النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
(٩) - بَابُ وُجُوبٍ الْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَتَحْرِيمِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٧٢٤)
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الله بن أبي بكر عن حُمَید.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّة، عن ثلاث صحابيّات، كلهنّ من
أمهات المؤمنين، وإحداهنّ أمها، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد ◌ًّا، وزعم ابن التين
أنها لا رواية لها عن رسول الله وَعليه، كذا قال، وقد أخرج لها مسلم حديثها:
((كان اسمي برّة، فسمّاني رسول الله وَّه زينب ... )) الحديث، وأخرج لها
البخاريّ حديثاً في ((المناقب))(١).
(أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ) التي بيّنتها في كلامها الآتي (قَالَ:
قَالَتْ زَيْنَبُ) ◌ِ﴿َا (دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ) رملة بنت أبي سفيان ◌ًَّا (زَوْجِ
النَّبِيِّ وَّهُ، حِينَ تُوُقِّيَ أَبُوهَا، أَبُو سُفْيَانَ) صخر بْنُ حَرْبٍ ◌َله، مات سنة
(٣٢هـ) عند الجمهور، وقيل: سنة ثلاث، ووقع عند البخاريّ في ((الجنائز)) من
رواية ابن عُيينة: (لَمّا جاء نَعْيُ أبي سفيان من الشام)).
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه مات بالمدينة، بلا خلاف بين أهل
الأخبار، ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك، إلا في رواية
ابن عيينة هذه، وأظنّها وهَماً، وكنت أظنّ أنه حذف منه لفظ ((ابن))؛ لأن الذي
جاء نعيه من الشام، وأمّ حبيبة في الحياة هو أخوها يزيد بن أبي سفيان الذي
كان أميراً على الشام، لكن رواه البخاريّ في ((العِدَد)) من طريق مالك، ومن
طريق سفيان الثوريّ، كلاهما عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن
حُميد بن نافع بلفظ: ((حين توفّي عنها أبوها، أبو سفيان بن حرب))، فظهر أنه
لم يسقط منه شيء، ولم يقل واحد منهما ((من الشام))، وكذا أخرجه ابن سعد
في ترجمة أم حبيبة، من طريق صفيّة بنت أبي عُبيد، عنها، ثم وجدت الحديث
في ((مسند ابن أبي شيبة))، قال: ((حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن حُميد بن نافع
ـ ولفظه: جاء نعي أخي أم حبيبة، أو حميم لها، فدعت بصفرة، فلطخت به
(١) راجع: ((الفتح)) ٢٣٠/١٢.

٣٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
ذراعيها)»، وكذا رواه الدارميّ عن هاشم بن القاسم، عن شعبة، لكن بلفظ:
((أن أخاً لأم حبيبة مات، أو حميماً لها))، ورواه أحمد عن حجاج، ومحمد بن
جعفر جميعاً، عن شعبة، بلفظ: ((أن حميماً لها مات))، من غير تردّد، وإطلاق
الحميم على الأخ أقرب من إطلاقه على الأب، فقوي الظنّ عند هذا أن القصّة
تعدّدت لزينب مع أمّ حبيبة عند وفاة أخيها يزيد، ثم عند وفاة أبيها أبي سفيان،
ولا مانع من ذلك. انتهى(١).
(فَدَعَتْ أُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ) أي: طلبت طيباً (فِيهِ صُفْرَةٌ) قال الفيّوميّ:
(الصُّفْرة)): لون دون الحمرة، والأصفر الأسود أيضاً. انتهى(٢)، وقوله:
(خَلُوقٌ) بدل من ((صُفرة))، وهو بفتح الخاء المعجمة، بوزن رَسُول: ما يُتخلّق
به من الطيب، قال بعض الفقهاء: وهو مائعٌ، فيه صُفْرة، قاله الفيّوميّ(٣) .
وقال النوويّ كَُّ: هو برفع (خَلُوقٌ))، وبرفع ((غيرُهُ))؛ أي: دعت بصفرة،
وهي خَلوقٌ، أو غيره، و((الْخَلُوق)): بفتح الخاء: طِيب مخلوط. انتهى(٤).
وقال النوويّ تَّقُ: ((الْخَلُوق)) بفتح الخاء المنقوطة: أنواع من الطيب
تُخلط بالزعفران، وهو العبير أيضاً (٥).
(أَوْ غَيْرُهُ) أي: غير الخلوق، من أنواع الطيب (فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً)
بالنصب، قال الحافظ: لم أعرف اسمها (ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا) أي: جانبي
وجهها، وجعل العارضين ماسحين تجوّزاً، والظاهر أنها جعلت الطيب في
يديها، ومسحتها بعارضيها، والباء للإلصاق، أو الاستعانة، و((مسح)) يتعدّى
بنفسه، وبالباء، تقول: مسحت برأسي، ومسحت رأسي.
وفي ((الإكمال)): قال ابن دريد: العارضان صفحتا العنق، وما بعده
الأسنان.
وفي ((كتاب العين)): عارضة الوجه: ما يبدو منه، ومبسما الوجه والثنايا،
والمراد هنا الأول.
(١) ((الفتح)) ٢١/٤.
(٣) ((المصباح المنير)) ١٨٠/١.
(٥) ((المفهم)) ٢٨٢/٤ - ٢٨٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٣٤٢/١.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٠/ ١١٣.

٣٠٣
(٩) - بَابُ وُجُوبٍ الْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَتَحْرِيمِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٧٢٤)
وقال القرطبيّ كَّثهُ في ((المفهم)): أصل العوارض: الأسنان، وسُمِّيت
الخدود عوارض؛ لأنها عليها، من باب تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوزه،
أو كان منه بسبب، والعارضان هنا هما: الخدّان. انتهى (١).
وقال النوويّ كَُّهُ: قوله: ((مست بعارضيها)): هما جانبا الوجه، فوق
الذَّقَن إلى ما دون الأذن، وإنما فَعَلت هذا؛ لدفع صورة الإحداد، وفي هذا
الذي فعلته أم حبيبة، وزينب # مع الحديث المذكور دلالة لجواز الإحداد
على غير الزوج ثلاثة أيام، فما دونها. انتهى(٢).
(ثُمَّ قَالَتْ) أمّ حبيبة ◌ِّ (وَاللّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ) ((من)) زائدة،
وفي رواية: ((حاجةٌ)) (غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقَولُ عَلَى الْمِنْبَرِ) أي:
حال كونه قائماً على المنبر ((لَا يَحِلُّ) نفي بمعنى النهي، للتأكيد، واستُدلّ به
على تحريم الإحداد على غير الزوج، وهو واضحٌ، وعلى وجوب الإحداد
المدّةَ المذكورةَ على الزوج.
واستُشكل بأن الاستثناء وقع بعد النفي، فيدلّ على الحلّ فوق الثلاث
على الزوج، لا على الوجوب.
وأجيب بأن الوجوب استُفيد من دليل آخر؛ كالإجماع.
ورُدّ بأن المنقول عن الحسن البصريّ أن الإحداد لا يجب، أخرجه ابن
أبي شيبة، ونَقَلَ الخلّال بسنده عن أحمد، عن هُشيم، عن داود، عن الشعبيّ؛
أنه كان لا يعرف الإحداد.
قال أحمد: ما كان بالعراق أشدّ تبخّراً من هذين - يعني الحسن والشعبيّ -
قال: وخفي ذلك عليهما. انتهى.
ومخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج، وإن كان فيها ردّ على من ادّعى
الإجماع، وفي أثر الشعبيّ تعقّبٌ على ابن المنذر، حيث نفى الخلاف في
المسألة، إلا عن الحسن.
(١) ((المفهم)) ٢٨٢/٤ - ٢٨٣، و((شرح الزرقانيّ على الموطإ)) ٢٣٠/٣ - ٢٣١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠/ ١١٣.

٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
وأيضاً فحديث التي شَكَت عينها - وهو الثالث من الأحاديث المذكورة
هنا - دالٌ على الوجوب، وإلا لم يمنع التداوي المباح.
وأجيب أيضاً بأن السياق يدلّ على الوجوب، فإن كلّ ما منع منه إذا دلّ
دليلٌ على جوازه كان ذلك الدليل دالّاً بعينه على الوجوب؛ كالختان، والزيادة
على الركوع في الكسوف، ونحو ذلك، قاله في ((الفتح))(١).
(لِمْرَأَةٍ) تمسّك بمفهومه الحنفيّة، فقالوا: لا يجب الإحداد على
الصغيرة، وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليها، كما تجب العدّة،
وأجابوا عن التقييد بالمرأة أنه خرج مخرج الغالب، وعن كونها غير مكلّفة؛
لأن الولي هو المخاطب بمنعها مما تُمنع منه المعتدّة، ودخل في عموم قوله:
((امرأة)) المدخول بها، وغير المدخول بها حرّة كانت، أو أمة، ولو كانت
مبعّضة، أو مكاتَبة، أو أم ولد إذا تُوُفّي عنها زوجها، لا سيّدها لتقييده في
الخبر، خلافاً للحنفيّة.
(تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) استدلّ النسائيّ تَظْتُ بهذا على اختصاص
الإحداد بالمسلمة، فترجَم بقوله: ((تركُ الزينة للحادّة المسلمة، دون اليهوديّة
والنصرانيّة))، وبه قال الحنفيّة، وبعض المالكيّة، وأبو ثور؛ وذلك لتقييده
بالإيمان.
وأجاب الجمهور بأنه ذُكِر تأكيداً للمبالغة في الزجر، فلا مفهوم له، كما
يقال: هذا طريق المسلمين، وقد يسلكه غيرهم.
وأيضاً فالإحداد من حقّ الزوج، وهو ملتحق بالعدة في حفظ النسب،
فتدخل الكافرة في ذلك بالمعنى كما دخل الكافر في النهي عن السَّوْم على سَوْم
أخيه، ولأنه حقّ للزوجية، فأشبه النفقة والسكنى.
ونقل السبكيّ في فتاويه عن بعضهم أن الذميّة داخلة في قوله: ((تؤمن
بالله، واليوم الآخر))، ورَدّ على قائله، وبيّن فساد شبهته، فأجاد.
وقال النوويّ: قيّد بوصف الإيمان؛ لأن المتّصف به هو الذي ينقاد
للشرع، قال ابن دقيق العيد: والأول أولى، وفي رواية عند المالكيّة أن الذّمّيّة
(١) ((الفتح)) ٢٣٠/١٢ - ٢٣١.

٣٠٥
(٩) - بَابُ وُجُوبٍ الْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَتَحْرِيمِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٧٢٤)
المتوفّى عنها تعتدّ بالأقراء، قال ابن العربيّ: هو قول من قال: لا إحداد
عليها .
(تَجِدُّ) بضم أوله، من الإحداد رباعيّاً، وبفتحه، من الحدّ، ثلاثيّاً، وهو
على حذف ((أن)) المصدريّة، ورفع الفعل، وهو مقيس، كما في قوله رَت:
﴿َوَمِنْ ءَايَتِهِ، يُرِيكُمُ الْبَّقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وهو في تأويل المصدر فاعل
((يحلّ))؛ أي: لا يحل لها الإحداد (عَلَى مَيْتٍ) بسكون الياء، وتشديدها،
واستُدِلّ به لمن قال: لا إحداد على امرأة المفقود؛ لأنه لم تتحقّق وفاته،
خلافاً للمالكية (فَوْقَ ثَلَاثٍ) يعني ثلاث ليال، ولذا ذكّر العدد؛ لكون المعدود
مؤنثاً، فتنبّه.
وقال ابن بطّال كثّفُ: أباح الشارع للمرأة أن تحدّ على غير الزوج ثلاثة
أيام؛ لِمَا يَغْلِب من لَوْعة الحزن، ويهجُمُ من أليم الوجد، وليس واجباً؛
للاتفاق على أن الزوج لو طالبها بالجماع لم يحلّ لها منعه في تلك الحالة.
وقال القرطبيّ تَخْتُ: ويستفاد منه أن المرأة إذا مات حميمها، فلها أن
تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة، تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر
ثالثها، فإن مات حميمها في بقيّة يوم أو ليلة ألغتها، وحسبت من الليلة القابلة
المستأنفة. انتهى(١).
(إِلَّ عَلَى زَوْج) أُخِذَ من هذا الحصر أن لا يُزاد على الثلاث في غير
الزوج أباً كان أو غيَّره.
وأما ما أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) من رواية عمرو بن شعيب ((أن
النبيّ ◌َ﴾ رخّص للمرأة أن تحدّ على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة
أيام))، فلو صحّ لكان خصوص الأب يخرج من هذا العموم، لكنه مرسلٌ، أو
معضل؛ لأن جلّ رواية عمرو بن شعيب عن التابعين، ولم يرو عن أحد من
الصحابة، إلا الشيء اليسير عن بعض صغار الصحابة.
ووهم بعض الشّرّاح، فتعقّب أبا داود تخريجه في ((المراسيل))، فقال:
عمرو بن شعيب ليس تابعيّاً، فلا يخرّج حديثه في المراسيل.
(١) ((المفهم)) ٢٨٤/٤.

٣٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
وهذا التعقّب مردود لما سبق؛ ولاحتمال أن يكون أبو داود كان لا
يخصّ المراسيل(١) برواية التابعيّ، كما هو منقول عن غيره أيضاً.
واستُدلّ به للأصحّ عند الشافعيّة في أن لا إحداد على المطلّقة، فأما
الرجعيّة، فلا إحداد عليها إجماعاً، وإنما الاختلاف في البائن، فقال الجمهور:
لا إحداد عليها، وقالت الحنفيّة، وأبو عُبيد، وأبو ثور: عليها الإحداد؛ قياساً
على المتوفّى عنها، وبه قال بعض الشافعيّة، والمالكيّة.
واحتجّ الأولون بأن الإحداد شُرع لأن تركه من التطيب، واللبس،
والتزيّن، يدعو إلى الجماع، فمُنعت المرأة منه زجراً لها عن ذلك، فكان ذلك
ظاهراً في حقّ الميت؛ لأنه يمنعه الموت عن منع المعتدّة منه عن التزويج، ولا
تراعيه هي، ولا تخاف منه، بخلاف المطلّق الحيّ في كلّ ذلك، ومن ثَمّ
وجبت العدّة على كلّ متوفّى عنها، وإن لم تكن مدخولاً بها، بخلاف المطلّقة
قبل الدخول، فلا إحداد عليها اتفاقاً، وبأن المطلّقة البائن يمكنها العود إلى
الزوج بعينه بعقد جديد.
وتُعُقّب بأن الملاعنة لا إحداد عليها .
وأجيب بأن تركه لفقدان الزوج بعينه، لا لفقدان الزوجيّة.
واستدلّ به على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث
ليال، فما دونها، وتحريمه فيما زاد عليها، وكأن هذا القدر أُبيح لأجل حظّ
النفس، ومراعاتها، وغلبة الطباع البشريّة، ولهذا تناولت أمّ حبيبة، وزينب بنت
جحش ◌ًا الطيب؛ لتخرجا عن عُهدة الإحداد، وصرّحت كلّ منهما بأنها لم
تتطيّب لحاجة، إشارةً إلى أن آثار الحزن باقيةٌ عندهما، لكنهما لم يسعهما إلا
امتثال الأمر.
(أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)) قال القرطبيّ: ((أربعة)) منصوب على الظرف،
والعامل فيه ((تحدّ))، و((عشراً)) معطوف عليه. انتهى(٢).
(١) قال الجامع: هذا هو الحقّ، فإنك لا ترى في عبارة أبي داود، وكذا النسائيّ إلا
أنهم يُطلقون المرسل على المنقطع، ولا يعبّرون بلفظ المنقطعة، فتنبّه.
(٢) «المفهم)) ٢٨٤/٤.

٣٠٧
(٩) - بَابُ وُجُوبٍ الْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَتَحْرِيمِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٧٢٤)
وقال الطيبيّ: الاستثناء في قوله: ((إلا على زوج)) متّصل، إذا جعل قوله:
((أربعة أشهر)) منصوباً بمقدّر، بياناً لقوله: ((فوق ثلاث))؛ أي: أعني، أو أذكر،
فهو من باب قوله: ((ما اخترت إلا منكم رفيقاً))؛ لكون ما بعد ((إلا)) شيئين،
فيقدّم المفسّر، أعني ((أربعة أشهر)) على الاستثناء، تقديره: لا تحدّ المرأة على
ميت فوق ثلاث، أعني أربعة أشهر، إلا على زوج، أو من قولك: ما ضرب
أحدٌ أحداً إلا زيدٌ عمراً، وإذا جُعل معمولاً لـ ((تحدّ)) مضمراً، كان منقطعاً،
فالتقدير: لا تحدّ امرأة على ميت، فوق ثلاث، لكن تحدّ على زوج أربعة
أشهر. انتهى (١).
قيل: الحكمة في كونه أربعة أشهر وعشراً أن الولد يتكامل تخليقه، وتنفخ
فيه الروح بعد مضيّ مائة وعشرين يوماً، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان
الأهلّة، فجُبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط، وذَكَرَ العشر مؤنّثاً؛ لإرادة
الليالي، والمراد مع أيامها عند الجمهور، فلا تحلّ حتى تدخل الليلة الحادية
عشرة، وعن الأوزاعيّ، وبعض السلف: تنقضي بمضيّ الليالي العشر بعد مضيّ
الأشهر، وتحلّ في أول اليوم العاشر.
واستُثنيت الحامل كما تقدّم شرح حالها في الكلام على حديث سُبيعة
بنت الحارث الأسلميّة پا.
وقد ورد في حديث قويّ الإسناد، أخرجه أحمد، وصححه ابن حبّان،
عن أسماء بنت عُميس ◌ّا، قالت: ((دخل عليّ رسول الله وَّر اليوم الثالث من
قتل جعفر بن أبي طالب، فقال: لا تُحدّي بعد يومك هذا))، لفظ أحمد، وفي
رواية له، ولابن حبّان، والطحاويّ: ((لَمّا أُصيب جعفر أتانا رسول الله وَلَّهِ،
فقال: تَسَلّبي ثلاثاً، ثم اصنعي ما شئت)).
قال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): ظاهره أنه لا يجب الإحداد
على المتوفّى عنها بعد اليوم الثالث؛ لأن أسماء بنت عُميس، كانت زوج
جعفر بن أبي طالب بالاتفاق، وهي والدة أولاده: عبد الله، ومحمد، وعون،
وغيرهم، قال: بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز.
(١) ((شرح المشكاة)) ٦/ ٣٦٥.

٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
وأجاب بأن هذا الحديث شاذّ مخالفٌ الأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا
على خلافه، قال: ويحتمل أن يقال: إن جعفراً قُتل شهيداً، والشهداء أحياء
عند ربّهم، قال: وهذا ضعيف؛ لأنه لم يرد في حقّ غير جعفر، من الشهداء،
ممن قُطع بأنهم شُهداء، كما قُطع لجعفر، كحمزة بن عبد المطّلب عمه،
وكعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر. انتهى كلام العراقيّ، ملخّصاً.
وأجاب الطحاويّ بأنه منسوخ، وأن الإحداد كان على المعتدة في بعض
عدّتها في وقت، ثم أمرت بالإحداد أربعة أشهر وعشراً، ثم ساق أحاديث
الباب، وليس فيها ما يدلّ على ما ادَّعاه من النسخ، لكنّه يُكثر من ادِّعاء النسخ
بالاحتمال، فجرى على عادته، ويَحْتَمِل وراء ذلك أجوبة أخرى:
[أحدها]: أن يكون المراد بالإحداد المقيّد بالثلاث قدراً زائداً على
الإحداد المعروف، فَعَلَتْه أسماء مبالغة في حزنها على جعفر، فنهاها عن ذلك
بعد الثلاث.
[ثانيها]: أنها كانت حاملاً، فوضعت بعد ثلاث، فانقضت العدّة، فنهاها
بعدها عن الإحداد، ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى: ((ثلاثاً))؛ لأنه
يُحمل على أنه وّلهم اطلع على أن عدّتها تنقضي عند الثلاث.
[ثالثها]: لعله كان أبانها بالطلاق قبل استشهاده، فلم يكن عليها إحداد.
[رابعها]: أن البيهقيّ أَعَلّ الحديث بالانقطاع، فقال: لم يثبت سماع
عبد الله بن شدّاد من أسماء، وهذا تعليلٌ مدفوع، فقد صححه أحمد، لكنه
قال: إنه مخالفٌ الأحاديث الصحيحة في الإحداد.
وهو مصير منه إلى أنه يُعلّه بالشذوذ، وذكر الأثرم أن أحمد سُئل عن
حديث حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر، رفعه: ((لا إحداد فوق ثلاث))؟ فقال:
هذا منكر، والمعروف عن ابن عمر من رأيه. انتهى.
وهذا يَحْتَمِل أن يكون لغير المرأة المعتدّة، فلا نكارة فيه، بخلاف
حديث أسماء، والله أعلم.
وأغرب ابن حبّان، فساق الحديث بلفظ: ((تسلّمي)) بالميم، بدل
الموحّدة، وفسّره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله، ولا مفهوم لتقييدها بالثلاث، بل

٣٠٩
(٩) - بَابُ وُجُوبٍ الْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَتَحْرِيمِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٧٢٤)
الحكمة فيه كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشدّ، فلذلك قيّدها بالثلاث، هذا
معنى كلامه، فصحّف الكلمة، وتكلّف لتأويلها .
وقد وقع في رواية البيهقيّ وغيره: ((فأمرني رسول الله و لو أن أتسلّب
ثلاثاً))، فتبيّن خطؤه، قاله في (الفتح))(١).
(قَالَتْ زَيْنَبُّ) ◌ًَّا، بالسند السابق، وهذا هو الحديث الثاني (ثُمَّ دَخَلْتُ
عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) أم المؤمنين
ـا .
قال في ((الفتح)): وظاهره أن هذه القصّة وقعت بعد قصّة أم حبيبة ضًا،
ولا يصحّ ذلك إلا إن قلنا بالتعدّد، ويكون ذلك عقب وفاة يزيد بن أبي سفيان؛
لأن وفاته سنة ثمان عشرة، أو تسع عشرة، ولا يصحّ أن يكون ذلك عند وفاة
أبيه؛ لأن زينب بنت جحش ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين، على
الصحيح المشهور عند أهل العلم بالأخبار، فيُحْمَل على أنها لم تُرِد ترتيب
الوقائع، وإنما أرادت ترتيب الأخبار.
وقد وقع في رواية أبي داود بلفظ: ((ودخلت))، وذلك لا يقتضي الترتيب،
والله أعلم. انتهى.
(حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا) قال الحافظ تَّتُهُ: لم أتحقّق من المراد به؟ لأن
لزينب ثلاثة إخوة: عبد الله، وعبد، بغير إضافة، وعبيد الله بالتصغير، فأما
المكبّر، فاستُشهد بأحد، وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدّاً؛ لأن أباها أبا سلمة
مات بعد بدر، وتزوّج النبيّ ◌َ﴿ أمها، أم سلمة، وهي صغيرة تَرْضَع، فقد ثبت
أن أمها حلّت من أبي سلمة بوضع زينب هذه، فانتفى أن يكون هو المراد هنا،
وإن كان وقع في كثير من ((الموّآت)) بلفظ: ((حين توفّي أخوها عبد الله))، كما
أخرجه الدارقطنيّ من طريق ابن وهب وغيره عن مالك.
وأما عبدٌ بغير إضافة، فيُعرف بأبي أحمد(٢)، وكان شاعراً أعمى، وعاش
(١) ((الفتح)) ٢٣٢/١٢ - ٢٣٤.
(٢) هذا هو المعروف في السِّيَر، ووقع في نسخة ((الفتح)): أبو حميد، وهو تصحيف،
وقد وقع في ((عمدة القاري)) على الصواب، راجعه ٦٦/٨.

٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
إلى خلافة عمر رظُه، وقد جزم ابن إسحاق وغيره من أهل العلم بالأخبار بأنه
مات بعد أخته زینب بسنة.
وروى ابن سعد في ترجمتها في ((الطبقات)) من وجهين أن أبا أحمد
المذكور حضر جنازة زينب مع عمر ظلاله، وحكي عنه مراجعة له بسببها، وإن
كان في إسنادهما الواقديّ، لكن يُستشهد به في مثل هذا، فانتفى أن يكون هذا
الأخير المراد.
وأما عُبيد الله المصغّر، فأسلم قديماً، وهاجر بزوجته أم حبيبة بنت أبي
سفيان إلى الحبشة، ثم تنصّر هناك، ومات، فتزوّج النبيّ وَّ بعده أم حبيبة،
فهذا يَحْتَمِل أن يكون هو المراد؛ لأن زينب بنت أبي سلمة عندما جاء الخبر
بوفاة عبيد الله، كانت في سنّ من يَضبط، ولا مانع أن يحزن المرء على قريبه
الكافر، ولا سيّما إذا تذكّر سوء مصيره، ولعلّ الرواية التي في ((الموظّا)): ((حين
توفّي أخوها عبد الله)) كانت بالتصغير، فلم يَضبطها الكاتب، والله أعلم.
ويعكُر على هذا قول من قال: إن عُبيد الله مات بأرض الحبشة، فتزوّج
النبيّ وَّ أم حبيبة، فإن ظاهرها أن تزويجها كان بعد موت عُبيد الله، وتزويجها
وقع بأرض الحبشة، وقبل أن تسمع النهي.
وأيضاً ففي السياق: ((ثم دخلت على زينب)) بعد قولها: ((دخلت على أم
حبيبة))، وهو ظاهر في أن ذلك كان بعد موت قريب زينب بنت جحش
المذكور، وهو بعد مجيء أم حبيبة من الحبشة بمدّة طويلة، فإن لم يكن هذا
الظنّ هو الواقع احتمل أن يكون أخاً لزينب بنت جحش من أمها، أو من
الرضاعة، أو يُرجّح ما حكاه ابن عبد البرّ وغيره من أنّ زينب بنت أبي سلمة
وُلدت بأرض الحبشة، فإن مقتضى ذلك أن يكون لها عند وفاة عبد الله بن جحش
أربع سنين، ومثلها يَضبط في مثلها، والله أعلم. قاله في ((الفتح))(١).
(فَدَعَتْ بِطِيبٍ، فَمَسَّتْ مِنْهُ) وفي رواية ((به)) أي: مسّت جسدها من ذلك
الطيب، أو بذلك الطيب (ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ) وفي رواية: ((أما والله)) (مَا لِي
بِالطِّيبٍ مِنْ حَاجَةٍ) وفي رواية بحذف ((من) (غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ،
(١) راجع: ((الفتح)) ٢٢/٤ - ٢٣ (كتاب الجنائز)) رقم (١٢٨١).

٣١١
(٩) - بَابُ وُجُوبٍ الْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَتَحْرِيمِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٧٢٤)
يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُحِدُّ) تقدّم أنه بفتح
أوله، وضمه، وأنه على تقدير حرف مصدريّ، وهو في تأويل المصدر فاعل
(حلّ)) (عَلَى مَيْتٍ، فَوْقَ ثَلَاثٍ) أي: ثلاث لَيَالٍ (إِلَّا عَلَى زَوْجِ) أي: فتحدّ عليه
(أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْراً))) أي: أيامها، عند الجمهور، وقيل: عشّر ليال، وقد تقدم
تفصيل الخلاف في ذلك.
(قَالَتْ زَيْنَبُ) بالسند السابق، وهذا هو الحديث الثالث (سَمِعْتُ أُمِّ أُمَّ
سَلَمَةَ) أي: أم المؤمنين هند بنت أبي أميّة المخزوميّة ﴿هَا (تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ)
زاد في رواية الليث، عن حميد بن نافع: ((جاءت امرأة من قريش»، وسمّاها
ابن وهب في ((موّئه))، وأخرجه إسماعيل القاضي في ((أحكامه)) من طريق
عاتكة بنت نعيم بن عبد الله، أخرجه ابن وهب: ((عن أبي الأسود النوفليّ، عن
القاسم بن محمد، عن زينب، عن أمها، أم سلمة؛ أن عاتكة بنت نُعيم بن
عبد الله، أتت تستفتي رسول الله وَل﴿ه، فقالت: إن ابنتي تُوفّي عنها زوجها،
وكانت تحت المغيرة المخزوميّ، وهي تحدّ، وتشتكي عينها ... )) الحديث،
وهكذا أخرجه الطبرانيّ من رواية عمران بن هارون الرمليّ، عن ابن لهيعة،
لكنه قال: ((بنت نُعيم))، ولم يسمّها. وأخرجه ابن منده في ((المعرفة)) من طريق
عثمان بن صالح ((عن عبد الله بن عُقبة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن
حميد بن نافع، عن زينب، عن أمها، عن عاتكة بنت نُعيم، أخت عبد الله بن
نعيم، جاءت إلى رسول الله وَّر، فقالت: إن ابنتها تُوفّي زوجها ... ))
الحديث، وعبد الله بن عقبة هو ابن لَهِيعة، نسبه لجدّه، ومحمد بن عبد الرحمن
هو أبو الأسود، فإن كان محفوظاً فلابن لهيعة طريقان، ولم تسمّ البنت التي
توفّي زوجها، قال الحافظ تَُّ: ولم تُنسب فيما وقفت عليه، وأما المغيرة
المخزوميّ، فلم أقف على اسم أبيه، وقد أغفله ابن منده في ((الصحابة))، وكذا
أبو موسى في ((الذيل)) عليه، وكذا ابن عبد البرّ، لكنه استدركه ابن فتحون
عليه. انتهى كلام الحافظ(١).
(إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا،
(١) ((الفتح)) ٢٣٤/١٢.

٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا) قال النوويّ كَْتُهُ: هو برفع النون، ووقع في بعض الأصول
((عيناها)) بالألف. انتهى(١).
وقال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان ضمّ النون على الفاعليّة على أن
تكون العين هي المشتكية، وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل،
وهي المرأة، ورجّح هذا. ووقع في بعض الروايات: ((عيناها)) يعني ويرجّح
الضمّ، وهذه الرواية في مسلم(٢)، وعلى الضمّ اقتصر النوويّ، وهو الأرجح،
والذي رجّح الأول هو المنذريّ.
(أَفَأَكْحُلُهَا؟) بضمّ الحاء المهملة، من باب قتل (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ كلِّ:
(لَ))، مَرّتَيْنٍ، أَوْ ثَلَاثاً) أي: سألته عن ذلك مرتين، أو ثلاث مرّات (كُلُّ ذَلِكَ
يَقُولُ: لَا) وفي رواية شعبة، عن حميد بن نافع، فقال: ((لا تكتحل))، قال
النوويّ: فيه دليلٌ على تحريم الاكتحال على الحادة، سواء احتاجت إليه، أم
لا، وجاء في حديث أم سلمة رضيّا في ((الموطا)) وغيره: ((اجعليه بالليل،
وامسحیه بالنهار)).
ووجه الجمع أنها إذا لم تحتج إليه لا يحلّ، وإذا احتاجت لم يجز
بالنهار، ويجوز بالليل، مع أن الأولى تركه، فإن فعلت مسحته بالنهار.
قال: وتأوّل بعضهم حديث الباب على أنه لم يتحقّق الخوف على عينها .
وتُعُقّب بأن في حديث شعبة المذكور ((فخشُوا على عينها))، وفي رواية
ابن منده المتقدّم ذكرها: ((رَمِدت رَمَداً شديداً، وقد خَشِيت على بصرها))، وفي
رواية الطبرانيّ أنها قالت في المرّة الثانية: ((إنها تشتكي عينها فوق ما يظنّ،
فقال: لا))، وفي رواية القاسم بن أصبغ، أخرجها ابن حزم: ((إني خشيت أن
تنفقئ عينها، قال: لا، وإن انفقأت))، وسنده صحيح، وبمثل ذلك أفتت أسماء
بنت عُميس، أخرجه ابن أبي شيبة، وبهذا قال مالك في رواية عنه بمنعه
مطلقاً، وعنه يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه، وبه قال الشافعيّة
مقيّداً بالليل.
(١) (شرح النوويّ)) ١١٣/١٠.
(٢) هو في بعض نسخ مسلم، كما نبّه عليه النوويّ تَّثُ.

٣١٣
(٩) - بَابُ وُجُوبٍ الْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَتَحْرِيمِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٧٢٤)
وأجابوا عن قصّة المرأة باحتمال أنه كان يحصل لها البرء بغير الكحل؛
كالتضميد بالصبر ونحوه.
وقد أخرج ابن أبي شيبة عن صفيّة بنت أبي عبيد أنها أحدّت على ابن
عمر، فلم تكتحل حتى كادت عيناها تزيغان، فكانت تقطر فيهما الصبر.
ومنهم من تأول النهي على كحل مخصوص، وهو ما يقتضي التزيّن به؛
لأن محض التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه، فلم ينحصر فيما فيه زينة.
وقالت طائفة من العلماء: يجوز ذلك، ولو كان فيه طيب، وحملوا النهي
على التنزيه؛ جمعاً بين الأدلّة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالمنع مطلقاً هو الصواب؛ لقوة
أدلته، والله تعالى أعلم.
(ُمَّ قَالَ) بَّهِ ((إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ) ووقع في ((البخاريّ: ((أربعةَ
أشهر وعشراً)) بالنصب، قال في ((الفتح)): كذا في الأصل بالنصب على حكاية
لفظ القرآن، ولبعضهم بالرفع، وهو أوضح.
وقال ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى تقليل المدّة بالنسبة لما كان قبل
ذلك، وتهوين الصبر عليها، ولهذا قال بعده.
(وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ))) وفي
التقييد بالجاهليّة إشارة إلى أن الحكم في الإسلام صار بخلافه، وهو كذلك
بالنسبة لما وصف من الصنيع، لكن التقدير بالحول استمرّ في الإسلام بنصّ
قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةُ لِّأَزْوَجِهِم مَّتَدعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، ثم نُسخت بالآية
التي قبلُ، وهي: ﴿يَتَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
وقال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت
إحداكنّ في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول)) معناه: لا تستكثرن العدّة،
ومنع الاكتحال فيها، فإنها مدة قليلة، وقد خُفِّفت عنكنّ، وصارت أربعة أشهر
وعشراً، بعد أن كانت سنة، وفي هذا تصريح بنسخ الاعتداد سنةً المذكورِ في
سورة البقرة في الآية الثانية.
وأما رميها بالبعرة على رأس الحول، فقد فَسَّره في الحديث، قال بعض
العلماء: معناه: أنها رمت بالعدّة، وخرجت منها؛ كانفصالها من هذه البعرة،

٣١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
ورميها بها، وقال بعضهم: هو إشارة إلى أن الذي فعلته، وصبرت عليه، من
الاعتداد سنةً، ولبسها شرّ ثيابها، ولزومها بيتاً صغيراً هَيِّنٌ بالنسبة إلى حقّ
الزوج، وما يستحقه من المراعاة، كما يهون الرمي بالبعرة. انتهى (١).
وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: قوله: ((وقد كانت إحداكنّ إلخ)) هذا منه وَّ إخبارٌ
عن حالة المتوفَّى عنهنّ أزواجهنّ قبل ورود الشرع.
وحاصله أنهنّ كنّ يُقمن في بيوتهنّ حولاً ملازمات لحالة الشَّعَث،
والْبَذَاذة، والتَّفَل، ووحشة المسكن، وفي شرار الثياب، والأحلاس إلى أن
ينقضي الحول، وعند ذلك تخرج، فترمي ببعرة، مشعرةً بأن أمر العدّة
المذكورة، وإن كان شديداً، قد هان عليها في حقّ من مات عنها، كرمي
البعرة.
وقيل: إن معنى ذلك أنها رمت بالعدّة وراء ظهرها، كما رمت بالبعرة،
فلما جاء الإسلام أمرهنّ الله تعالى بملازمة البيوت حولاً، وقد دلّ عليه قوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَدْعًا إِلَى الْحَوْلِ
غَيْرَ إِخْرَاجْ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠]، وأشهر قول المفسّرين فيها، وأحسنه أن
المتوفَّى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفّى حولاً، ويُنفَق عليها من ماله
ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جُناح في قطع النفقة
عنها، ثم نُسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونُسخت النفقة بالربع، أو
الثمن، قاله ابن عبّاس، وقتادة، والضحاك، وعطاء، وغيرهم، وفي هذه الآية
مباحث كثيرةٌ لذكرها موضع آخر.
قال القاضي عياض: والإجماع منعقد على أن الحول منسوخٌ، وأن عدّتها
أربعة أشهر وعشر، يعني أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ
أَزْوَجَا يَتَرَّيَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]. انتهى (٢).
(قَالَ حُمَيْدٌ) هو ابن نافع، راوي الحديث، وهو موصول بالإسناد المبدوء
به (فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ) بنت أبي سلمة ◌ِّ (وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟)
أي: بيّني لي المراد بهذا الكلام الذي خوطبت به هذه المرأة (فَقَالَتْ زَيْنَبُ)
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٤/١٠.
(٢) ((المفهم)) ٢٨٦/٤ - ٢٨٧.

٣١٥
(٩) - بَابُ وُجُوبٍ الْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَتَحْرِيمِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٧٢٤)
(كَانَتِ الْمَرْأَةُ، إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا) قال في ((الفتح)»: هكذا في هذه الرواية لم
تسنده زينب، ووقع في رواية شعبة، مرفوعاً كله، لكنه باختصار، ولفظه:
((فقال: لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شرّ أحلاسها، أو شرّ بيتها،
فإذا كان حولٌ، فمرّ كلبٌ رمت ببعرة، فلا، حتى تمضي أربعة أشهر وعشرٌ)).
قال الحافظ: وهذا لا يقتضي إدراج رواية الباب؛ لأن شعبة من أحفظ
الناس، فلا يقضى على روايته برواية غيره بالاحتمال، ولعل الموقوف ما في
رواية الباب من الزيادة التي ليست في رواية شعبة. انتهى.
لكن تعقّب هذا الزرقاني في ((شرح الموطإ)) حيث قال بعد نقل كلام
الحافظ هذا: وقد يرد عليه أن ذلك ليس بالاحتمال، فقد صرّح هو في ((شرح
نخبته)) تبعاً لغيره بأن مما يُعرف به الإدراج مجيء رواية مبيّنة للقدر المدرج،
وما هنا من ذلك، فإن رواية مالك عن شيخه، عن حميد بيّنت أن التفسير من
زينب، وكون شعبة من الحفّاظ لا يقتضي أنه لا يروي ما فيه المدرج، فلم يزل
الحفّاظ يروونه كثيراً؛ كابن شهاب وغيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ادَّعَوه من الإدراج في رواية
شعبة لا يظهر لي وجهه، فإن أصل الحديث مرفوع، لا إدراج فيه، وإنما
التفسير الواقع في رواية مالك بطوله من زينب رؤيا، فلا إدراج في رواية شعبة
الآتية بعد حديث، ونحوها رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ الآتية بعد ثلاثة
أحاديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(دَخَلَتْ حِفْشاً) - بكسر الحاء المهملة، وإسكان الفاء، بعدها شين
معجمة - أي: بيتاً صغيراً حقيراً، قريب السِّمْك، قاله النوويّ (١).
وقال مالك تَخَّتُهُ: ((الحفش البيت الرديء))، وفي رواية عنه: ((الصغير
جدّاً))، وهما بمعنَى، فرداءته لصغره.
وفسره مالك أيضاً بالخصّ، وهو - بضم الخاء المعجمة، وتشديد الصاد
المهملة -: البيت من القصب، والجمع أَخصاص، مثل قُفْل وأَقفال.
وقال الشافعيّ: الحِفْش: البيت الذليل الشَّعِث البناء، وقيل: هو شيء من
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٤/١٠.

٣١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
خُوص يُشبه القُفّة، تَجمع فيه المعتدّة متاعها من غزل، أو نحوه.
قال في ((الفتح)): وظاهر سياق القصّة يأبى هذا، ففي رواية يحيى
الأنصاريّ، عن حميد بن نافع: ((عَمَدَت إلى شرّ بيت لها، فجلست فيه))، ولعلّ
أصل الحفش ما ذُكر، ثم استعمل في البيت الصغير الحقير على طريق
الاستعارة. انتھی(١).
(وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيباً، وَلَا شَيْئاً) أي: مما يُتزيّن به (حَتَّى
تَمُرَّ بِهَا) وفي رواية: ((لها)) (سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ) بالتنوين (حِمَارٍ) بالجرّ على
البدل (أَوْ شَاةٍ، أَوْ طَيْرٍ) ((أو) فيهما للتنويع، لا للشكّ، وإطلاق الدابّة على ما
ذُكر هو بطريق الحقيقة اللغويّة، لا العرفيّة.
وقال القرطبيّ: سُمّيت هذه كلها دوابّ؛ لأنها تدبّ؛ أي: تمشي، وهذه
تسمية لغويّة أصليّة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
رِزْقُهَا﴾ الآية [هود: ٦]. انتهى (٢).
(فَتَفْتَضُّ بِهِ) بفاء، ثم مثنّاة، ثم ضاد معجمة مشدّدة، والباء في ((به))
سببيّة، وجوّز الكرمانيّ أن تكون للتعدية، أو تكون زائدة؛ أي: تفتضّ الطائر
بأن تكسر بعض أعضائه. انتهى.
لكن يردّه ما يأتي من تفسير الافتضاض صريحاً .
وقال مالك تَّقُ: معنى ((تفتضّ))؛ أي: ((تمسح به جلدها))، قال في
((الفتح)): وأصل الفضّ الكسر؛ أي: تكسر ما كانت فيه، وتخرُج منه بما تفعله
بالدابّة.
ووقع في رواية النسائيّ: ((تقبص)) بقاف، ثم موحّدة، ثم مهملة خفيفة،
وهي رواية الشافعيّ، والقبص الأخذ بأطراف الأنامل، والضبط الأول أشهر.
قال الأصبهانيّ، وابن الأثير: هو كناية عن الإسراع؛ أي: تذهب بعَدْوٍ،
وسرعة إلى منزل أبويها؛ لكثرة حيائها؛ لقبح منظرها، أو لشدّة شوقها إلى
التزويج؛ لبُعد عهدها به.
وقال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض، فذكروا أن المعتدّة،
(١) ((الفتح)) ٢٣٦/١٢.
(٢) ((المفهم)) ٢٨٧/٤.

٣١٧
(٩) - بَابُ وُجُوبٍ الْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَتَحْرِيمِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٧٢٤)
كانت لا تمسّ ماءً، ولا تقلّم ظفراً، ولا تُزيل شعراً، ثم تخرج بعد الحول
بأقبح منظر، ثم تفتضّ؛ أي: تكسر ما هي فيه من العدّة بطائر تمسح به قُبُلَها،
وتنبذه، فلا یکاد یعیش بعدما تفتضّ به.
وهذا لا يخالف تفسير مالك، لكنه أخصّ منه؛ لأنه أطلق الجلد، وتبيّن
أن المراد به جلد القُبُل.
وقال ابن وهب: معناه أنها تمسح بيدها على الدابّة، وعلى ظهره، وقيل:
المراد تمسح به، ثم تفتضّ؛ أي: تغتسل، والافتضاض: الاغتسال بالماء
العذب؛ لإزالة الوسخ، وإرادة النقاء، حتى تصير بيضاء نقيّة كالفضّة، ومن ثمّ
قال الأخفش: معناه تتنظّف، فتنتفي من الوسخ، فتشبه الفضّة في نقائها
وبياضها، والغرض بذلك الإشارة إلى إهلاك ما هي فيه، ومن الرمي الانفصال
منه بالكلّيّة. انتهى.
(فَقَلَّمَا تَفْتَضُ بِشَيْءٍ، إِلَّ مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ) بالبناء للفاعل؛ أي: تخرج تلك
المعتدّة من حفشها (فَتُعْطَى) بالبناء للمفعول (بَعْرَةً) بفتح الموحّدة، وسكون
المهملة، ويجوز فتحها (فَتَرْمِي بِهَا) وفي رواية مطرّف، وابن الماجشون، عن
مالك: ((ترمي ببعرة من بعر الغنم، أو الإبل، فترمي بها أمامها، يكون ذلك
إحلالاً لها))، وفي رواية ابن وهب: ((فترمي ببعرة من بعر الغنم من وراء
ظهرها))، ووقع في رواية شعبة المذكورة: (فإذا كان حولٌ، فمرّ كلبٌ رمت
ببعرة))، وظاهره أن رميها البعرة يتوقّف على مرور الكلب، سواء طال زمن
انتظار مروره، أم قصر، وبه جزم بعض الشرّاح، وقيل: ترمي بها من عرض،
من كلب، أو غيره، ترمي من حضرها أن مقامها حولاً أهون عليها من بعرة
ترمي بها كلباً أو غيره.
وقال عياضٌ: يمكن الجمع بأن الكلب إذا مرّ افتضّت به، ثم رمت
البعرة، قال الحافظ: ولا يخفى بُعده، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيّما إذا
كان حافظاً، فإنه لا منافاة بين الروايتين حتى يحتاج إلى الجمع.
واختلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدّة

٣١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
رمي البعرة، وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربّص، والصبر على
البلاء الذي كانت فيه لما انقضى، كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها؛
استحقاراً له، وتعظيماً لحقّ زوجها، وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل بعدم
عودها إلى مثل ذلك، قاله في ((الفتح))(١).
(ثُمَّ تُرَاجِعُ) بضم المثناة الفوقيّة، مبنيّاً للفاعل، من المراجعة (بَعْدُ) أي:
بعدما ذُكر من الافتضاض، والرمي (مَا شَاءَتْ، مِنْ طِيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ) مما كانت
ممنوعة منه في تلك المدّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زينب بنت أبي سلمة، عن أمهات المؤمنين
الثلاثة - رضي الله عنهنّ - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٢٤/٩ و٣٧٢٥ و٣٧٢٦ و٣٧٢٧ و ٣٧٢٨
و٣٧٢٩] (١٤٨٦)، و(البخاريّ) في ((الجنائز)) (١٢٨٢) و((الطلاق)) (٥٣٣٤
و٥٣٣٥ و٥٣٣٦)، و(أبو داود) في ((الطلاق)) (٢٢٩٩)، و(الترمذيّ) في
((الطلاق)) (١١٩٦ و١١٩٧)، و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (٢٠١/٦ - ٢٠٢)
و((الكبرى)) (٣٩٤/٣ و٣٩٦)، و(ابن ماجه) في ((الطلاق)) (٢٠٨٤)، و(مالك)
في ((الموطٍ)) (٥٩٦/٢ - ٥٩٧)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٦١/٢ - ٦٢)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٢١٣٠)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣٠٤
و٣٠٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٩١/٦ و٢٩٢ و٣١١ و٣٢٤ و٣٢٥)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٦٧/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٣٠٤)، و(ابن
الجارود) في ((المنتقى)) (٧٦٥ و٧٦٨)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٢٢/٢٣
و٤٢٣ و٤٢٤ و٤٢٥ و٤٢٦ و٤٢٧ و٨١٣ و٨١٥ و٨١٦ و٨١٧)، و(أبو عوانة)
(١) ((الفتح)) ٢٣٧/١٢ - ٢٣٨.

٣١٩
(٩) - بَابُ وُجُوبٍ الْإِحْدَادِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَتَحْرِيمِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٧٢٤)
في (مسنده)) (١٩٣/٣ و١٩٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٣٧/٧) و((المعرفة))
(٥٩/٦ - ٦٠)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٣٨٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه يدلّ على وجوب الإحداد على المعتدّة من وفاة زوجها،
وهو مجمع عليه في الجملة، وإن اختلفوا في تفصيله، على ما سيأتي بيانه في
المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان وجوب عدّة المتوفّى عنها زوجها، وبيان مدّته، وهو أربعة
أشهر وعشرة أيام، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
[فإن قيل]: حديث الباب لا يدلّ على وجوب العدّة، فمن أين يؤخذ
الوجوب؟
[قلت]: يؤخذ من الأدلة الأخرى، كقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ
وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]، وكنهيه وَّ
عن كَحْل عين تلك المرأة مع وجود المرض، فإنه دليل وجوب الإحداد، فيكون
تقدير قوله وَ له: ((أربعة أشهر وعشراً)) أي: يجب عليها أن تُحدّ هذه المدّة.
٣ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾ أنها لو كانت
حاملاً، فزاد حملها على هذه المدّة لم يلزمها الإحداد، وبهذا قال الجمهور،
وقالت المالكيّة: عليها الإحداد إلى أن تضع؛ نظراً إلى المعنى؛ إذ كلّ ذلك
عدة من وفاة، وإنما خصّ ذلك العدد بالذكر؛ لأن الْحُيَّلَ من النساء أغلب،
وهنّ الأصل، والحمل طارئ، قاله القرطبيّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الجمهور هو الأرجح عندي؛ لموافقته
لظاهر النصّ، فتأمل، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): جواز الإحداد للمرأة على أقاربها لمدة ثلاثة أيام، فما
دونها .
٥ - (ومنها): أن الإحداد لا يجب إلا على المرأة المسلمة، لقوله وَاليه :
((تؤمن بالله واليوم الآخر)).
(١) ((المفهم)) ٢٨٥/٤.

٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
٦ - (ومنها): أن قوله وَله: ((لا)) في جواب ((أفنكحُلها؟))، وقوله: في
حديث أم عطية ◌ّا المذكور بعده: ((لا تكتحل)) دليل على تحريم الاكتحال
على الحادّة، سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في الحديث الآخر في ((الموطا))
وغيره في حديث أم سلمة ﴿ا: ((اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار)).
ووجه الجمع بين الأحاديث أنها إذا لم تحتج إليه لا يحلّ لها، وإن
احتاجت لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل، مع أن الأولى تركه، فإن فعلته مسحته
بالنهار، فحديث الإذن فيه؛ لبيان أنه بالليل للحاجة غير حرام، وحديث النهي
محمول على عدم الحاجة، وحديث التي اشتكت عينها، فنهاها محمول على
أنه نهي تنزيه، وتأوّله بعضهم على أنه لم يتحقق الخوف على عينها.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن تأويل بعضهم بعد تحقّق الخوف
أقرب، والله تعالى أعلم.
وقد اختَلَف العلماء في اكتحال المحدّة، فقال سالم بن عبد الله،
وسليمان بن يسار، ومالك في رواية عنه: يجوز إذا خافت على عينها بكحل لا
طيب فيه، وجوّزه بعضهم عند الحاجة، وإن كان فيه طيب، قال النوويّ كَّتُهُ:
ومذهبنا جوازه ليلاً عند الحاجة بما لا طيب فيه. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ كَُّ هو الأرجح عندي، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الإحداد على
المرأة المتوفّى عنها زوجها:
قال النوويّ رَُّ: يجب على كلّ معتدّة عن وفاة، سواءٌ المدخول بها،
وغيرها، والصغيرة، والكبيرة، والبكر، والثّيِّب، والحرّة، والأمة، والمسلمة،
والكافرة، هذا مذهب الشافعيّ، والجمهور.
وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين، وأبو ثور، وبعض المالكية: لا يجب
على الزوجة الكتابية، بل يختص بالمسلمة، لقوله وَلهو: ((لا يحل لامرأة تؤمن
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٤/١٠.