النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ (٦) - بَابٌ إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ لَا نَفَقَةً لَهَا، وَلَّا سُكْنَى - حديث رقم (٣٦٩٦) والأسواق، والأسفار، منتقبات؛ لئلا يراهنّ الرجال، ولم يؤمر الرجال قطّ بالانتقاب لئلا يراهم النساء، فدلّ على تغاير الحكم بين الطائفتين، وبهذا احتجّ الغزاليّ على الجواز، فقال: لسنا نقول: إن وجه الرجل في حقّها عورةٌ كوجه المرأة في حقّه، بل هو كوجه الأمرد في حقّ الرجل، فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، وإن لم تكن فتنة فلا؛ إذ لم يزل الرجال على ممرّ الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأُمر الرجال بالتنقّب، أو منعن من الخروج. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه البخاريّ، وحقّقه الغزاليّ، وأقرّه الحافظ - رحمهم الله تعالى - هو الحقّ الحقيق بالقبول، حيث دلّ عليه صحيح المنقول، وما عداه، كحديث أم سلمة ◌َّا المذكور يُحْمَل على الاحتياط، ولا سيّما في حقّ أزواج النبيّ وَّه، فقد قال الله تعالى: ﴿يَنِسَآءَ التَّ لَسْأُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢]، وقد أمر الله تعالى أن لا يُكَلّمن إلا من وراء حجاب، متجالّات كنّ، أو غير متجالّات، والحجاب عليهنّ أشدّ منه على غيرهنّ؛ لظاهر القرآن، وحديث نبهان المذكور، كما أشار إلى ذلك ابن عبد البرّ ◌َّهُ(٢). وكذا قوله تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١] محمول على الاستحباب، أو على خوف الفتنة، وإلى ذلك أشار البخاريّ تَخُّْ حيث قال: ((من غير ريبة)). والحاصل أن نظر المرأة إلى الرجال الأجانب جائز عند أمن الخوف من الفتنة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب. ٧ - (ومنها): أن الخِطبة المنهيّ عنها في قوله وَلقول: (ولا يخطب على خطبة أخيه)) محمول على ما إذا كان هناك ركون وميل، ومقاربة، فأما إذا لم يوجد ذلك، فلا يُمنع، فقد قالت فاطمة: إن معاوية، وأبا جهم خطباني، فلم ينكر عليها النبيّ ر ذلك، بل خطبها مع ذلك لأسامة بن زيد، حيث لم يحصل منها ميل إليهما، ولا إلى أحد منهما . (١) ((الفتح)) ٤٢٢/١٠. (٢) راجع: ((الاستذكار)) ١٨/ ٨٢. ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق ٨ - (ومنها): أن من أخبر بعيب أخيه لمن استنصحه عند الخِطبة، أو نحوها ليس بمغتاب له، بل جائز، من باب النصيحة التي هي الدين، لما في ((صحيح مسلم)) من حديث تميم الداريّ ◌ُبه، مرفوعاً: ((الدين النصيحة))، قلنا: لمن؟ قال: (لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم))، ولحديث أبي هريرة حظُّه، مرفوعاً: ((حقّ المسلم على المسلم ستٍّ))، وفيه: ((وإذا استنصحك، فانصح له ... )) الحديث. ٩ - (ومنها): أن في قوله: ((صُعلوك، لا مال له)) دليلاً على أن المال من مستحقّات النكاح، وخصال الناكح، وأن الفقر من عيوبه، وأنه لو بُيِّن في العقد، أو عَرفت المرأة منه ذلك، ورضيت به جاز كسائر العيوب. ١٠ - (ومنها): أن كثرة ضرب النساء عيب يمنع من النكاح، إلا إذا رضيت المرأة به، كما سبق في الذي قبله. ١١ - (ومنها): جواز طلاق الغائب. ١٢ - (ومنها): جواز التوكيل في الحقوق في القبض والدفع. ١٣ - (ومنها): جواز سماع كلام الأجنبية، والأجنبيّ في الاستفتاء ونحوه. ١٤ - (ومنها): جواز الخروج من منزل العدّة للحاجة. ١٥ - (ومنها): جواز التعريض لخطبة المعتدّة البائن بالثلاث. ١٦ - (ومنها): جواز الْخِطبة على خِطبة غيره إذا لم يحصل للأول إجابة؛ لأنها أخبرته أن معاوية وأبا الجهم وغيرهما خطبوها . ١٧ - (ومنها): جواز استعمال المجاز؛ لقوله ◌َالقول: ((لا يضع العصا عن عاتقه، ولا مال له)). ١٨ - (ومنها): استحباب إرشاد الإنسان إلى مصلحته، وإن كرهها، وتكرار ذلك عليه؛ لقولها: قال: ((انكحي أسامة، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة، فنكحته)). ١٩ - (ومنها): قبول نصيحة أهل الفضل والانقياد إلى إشارتهم، وأن عاقبتها محمودة. ٢٠ - (ومنها): الحرص على مصاحبة أهل التقوى والفضل، وإن دَنَئت أنسابهم. ٢٢٣ (٦) - بَابٌ إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا سُكْنَى - حديث رقم (٣٦٩٦) ٢١ - (ومنها): جواز إنكار المفتي على مفتٍ آخر خالف النصّ، أو عمّم ما هو خاصّ؛ لأن عائشة أنكرت على فاطمة بنت قيس تعميمها أن لا سكنى للمبتوتة، وإنما كان انتقال فاطمة من مسكنها لعذر من خوف اقتحامه عليها، أو لبذاءتها، أو نحو ذلك. ٢٢ - (ومنها): استحباب ضيافة الزائر، وإكرامه بطيب الطعام والشراب، سواء كان الضيف رجلاً، أو امرأة، . ٢٣ - (ومنها): أن من أفرط في الوصف لا يلحقه الكذب، والمبالغ في النعت بالصدق لا يدركه الذمّ، ألا ترى إلى أن النبيّ وَالر قال في أبي جهم: ((لا يضع عصاه عن عاتقه))، وهو قد ينام، ويُصلّي، ويأكل، ويشرب، ويشتغل بما يحتاج إليه من شغله في دنياه، وإنما أراد المبالغة في وصفه بتأديب النساء. قال الحافظ أبو عمر كَّتُهُ: وإنما أراد المبالغة في أدب النساء باللسان واليد، وربما يحسن الأدب بمثله، كما يصنع الوالي في رعيته. وقد روي عن النبيّ وَّ أنه قال لرجل أوصاه: ((لا ترفع عصاك عن أهلك، وأخفهم في الله رَات))(١). وروي عنه وَلقر أنه قال: ((علّق سوطك حيث يراه أهلك))(٢). قال: ومعنى العصا في هذين الحديثين الإخافة والشدّة بكلّ ما يتهيّأ، ويمكن مما يَجمُلُ، ويَحسُنُ من الأدب فيما يجب الأدب فيه. وقد قال بعض أصحابنا: إن فيه إباحة ضرب الرجل امرأته ضرباً كثيراً؛ لأنه قصد به قصد العيب له، والضرب القليل ليس بعيب؛ لأن الله تعالى قد (١) ذكره الحافظ أبو بكر الهيثميّ: في ((مجمع الزوائد» (١٠٦/٨) عن ابن عمر وقال: رواه الطبرانيّ في ((الصغير))، و((الأوسط))، وفيه الحسن بن صالح بن حيّ وثقه أحمد، وغيره، وضعّفه الثوريّ وغيره. انتهى. (٢) حديث حسنٌ، أخرجه أبو نعيم من حديث ابن عمر طًا بلفظ: ((عَلِّقوا السوط حيث يراه أهل البيت))، وأخرجه الطبرانيّ من حديث ابن عبّاس ﴿يَا بلفظ: ((عَلِّقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنه أدبٌ لهم))، راجع: ((الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ كََّفُ (٤٣١/٣ - ٤٣٢) رقم (١٤٤٦ و١٤٤٧). ٢٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق أباحه، قال: ولَمّا لم يغيّر رسول الله وَّ ر على أبي جهم ما كان عليه من ذلك، كان في طريق الإباحة، وفيما قال من ذلك - والله أعلم - نظر، قال ابن وهب: ذمُّهُ لذلك دليلٌ على أنه لا يجوز فعله، ومن هذا قالت العرب: فلان ليّن العصا، وفلان شديد العصا، يقولون ذلك في الوالي، وما أشبهه، وقال الشاعر [من الطويل]: لِذِي الْحِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَا تَقْرَعُ الْعَصَا وَمَا عُلِّمَ الإِنْسَانُ إِلَّ لِيَعْلَمَا وقال معن بن أوس، يصف راعي إبله [من الطويل]: عَلَيْهَا شَرِيبٌ وَادِعُ لَيِّنُ الْعَصَا يُسَائِلُهَا عَمَّا بِهِ وَتُسَائِلُهْ والعرب تُسمّي الطاعة، والأُلفة، والجماعة العصا، ويقولون: عصا الإسلام، وعصا السلطان، ومن هذا قول الشاعر [من الطويل]: إِذَا كَانَتِ الْهَيْجَاءُ وَانْشَقَّتِ الْعَصَا فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ ومنه قول صلة بن أشيم: إياك وقتيل العصا، يقول: إياك أن تقتل، أو تُقتل قتيلاً إذا انشقّت العصا. والعرب أيضاً تسمّي قرار الظاعن عصاً، وقرار الأمر، واستواءه عصاً، فإذا استغنى المسافر عن الظعن، قالوا: قد ألقى عصاه، وقال الشاعر [من الطویل]: فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى كَمَا قَرَّ عَيْناً بِالإِيَابِ الْمُسَافِرُ ورُوي أن عائشة ها تمثّلت بهذا البيت حين اجتمع الأمر لمعاوية انتهى كلام الحافظ ابن عبد البرّ ◌َظُبه(١)، وهو بحث نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في بيان ما وجّه إلى حديث فاطمة بنت قيس هذا، من المطاعن، والجواب عنه: وقد أشبع الكلام في هذه المسألة العلامة ابن القيّم: في كتابه الممتع ((زاد المعاد))، وقد ذكر قبل ذكر المطاعن وأجوبتها كون حديثها موافقاً لكتاب الله رَك فقال: (١) ((التمهيد)) ١٦١/١٩ - ١٦٢. (٦) - بَابٌ إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا سُكْنَى - حديث رقم (٣٦٩٦) ٢٢٥ [موافقة هذا الحكم لكتاب الله وك]: قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ اَلِسَلَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ وَأَحْصُواْ أَلْعِدَّةٌ﴾ [الطلاق: ١]. فأمر الله رَ الأزواج الذين لهم عند بلوغ الأجل الإمساكُ، والتسريح بأن لا يُخرجوا أزواجهم من بيوتهم، وأمر أزواجهنّ أن لا يخرجوهن، فدلّ على جواز إخراج من ليس لزوجها إمساكها بعد الطلاق، فإنه لل ذكر لهؤلاء المطلقات أحكاماً متلازمة، لا ينفك بعضها عن بعض: [أحدها]: أن الأزواج لا يخرجوهن من بيوتهنّ. [والثاني]: أنهنّ لا يخرجن من بيوت أزواجهنّ. [والثالث]: أن لأزواجهنّ إمساكهنّ بالمعروف قبل انقضاء الأجل، وترك الإمساك، فُسرّحوهنّ بإحسان. [والرابع]: إشهاد ذوي عدل، وهو إشهادٌ على الرجعة إما وجوباً، وإما استحباباً، وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك، وأنه في الرجعيّات خاصّةً بقوله: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اَللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، والأمر الذي يُرجى إحداثه ههنا هو المراجعة، هكذا قال السلف، ومن بعدهم. قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن داود الأوديّ، عن الشعبيّ: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، قال: لعلّك تَنْدَمُ، فيكون لك سبيل إلى المراجعة. وقال الضحّاك: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، قال: لعله أن يراجعها في العدّة. وقاله عطاء، وقتادة، والحسن، وقد تقدّم قول فاطمة بنت قيس: أيُّ أمر يحدث بعد الثلاث؟ فهذا يدلّ على أن الطلاق المذكور هو الرجعيّ الذي ثبتت فيه هذه الأحكام، وأن حكمة أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، اقتضته لعل الزوج أن يندم، ويزول الشرّ الذي نزغه الشيطان بينهما، فتتبعها نفسه، فيراجعها، كما قال عليّ بن أبي طالب رؤيته: لو أن الناس أخذوا بأمر الله في الطلاق، ما أتبع رجل نفسه امرأة يُطلّقها أبداً. ثم ذكرتَّ الأمر بإسكان هؤلاء المطلّقات، فقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم﴾ [الطلاق: ٦]، فالضمائر كلّها يتّحد مفسّرها، وأحكامها كلها متلازمة، ٢٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق وكان قول النبيّ وَيقول: ((إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة))، مشتقّاً من كتاب الله ريك ومفسّراً له، وبياناً لمراد المتكلّم به منه، فقد تبيّن اتحاد قضاء رسول الله وَ*، وكتاب الله مت، والميزان العادل معهما أيضاً، لا يُخالفهما، فإن النفقة إنما تكون للزوجة، فإذا بانت منه صارت أجنبيّة حكمها حكم سائر الأجنبيّات، ولم يبق إلا مجرّد اعتدادها منه، وذلك لا يوجب لها نفقة، كالموطوءة بشبهة، أو زنى، ولأن النفقة إنما تجب في مقابلة التمكن من الاستمتاع، وهذا لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها، ولأن النفقة لو وجبت لها عليه لأجل عدّتها، لوجبت للمتوفّى عنها من ماله، ولا فرق بينهما البتّة، فإن كلّ واحدة منهما قد بانت عنه، وهي معتدّةٌ منه، قد تعذّر منهما الاستمتاع، ولأنها لو وجبت لها السكنى، لوجبت لها النفقة، كما يقوله من يوجبها، فأما أن تجب لها السكنى دون النفقة، فالنصّ، والقياس يدفعه. ثم قال رحمه الله تعالى: [ذكر المطاعن التي طُعن بها على حديث فاطمة بنت قيس ظَؤُّا قديماً وحديثاً]: (فأولها): طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ◌َظُبه، فروى مسلم في ((صحيحه)) عن أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد، جالساً، في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدّث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس؛ أن رسول الله ◌َ، لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثم أخذ الأسود كَفّاً من حصى، فحصبه به، فقال: ويلك تُحدّث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا وَل﴿ لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت، أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله وجل: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّ أَن يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُبِنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]. قالوا: فهذا خبر عمر يُخبر أن سنّة رسول الله و لو أن لها النفقة والسكنى، ولا ريب أن هذا مرفوع، فإن الصحابيّ إذا قال: ((من السنة كذا))، كان مرفوعاً، فكيف إذا قال: ((من سنة رسول الله وَلَ))؟، فكيف إذا كان القائل عمر بن الخطاب؟ وإذا تعارضت رواية عمر بنظابه، ورواية فاطمة، فرواية عمر ٢٢٧ (٦) - بَابٌ إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا سُكْنَى - حديث رقم (٣٦٩٦) أولى، ولا سيما، ومعها ظاهر القرآن، كما سنذكر. وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان عمر بن الخطّاب إذ ذُكر عنده حديث فاطمة بنت قيس قال: ما كنّا نغيّر في ديننا بشهادة امرأة. [ذكر طعن عائشة في خبر فاطمة بنت قيس خ﴿يا]: في ((الصحيحين)) من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، قال: تزوّج يحيى بن سعيد بن العاص، بنت عبد الرحمن بن الحكم، فطلّقها، فأخرجها من عنده، فعاب ذلك عليهم عروة، فقالوا: إن فاطمة قد خَرَجت، قال عروة: فأتيت عائشة، فأخبرتها بذلك، فقالت: ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث. وقال البخاري: فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة أم المؤمنين، إلى مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة: اتَّقِ اللهَ وارددها إلى بيتها، قال مروان: إن عبد الرحمن بن الحكم غلبني، وقال: أَوَما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت: لا يضرّك أن لا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان بن الحكم: إن كان بكِ شرّ، فحسبك ما بين هذين من الشر. ومعنى كلامه: إن كان خروج فاطمة لما يقال من شرّ كان في لسانها، فيكفيك ما بين يحيى بن سعيد بن العاص، وبين امرأته من الشرّ. وفي ((الصحيحين)): عن عروة أنه قال لعائشة: ألم تري إلى فلانة بنت الحكم، طلّقها زوجها البتة، فخرجت؟ فقالت: بئس ما صنعت، قال: ألم تسمعي في قول فاطمة؟ قالت: أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث. وفي حديث القاسم، عن عائشة رضيها - يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة. وفي ((صحيح البخاريّ): عن عائشة ﴿ّا أنها قالت لفاطمة: ألا تتّقي الله، تعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة. وفي ((صحيحه)) أيضاً: عنها: إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص النبيّ وَلّ لها . وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس، تعني انتقال المطلّقة ثلاثاً. ٢٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق وذكر القاضي إسماعيل، حدّثنا نصر بن عليّ، حدثني أبي، عن هارون، عن محمد بن إسحاق، قال: أحسبه عن محمد بن إبراهيم، أن عائشة ينج مضى قالت لفاطمة بنت قيس: إنما أخرجك هذا اللسان. [ذكر طعن أسامة بن زيد نظُبه على حديث فاطمة]: روى عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال: حدثني الليث بن سعد، حدثني جعفر، عن ابن هرمز، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كان محمد بن أسامة بن زيد يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئاً من ذلك، يعني انتقالها في عدّتها رماها بما في يده. [ذكر طعن مروان على حديث فاطمة]: روى مسلم في (صحيحه)) من حديث الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حديث فاطمة هذا أنه حدّث به مروان، فقال مروان: لم نسمع هذا إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها . [ذكر طعن سعيد بن المسيّب]: روى أبو داود في ((سننه)) من حديث ميمون بن مهران، قال: قدمت المدينة، فدُفِعتُ إلى سعيد بن المسيّب، فقلت: فاطمة بنت قيس طُلِّقت، فخرجت من بيتها، فقال سعيد: تلك امرأة فَتنت الناس، إنها كانت امرأة لَسِنَةً، فوُضعت على يدي ابن أم مكتوم الأعمى. [ذكر طعن سليمان بن يسار]: "روى أبو داود في ((سننه)) أيضاً، قال في خروج فاطمة: إنما كان من سوء الخلق. [ذكر طعن الأسود بن يزيد]: تقدّم حديث مسلم: أن الشعبيّ حدّث بحديث فاطمة، فأخذ الأسود كفّاً من حصباء، فحصبه به، وقال: ويلك تُحدّث بمثل هذا؟ وقال النسائيّ: ويلك، لِمَ تفتي بمثل هذا؟ قال عمر لها: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله وَ﴾، وإلا لم نترك كتاب ربّنا لقول امرأة. ٢٢٩ (٦) - بَابٌ إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا سُكْنَى - حديث رقم (٣٦٩٦) [ذكر طعن أبي سلمة بن عبد الرحمن]: قال الليث: حدّثني عُقيلٌ، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، فذكر حديث فاطمة. ثم قال: فأنكر الناس عليها ما كانت تُحدّث من خروجها قبل أن تَحِلّ، قالوا: وقد عارض رواية فاطمة صريح رواية عمر في إيجاب النفقة والسكنى، فروى حمّاد بن سلمة، عن حمّاد بن أبي سليمان، أنه أخبر إبراهيم النخعيّ بحديث الشعبيّ، عن فاطمة بنت قيس، فقال له إبراهيم: إن عمر أُخبر بقولها، فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله، وقول النبيّ وَلّ، لقول امرأة لعلها أوهمت، سمعتُ النبيّ وَّه يقول: ((لها السكنى والنفقة)). ذكره أبو محمد في ((المحلّى))، فهذا نصّ صريحٌ، يجب تقديمه على حديث فاطمة؛ لجلالة رواته، وترك الصحابة عليه، وموافقته لكتاب الله. [ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن، وبيان بطلانها]: وحاصلها أربعة: [أحدها]: أن راويتها امرأة، لم تأت بشاهدين يُتابعانها على حديثها . [الثاني]: أن روايتها تضمّنت مخالفة القرآن. [الثالث]: أن خروجها من المنزل لم يكن لأنه لا حقّ لها في السكنى، بل لأذاها أهل زوجها بلسانها . [الرابع]: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ضائه. ونحن نبيّن ما في كلّ واحد من هذه الأمور الأربعة - بحول الله تعالى وقوّته ــ هذا مع أن في بعضها من الانقطاع، وفي بعضها من الضعف، وفي بعضها من البطلان ما سننبّه عليه، وبعضها صحيح عمن نُسب إليه بلا شكّ. فأما الطعن الأول، وهو كون الراوي امرأة، فمَطْعَنٌ باطل بلا شكّ، والعلماء قاطبةً على خلافه، والمحتجّ بهذا من أتباع الأئمة أول مبطل له، ومخالف له، فإنهم لا يختلفون في أن السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل، هذا وكم من سنّة تلقاها الأئمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة، وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس، لا تشاء أن ترى فيها سنّة تفرّدت بها ٢٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق امرأة منهنّ إلا رأيتها، فما ذنب فاطمة بنت قيس دون نساء العالمين؟ وقد أخذ الناس بحديث فُريعة بنت مالك بن سنان، أخت أبي سعيد الخدريّ في اعتداد المتوفّى عنها في بيت زوجها، وليست فاطمة بدونها علماً، وجلالةً، وثقةً، وأمانةً، بل هي أفقه منها بلا شكّ، فإن فُريعة لا تُعرف إلا في هذا الخبر، وأما شهرة فاطمة، ودعاؤها من نازعها من الصحابة إلى كتاب الله ومناظرتها على ذلك، فأمرٌ مشهور، وكانت أسعد بهذه المناظرة ممن خالفها، كما مضى تقريره. وقد كان الصحابة ﴿م يختلفون في الشيء، فتروي لهم إحدى أمهات المؤمنين عن النبيّ ◌َ﴿ شيئاً، فيأخذون به، ويرجعون إليه، ويتركون ما عندهم له، وإنما فُضّلن على فاطمة بنت قيس بكونهنّ أزواج رسول الله وَّ، وإلا فهي من المهاجرات الأُوَل، وقد رضيها رسول الله وَلّه لِحِبّه، وابن حِبّه أسامة بن زيد ◌ًا، وكان هو الذي خطبها له، وإذا شئت أن تعرف مقدار حفظها وعلمها، فاعرفه من حديث الدجّال الطويل الذي حدّث به رسول الله وَلهم على المنبر، فوعته فاطمة، وحفظته، وأدّته كما سمعته، ولم يُنكره عليها أحدٌ مع طوله، وغرابته، فكيف بقصّة جرت لها، وهي سببها، وخاصمت فيها، وحُكم فيها بكلمتين، وهي ((لا نفقة، ولا سكنى))، والعادة توجب حفظ مثل هذا، وذِكْرَه، واحتمالُ النسيان فيه أمر مشترٌ بينها وبين من أنكر عليها، فهذا عمر قد نسي تيمّم الجنب، وذكّره عمار بن ياسر أمر رسول الله وَسير لهما بالتيمّم من الجنابة، فلم يَذكُره عمر رُبه، وأقام على أن الجنب لا يصلّي حتى يجد الماء . ونسي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَّيْتُمْ إِحْدَدهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]، حتى ذكّرته به امرأة، فرجع إلى قولها . ﴾ [الزمر: ٣٠]، حتى ذُكّر به. ونسي قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ فإن كان جواز النسيان على الراوي يوجب سقوط روايته سقطت رواية عمر التي عارضتم بها خبر فاطمة، وإن كان لا يوجب سقوط روايته بطلت المعارضة بذلك، فهي باطلة على التقديرين، ولو رُدّت السننُ بمثل هذا، لم ٢٣١ (٦) - بَابٌ إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ لَا نَفَقَةً لَهَا، وَلَا سُكْنَى - حديث رقم (٣٦٩٦) يبق بأيدي الأمة منها إلا اليسير، ثم كيف يُعارِض خبرَ فاطمة، ويَطعن فيه بمثل هذا من يرى قبول خبر الواحد العدل، ولا يشترط للرواية نصاباً؟ وعمر قپته أصابه في مثل هذا ما أصابه في ردّ خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد، وردّه خبر المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شَهِد له محمد بن مسلمة، وهذا كان تثبيتاً منه به حتى لا يركب الناس الصعب والذَّلُول في الرواية عن رسول الله وَّه، وإلا فقد قَبِلَ خبر الضحّاك بن سفيان الكلابيّ وحده، وهو أعرابيّ، وقبل لعائشة فيها عدّة أخبار تفرّدت بها. وبالجملة، فلا يقول أحد: إنه لا يُقبل قولُ الراوي الثقة العدل حتى يشهد له شاهدان، لا سيما إن كان من الصحابة. فصل : وأما المطعن الثاني، وهو أن روايتها مخالفة للقرآن، فنجيب بجوابين: مجمل، ومفصّل، أما المجمل، فنقول: لو كانت مخالفةً كما ذكرتم، لكانت مخالفةً لعمومه، فتكون تخصيصاً للعامّ، فحكمها حكم تخصيص قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِىَ أَوْلَدِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بالكافر، والرقيق، والقاتل، وتخصيص قوله: ﴿وَأُحِلَى لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِككُمْ﴾ [النساء: ٢٤] بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، ونظائره، فإن القرآن لم يُخصّ البائن بأنها لا تُخرَج، ولا تَخرُج، وبأنها تسكن من حيث يسكن زوجها، بل إما أن يعمّها، ويعُمّ الرجعيّة، وإما أن يخصّ الرجعيّة. فإن عمّ النوعين، فالحديث مخصّص لعمومه، وإن خصّ الرجعيات، وهو الصواب للسياق الذي من تدبّره، وتأمله قطع بأنه في الرجعيّات من عدّة أوجه قد أشرنا إليها، فالحديث ليس مخالفاً لكتاب الله، بل موافقٌ له، ولو ذُكِّر أمير المؤمنين ◌ُه بذلك، لكان أوّل راجع إليه، فإن الرجل كما يذهَلُ عن النصّ يذهل عن دلالته وسياقه، وما يقترن به مما يتبيّن المراد منه، وكثيراً ما يذهَلُ عن دخول الواقعة المعيّنة تحت النصّ العامّ، واندراجه تحتها، فهذا كثيرٌ جدّاً، والتفطّن له من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده، ولقد كان أمير المؤمنين عمر نظُه من ذلك بالمنزلة التي لا تُجهل، ولا تستغرقها عبارة، غير أن النسيان والذهول عُرْضٌ للإنسان، وإنما الفاضل العالم من إذا ذُكِّر ذَكَرَ، ورجع. ٢٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق فحديث فاطمة رضي الله تعالى عنها مع كتاب الله على ثلاث أطباق، لا يخرج عن واحد منها، إما أن يكون تخصيصاً لعامّه. الثاني: أن يكون بياناً لما لم يتناوله، بل سكت عنه. الثالث: أن يكون بياناً لما أريد به، وموافقاً لما أرشد إليه سياقُه، وتعليلُه، وتنبيهه، وهذا هو الصواب، فهو إذن موافقٌ له، لا مخالفٌ، وهكذا ينبغي قطعاً، ومعاذَ الله أن يحكم رسول الله و ﴿ بما يُخالف كتاب الله تعالى، أو يعارضه. وقد أنكر الإمام أحمد تَّهُ هذا من قول عمر ظه، وجعل يتبسّم ويقول: أين في كتاب الله إيجاب السكنى، والنفقة المطلّقة ثلاثاً؟ وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة، وقالت: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وأيّ أمر يحدث بعد الثلاث؟ وقد تقدّم أن قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢]، يشهد بأن الآيات كلها في الرجعيّات. فصل : وأما المطعن الثالث، وهو أن خروجها لم يكن إلا لفحش من لسانها، فما أبرده من تأويل، وأسمجه، فإن المرأة من خيار الصحابة ﴿ه، وفضلائهم، ومن المهاجرات الأُوَل، وممن لا يحملها رقّة الدين، وقلّة التقوى على فُحش، يوجب إخراجها من دارها، وأن يمنع حقّها الذي جعله الله لها، ونهى عن إضاعته، فيا عجباً: كيف لم ينكر عليها النبيّ وَّ هذا الفُحْش، ويقول لها: اتق اللهَ وكُفّي لسانك عن أذى أهل زوجك، واستقرّي في مسكنك؟ وكيف يعدل عن هذا إلى قوله: ((لا نفقة لك، ولا سكنى))، وإلى قوله: ((إنما السكنى والنفقة للمرأة التي إذا كان لزوجها عليها رجعة))؟، فيا عجباً كيف يُترك هذا المانع الصريح الذي خرج من بين شفتي النبيّ وَّة، ويُعلّل بأمر موهوم لم يعلّل به رسول الله وَّهِ البتّة، ولا أشار إليه، ولا نبّه عليه؟ هذا من المحال البيّن. ثم لو كانت فاحشة اللسان، وقد أعاذها الله من ذلك، لقال لها النبيّ وَّله، وسمعت، وأطاعت: كُفّي لسانك حتى تنقضي عدّتك، وكان من دونها يسمع، ويُطيع؛ لئلا يخرج من سكنه. فصل : وأما المطعن الرابع: وهو معارضة روايتها برواية عمر ظراته، فهذه المعارضة تُورد من وجهين: أحدهما: قوله: ((لا ندع كتاب ربّنا، وسنّة نبيّنا))، ٢٣٣ (٦) - بَابٌ إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا سُكْنَى - حديث رقم (٣٦٩٦) وأن هذا من حكم المرفوع. الثاني: قوله: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((لها السكنى والنفقة)). ونحن نقول: قد أعاذ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصحّ عنه أبداً. قال الإمام أحمد: لا يصحّ ذلك عن عمر. وقال أبو الحسن الدار قطنيّ: بل السنّة بيد فاطمة بنت قيس قطعاً، ومن له إلمامٌ بسنّة رسول الله وَله يشهد شهادة الله أنه لم يكن عند عمر ظبه سُنّة عن رسول الله وَلّ أن للمطلّقة ثلاثاً السكنى والنفقة، وعمر كان أتقى لله، وأحرص على تبليغ سنن رسول الله * أن تكون هذه السنّة عنده، ثم لا يرويها أصلاً، ولا يبيّنها، ولا يبلّغها عن رسول الله وَله. وأما حديث حمّاد بن سلمة، عن حمّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن عمر ظه سمعت رسول الله وَّله يقول: ((لها السكنى والنفقة))، فنحن نشهد بالله شهادة نُسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذبٌ على عمر نظُه، وكذب على رسول الله وَ﴿، وينبغي أن لا يَحمِل الإنسانَ فرط الانتصار للمذاهب، والتعصّب لها على معارضة سنن رسول الله ** الصحيحة الصريحة بالكذب البحث، فلو يكون عند عمر ظه عن النبيّ وَ﴿ لخَرِسَت فاطمة، وذووها، ولم ينسبوا بكلمة، ولا دعت فاطمة إلى المناظرة، ولا احتيج إلى ذكر إخراجها البذاء لسانها، ولَمَا فات هذا الحديث أئمة الحديث، والمصنّفين في السنن، والأحكام، المنتصرين للسُّنَن فقط، لا لمذهب، ولا لرجل، هذا قبل أن نصل به إلى إبراهيم، ولو قُدّر وصولنا بالحديث إلى إبراهيم لانقطع نُخاعُهُ، فإن إبراهيم لم يولد إلا بعد موت عمر ظُله بسنين، فإن كان مخبر أخبر به إبراهيم، عن عمر ظُه، وحَسّنًا به الظنّ، وكان قد روي له قول عمر څله بالمعنى، وظنّ أن رسول الله وَطير هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمطلّقة، حتى قال عمر نظره: لا ندع كتاب ربّنا لقول امرأة، فقد يكون الرجل صالحاً، ويكون مُغفّلاً، ليس تحمّل الحديث، وحفظه، وروايته من شأنه. وبالله التوفيق. وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران، وسعيد بن المسيّب، فذكر له میمون خبر فاطمة، فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، فقال له میمون؛ لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسول الله وَّ﴿ ما فَتَنت الناسَ، وإن لنا في ٢٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق رسول الله أسوة حسنة، مع أنها أحرم الناس عليه، ليس لها عليه رجعةٌ، ولا بینهما میراث. انتهى. ولا يُعلم أحد من الفقهاء رحمهم الله تعالى إلا وقد احتجّ بحديث فاطمة بنت قيس هذا، وأخذ به في بعض الأحكام كمالك، والشافعيّ، وجمهور الأمة يحتجّون به في سقوط نفقة المبتوتة، إذا كانت حائلاً، والشافعيّ نفسه احتجّ به على جواز جمع الثلاث؛ لأن في بعض ألفاظه: فطلّقني ثلاثاً، وقد بيّنّا أنه إنما طلّقها آخر ثلاث، كما أخبرت به عن نفسها. واحتجّ به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال. واحتجّ به الأئمة كلّهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول. واحتجّوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوّجه، أو يُعامله، أو يسافر معه، وأن ذلك ليس بغيبة. واحتجّوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر، وأنه لا يشترط حضوره، ومواجهته به. واحتجّوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدّة البائن، وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ببركة روايتها، وصدق حديثها، فاستنبطتها الأمّة منها، وعمِلت بها، فما بال روايتها تُردّ في حكم واحد من أحكام هذا الحديث، وتُقبل فيما عداه؟ فإن كانت حفظته، قُبلت في جميعه، وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يُقبل في شيء من أحكامه. وبالله التوفيق. [فإن قيل]: بقي عليكم شيء واحدٌ، وهو أن قوله تُعَالَ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّنِ وُجْدِكُمْ﴾ إنما هو في البوائن، لا في الرجعيّات، بدليل قوله عقبه: ﴿وَلَ نُضَارُوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنُّ وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فهذا في البائن؛ إذ لو كانت رجعيّة، لما قيّد النفقة عليها بالحمل، ولكان عديم التأثير، فإنها تستحقّها حائلاً كانت، أو حاملاً، والظاهر أن الضمير في ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ هو والضمير في قوله: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ﴾ واحد. [فالجواب]: أن مورد هذا السؤال إما أن يكون من الموجبين النفقة والسكنى، أو ممن يوجب السكنى دون النفقة، فإن كان الأول، فالآية على زعمه حجة عليه؛ لأنه شرط في إيجاب النفقة عليهنّ كونهنّ حوامل، والحكم المعلّق على الشرط ينتفي عند انتفائه، فدلّ على أن البائن الحائل لا نفقة لها. ٢٣٥ (٦) - بَابٌ إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا سُكْنَى - حديث رقم (٣٦٩٦) [فإن قيل]: فهذه دلالة على المفهوم، ولا يقول بها . [قيل]: ليس ذلك من دلالة المفهوم، بل من انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه، فلو بقي الحكم بعد انتفائه لم يكن شرطاً . وإن كان ممن يوجب السكنى وحدها، فيقال له: ليس في الآية ضمير واحد يخصّ البائن، بل ضمائرها نوعان: نوع يخصّ الرجعيّة قطعاً، كقوله: ﴿فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوُهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [الطلاق: ٢]. ونوع يَحتَمِل أن يكون للبائن، وأن يكون للرجعيّة، وأن يكون لهما، وهو قوله: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، وقوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾، فحمله على الرجعيّة هو المتعيّن؛ لتّحد الضمائر ومفسّرها، فلو حُمل على غيرها لزم اختلاف الضمائر، ومفسّرها، وهو خلاف الأصل، والحمل على الأصل أولى. [فإن قيل]: فما الفائدة في تخصيص نفقة الرجعيّة بكونها حاملاً؟ [قيل]: ليس في الآية ما يقتضي أنه لا نفقة للرجعيّة الحائل، بل الرجعيّة نوعان، قد بيّن الله حكمهما في كتابه: حائلٌ، فلها النفقة بعقد الزوجيّة؛ إذ حكمها حكم الأزواج. أو حامل، فلها النفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها، فتصير النفقة بعد الوضع نفقة قريب، لا نفقة زوج، فيخالف حالها قبل الوضع حالها بعده، فإن الزوج يُنفق عليها وحده، إذا كانت حاملاً، فإذا وضعت صارت نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، ولا يكون حالها في حال حملها كذلك، بحيث تجب نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، فإنه في حال حملها جزء من أجزائها، فإذا انفصل كان له حكم آخر، وانتقلت النفقة من حكم إلى حكم، فظهرت فائدة التقييد، وسرّ الاشتراط. والله أعلم بما أراد من كلامه. انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه العلّامة ابن القيّم دَّثُ تحقيقٌ نفيس جدّاً. وحاصله أن حديث فاطمة بنت قيس پتا حديث صحيح يجب العمل به؛ (١) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ٥٢٨/٥ - ٥٤٢. ٢٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق فإن المطاعن التي وُجّهت إليه غير مقبولة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم نفقة المبتوتة: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ تَخْتُ: اختلف الناس في النفقة للمبتوتة إذا لم تكن حاملاً: فأباها قومٌ، وهم أهل الحجاز، منهم مالك، والشافعيّ، وتابعهم على ذلك أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد. وحجتهم هذا الحديث، قوله ◌َ﴿ لفاطمة: ((ليس لك عليه نفقة))، وهو مرويّ من وجوه صحاح، متواترة عن فاطمة هنا. وممن قال: إن المبتوتة لا نفقة لها، إن لم تكن حاملاً: عطاء بن أبي رباح، وابن شهاب، وسعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، والحسن البصريّ، وبه قال الليث بن سعد، والأوزاعيّ، وابن أبي ليلى. وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والحسن بن حيّ: لكلّ مطلّقة السكنى، والنفقة، ما دامت في العدّة، حاملاً كانت، أو غير حامل، مبتوتة، أو رجعيّة، وهو قول عثمان البَنِّيِّ، وابن شُبْرُمة. وحجتهم في ذلك أن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود شؤ ◌ًا، قالا في المطلّقة ثلاثاً: لها السكنى والنفقة ما كانت في العدّة. وقالت طائفة: المطلّقة المبتوتة إن لم تكن حاملاً لا سكنى لها، ولا نفقة، منهم: الشعبيّ، وميمون بن مهران، وعكرمة، ورواية عن الحسن. وروي ذلك عن عليّ، وابن عبّاس، وجابر بن عبد الله. وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وداود. ثم قال أبو عمر تَّلُهُ - بعد أن ذكر أقوال من ردّ حديث فاطمة، أو تأوله -، ما نصّه: لكن من طرق الحجة، وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل، ومن تابعه أصحّ، وأحجّ؛ لأنه لو وجب السكنى عليها، وكانت عبادة تعبّدها الله بها، لألزمها ذلك رسول الله وَله، ولم يُخرجها عن بيت زوجها إلى بيت أم شريك، ولا إلى بيت أم مكتوم؛ ولأنه أجمعوا أن المرأة التي تبذو على أحمائها بلسانها، تؤدّب، وتقصر على السكنى في المنزل الذي طُلّقت فيه، وتُمنع من ٢٣٧ (٦) - بَابٌ إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا سُكْنَى - حديث رقم (٣٦٩٧) أذى الناس، فدلّ ذلك على أن من اعتلّ بمثل هذه العلّة في الانتقال، اعتلّ بغير صحيح من النظر، ولا متّفق عليه من الخبر، هذا ما يوجبه عندي التأمّل لهذا الحديث مع صحّته، وبالله تعالى التوفيق. وإذا ثبت أن النبيّ بَير قال لفاطمة بنت قيس - وقد طُلّقت طلاقاً باتاً -: لا سكنى لك، ولا نفقة، وإنما السكنى والنفقة لمن عليها رجعة؛ فأيّ شيء يعارض به هذا؟ هل يُعارض إلا بمثله عن النبيّ وَ ﴿ الذي هو المبيّن عن الله مراده من كتابه، ولا شيء عنه ولم يدفع ذلك، ومعلوم أنه أعلم بتأويل قول الله رَتْ: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ﴾ من غيرِهِ وَّر، وأما الصحابة، فقد اختلفوا كما رأيت، منهم من يقول: لها السكنى والنفقة، منهم: عمر، وابن مسعود، ومنهم من يقول: لها السكنى، ولا نفقة، منهم ابن عمر، وعائشة، ومنهم من يقول: لا سكنى لها، ولا نفقة، وممن قال ذلك: عليّ، وابن عباس، وجابر، وكذلك اختلاف فقهاء الأمصار على هذه الثلاثة الأقوال، على ما ذكرنا، وبيّا - والحمد لله -. انتهى المقصود من كلام ابن عبد البرّ دَّتُهُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه الحافظ أبو عمر تَُّ من ترجيح القول بما دلّ عليه حديث فاطمة بنت قيس ◌َّا هو الحقّ الذي لا مرية فيه. والحاصل أن الصحيح أنه لا سكنى، ولا نفقة للمبتوتة، إلا أن تكون حاملاً؛ لحديث فاطمة وثقا هذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْدَفُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٩٧] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَازِمٍ، وَقَالَ قُتَيْبَةُ أَيْضاً: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ، كِلَيْهِمَا عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّهُ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فِي عَهْدٍ النَّبِيِّ ◌َ، وَكَانَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَةَ دُونٍ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ، قَالَتْ: وَاللهِ لَأُعْلِمَنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ، فَإِنْ كَانَ لِي نَفَقَةٌ أَخَذْتُ الَّذِي يُصْلِحُنِي، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِي نَفَقَةٌ، لَمْ آخُذْ مِنْهُ شَيْئاً، قَالَتْ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ وَهِ، فَقَالَ: ((لَا نَفَقَةَ لَكِ، وَلَا سُكْتَی))). ٢٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ) المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٨] (ت١٨٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٠/٤٥. ٣ - (بَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) بالتشديد - المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨] (ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥. ٤ - (أَبُو حَازِم) سلمة بن دينار الأعرج التمّار القاصّ المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٣/٥٠. والباقیان ذُكرا قبله. وقوله: (كِلَيْهِمَا) هكذا النسخ، وهو صحيح، بتقدير: أعني كليهما، أو هو مرفوع تأكيد للمرفوع، كُتب بالياء لإجل الإمالة، فيُقرأ بالألف، وضمير التثنية لعبد العزيز، ويعقوب، والله تعالى أعلم. وقولها: (وَكَانَ أَنْفَقَ عَلَيْهَا نَفَقَّةَ دُونٍ) قال النوويّ تَخْتُهُ: هكذا هو في النسخ ((نفقةَ دُونٍ)) بإضافة ((نفقة)) إلى ((دون))، قال أهل اللغة: الدُّون: الرديء الحقير، قال الجوهريّ: ولا يُشتقّ منه فعلٌ، قال: وبعضهم يقول منه: دان يدون دُوناً، وأدين إدانةً. انتهى. وقولها: (وَاللّهِ لَأَعْلِمَنَّ رَسُولَ اللهِنَ ◌َّ) بضم الهمزة، من الإعلام، و((رسول الله (َّه)) منصوب على المفعوليّة، وهو الأول، والثاني محذوف؛ أي: هذا الأمر. والحديث من أفراد المصنّف تَّقُهُ، وتقدّم البحث عنه مستوفّى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٩٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، فَأَخْبَرَتْنِي أَنَّ زَوْجَهَا الْمَخْزُومِيَّ طَلَّقَهَا، فَأَبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا نَفَقَةَ لَكِ، فَانْتَقِي، فَاذْهَبِي إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُوم، فَكُونِي عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ))). (٦) - بَابٌ إِنَّ الْمُطَلَّقَةَ الْبَائِنَ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَلَا سُكْنَى - حديث رقم (٣٦٩٩) ٢٣٩ رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام الشهير، تقدّم قريباً. ٢ - (عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ) القُرشيّ العامريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٥] (ت١١٧) بالمدينة (بخ م د ت س) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة» ١٥٥٧/٥٦. والباقون ذُكروا قبله، و((أبو سلمة)) هو ابن عبد الرحمن بن عوف. وقولها: (أَنَّ زَوْجَهَا الْمَخْزُومِيَّ) تقدّم أنه أبو عمرو بن حفص، وقيل بالعكس، واسمه عبد الحميد، وقيل: غيره، من بني مخزوم. وقوله: (فَأَبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا) أي: أبى وكيلاه أن ينفقا عليها؛ لعلمهما أنه لا نفقة للمبتوتة ولا سكنى، كما تقدّم بيان ذلك. وقوله: (تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ) وفي الرواية الأخرى: «فإنك إذا وَضَعتِ خمارك لم يرك))، قال النوويّ تَُّهُ: هذه الرواية مفسّرة للأولى، ومعناه: لا تخافين من رؤية رجل إليك. انتهى(١). والحديث من أفراد المصنّف ◌َّتُهُ، وتقدّم البحث عنه مستوفّى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَثُ أوّل الكتاب قال: [٣٦٩٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، أَخْبَرَّنِي أَبُو سَلَمَةَ؛ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسِ، أُخْتَ الضَّخَّاكِ بْنٍ قَيْسٍ، أَخْبَرَتْهُ أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيَّ، طَلَّقَهَا ثَلَاثاً، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهَا أَهْلُهُ: لَيْسَ لَكِ عَلَيْنَا نَفَقَةٌ، فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي نَفَرِ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ وَّهِ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَقَالُوا: إِنَّ أَبَا حَفْصٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً، فَهَلْ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ))، وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ، وَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى أُمِّ شَرِيِكِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهَا، أَنَّ أُمَّ شَرِيِكٍ يَأْتِيهَا الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ، فَانْطَلِي إِلَى (١) ((شرح النوويّ)) ٩٩/١٠ - ١٠٠. ٢٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق ابْنِ أُمِّ مَكْتُومِ الْأَعْمَى، فَإِنَّكِ إِذَا وَضَعْتِ خِمَارَكِ لَمْ يَرَكِ، فَانْطَلَقَتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا مَضَتْ عِدَّتُهَا، أَنْكَحَهَا رَسُولُ اللهِ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) تقدّم قريباً . ٢ - (حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن بَهْرَام التميميّ، أبو محمد، أو أبو عليّ الْمَرُّوذِيّ(١) نزيل بغداد، ثقة [٩] (ت٢١٣ أو بعدها بسنة، أو سنتين (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٥٤٣/٥٦. ٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم النحويّ، أبو معاوية البصريّ، نزيل الكوفة، ثقة، صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٢٤. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (أن أبا حفص بن المغيرة) تقدّم الخلاف، في كنيته، وفي اسمه أيضاً . وقولها: (طلّقها ثلاثاً) أي: آخر تطليقات ثلاث، كما تقدّم بيانه. وقولها: (ثم انطلق إلى اليمن) أي: مع عليّ رُهُ لَمّا بعث النبيّ وَّ إليها. وقولها: (فانطلق خالد بن الوليد) قد تقدّم أن خالداً به كان ابن عمّ لأبي حفص زوج فاطمة څا. وقوله: (لا تسبقيني بنفسك) أي: لا تفعلي شيئاً من تزويج نفسك قبل إعلامك لي بذلك، وإنما قال لها وَل ◌ّ ذلك؛ لأنه يريد أن يخطبها لأسامة ، وهذا يدلّ على جواز التعريض بخطبة المعتدّة البائن، كما قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ اُلْنِسَاءِ﴾ الآية. (١) بتشديد الراء، وإسكان الواو، بعدها ذال معجمة.