة، من بني
بَلِيّ بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة، وكان العجلان حالف بني عمرو بن
عوف بن مالك بن الأوس، من الأنصار، في الجاهلية، وسكن المدينة،
فدخلوا في الأنصار.
وقد ذكر ابن الكلبيّ أن امرأة عويمر، هي بنت عاصم المذكور، وأن
اسمها خولة.
وقال ابن منده في ((كتاب الصحابة)): خولة بنت عاصم التي قذفها
زوجها، فلاعن النبيّ وَّ بينهما، لها ذِكْر، ولا تُعرف لها رواية، وتبعه أبو
نعيم، ولم يذكرا سلفهما في ذلك، وكأنه ابن الكلبيّ، وذكر مقاتل بن سليمان،
فيما حكاه القرطبيّ أنها خولة بنت قيس.
وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم، فأخرج من طريق الحكم، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ أن عاصم بن عديّ، لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَزْمُونَ
الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور: ٤] قال: يا رسول الله أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتُلي به في
بنت أخيه، وفي سنده مع إرساله ضعف.
وأخرج ابن أبي حاتم في ((التفسير)) عن مقاتل بن حيّان، قال: ((لما سأل
(١) ((الفتح)) ١٦٩/١٢ - ١٧٠.

٣٤٩
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
عاصم عن ذلك، ابتُلي به في أهل بيته، فأتاه ابن عمه تحته ابنة عمه، رماها
بابن عمة المرأة، والزوج، والحليل، ثلاثتهم بنو عم عاصم))، وعن ابن مردويه
في مرسل ابن أبي ليلى المذكور؛ أن الرجل الذي رَمَى عويمر امرأته به هو
شَريك بن سَخْماء، وهو يشهد لصحة هذه الرواية؛ لأنه ابن عم عويمر، وكذا
في مرسل مقاتل بن حيّان عند أبي حاتم، فقال الزوج لعاصم: يا ابن عم أُقسم
بالله، لقد رأيت شَريك بن سَحْماء على بطنها، وإنها لحبلى، وما قربتها منذ
أربعة أشهر.
وفي حديث عبد الله بن جعفر، عند الدارقطنيّ لاعن بين عويمر
العجلانيّ، وامرأته، فأنكر حملها الذي في بطنها، وقال: هو لابن سَحْماء،
ولا يمتنع أن يُتَّهَم شريك بن سحماء بالمرأتين معاً.
وأما قول ابن الصباغ في ((الشامل)) أن المزني ذكر في ((المختصر)) أن
العجلانيّ قذف زوجته بشريك بن سحماء، وهو سهو في النقل، وإنما القاذف
بشريك: هلال بن أمية، فكأنه لم يعرف مستند المزنيّ في ذلك، وإذا جاء
الخبر من طُرُق متعددة، فإن بعضها يَعْضد بعضاً، والجمع ممكن، فيتعيّن
المصير إليه، فهو أولى من التغليط، ذكره في ((الفتح)) (١).
(فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني عن حكم رجل (يَا عَاصِمُ لَوْ أَنَّ رَجُلاً
وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً) كذا اقتصر على قوله: ((مع))، فاستعمل الكناية، فإن مراده
معية خاصّة، ومراده أن يكون وجده عند الرؤية (أَيَقْتُلُهُ) الهمزة فيه للاستفهام
على سبيل الاستخبار(٢). (فَتَقْتُلُونَهُ) أي: قصاصاً؛ لتقدم علمه بحكم
القصاص؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، لكنه
يطرقه احتمالُ أن يُخَصّ من ذلك ما يقع بالسبب الذي لا يقدر على الصبر عليه
غالباً، من الغيرة التي في طبع البشر، ولأجل هذا قال: ((أم كيف يفعل؟)).
وقد ثبت في ((الصحيحين)) استشكال سعد بن عبادة مثل ذلك، وقوله: ((لو
رأيته لضربته بالسيف غير مُصفح))، وقول النبيّ وَّ لهلال بن أميّة: ((أربعة
شهداء، وإلا فحدّ في ظهرك))، وذلك كلّه قبل أن ينزل اللعان.
(١) («الفتح» ١٧٠/١٢ - ١٧١.
(٢) ((عمدة القاري)) ٣٢٨/١٧.

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
وقد اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلاً، فقتله، هل يُقتل به، أم
لا؟ وسيأتي بيان ذلك في المسألة السابعة - إن شاء الله تعالى -.
(أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟) يَحْتَمِل أن تكون ((أم)) متّصلة، والتقدير: أم يصبر على
ما به من المضض؟ ويَحْتَمِل أن تكون منقطعة بمعنى الإضراب؛ أي: بل هناك
حكم آخر لا يعرفه، ويريد أن يطّلع عليه، فلذلك قال: ((سَلْ لي يا عاصم))،
وإنما خصّ عاصماً بذلك لما تقدّم من أنه كان كبير قومه، وصهره على ابنته،
أو ابن أخيه، ولعله كان اطّلع على مخايل ما سأل عنه، لكن لم يتحقّقه،
فلذلك لم يُفصح به، أو اطّلع حقيقة، لكن خَشِي إذا صرّح به من العقوبة التي
تضمّنها من رمي المحصنة بغير بيّنة، أشار إلى ذلك ابن العربيّ. قال: ويَحْتَمِل
أن يكون لم يقع له شيء من ذلك، لكن اتَّفَق أنه وقع في نفسه إرادة الاطلاع
على الحكم، فابتُلي به، كما يُقال: البلاء موكّلٌ بالمنطق، ومن ثمّ قال: إن
الذي سألتك عنه قد ابتُليت به.
وسيأتي في حديث ابن عمر ﴿ الآتي بعد هذا في قصّة العجلانيّ:
((فقال: أرأيت إن وجد رجلٌ مع امرأته رجلاً، فإن تكلّم به تكلّم بأمر عظيم،
وإن سكت سكت على مثل ذلك؟)).
وفي حديث ابن مسعود ظله عنده أيضاً: ((إن تكلّم جلدتموه، أو قتل
قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ))، وهذه أتمّ الروايات في هذا المعنى.
(فَسَلْ) أصله ((اسأل))، فنُقلت حركة الهمزة إلى السين، بعد حذفها
للتخفيف، واستُغني عن همزة الوصل، فحُذفت، فصار ((سَلْ))، على وزن ((فَلْ))
(لِي عَنْ ذَلِكَ يَا عَاصِمُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللهِ نَ ◌ّهِ، فَكّرِهَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ الْمَسَائِلَ، وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِم مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّ)
(كَبُرَ)) بفتح الكاف، وضمّ الموحّدة؛ أي: عظُمَّ، وزناً ومعنَى، وسببه أن
الحامل لعاصم على السؤال غيره، فاختصّ هو بالإنكار عليه، ولهذا قال
لعويمر لَمّا رجع، فاستفهمه عن الجواب: لم تأتني بخير.
وسبب كراهته ول ﴿ السؤال ما قاله الشافعيّ تَظُّ: كانت المسائل فيما لم
يَنزل فيه حكم زمن نزول الوحي ممنوعةً؛ لئلا ينزل الوحي بالتحريم فيما لم
يكن قبل ذلك مُحَرَّماً، فيحرم، ويشهد له الحديث المخرَّج في ((الصحيح)):

٣٥١
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
((أعظم الناس جُرْماً من سأل عن شيء لم يُحَرَّم، فحُرِّم من أجل مسألته)).
وقال النوويّ كَّلُ: المراد كراهة المسائل التي لا يُحتاج إليها، لا سيما
ما كان فيه هَتْك ستر مسلم، أو إشاعة فاحشة، أو شناعة عليه، وليس المراد
المسائل المحتاج إليها إذا وقعت، فقد كان المسلمون يسألون عن النوازل،
فيجيبهم * بغير كراهة، فلما كان في سؤال عاصم شناعة، ويترتب عليه تسليط
اليهود والمنافقين على أعراض المسلمين، كره مسألته، وربما كان في المسألة
تضييق، وكان ◌َّيه يحب التيسير على أمته، وشواهد ذلك في الأحاديث كثيرة،
وفي حديث جابر: ((ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة السؤال))، أخرجه الخطيب في
(المبهمات))، من طريق مُجالد، عن عامر، عنه (١).
(فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ، جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ
رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تَأْتِي بِخَيْرٍ) وقوله: (قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ وَهـ
الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا) جملة تعليليّة لكونه لم يأته بخير (قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ لَا
أَنْتَهِي) أي: لا أرجع عن السؤال، ولا أتركه، ولو نُهيت عنه، زاد ابن أبي ذئب
في روايته عن ابن شهاب، في هذا الحديث كما عند البخاريّ في ((الاعتصام)):
((فأنزل الله القرآن خلف عاصم))؛ أي: بعد أن رجع من عند رسول الله وَله،
وفي رواية ابن جريج: ((فأنزل الله في شأنه ما ذُكر في القرآن من أمر الملاعنة))،
وفي رواية إبراهيم بن سعد: ((فأتاه، فوجده قد أنزل الله عليه)).
(حَتَّى أَسْأَلَهُ) وَ (عَنْهَا) أي: عن هذه المسألة (فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى
رَسُولَ اللهِ ﴿) بالنصب على المفعوليّة (وَسَطَ النَّاسِ) بفتح السين، وبسكونها،
قاله في ((الفتح))(٢).
وقال المجد تَخُّْ: وَسَطُ الشيء مُحَرَّكةً: ما بين طرفيه، كأوسطه، فإذا
سُكّنت كانت ظرفاً، أو هما فيما هو مُصْمَتْ، كالْحَلْقة، فإذا كانت أجزاؤه
متباينةً فبالإسكان فقط، أو كلُّ موضع صَلَحَ فيه (بين)) فهو بالتسكين، وإلا
(٣)
فبالتحریك. انتھی
(١) ((الفتح)) ١٧٣/١٢.
(٣) ((القاموس المحيط)) ٣٩١/٢.
(٢) ((الفتح)) ١٧٣/١٢ - ١٧٤.

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
[فائدة مهمّة]: كتب المحقّق المرتضى تَظْثُ في ((شرح القاموس)) بحثاً
نفيساً في ضبط ((الوَسْطِ))، أحببت إيراده، وإن كان طويلاً؛ لنفاسته،
قال رخّلهُ :
وللشيخ أبي محمد بن بَرّيّ كَّثُ هنا كلام مفيدٌ لا يُستَغْنَى عن إيراده كلِّه؛
لحسنه، قال: اعلم أن الوسط بالتحريك اسم لِمَا بين طرفي الشيء، وهو منه،
كقولك: قبضت وَسَطَ الحبل، وكسرت وَسَط الرمح، وجلست وَسَط الدار،
ومنه المثل: ((يَرْتَقِي وَسَطاً، وَيَرْبِضُ حَجْرَةً))؛ أي: يَرتعي أوسط المرعى،
وخياره، ما دام القوم في خير، فإذا أصابهم شرٌّ اعتزلهم، ورَبَضَ حَجْرَة أي:
ناحيةً منعزلاً عنهم، وجاء الوَسَط محركاً أوسطه على وزان نقيضه في المعنى،
وهو الطَّرَف؛ لأن نقيض الشيء يتنزل منزلة نظيره في كثير من الأوزان، نحو
جَوْعَان، وشَبْعَان، وطَوِيل، وقَصِير، قال: ومما جاء على وزان نظيره قولهم:
الَحَرْدُ؛ لأنه على وزان الَقَصْد، والْحَرَدُ؛ لأنه على وزان نظيره، وهو الغَضَب،
يقال: حَرَدَ يَحْرِدُ حَرْداً، كما يقال: قَصَدَ يَقْصِدُ قَصْداً، ويقال: حَرِدَ يَحْرَد
حَرَداً، كما يقال: غَضِبَ يَغْضَبُ غَضَباً، وقالوا: الْعَجْم؛ لأنه على وزان
الْعَضِّ، وقالوا: الْعَجَم، لِحَبِّ الزبيب وغيره؛ لأنه وزان النَّوَى، وقالوا:
الْخِصْبُ، والْجَدْبُ؛ لأن وزانهما الْعِلم، والْجَهْل؛ لأن العلم يُحْيِي الناس،
كما يحييهم الْخِصْب، والجهل يُهْلِكهم كما يهلكهم الْجَدْب، وقالوا: الْمَنْسِرُ؛
لأنه على وزان الْمَنْكِب، وقالوا: الْمِنْسَرُ؛ لأنه على وزان الْمِخْلَب، وقالوا:
أدليت الدلو: إذا أرسلتها في البئر، ودَلَوتها: إذا جَذَبتها، فجاء أدلى على مثال
أرسل، ودَلا على مثال جَذَبَ، قال: فبهذا تعلم صحة قول من فَرّق بين الضَّرِّ،
والضُّرّ، ولم يجعلهما بمعنّى، فقال: الضَّرّ بإزاء النَّفْع الذي هو نقيضه، والضُرّ
بإزاء السُّقْم الذي هو نظيره في المعنى، وقالوا: فَاد يَفِيد جاء على وزان مَاسَ
يَمِيس: إذا تبختر، وقالوا: فَاد يَفُود، على وزان نظيره، وهو مات يموت،
والنَّفَاقُ في السوق، جاء على وزن الْكَسَاد، والنِّفَاق في الرجل، جاء على
وزان الْخِدَاعِ، قال: وهذا النحو في كلامهم كثيرٌ جدّاً.
قال: واعلم أن الوَسَطَ قد يأتي صفةً، وإن كان أصله أن يكون اسْماً من
جهة أن أوسط الشيء أفضله، وخياره، كوَسطُ المرعى خيرٌ من طرفيه، وكوسطُ

٣٥٣
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
الدابة للركوب خير من طرفيها؛ لتمكّن الراكب، ومنه الحديث: ((خيار الأمور
أوساطها))(١)، وقول الراجز:
إِذَا رَكِبْتُ فَاجْعَلَانِي وَسَطَا
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: عَدْلاً،
فهذا تفسير الوَسَط، وحقيقة معناه، وأنه اسم لما بين طرفي الشيء، وهو منه.
قال ابن بَرّيّ: وأما الوَسْط بسكون السين، فهو ظرفٌ، لا اسمٌ جاء على
وزان نظيره في المعنى، وهو ((بَيْنَ))، تقول: جلست وَسْطَ القوم؛ أي: بينهم،
ومنه قول أبي الأخزر الْحِمّانيّ [من الرجز]:
سَلُّومُ لَوْ أَصْبَحْتِ وَسْطَ الأَعْجَمِ
أي: بين الأعجم، وقال آخر [من الرجز]:
أَكْذَبُ مِنْ فَاخِتَةٍ تَقُولُ وَسْطَ الْكَرَبِ
وَالطَّلْعُ لَمْ يَبْدُ لَهَا هَذَا أَوَانُ الرُّطَبِ
وقال سَوّار بن الْمُضَرِّب [من البسيط]:
إِنِّي كَأَنِّي أَرَى مَنْ لَا حَيَاءَ لَهَ وَلَا أَمَانَةَ وَسْطَ النَّاسِ عُرْيَانًا
وفي الحديث: ((حتى أتى رسولَ الله وَّرِ وسط الناس))(٢) أي: بينهم.
ولما كانت ((بَيْنَ)) ظرفاً كانت ((وَسْطَ)) ظرفاً، ولهذا جاءت ساكنة
الأوسط؛ لتكون على وزانها، ولما كانت (بَيْن)) لا تكون بعضاً لما يضاف
إليها، بخلاف الوَسَط الذي هو بعضُ ما يضاف إليه، كذلك وَسْطُ لا تكون
بعضُ ما تضاف إليه، ألا ترى أن وَسَط الدار منها، ووسْط القوم غيرهم؟ ومن
ذلك قولهم: وَسَطُ رأسه صُلْبٌ؛ لأن وَسَط الرأس بعضُها، وتقول: وَسْطَ رأسه
دُهْرٌ، فتنصب وَسْطَ على الظرف، وليس هو بعض الرأس، فقد حصل لك
الفرق بينهما من جهة المعنى، ومن جهة اللفظ.
أما من جهة المعنى، فإنها تلزم الظرفية، وليست باسم متمكن يصحّ
رفعه، ونصبه، على أن يكون فاعلاً، ومفعولاً، وغير ذلك، بخلاف الْوَسَطِ.
(١) حديث ضعيف.
(٢) هذا من الحديث الذي نشرحه الآن.

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
وأما من جهة اللفظ، فإنه لا يكون من الشيء الذي يضاف إليه، بخلاف
الْوَسَط أيضاً.
فإن قلت: قد ينتصب الْوَسَط على الظرف، كما ينتصب الْوَسْطُ،
كقولهم: جلست وَسَطَ الدار، وهو يَرتعي وَسَطاً، ومنه ما جاء في الحديث؛
أنه كان يقف في الجنازة على المرأة وَسَطها .
فالجواب: أن نصب الْوَسَط على الظرف، إنما جاء على جهة الاتساع،
والخروج عن الأصل، على حدّ ما جاء الطريقَ، ونحوه، وذلك مثل قوله:
كَمَا عَسَلَ الظَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
وليس نصبه على الظرف على معنى ((بَيْنَ))، كما كان ذلك في ((وَسْطَ))،
ألا ترى أن وَسْطاً لازم للظرفية، وليس كذلك وَسَطّ، بل اللازم له الاسمية في
الأكثر والأعم، وليس انتصابه على الظرف، وإن كان قليلاً في الكلام، على
حدّ انتصاب الَوَسْط في كونه بمعنى (بَيْنَ))، فافهم ذلك.
قال: واعلم أنه متى دخل على وسْط حرف الوعاء، خرج عن الظرفية،
ورجعوا فيه إلى وَسَط، ويكون بمعنى وَسَط، كقولك: جلست في وَسْط
القوم، وفي وَسَط رأسه دُهْنٌ، والمعنى فيه مع تحرّكه، كمعناه مع سكونه، إذا
قلت: جلستُ وَسْطَ القوم، ووَسْطَ رأسه دُهن، ألا ترى أن وَسْط القوم بمعنى
وَسَط القوم، إلا أن وَسْطاً يلزم الظرفية، ولا يكون إلا اسْماً، فاستعير له إذا
خرج عن الظرفية الوَسْط على جهة النيابة عنه، وهو في غير هذا مخالف
لمعناه.
وقد يُستَعملِ الْوَسْط الذي هو ظرف اسْماً، ويبقى على سكونه، كما
استعملوا ((بَيْنَ)) اسماً على حكمها ظرفاً، في نحو قوله تعالى: ﴿لَقَد نَّقَطَّعَ
بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، قال الْقَتَّال الْكِلابيّ [من الكامل]:
هَتَفَتْ رَبِيعَةُ يَا بَنِي خَوَّارٍ
مِنْ وَسْطِ جَمْعٍ بَنِي قُرَيْظِ بَعْدَمَا
وقال عَدِيُّ بن زيد [من الخفيف]:
دَلِ حِيناً يَخْبُو وَحِيناً يَنِيرُ
وَسْطُهُ كَالْيَرَاعٍ أَوْ سَرُجِ الْمَجْـ
انتھی کلام ابن بريّ.

٣٥٥
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
وقال ابن الأثير في تفسير حديث: ((الجالسُ وَسْط الحلقة ملعون))(١)، ما
نَصُّه: الوَسْط بالتسكين، يقال فيما كان متفرق الأجزاء، غير متصل؛ كالناس،
والدوابّ، وغير ذلك، فإذا كان متصل الأجزاء؛ كالدار، والرأس، فهو
بالفتح، وكلُّ ما يصلح فيه ((بَيْنَ)) فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه (بَيْن))، فهو
بالفتح، وقيل: كلٌّ منهما يقع موقع الآخر، قال: وكأنه الأشبه، قال: وإنما
لُعِن الجالس وسط الحلقة؛ لأنه لا بدّ، وأن يستدبر بعض المحيطين به،
فيؤذيهم، فيلعنونه، ويذمُّونه.
قال المرتضى تَُّ: وقديماً كنت أسمع شيوخنا يقولون في الفرق بينهما
كلاماً شاملاً لما ذكروه، وهو: الساكن متحرِّك، والمتحرِّك ساكنٌ، وما فصّلناه
مُدَرَجٌ تحت هذا الكامن، وقال الصَّفَديّ في ((تاريخه)): أنشدني الشيخ جمال
الدين يوسف بن محمد الْعُقيليّ السُّرمَرّيّ لنفسه [من الخفيف]:
ءِ وَوَسْطٌ تَحْرِيكاً اوْ تَسْكِينَا
فَرْقُ مَا بَيْنَهُمْ وَسَطُ الشَّيْ
وَلِفِي حَرِّكَنْ تَرَاهُ مُبِينًا
مَوْضِعٌ صَالِحٌ لِبَيْنَ فَسَكِّنْ
وَسَطُ الدَّارِ كُلُّهُمْ جَالِسِينَا
كَجَلَسْتُ وَسْطَ الْجَمَاعَةِ إِذْ هُمْ
والله أعلم، وبه نستعين. انتهى ما كتبه المرضى تظُّ في ((شرح
القاموس))(٢)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدّاً، ولهذا نقلته بطوله، والله تعالى وليّ
التوفيق.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ، فَتَقْتُلُونَهُ؟
أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((قَدْ نَزَلَ فِيَكَ، وَفِي صَاحِبَتِك) ولفظ
البخاريّ: ((قد أنزل الله فيك، وفي صاحبتك))، قال الحافظ تَُّهُ: ظاهر هذا
السياق أنه كان تقدّم منه إشارة إلى خصوص ما وقع له مع امرأته، فيترجّح أحد
الاحتمالات التي أشار إليها ابن العربيّ.
لكن ظهر لي من بقية الطُّرُق أن في السياق اختصاراً، ويوضح ذلك ما
وقع في حديث ابن عمر ظها في قصة الْعَجلانيّ بعد قوله: ((إن تكلم تكلم بأمر
(١) حديث ضعيف، راجع: ((الضعيفة)) للشيخ الألبانيّ تَخَلَهُ ٢/ ٩٧.
(٢) راجع: ((تاج العروس من جواهر القاموس)) ٢٣٩/٥ - ٢٤٠.

٣٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك)): ((فسكت عنه النبيّ وَّر، فلما كان
بعد ذلك أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتُليت به))، فدَلّ على أنه لم
یذکر امرأته إلا بعد أن انصرف، ثم عاد.
ووقع في حديث ابن مسعود به أن الرجل لما قال: ((وإن سكت سكت
على غيظ))، قال النبيّ وَّر: ((اللهم افتح))، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان،
وهذا ظاهره أن الآية نزلت عقب السؤال، لكن يَحْتَمِل أن يتخلل بين الدعاء
والنزول زمن، بحيث يذهب عاصم، ويعود عويمر، وهذا كله ظاهر جدّاً في أن
القصة نزلت بسبب عويمر، ويعارضه حديث ابن عباس ﴿ه أن هلال بن أمية
قذف امرأته بشَرِيك بن سَحْماء، فقال النبيّ وَّهِ: ((البينةَ، أو حَدّ في ظهرك))،
فقال هلال: والذي بعثك بالحقّ إنني لصادق، ولَيُنزلنّ الله فِيّ ما يبرئ ظهري
من الحدّ، فنزل جبريل، فأنزل عليه: ﴿وَلَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الحديث.
وفي رواية عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذا
الحديث، عند أبي داود: ((فقال هلال: وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرَجاً،
قال: فبينا رسول الله ◌َ﴿ كذلك، إذ نزل عليه الوحي)).
وفي حديث أنس الآتي عند مسلم: ((أن هلال بن أمية قَذَف امرأته
بشَريك بن سَخْماء، وكان أخا البراء بن مالك لأمه، وكان أوّل رجل لاعن في
الإسلام))، فهذا يدلّ على أن الآية نزلت بسبب هلال، وقد تقدّم في المسألة
الثانية المذكورة أول ((كتاب اللعان)) بيان اختلاف أهل العلم في ذلك.
والأحسن في كيفية الجمع بينهما؛ أن يقال: إن هلال بن أميّة سأل أوّلاً ،
ثم سأل عويمرٌ، فنزلت في شأنهما معاً.
ومال الحافظ إلى ترجيح أن يكون عاصم سأل قبل النزول، ثم جاء هلال
بعده، فنزلت عند سؤاله، فجاء عويمر في المرة الثانية التي قال فيها: إن الذي
سألتك عنه قد ابتُليت به، فوجد الآية نزلت في شأن هلال، فأعلمه وصل* بأنها
نزلت فيه، يعني أنها نزلت في كل من وقع له ذلك؛ لأن ذلك لا يختص
بهلال، وكذا يجاب على سياق حديث ابن مسعود بأنه يَحْتَمِل أنه لَمَا شَرَع
يدعو بعد توجه العجلانيّ جاء هلال، فذكر قصته، فنزلت، فجاء عويمر،

٣٥٧
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
فقال: ((قد نزل فيك، وفي صاحبتك))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا))) يعني فذهَبَ فَأَتَّى بها، واستُدِلّ به على أن اللعان
يكون عند الحاكم، وبأمره، فلو تراضيا بمن يلاعن بينهما، فلاعن لم يصحّ؛
لأن في اللعان من التغليظ ما يقتضي أن يختص به الْحُكّام، وفي حديث ابن
عمر رَظُه: ((فتلاهنّ عليه)) أي: الآيات التي في سورة النور، ووعظه، وذَكَّره،
وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: ((لا، والذي بعثك
بالحقّ ما كذبت عليها، ثم دعاها، فوعظها، وذكّرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا
أهون من عذاب الآخرة، قالت: والذي بعثك بالحقّ إنه لكاذب)).
(قَالَ سَهْلٌ) ﴿به، وهو موصول بالسند المبدوء به (فَتَلَاعَنَا) فيه حذفٌ،
تقديره: فذهب، فأَتَى بها، فسألها، فأنكرت، فأَمَر باللعان، فتلاعنا (وَأَنَا مَعَ
النَّاسِ، عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَّ) زاد ابن جريج: ((في المسجد»، وزاد ابن إسحاق
في روايته عن ابن شهاب في هذا الحديث: ((بعد العصر))، أخرجه أحمد، وفي
حديث عبد الله بن جعفر: ((بعد العصر عند المنبر))، وسنده ضعيف.
واستدل بمجموع ذلك على أن اللعان يكون بحضرة الحكام، وبمجمع من
الناس، وهو أحد أنواع التغليظ، ثانيها: الزمان، ثالثها: المكان، وهذا التغليظ
مستحبّ، وقيل: واجب، قاله الحافظ تَظُّْ، وقال أيضاً:
[تنبيه]: لم أر في شيء من طرُق حديث سهل صفة تلاعنهما إلا ما في
رواية الأوزاعيّ، فإنه قال: ((فأمرهما بالملاعنة بما سَمَّى في كتابه))، وظاهره
أنهما لم يزيدا على ما في الآية، وحديث ابن عمر عند مسلم صريح في ذلك،
فإن فيه: ((فبدأ بالرجل، فشَهِد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة
أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثَنَّى بالمرأة ... )) الحديث.
وحديثُ ابن مسعود نحوه، لكن زاد فيه: ((فذهبت لتلتعن، فقال النبيّ ◌َّ:
مَهْ، فأَبَتْ، فالتعنت)).
وفي حديث أنس به عند أبي يعلى، وأصله في مسلم: («فدعاه
النبيّ وَّه، فقال: أتشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا؟ فشهد
(١) راجع: ((الفتح)) ١٧٤/١٢ - ١٧٥.

٣٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
بذلك أربعاً، ثم قال له في الخامسة: ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين،
ففعل، ثم دعاها، فذكر نحوه، فلما كان في الخامسة: سكتت سكتةً، حتى
ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على
القول)).
وفي حديث ابن عباس # من طريق عاصم بن كُليب، عن أبيه، عنه،
عند أبي داود، والنسائيّ، وابن أبي حاتم: ((فدعا الرجل، فشهد أربع شهادات
بالله إنه لمن الصادقين، فأَمَر به، فأُمسك على فيه، فوَعَظه، فقال: كلُّ شيء
أهون عليك من لعنة الله، ثم أرسله، فقال: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين،
وقال في المرأة نحو ذلك))، وهذه الطريق لم يُسَمَّ فيها الزوج، ولا الزوجة،
بخلاف حديث أنس، فصرَّح فيه بأنها في قصة هلال بن أمية، فإن كانت القصّة
واحدة، وقع الوهم في تسمية الملاعِن، كما جزم به غير واحد، فهذه زيادة من
ثقة، فتُعتَمد، وإن كانت متعددة، فقد ثبت بعضها في قصة امرأة هلال. انتهى
كلام الحافظ رَّتُ ببعض اختصار.
(فَلَمَّا فَرَغَا) زاد في رواية البخاريّ: ((من تلاعنهما)) (قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ
عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا) وفي رواية الأوزاعيّ: ((إن حبستها فقد
ظلمتها)).
(فَطَلَّقَهَا ثَلَاثاً قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ وَار) وفي رواية بن إسحاق: ((ظلمتها
إن أمسكتها، فهي الطلاق، فهي الطلاق))، قال في ((الفتح)): وقد تفرد بهذه
الزيادة، ولم يتابع عليها، وكأنه رواه بالمعنى؛ لاعتقاده منع جمع الطلقات
الثلاث بكلمة واحدة، واستُدِلّ بقوله: ((طلقها ثلاثاً)) أن الفرقة بين المتلاعنين
تتوقف على تطليق الرجل، كما نُقِل عن عثمان الْبَتّيّ.
وأجيب بقوله في حديث ابن عمر: فَرّق النبيّ وَّ بين المتلاعنين، فإن
حديث سهل، وحديث ابن عمر في قصة واحدة، وظاهر حديث ابن عمر أن
الفرقة وقعت بتفريق النبيّ ◌َلاقت .
وقد وقع في شرح مسلم للنوويّ ◌َثُ قوله: ((كذبت عليها يا رسول الله،
إن أمسكتها)) هو كلام مستقلّ، وقوله: ((فطلقها))؛ أي: ثم عَقَّبَ قوله ذلك
بطلاقها، وذلك لأنه ظن أن اللعان لا يُحرِّمها عليه، فأراد تحريمها بالطلاق،

٣٥٩
١٩ - كتاب اللعان - حديث رقم (٣٧٣٨)
فقال: هي طالق ثلاثاً، فقال له النبيّ وَير: ((لا سبيل لك عليها))؛ أي: لا مِلك
لك علیھا، فلا يقع طلاقك. انتهى.
قال الحافظ: وهو يوهم أن قوله: ((لا سبيل لك عليها)) وقع منه وَلّل
عَقِب قول الملاعن: هي طالق ثلاثاً، وأنه موجود كذلك في حديث سهل بن
سعد الذي شرحه، وليس كذلك، فإن قوله: ((لا سبيل لك عليها)) لم يقع في
حديث سهل، وإنما وقع في حديث ابن عمر، عقب قوله: ((الله يعلم أن
أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها))، وفيه: ((قال: يا رسول الله مالي ... ))
الحديث، كذا في ((الصحيحين)).
وظهر من ذلك أن قوله: ((لا سبيل لك عليها)) إنما استَدَلَّ مَن استَدَلّ به
من أصحابنا لوقوع الفرقة بنفس الطلاق، من عموم لفظه، لا من خصوص
السياق، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ كَذَتُهُ(١).
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ تَخَذَّقُ: (فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ) زاد أبو داود،
عن القعنبيّ، عن مالك: ((فكانت تلك))، وهي إشارة إلى الفُرْقة، وفي رواية ابن
جريج: ((فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله وَ الر حين فرغا من التلاعن،
ففارقها عند النبيّ وَّ، فقال: ذلك تفريق بين كل متلاعنين))، كذا للمستملي،
وللباقين: ((فكان ذلك تفريقاً))، وللكشميهنيّ: ((فصار))، بدل ((فكان))، وأخرجه
مسلم من طريق ابن جريج بلفظ: فقال النبيّ ◌َّر: ((ذلك التفريق بين كل
متلاعنين))، وهو يؤيد رواية المستملي، ومن طريق يونس، عن ابن شهاب، قال
بمثل حديث مالك، قال مسلم: لكن أدرج قوله: ((وكان فراقه إياها بعدُ سنّة
بين المتلاعنين))، وكذا ذكر الدارقطنيّ في ((غرائب مالك)) اختلاف الرواة على
ابن شهاب، ثم على مالك في تعيين من قال: ((فكان فراقها سنّةً))، هل هو من
قول سهل، أو من قول ابن شهاب؟ وذكر ذلك الشافعيّ، وأشار إلى أن نسبته
إلى ابن شهاب لا تمنع نسبته إلى سهل، ويؤيده ما وقع عند أبي داود، من
طريق عياض بن عبد الله الْفِهْريّ، عن ابن شهاب، عن سهل، قال: ((فطلقها
ثلاث تطليقات عند رسول الله وسلم، فأنفذه رسول الله وَطهور، وكان ما صنع عند
(١) ((الفتح)) ١٧٦/١٢ - ١٧٧.

٣٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب اللعان
رسول الله ◌َه سنّةً، قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله وَله، فمضت السنّة
بعدُ في المتلاعنين أن يفرّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبداً)).
فقوله: ((فمضت السنّة)) ظاهر في أنه من تمام قول سهل، ويَحْتَمِل أنه من
قول ابن شهاب، ويؤيده أن ابن جريج أورد قول ابن شهاب في ذلك بعد ذكر
حديث سهل، فقال بعدَ قوله: ((ذلك تفريق بين كل متلاعنين))، قال ابن جريج:
قال ابن شهاب: ((كانت السنّة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين)).
قال الحافظ نَّثُ: ثم وجدت في نسخة الصغانيّ في آخر الحديث: قال
أبو عبد الله(١): قوله: ((ذلك تفريق بين المتلاعنين)) من قول الزهريّ، وليس من
الحديث. انتهى، وهو خلافُ ظاهر سياق ابن جريج، فكأن البخاريّ رأى أنه
مُدْرَجٌ، فَنَبَّهَ عليه. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد ◌َّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٣٨ و٣٧٣٩ و٣٧٤٠] (١٤٩٢)،
و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٤٢٣) و((التفسير)) (٤٧٤٥) و((الطلاق)) (٥٣٠٩)
و((الأحكام)) (٧١٦٦) و((الاعتصام)) (٧٣٠٤)، و(أبو داود) في ((الطلاق))
(٢٢٤٧ و٢٢٤٨ و٢٢٥١)، و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (١٧٠/٦ و١٧١)،
و(ابن ماجه) في ((الطلاق)) (٢٠٦٦)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٤٥/٢
و٤٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٢٤٤٥ و١٢٤٤٦ و١٢٤٤٧)،
و(أحمد) في (مسند)) (٣٣٠/٥ و٣٣١ و٣٣٤ و٣٣٧)، و(مالك) في ((الموطإ))
(١٢٠١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٢٢٩)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٦٧٤
و ٥٦٧٨ و ٥٦٧٩ و٥٦٨٠ و٥٦٨١ و٥٦٨٢ و٥٦٨٤ و٥٦٨٥ و٥٦٨٦ و٥٦٨٧
و٥٦٨٨ و٥٦٨٩ و٥٦٩١ و٥٦٩٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٧٥٦
(١) هو الإمام البخاريّ تَُّهُ.
(٢) ((الفتح)) ١٧٧/١٢ رقم (٥٣٠٨).