النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ (٥) - بَابٌ فِي إِيلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥) تؤذي رسول الله (وَي))، وفي رواية الطيالسيّ: ((فقلت: متى كنتِ تدخلين في أمورنا؟ فقالت: يا ابن الخطاب، ما يستطيع أحد أن يكلمك، وابنتك تكلم رسول الله (ثر، حتى يظل غضبان)). وقولها: ((اليومَ إلى الليل)) بنصب ((اليوم)) على الظرفيّة لـ(تهجر))؛ أي: من أول النهار إلى أن يدخل الليل، ويَحْتَمِل أن يكون المراد: حتى إنها لتهجره اليومَ مضافاً إلى الليل. (فَانْطَلَقْتُ) زاد في رواية البخاريّ: ((فأفزعني ذلك، فقلت لها: قد خاب مِن فَعَلَ ذلكِ منهنّ، ثم جمعت عليّ ثيابي، فنزلت)) (فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) يعني ابنته، وبدأ بها لمنزلتها منه (فَقُلْتُ: أَتْرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ وَ لَّ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ) وفي رواية عُبيد بن حُنين: ((فقالت حفصة: والله لنراجعه))، وفي رواية حماد بن سلمة: ((فقلت: ألا تتّقين الله)) (فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟) وفي رواية البخاريّ: ((فقلت لها؛ أي: حفصةُ، أتغاضب إحداكنّ النبيّ نَّر اليوم حتى الليل؟)) (قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ وَخَسِرَ) وفي نسخة: ((وخسِرَت)) فالتذكير بالنظر إلى لفظ ((من))، والتأنيث بالنظر إلى المعنى (أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبٍ رَسُولِهِ وَّهِ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟) وفي رواية البخاريّ: (أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسول الله (وَير، فتهلكي))، قال في ((الفتح)): كذا هو بالنصب للأكثر، ووقع في رواية عُقيل: ((فتهلكين))، وهو على تقدير محذوف، وتقدم في ((كتاب المظالم)): ((أفتأمنُ أن يغضب الله لغضب رسوله، فتهلكين))، قال أبو عليّ الصدفيّ: الصواب: أفتأمنين، وفي آخره: فتهلكي، كذا قال، وليس بخطأ؛ لإمكان توجيهه. وفي رواية عُبيد بن حُنين: ((فتهلكن)) بسكون الكاف، على خطاب جماعة النساء، وعنده: ((فقلت: تَعْلَمِين أني أحذُّرك عقوبة الله، وغضب رسوله)). (لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللهِوََّ، وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئاً، وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ) أي: ظهر لك، وفي رواية البخاريّ: ((لا تستكثري النبيّ وَّ، ولا تراجعيه في شيء، ولا تهجريه، وسليني ما بدا لك))، ومعنى: ((لا تستكثري)): أي لا تطلبي منه الكثير، ومعنى: ((لا تراجعيه في شيء)) أي: لا تراديه في الكلام، ولا تردي عليه، و((لا تهجريه)) أي: ولو هجركِ. ١٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق وفي رواية يزيد بن رومان: ((لا تكلمي رسول الله ربَّله، فإن رسول الله ليس عنده دنانير، ولا دراهم، فما كان لكِ من حاجة حتى دُهْنةٍ، فسليني)). (وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ) بفتح الألف، وبكسرها أيضاً (كَانَتْ جَارَتُكِ) أي: ضَرّتك، أو هو على حقيقته؛ لأنها كانت مجاورة لها، والأولى أن يُحْمَل اللفظ هنا على معنييه؛ لصلاحيته لكل منهما، والعرب تُطلق على الضرّة جارةً؛ لتجاورهما المعنويّ؛ لكونهما عند شخص واحد، وإن لم يكن حسيّاً، وقد وقع في حديث حَمَل بن مالك: ((كنت بين جارتين)) يعني ضرّتين، فإنه فسره في الرواية الأخرى، فقال: ((امرأتين))، وكان ابن سيرين يكره تسميتها ضرّةً، ويقول: إنها لا تضرّ، ولا تنفع، ولا تذهب من رزق الأخرى بشيء، وإنما هي جارةٌ، والعرب تسمي صاحب الرجل، وخليطه: جاراً، وتسمي الزوجة أيضاً جارةً؛ لمخالطتها الرجلَ(١). وقال القرطبيّ تَخُّْ: أراد بالجارة الضرّة، وكَنَى بها عنها؛ مراعاةً للأدب، واجتناباً للفظ الضرر أن يضاف لمثل أزواج النبيّ وَّ، ورضي عنهنّ، ويعني بذلك عائشة ﴿ا. انتهى(٢). (هِيَ أَوْسَمَ) أي: أجمل، وهو بالسين المهملة، من الوسامة، وهي العلامة، والوسيم: الجميل، فكأن الحسن وَسَمها؛ أي: علّمها بعلامة تُعرف بها، ولفظ البخاريّ: ((أوضا)) من الوضاءة (وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ الهِ لَهُ مِنْكِ، يُرِيدُ عَائِشَةَ) المعنى: لا تغترّي بكون عائشة تفعل ما نهيتكِ عنه، فلا يؤاخذها بذلك، فإنها تُدْلِ بجمالها، ومحبة النبيّ ◌َّ فيها، فلا تغتري أنت بذلك؛ لاحتمال أن لا تكوني عنده في تلك المنزلة، فلا يكون لك من الإدلال مثل الذي لها . ووقع في رواية عُبيد بن حُنين الماضية أبين من هذا، ولفظه: ((يا بُنيّةُ لا تغرّنّك هذه التي قد أعجبها حسنها، وحبّ رسول الله وَّ﴿ إياها)). وفي رواية الطيالسيّ: ((لا تغترّي بحسن عائشة، وحبّ رسول الله وَلقوله (١) ((الفتح)) ٦٠٦/١١ ((كتاب النكاح)) رقم (٥١٩١). (٢) ((المفهم)) ٢٦٠/٤. ١٨٣ (٥) - بَابٌ فِي إِيلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيبِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥) إياها))، وعند ابن سعد في رواية أخرى: ((إنه ليس لك مثل حَظوة عائشة، ولا حسن زینب))، يعني بنت جحش. وزاد عُبيد بن حُنين في هذه الرواية: ((ثم خرجتُ حتى دخلت على أم سلمة؛ لقرابتي منها))، يعني لأن أم عمر كانت مخزومية، مثل أم سلمة، وهي أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، ووالدة عمر حنتمة بنت هاشم بن المغيرة، فهي بنت عم أمه، وفي رواية يزيد بن رُومان: ((ودخلت على أم سلمة، وكانت خالتي))، وكأنه أطلق عليها خالة؛ لكونها في درجة أمه، وهي بنت عمها، ويَحْتَمِل أن تكون ارتضعت معها، أو أختها من أمها، قاله في ((الفتح))(١). (قَالَ) عمر ◌َظُبه (وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) قال في ((الفتح)): اسم الجار المذكور أوس بن خَوْلِيّ بن عبد الله بن الحارث الأنصاريّ، سماه ابن سعد من وجه آخر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، فذكر حديثاً، وفيه: ((وكان عُمَر مؤاخياً أوس بن خَوْلي، لا يسمع شيئاً إلا حدّثه، ولا يسمع عمر شيئاً إلا حدّثه))، فهذا هو المعتمد. وأما ما تقدّم في ((العلم)) عمن قال: إنه عتبان بن مالك، فهو من تركيب ابن بشكوال، فإنه جوَّز أن يكون الجار المذكور عتبان؛ لأن النبيّ وٍَّ آخَى بينه وبين عمر، لكن لا يلزم من الإخاء أن يتجاورا، والأخذ بالنصّ مقدَّم على الأخذ بالاستنباط، وقد صرحت الرواية المذكورة عند ابن سعد أن عمر كان مؤاخياً لاوس، فهذا بمعنى الصداقة، لا بمعنى الإخاء الذي كانوا يتوارثون به، ثم نُسِخ، وقد صرح به ابن سعد بأن النبيّ وَ ل﴿ آخَى بين أوس بن خَوْليّ وشُجاع بن وهب، كما صرح به بأنه آخَى بين عمر وعتبان بن مالك، فتبيّن أن معنى قوله: ((كان مؤاخياً)) أي: مصادقاً، ويؤيد ذلك أن في رواية عُبيد بن حُنين: ((وكان لي صاحب من الأنصار)). انتهى(٢). (فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللهِ و ◌ََّ) وفي لفظ للبخاريّ: ((على رسول الله وَّه)) (فَيَنْزِلُ يَوْماً، وَأَنْزِلُ يَوْماً، فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ) أي: من (١) ((الفتح)) ٦٠٧/١١. (٢) ((الفتح)) ٦٠٢/١١ - ٦٠٣ ((كتاب النكاح)) رقم (٥١٩١). ١٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق الحوادث الكائنة عند النبيّ ◌َ﴾ (وَآتِيهِ بِمِثْلٍ ذَلِكَ) وفي رواية ابن سعد المذكورة: ((لا يسمع شيئاً إلا حدّثه به، ولا يسمع عمر شيئاً إلا حدثه به))، وفي رواية عُبيد بن حُنين السابقة: ((إذا غِبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت آتيه بالخبر))، ولفظ البخاريّ: ((إذا غاب، وشهدت أتيته بما يكون من رسول الله ( 9))، وفي رواية الطيالسيّ: ((يحضر رسول الله وَل﴿ إذا غبت، وأحضره إذا غاب، ويخبرني، وأخبره)) (وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ غَسَّانَ) والأشهر فيه ترك صرفه باعتبار القبيلة، وقيل: يُصرف باعتبار أنه أبٌ، أو حيٍّ، وقد سمّاه ابن سعد في روايته: ((الحارث بن أبي شَمِر)) (تُنْعِلُ الْخَيْلَ) وفي لفظ للبخاريّ: ((وكنا قد تحدثنا أن غَسّان تنعل الخيل))، وفي لفظ له في ((المظالم)): ((تُنْعِل النعال)) أي: تستعمل النعال، وهي نعال الخيل. ويَحْتَمِل أن يكون بالموحدة، ثم المعجمة، ويؤيده لفظ الخيل في هذه الرواية، و((تُنْعِل)) في الموضعين بفتح أوله، وأنكر الجوهريّ ذلك في الدابة، فقال: أنعلت الدابة، ولا تقل: نَعَلتُ، فيكون على هذا بضم أوله، وحكى عياض في ((تُنعل الخيل)) الوجهين، وغَفَل بعض المتأخرين، فرَدّ عليه، وقال المجد في البخاريّ: ((تنعل النعال))، فاعتمد على الرواية التي في ((المظالم))، ولم يستحضر التي هنا، وهي التي تكلم عليها عياض، قاله في ((الفتح))(١). (لِتَغْزُوَنَا) وقع في رواية عُبيد بن حُنين السابقة: ((ونحن حينئذ نتخوف ملِكاً من ملوك غسان، ذُكِر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه))، وفي روايته عند البخاريّ في ((اللباس)): ((وكان مَن حول رسول الله وَل قد استقام له، فلم يبق إلا ملك غسان بالشام، كنا نخاف أن يأتينا))، وفي رواية الطيالسيّ: ((ولم يكن أحد أخوف عندنا من أن يغزونا ملك من ملوك غسان)). (فَنَزَلَ صَاحِي، ثُمَّ أَتَانِي عِشَاءً) لفظ البخاريّ: ((فرجع إلينا عِشاءً)) (فَضَرَبَ بَابِي) زاد في رواية البخاريّ: ((ضرباً شديداً) (ثُمَّ نَادَانِي) ولفظ البخاريّ: ((وقال: أَثَمَّ هو؟))؛ أي: في البيت، وذلك لبطء إجابتهم له، فظنّ أنه خرج من البيت، وفي رواية عُقيل: ((أنائم هو؟))، وهي أولى، قاله في ((الفتح))(٢). (١) ((الفتح)) ٦٠٨/١١. (٢) ((الفتح)) ٦٠٨/١١. ١٨٥ (٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥) (فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ) وفي رواية البخاريّ: ((ففزِعتُ، فخرجت إليه)) (فَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ) وللبخاريّ: ((فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم)) (قُلْتُ: مَاذَا؟) وللبخاريّ: ((ما هو؟)) (أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟) وللبخاريّ: ((أجاء غسان؟))، تقدّم أنه يجوز صرفه، وعدمه، وفي رواية عبيد بن حنين: ((أجاء الغساني؟))، (قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطْوَلُ) ولفظ البخاريّ: ((وأهول))، قال في ((الفتح)): هو بالنسبة إلى عمر؛ لكون حفصة بنته منهنّ. انتهى. (طَلَّقَ النَّبِيُّ ◌َِّ نِسَاءَهُ) قال في ((الفتح)): كذا وقع في جميع الطرق عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور: ((طَلَّق)) بالجزم، ووقع في رواية عمرة، عن عائشة، عند ابن سعد: ((فقال الأنصاريّ: أمر عظيم، فقال عمر: لعل الحارث بن أبي شَمِر سار إلينا؟ فقال الأنصاريّ: أعظم من ذلك، قال: ما هو؟ قال: ما أرى رسول الله وَلّ إلا قد طلَّق نساءه))، وأخرج نحوه من رواية الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، وسَمَّى الأنصاريَّ أوسَ بن خَوْليّ، كما تقدم، ووقع قوله: ((طلق)) مقروناً بالظنّ. انتھی(١). (فَقُلْتُ: قَدْ خَابَتْ حَقْصَةُ وَخَسِرَتْ) إنما خصها بالذكر؛ لمكانتها منه؛ لكونها بنته، ولكونه كان قريب العهد بتحذيرها من وقوع ذلك، ووقع في رواية عُبيد بن حُنين: ((فقلت: رَغِم أنفُ حفصة وعائشة))، وكأنه خصهما بالذكر؛ لكونهما كانتا السبب في ذلك، كما تقدّم بيانه (قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كَائِناً) ولفظ البخاريّ: ((قد كنت أظنّ هذا يوشك أن يكون))، بكسر الشين من يوشك؛ أي: يقرب، وذلك لمّا كان تقدم له من أن مراجعتهن قد تفضي إلى الغضب المفضي إلى الفرقة (حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ، شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي) ولفظ البخاريّ: ((فجمعت عليّ ثيابي، فصلّيت الصبح مع النبيّ وَّه)) (ثُمَّ نَزَلْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، وَهِيَ تَبْكِي) وفي رواية سماك المتقدّمة: ((أنه دخل أوّلاً على عائشة، فقال: يا بنت أبي بكر، أقد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول الله وَله؟ فقالت: ما لي ولك يا ابن الخطاب؟ عليك بِعَيبتك))؛ أي: عليك بخاصتك، وموضع سرّك، ومرادها: عليك بوعظ ابنتك (فَقُلْتُ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ وَلِّ؟) وفي (١) ((الفتح)) ٦٠٩/١١. ١٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق رواية البخاريّ: ((ألم أكن حذّرتكِ؟ أطلّقكنّ النبيّ نَّ؟)) (فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي، هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ) وفي رواية سماك: ((فقلت لها: أين رسول الله وَلؤ؟ قالت: هو في خِزانته، في المشربة))، وهي بضم الراء، ويفتحها، وجمعها: مشارب، ومشربات، وهي الغرفة العليّة، وقيل غير ذلك، مما تقدّم بيانه (فَأَتَيْتُ غُلَاماً لَهُ أَسْوَدَ) هو رَبَاحِ، مولى رسول الله وَّهِ (فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ) في رواية عُبيد بن حُنين: ((فقلت له: قل: هذا عمر بن الخطاب)) (فَدَخَلَ) إلى المشربة (ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ) بفتح الميم من باب نصر؛ أي: سكت، وصُمُوتاً، وصُمَاتاً، وفي رواية سماك: ((فنظر رباح إلى الغرفة، ثم نظر إليّ، فلم يقل شيئاً)). قال في ((الفتح)): واتفقت الروايتان على أنه أعاد الذهاب والمجيء ثلاث مرّات، لكن ليس ذلك صريحاً في رواية سماك، بل ظاهر روايته أنه أعاد الاستئذان فقط، ولم يقع شيء من ذلك في رواية عُبيد بن حُنين، ومَن حَفِظ حجة على من لم يحفظ. ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ وَّ في المرتين الأوليين كان نائماً، أو ظَنّ أن عمر جاء يستعطفه على أزواجه؛ لكون حفصة ابنته منهنّ. انتهى (١). (فَانْطَلَقْتُ) أي: ذهبت إلى المسجد (حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَجَلَسْتُ) وفي رواية البخاريّ: ((فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر)) (فَإِذَا عِنْدَهُ) أي: عند المنبر (رَهْطٌ) أي: جماعة، قال الفيّوميّ تَذَتُهُ: الرَّهْط: ما دون عشرة من الرجال، ليس فيهم امرأة، وسكون الهاء أفصح من فتحها، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل: الرهط من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وقال أبو زيد: الرَّهْطُ، والنَّفَرُ: ما دون العشرة من الرجال، وقال ثعلب أيضاً: الرهط، والنَّفَر، والقوم، والْمَعْشَر، والْعَشِيرة: معناهم الجمع، لا واحد لهم من لفظهم، وهو للرجال دون النساء، وقال ابن السِّكِّيت: الرهط، والعشيرة: بمعنَى، ويقال: الرهط: ما فوق العشرة إلى الأربعين، قاله الأصمعيّ في ((كتاب الضاد، والظاء))، ونقله ابن فارس أيضاً، ورَهْطُ الرجل: قومُهُ، وقبيلته الأقربون. انتهى. (١) ((الفتح)) ٦١٣/١١. ١٨٧ (٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥) وقوله: (جُلُوسٌ) جمع: جالس، وهو صفة لـ((رهط))، وقوله: (يَبْكِي بَعْضُهُمْ) جملة حاليّة، قال الحافظ: ((لم أقف على تسميتهم))، وفي رواية سماك بن الوليد الماضية: ((دخلت المسجد، فإذا الناس ينكتون بالحصى))؛ أي: يضربون الأرض، كفعل المهموم المفكّر (فَجَلَسْتُ قَلِيلاً) وفي رواية البخاريّ: ((فجلست مع الرهط الذين عند المنبر)) (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ) أي: مِن شُغْل قلبه بما بلغه، من اعتزال النبيّ ◌َ * نساءه، وأن ذلك لا يكون إلا عن غضب منه، ولاحتمال صحة ما أُشيع من تطليق نسائه، ومن جملتهنّ حفصة بنت عمر رضيها، فتنقطع الوصلة بينهما، وفي ذلك من المشقّة عليه ما لا يخفى (ثُمَّ أَتَيْتُ الْغُلَامَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِراً، فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي) وفي رواية سماك: ((ثم رفعت صوتي، فقلت: يا رَباح استأذن لي، فإني أظنّ أن رسول الله وَّ ظن إني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني بضرب عنقها لأضربن عنقها)). قال الحافظ: وهذا يقوي الاحتمال الثاني(١)؛ لأنه لمّا صرح في حقّ ابنته بما قال، كان أبعد أن يستعطفه لضرائرها. انتهى. (فَقَالَ: ادْخُلْ، فَقَدْ أَذِنَ لَكَ) بالبناء للفاعل، وهو ضمير النبيّ وَّ، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للمفعول (فَدَخَلْتُ، فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ) قال القاضي عياض نَّتُهُ: متكئ هنا: بمعنى مضطجع. انتهى(٢). وقال القرطبيّ تَخْتُهُ، الاتّكاء هنا هو التمكّن، والتثبّت، فيكون ميلاً على جنب، ويكون تربّعاً؛ إذ كلّ واحد منهما متمكن، ومتثبّتٌ، ويعني به ها هنا: التمكّن على أحد جنبيه. انتهى(٣). (عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ) أي: نسجه، وفي رواية البخاريّ: ((فإذا هو مضطجع على رِمَال)) بكسر الراء، وقد تُضَمّ، وفي رواية معمر: ((على رَمْل)) بسكون الميم، والمراد به النسج، تقول: رَمَلتُ الحصيرَ، وأرملته: إذا نسجته، وحَصِير مرمولٌ؛ أي: منسوج، والمراد هنا أن سريره كان مرمولاً بما يُرْمَل به الحصير، (١) يعني قوله الماضي: ((أو ظنّ أن عمر جاء يستعطفه على أزواجه ... إلخ)). (٣) راجع: ((المفهم)) ٤/ ٢٦٢. (٢) ((إكمال المعلم)) ٤١/٥. ١٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق ووقع في رواية أخرى: ((على رِمال سرير))، ووقع في رواية سماك: ((على حصير، وقد أثّر الحصير في جنبه))، وكأنه أطلق عليه حَصِيراً تغليباً، وقال الخطابيّ: رِمَال الحصير: ضُلُوعه المتداخلة بمنزلة الخيوط في الثوب، فكأنه عنده اسم جمع، قال الحافظ: وقوله: ((ليس بينه وبينه فراش، قد أَثَّر الرِّمال بجنبه)) يؤيد ما قدمته أنه أطلق على نسج السرير حصيراً. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: إضافة ((رَمْلٍ)) إلى ((حَصِيرٍ)) في رواية المصنّف من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي: الحصير المرمول؛ أي: المنسوج، والله تعالى أعلم. (قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ) أي: قد ظهر في جنبه ◌َّ الشريف أثر ذلك الحصير؛ لعدم فراش يقيه منه (فَقُلْتُ) زاد في رواية البخاريّ: ((وأنا قائم)) (أَطَلَّقْتَ بَا رَسُولَ اللهِ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ) ولفظ البخاريّ: ((فرفع إليّ بصره)) (وَقَالَ: (لا))) أي: لم أطلِّقهن، وإنما اعتزلت عنهنّ (فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ) قال الكرمانيّ تَُّ: لَمّا ظَنّ الأنصاريّ أن الاعتزال طلاقٌ، أو ناشئ عن طلاق أخبر عمرَ بوقوع الطلاق، جازماً به، فلما استَفْسَر عمر عن ذلك، فلم يجد له حقيقة كبّر تعجباً من ذلك. انتهى. ويَحْتَمِل أن يكون كبّر الله حامداً له على ما أنعم به عليه، من عدم وقوع الطلاق، وفي حديث أم سلمة ◌ٌّا، عند ابن سعد: ((فكبّر عمر تكبيرةٌ سمعناها، ونحن في بيوتنا، فعلمنا أن عمر سأله: أطلقت نساءك؟ فقال: لا، فكبّر حتى جاءنا الخبر بعدُ»، ووقع في رواية سماك السابقة: ((فقلت: يا رسول الله أطلقتهنّ؟ قال: لا، قلت: إني دخلت المسجد، والمسلمون ينكتون بالحصى، يقولون: طَلَّق رسول الله وَليل نساءه، أفأنزل، فأخبرهم أنك لم تطلقهنّ؟ قال: نعم، إن شئت))، وفيه: ((فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي، لم يطلق رسول الله وَل﴿ نساءه))(٢). (لَوْ رَأَيْتَنَا يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية البخاريّ: ((ثم قلت، وأنا قائم: أستأنس يا رسول الله؟))، قال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن يكون قوله: ((أستأنس)) (١) ((الفتح)) ٦١٣/١١ - ٦١٤. (٢) ((الفتح)) ٦١٤/١١. ١٨٩ (٥) - بَابٌ فِي إِيلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥) استفهاماً بطريق الاستئذان، ويَحْتَمِل أن يكون حالاً من القول المذكور بعده، وهو ظاهر سياق هذه الرواية، وجزم القرطبيّ بأنه للاستفهام، فيكون أصله بهمزتين، تُسَهّل إحداهما، وقد تُحذف؛ تخفيفاً، ومعناه: أنبسط في الحديث؟ واستأذَنَ في ذلك؛ لقرينة الحال التي كان فيها؛ لعلمه بأن بنته كانت السبب في ذلك، فخَشِي أن يلحقه هو شيء من المعتبة، فبقي كالمنقبض عن الابتداء بالحدیث، حتى استأذن فیه. انتهى. (وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشِ قَوْماً نَغْلِبُ النِّسَاءَ) فساق الحديث، وكذا في رواية عُقيل، ووقع في رواية معمر أن قوله: ((أستأنس)) بعد سياق القصة، ولفظه: ((فقلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش - فساق القصة - فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم))، وهذا يعيّن الاحتمال الأول، وهو أنه استأذن في الاستئناس، فلما أَذِن له فيه جلس، قاله في ((الفتح)) (١). قال الجامع عفا الله عنه: الأولى عندي أن قوله: ((أستأنس)) جملة حالية من ((قُلتُ))، وأما الاستفهام فسيأتي بعده، والله تعالى أعلم. (فَلَمَّا قَدِمْنَا) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ، وَجَدْنَا قَوْماً) هم الأنصار (تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ) تقدّم أنه بكسر الفاء، وفتحها؛ أي: شرع، وأخذ (نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْماً، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَ الهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِّ ◌َ﴿ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكِ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ وََّ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟) تقدّم شرح هذا كله (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ، وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ مِنْكِ، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى) أي: تبسّمة أخرى، وفي رواية عُبيد بن حُنين: ((فذكرت له الذي قلت لحفصة، وأم سلمة، فضحك))، وفي رواية سماك: ((فلم أزل أحدّثه حتى تَحَسّر الغضب عن وجهه، وحتى كَشَر، فضحك، وكان من أحسن الناس ثَغْراً))، وقوله: (تحسَّر)) بمهملتين؛ أي: تكشّف وزناً (١) ((الفتح)) ٦١٤/١١. ١٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق ومعنَّى، وقوله: ((كَشَر)) بفتح الكاف، والمعجمة؛ أي: أبدى أسنانه ضاحكاً، قال ابن السِّكِّيت: كَشَرَ، وتَبَسَّم، وابتسم، وافْتَرَّ: بمعنَى، فإذا زاد قيل: قَهْقَهَ، وكَرْكَرَ، وقد جاء في صفته وََّ: ((كان ضَحِكُهُ تبسُّماً)). (فَقُلْتُ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) هذا هو الاستفهام في الاستئناس، والاستئذان فيه، وأما قوله فيما مضى: ((فقلت: أستأنس))، وإن رجّح الحافظ كونه استئنافاً، فالأظهر كونه حالاً، كما أسلفته، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: قوله: ((أستأنس)) هو على الاستفهام، فيكون بهمزتين: همزة الاستفهام، دخلت على همزة المتكلّم، فإن شئت حقّقتهما، وإن شئت حقّقت الأولى، وسهّلت الثانية، ومعناه: أنبسط في الحديث انبساط المتأنّس الذي لا يخاف عَتْباً، ولا لوماً؟ انتهى(١). (قَالَ) وَِّ (نَعَمْ)) أي: استأنس (فَجَلَسْتُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي الْبَيْتِ) ولفظ البخاريّ: ((فرفعت بصري في بيته)) (فَوَ اللهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئاً، بَرُدُّ الْبَصَرَ) قيل: معناه: يَحْمِل البصر على تكرار الرؤية (إِلَّا أُهُبأَ ثَلَاثَةً) ((الأُهُبُ)) بضمّتين: جمع إهاب بكسر الهمزة، قال المجد كَّتُهُ: ((الإهاب)) ككِتابِ: الْجِلدُ، أو ما لم يُدبغ، جمعه: آهِبَةٌ، وأُهُبِّ، وأَهَبٌّ. انتهى(٢). وفي رواية البخاريّ: ((غير أَهبَةٍ ثلاثة))، قال في ((الفتح)): في رواية الكشميهنيّ: ((ثلاث))، و((الأَهَبَةُ)) بفتح الهمزة والهاء، وبضمهما أيضاً: بمعنى الأُهُب، والهاء فيه للمبالغة، وهو جمع إهاب، على غير قياس، وهو الجلد قبل الدباغ، وقيل: هو الجلد مطلقاً، دُبغ أو لم يدبغ، والذي يظهر أن المراد به هنا جلد شُرع في دبغه، ولم يكمل؛ لقوله في رواية سماك بن الوليد: «فإذا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ))، والأَفِيق بوزن عَظِيمٍ: الجلد الذي لم يَتِمّ دباغه، يقال: أَدَمٌ، وأديم وأَفَقٌ، وأَفِيقٌ، وإهابٌ، وأُهُبِّ، وعِمادٌ، وعَمُودٌ، وعَمَدٌ، ولم يجئ فَعِيلٌ، وفَعُول على فَعَلٍ، بفتحتين في الجمع إلا هذه الأحرف، والأكثر أن يجيء فُعُلٌ بضمتين، وزاد في رواية عَبيد بن حُنين: ((وأن عند رجليه قَرَظاً - بقاف، وظاء معجمة - مصبوباً - بموحدتين))، وفي رواية أبي ذرّ: ((مصبوراً)) - (١) ((المفهم)) ٢٦٣/٤. (٢) ((القاموس المحيط)) ٣٧/١. ١٩١ (٥) - بَابٌ فِي إِيلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥) براء - قال النوويّ: ووقع في بعض الأصول ((مضبوراً)) بضاد معجمة، وهي لغةٌ، والمراد بالمصبور بالمهملة، والمعجمة: المجموع، ولا ينافي كونه مصبوباً، بل المراد أنه غير منتثر، وإن كان في غير وعاء، بل هو مصبوب مجتمع، وفي رواية سماك: ((فنظرت في خِزانة رسول الله وَ له، فإذا أنا بقَبضة من شعير، نحوِ الصاع، ومثلها قرظاً في ناحية الغرفة)). (فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ) في رواية عُبيد بن حُنين: ((فبكيت، فقال: وما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر، فيما هما فيه، وأنت رسول الله))، وفي رواية سماك: ((فابتدرت عيناي، فقال: ما يبكيك يا بن الخطاب؟ فقلت: يا نبيّ الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أَثّر في جنبك، وهذه خِزانتك، لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى، في الأنهار والثمار، وأنت رسول الله وَ ل﴾، وصفوته؟)). (فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ، فَاسْتَوَى جَالِساً) ولفظ البخاريّ: ((فجلس النبيّ وَّ، وكَان متّكئاً)) (ثُمَّ قَالَ: «أَفِي شَكَ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟) وفي رواية للبخاريّ: ((أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟)). والمعنى: أأنت في شك في أن التوسع في الآخرة خير من التوسع في الدنيا؟ وهذا يُشعر بأنه بََّ ظَنّ أنه بكى من جهة الأمر الذي كان فيه، وهو غضب النبيّ وَّ على نسائه، حتى اعتزلهنّ، فلما ذكر له أمر الدنيا أجابه بما أجابه به. وقال القرطبيّ تَخْتُهُ: هذا إنكار منه وََّ على عمر ◌َظَه لِمَا وقع منه من الالتفات إلى الدنيا، ومدّ عينيه إليها، وقد بالغ وَل﴿ في الجواب، والردع بقوله: ((أولئك قومٌ عُجِّلت لهم طيّباتهم))، وقوله: ((أما ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة»، وفيه حجة على تفضيل الفقر. انتهى(١). (أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا))) وفي رواية عُبيد بن حُنين: ((ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا، ولنا الآخرة؟»، وفي رواية له: ((لهما)) بالتثنية، على إرادة كسرى وقيصر؛ لتخصيصهما بالذكر، والأخرى بإرادتهما، (١) ((المفهم)) ٤/ ٢٦٣. ١٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق ومن تبعهما، أو كان على مثل حالهما، زاد في رواية سماك: ((فقلت: بلى)). (فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ) أي: عن جراءتي بهذا القول بحضرتك، أو عن اعتقادي أن التجملات الدنيوية مرغوب فيها، أو عن إرادتي ما فيه مشابهة الكفار في ملابسهم، ومعايشهم(١). (وَكَانَ) وَّرِ (أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْراً) في رواية حماد بن سلمة، عن عبيد بن حنين: ((وكان آلى منهنّ شهراً)) أي: حَلَف، أو أقسم، وليس المراد به الإيلاء الذي في عُرف الفقهاء اتفاقاً. وفي حديث أنس قال: ((آلَى رسول الله وَ﴿ من نسائه شهراً))، وهذا موافق للفظ رواية حماد بن سلمة هنا، وإن كان أكثر الرواة في حديث عُمر لم يعبّروا بلفظ الإيلاء، قاله في ((الفتح)). وقوله: (مِنْ شِدَّةٍ مَوْجِدَتِهِ) أي: غضبه (عَلَيْهِنَّ، حَتَّى عَاتَبَهُ اللهُ رَكَ) وفي رواية البخاريّ: ((اعتزل النبيّ وَّه نساءه، من أجل ذلك الحديث الذي أفشته حفصة إلى عائشة)). قال الحافظ تَخَُّ في ((الفتح)): كذا في هذه الطريق لم يُفَسَّر الحديث المذكور الذي أفشته حفصة، وفيه أيضاً: ((وكان قال: ما أنا بداخل عليهنّ شهراً، من شدة مَوْجَدته عليهنّ حين عاتبه الله))، وهذا أيضاً مبهم، ولم أره مفسّراً، وكان اعتزاله في المشربة، كما في حديث ابن عباس، عن عمر، فأفاد محمد بن الحسن المخزوميّ في كتابه ((أخبار المدينة)) بسند له مرسل: ((أنه وَله كان يبيت في المشربة، ويَقِيل عند أراكة على خلوة بئر كانت هناك))، وليس في شيء من الطرق عن الزهريّ بإسناد حديث الباب إلا ما رواه ابن إسحاق، كما أشرت إليه في تفسير سورة التحريم، والمراد بالمعاتبة قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِعُ مَآ أَحَّ اللَّهُ لَكٌ﴾ الآيات [التحريم: ١ - ٣]. وقد اختُلِف في الذي حَرَّم على نفسه، وعوتب على تحريمه، كما اختُلِف في سبب حلفه على أن لا يدخل على نسائه، على أقوال، فالذي في (الصحيحين) أنه العسل، كما مضى، من طريق عُبيد بن عُمير، عن عائشة ◌َؤُنا، وذكرت في التفسير قولاً آخر أنه في تحريم جاريته مارية، وذكرت هناك كثيراً (١) ((الفتح)) ٦١٦/١١. ١٩٣ (٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥) من طرقه، ووقع في رواية يزيد بن رُومان، عن عائشة عند ابن مردويه ما يَجْمَع القولين، وفيه: ((أن حفصة أُهديت لها ◌ُكّة فيها عسلٌ، وكان رسول الله وَّه إذا دخل عليها حبسته، حتى تُلعقه، أو تسقيه منها، فقالت عائشة لجارية عندها حبشية، يقال لها: خضراء: إذا دخل على حفصة، فانظري ما يصنع؟ فأخبرتها الجارية بشأن العسل، فأرسلت إلى صواحبها، فقالت: إذا دخل عليكنّ، فقلن: إنا نجد منك ريح مغافير، فقال: هو عسل، والله لا أطعمه أبداً، فلما كان يوم حفصة، استأذنته أن تأتي أباها، فأَذِنَ لها، فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية، فأدخلها بيت حفصة، قالت حفصة: فرجعتُ، فوجدت الباب مُغْلَقاً، فخرج ووجهه يقطر، وحفصة تبكي، فعاتبته، فقال: أُشهِدك أنها عليّ حرام، انظري لا تخبري بهذا امرأة، وهي عندك أمانة، فلما خرج قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشِّرك؟ إنّ رسول الله وَّه قد حرّم أمَته، فنزلت)) . وعند ابن سعد، من طريق شعبة مولى ابن عباس عنه: ((خرجت حفصة من بيتها يوم عائشة، فدخل رسول الله ورسوله بجاريته القبطية بيت حفصة، فجاءت، فرقبته، حتى خرجت الجارية، فقالت له: أما إني قد رأيت ما صنعت، قال: فاكتمي عليّ، وهي حرام، فانطلقت حفصة إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت له عائشة: أما يومي فتُعْرِس فيه بالقبطية، ويَسْلَم لنسائك سائر أيامهنّ، فنزلت الآية)). وجاء في ذلك ذكر قول ثالث، أخرجه ابن مردويه، من طريق الضحاك، عن ابن عباس، قال: ((دخلت حفصة على النبيّ وَلهبيتها، فوجدت معه مارية، فقال: لا تخبري عائشة، حتى أبشرك ببشارة، إنّ أباك يلي هذا الأمر بعد أبي بكر، إذا أنا مت، فذهبت إلى عائشة، فأخبرتها، فقالت له عائشة ذلك، والتمست منه أن يُحَرِّم مارية، فحَرَّمها، ثم جاء إلى حفصة، فقال: أمرتك ألا تخبري عائشة، فأخبَرْتِها))، فعاتبها على ذلك، ولم يعاتبها على أمر الخلافة، فلهذا قال الله تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَغَضَ عَنْ بَعْضِّ﴾ . وأخرج الطبراني في ((الأوسط))، وفي ((عشرة النساء)) عن أبي هريرة نحوه بتمامه، وفي كلٌّ منهما ضعف. ١٩٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق وجاء في سبب غضبه منهنّ، وحلفه أن لا يدخل عليهنّ شهراً قصة أخرى، فأخرج ابن سعد من طريق عمرة، عن عائشة، قالت: ((أُهديت لرسول الله ﴿ هدية، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه نصيبها، فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها، فزادها مرّةً أخرى، فلم ترض، فقالت عائشة: لقد أَقْمَأَتْ وجهك(١)، ترد عليك الهدية؟ فقال: لأنتنّ أهون على الله من أن تقمئنني، لا أدخل عليكنّ شهراً ... )) الحديث. ومن طريق الزهريّ، عن عروة، عن عائشة نحوه، وفيه: ((ذَبَحَ ذِبْحاً، فقسمه بين أزواجه، فأرسل إلى زينب بنصيبها، فردّته، فقال: زيدوها ثلاثاً، كلُّ ذلك تردّه))، فذكر نحوه. وفيه قول آخر تقدّم لمسلم من حديث جابر ظُبه قال: جاء أبو بكر، والناس جلوس بباب النبيّ ◌َّي لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر، فدخل، ثم جاء عمر، فاستأذن، فأذن له، فوجد النبيّ وَلَير جالساً، وحوله نساؤه، فذكر الحديث، وفيه: ((هنّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة))، فقام أبو بكر إلى عائشة، وقام عمر إلى حفصة، ثم اعتزلهنّ شهراً، فذكر نزول آية التخيير. قال الحافظ تَغْلُهُ: يَحْتَمِل أن يكون مجموع هذه الأشياء كان سبباً لاعتزالهنّ، وهذا هو اللائق بمكارم أخلاقه بَلتر، وسعة صدره، وكثرة صفحه، وأن ذلك لم يقع منه حتى تكرر موجِبه منهنّ وَّ، ورضي عنهنّ. وقَصّر ابنُ الجوزيّ، فنسب قصة الذبح لابن حبيب بغير إسناد، وهي مسندة عند ابن سعد، وأبهم قصّة النفقة، وهي في ((صحيح مسلم). والراجح من الأقوال كلها قصة مارية؛ لاختصاص عائشة وحفصة بها، بخلاف العسل، فإنه اجتمع فيه جماعة منهنّ، كما تقدّم ذلك. ويَحْتَمِل أن تكون الأسباب جميعها اجتمعت، فأشير إلى أهمها، ويؤيده شمول الحلف للجميع، ولو كان مَثَلاً في قصة مارية فقط لاختَصّ بحفصة وعائشة. [تنبيه]: ومن اللطائف أن الحكمة في الشهر، مع أن مشروعية الهجر (١) أي أذلّته، وصغّرته. ((ق)). ١٩٥ (٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥) ثلاثة أيام، أن عدتهنّ كانت تسعةً، فإذا ضُربت في ثلاثة، كانت سبعة وعشرين، واليومان لمارية؛ لكونها كانت أمةً، فنقصت عن الحرائر. انتهى كلام الحافظ كَخَذُ(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب. (قَالَ الزُّهْرِيُّ) أي: بالإسناد السابق، وليس معلّقاً، وقد وقع عند البخاريّ من رواية عُقيل، وشعيب بن أبي حمزة مدرجاً، كما قال في ((الفتح)) (٢). (فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةٌ) بن الزبير (عَنْ عَائِشَةَ) ◌ُهَا (قَالَتْ: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَ لَه بَدَأَ بِي) فيه أن من غاب عن أزواجه، ثم حضر يبدأ بمن شاء منهنّ، ولا يلزمه أن يبدأ من حيث بلغ، ولا أن يُقرِع، كذا قيل، ويَحْتَمِل أن تكون البداءة بعائشة ◌ّا؛ لكونه اتَّفَقَ أنه كان يومها، قاله في ((الفتح))(٣). (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْراً) تقدم في رواية سماك بن الوليد أن عمر ذَكَّره و ليس بذلك، ولا منافاة بينهما؛ لأن في سياق حديث عمر أنه ذَكَّره بذلك عند نزوله من الغرفة، وعائشة ذكرته بذلك حين دخل عليها، فكأنهما تواردا على ذلك. وقد تقدّم عند مسلم من حديث جابر ظُه في هذه القصة: ((قال: فقلنا))، قال الحافظ: فظاهر هذا السياق يوهم أنه من تتمة حديث عمر، فيكون عُمر حضر ذلك من عائشة، وهو مُحْتَمِل عندي، لكن يُقَوِّي أن يكون هذا من تعاليق الزهريّ في هذه الطريق، فإن هذا القدر عنده عن عروة، عن عائشة، أخرجه مسلم من رواية معمر، عنه: أن النبيّ ر﴿ أقسم أنه لا يدخل على نسائه شهراً، قال الزهريّ: فأخبرني عروة، عن عائشة، قالت، فذكره. انتهى. (وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعِ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ) جملة في محلّ جرّ نعت للعدد، وفي رواية البخاريّ: ((وإنَّمَّا أصبحت من تسع وعشرين ليلةً أعَدُّها عدّاً)) (فَقَالَ) وَ ((إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ))) ليس هذا الكلام على معنى الحصر، (١) راجع: ((الفتح)) ٦١٧/١١ - ٦١٨، ((كتاب النكاح)) رقم (٥١٩١). (٢) راجع: ((الفتح)) ٦١٩/١١ رقم (٥١٩١). (٣) ((الفتح)) ٦١٨/١١. ١٩٦ البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق وإنما معناه: إن هذا الشهر تسع وعشرون)) فـ((أل)) في ((الشهر)) عهديّةٌ، فتنبّه. ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: ((فقال: الشهر تسع وعشرون ليلةً، وكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين ليلةً))، قال في ((الفتح)): في هذا إشارة إلى تأويل الكلام الذي قبله، وأنه لا يراد به الحصر، أو أن اللام في قوله: ((الشهر)) للعهد من الشهر المحلوف عليه، ولا يلزم من ذلك أن تكون الشهور كلها كذلك، وقد أنكرت عائشة على ابن عمر روايته المطلقة: ((إن الشهر تسع وعشرون))، فأخرج أحمد، من طريق يحيى بن عبد الرحمن، عن ابن عمر رفعه: ((الشهر تسع وعشرون))، قال: فذكروا ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، إنما قال: ((الشهر قد يكون تسعاً وعشرين)). وقد تقدّم لمسلم في رواية سماك بن الوليد، بنحو اللفظ الأخير الذي جزمت به عائشة، ولفظه: ((قال: إن الشهر يكون تسعاً وعشرين)). وقال الحافظ وليّ الدين ◌َّقُ: [إن قلت]: ظاهر قوله: ((إن الشهر تسع وعشرون)) حصر الشهر في تسع وعشرين، مع أنه لا ينحصر فيه، فقد يكون ثلاثین. [قلت]: عنه أجوبة : (أحدها): أن المعنى كما تقدم أن الشهر يكون تسعة وعشرين يوماً، وحينئذ فلا إشكال في ذلك. (ثانيها): أن الألف واللام للعهد، والمراد أن هذا الشهر الذي أقسم على الامتناع من الدخول فيه تسعة وعشرون يوماً . (ثالثها): أنه بنى ذلك على الغالب الأكثر؛ لأن مجيء الشهر تسعاً وعشرين في زمنه ◌ّي كان أكثر من ثلاثين، وفي سنن أبي داود، والترمذيّ، عن ابن مسعود نظره، قال: ((ما صمت مع النبيّ وَلم تسعاً وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين))، وكذا في سنن ابن ماجه، عن أبي هريرة ◌ُه. (رابعها): قال القاضي أبو بكر ابن العربيّ: معناه حصره من أحد طرفيه، وهو النقصان؛ أي: أنه یکون تسعاً وعشرين، وهو أقلّه، وقد یکون ثلاثین، وهو أكثره، فلا تأخذوا أنتم بصوم الأكثر احتياطاً، ولا تقتصروا على الأقلّ ١٩٧ (٥) - بَابٌ فِي إِيلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥) تخفيفاً، ولكن اربطوا عبادتكم برؤيته، واجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء (١) . باستهلاله. انتهى وقوله: (ثُمَّ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْراً، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ، حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ))، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِأَزْوَجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ وَاللهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي ◌ِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَنَّ؟ فَإِنِّي أُرِدُ اللهَ، وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الآخِرَةَ) هذا تقدّم شرحه مستوفَى في الباب الماضي، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (قَالَ مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السختيانيّ المتوفّى سنة (١٣١) تقدّمت ترجمته في (شرح المقدّمة)) جـ١ ص ٣٠٥. (أَنَّ عَائِشَةَ) (قَالَتْ: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ اللهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغاً) أي: أبلّغ ما أمرني الله تعالى بتبليغه للناس (وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنِّناً))) أي: طالباً لزلات الناس، ومكلّفاً إياهم ما يشقّ عليهم (قَالَ قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ المتوفّى سنة (٧ أو١١٨) تقدّمت ترجمته في ((المقدمة)» ٧٠/٦. (﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: مَالَتْ قُلُوبُكُمَا) يعني أن معنى ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي: مالت قلوبكما عن الصواب. [تنبيه]: قال الحافظ الرشيد العطّار تخلّثُ في ((غرر الفوائد)) (٣٠): قوله: ((قال معمرٌ: فأخبرني أيوب)) منقطع، فإن أيوب السختيانيّ لم يدرك عائشة قويًّا؛ لأن مولده سنة ست وستين من الهجرة، وقيل: سنة ثمان وستّين، وتُوُفّيت عائشة ﴿يا سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة سبع وسبعين، والأول أشهر، ومسلم إنما أخرج هذه الزيادة؛ تبعاً للحديث المسند الذي وقعت هذه في آخره، لم يرّ اختصارها منه على عادته التي بيّاها من قبل، ومع ذلك، فهذه الزيادة متّصلة في ((كتابه)) في حديث التخيير، من رواية أبي الزبير، عن جابر ظُه، فثبت اتّصاله في كتاب مسلم. انتهى كلام الرشيد العطّار ◌َّتُهُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((طرح التثريب)) ١٢١/٤. ١٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر بن الخطّاب ◌ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦٩١/٥ و٣٦٩٢ و٣٦٩٣ و٣٦٩٤ و٣٦٩٥] (١٤٧٩)، و(البخاريّ) في ((العلم)) (٨٩) و((المظالم)) (٢٤٦٨) و((التفسير)) (٤٩١٣ و٤٩١٤ و٤٩١٥) و((النكاح)) (٥١٩١ و٥٢١٨) و((اللباس)) (٥٨٤٣) و(«أخبار الآحاد)) (٧٢٥٦ و٧٢٦٣)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٣١٨)، و(النسائيّ) في ((الصيام)) (١٣٧/٤ - ١٣٨) و((الكبرى)) (٣٦٧/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١/ ٣٣ - ٣٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٢٨٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١١٧٢/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٦٣/٤)، و(البزّار) في ((مسنده)) (٣٢٠/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٧/٧ و١٠٢/١٠)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): أن فيه سؤالَ العالم عن بعض أمور أهله، وإن كان عليه فيه غَضَاضة، إذا كان في ذلك سنةٌ تُنْقَل، ومسألةٌ تُحْفَظُ. قاله المهلب وَذَلُهُ. ٢ - (ومنها): أن فيه توقيرَ العالم، ومهابته عن استفسار ما يُخْشَى من تغيّره عند ذِكره، وترقُّب خَلَوات العالم؛ ليُسأل عما لعله لو سُئل عنه بحضرة الناس أنكره على السائل، ويؤخذ من ذلك مراعاة المروءة. ٣ - (ومنها): أن شدة الوطأة على النساء مذمومٌ؛ لأن النبيّ وَلّ أَخَذ بسيرة الأنصار في نسائهم، وترك سيرة قومه. ٤ - (ومنها): أن فيه تأديبَ الرجل ابنته، وقرابته بالقول؛ لأجل إصلاحها لزوجها . ٥ - (ومنها): أن فيه سياقَ القصة على وجهها، وإن لم يَسأل السائل عن ذلك، إذا كان في ذلك مصلحة، من زيادة شرح، وبيان، وخصوصاً إذا كان العالم يَعْلَم أن الطالب يُؤثر ذلك. ٦ - (ومنها): أن فيه مهابةَ الطالب للعالم، وتواضع العالم له، وصبره على مساءلته، وإن كان عليه في شيء من ذلك غضاضة. ١٩٩ (٥) - بَابٌ فِي إِلَاءِ الرَّجُلِ مِنْ نِسَائِهِ، وَتَأْدِيِهِنَّ بِاعْتِزَالِهِنَّ - حديث رقم (٣٦٩٥) ٧ - (ومنها): أن فيه جوازَ ضرب الباب، ودَقِّه إذا لم يَسمع الداخل بغير ذلك. ٨ - (ومنها): جواز دخول الآباء على البنات، ولو كان بغير إذن الزوج، والتنقيب عن أحوالهنّ، لا سيما ما يتعلق بالمتزوجات. ٩ - (ومنها): أن فيه حسنَ تلطف ابن عباس ﴿ًّا، وشدّة حرصه على الاطلاع على فنون التفسير. ١٠ - (ومنها): أن فيه طلبَ علو الإسناد؛ لأن ابن عباس ظنّهَا أقام مدّةً طويلةً ينتظر خلوة عمر؛ ليأخذ عنه، وكان يمكنه أخذ ذلك بواسطة عنه، ممن لا یھاب سؤاله، كما كان يهاب عمر څله. على طلب العلم، والضبط ١١ - (ومنها): أن فيه حرص الصحابة بأحوال الرسول وَلهم . ١٢ - (ومنها): أن طالب العلم يجعل لنفسه وقتاً يتفرغ فيه لأمر معاشه، وحال أهله. ١٣ - (ومنها): البحث في العلم في الطرُق، والخلوات، وفي حال القعود، والمشي. ١٤ - (ومنها): إيثار الاستجمار في الأسفار، وإبقاء الماء للوضوء، هكذا قال في ((الفتح))، وهو محلّ نظر. ١٥ - (ومنها): أن فيه ذكرَ العالم ما يقع من نفسه وأهله، بما يترتب عليه فائدة دينية، وإن كان في ذلك حكاية ما يُسْتَهْجَنُ. ١٦ - (ومنها): جواز ذكر العمل الصالح لسياق الحديث على وجهه، وبيان ذكر وقت التحمل. ١٧ - (ومنها): الصبر على الزوجات، والإغضاء عن خطابهن، والصفح عما يقع منهنّ من زلل في حقّ المرء دون ما يكون من حق الله تعالى. ١٨ - (ومنها): جواز اتخاذ الحاكم عند الخلوة بواباً يمنع من يدخل إليه بغير إذنه، ويكون قول أنس به في المرأة التي وعظها النبيّ وَّر، فلم تعرفه، ثم جاءت إليه، فلم تجد له بوّابين - رواه البخاريّ - محمولاً على الأوقات التي يجلس فيها للناس. ٢٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق ١٩ - (ومنها): ما قال المهلَّب رَُّ: وفيه أن للإمام أن يحتجب عن بطانته، وخاصته عند أمر يطرقه من جهة أهله، حتى يذهب غيظه، ويخرج إلى الناس، وهو منبسط إليهم، فإن الكبير إذا احتجب لم يحسن الدخول إليه بغير إذن، ولو كان الذي يريد أن يدخل جليل القدر، عظيم المنزلة عنده. ٢٠ - (ومنها): أن فيه الرفقَ بالأصهار، والحياء منهم، إذا وقع للرجل من أهله ما يقتضي معاتبتهم. ٢١ - (ومنها): أن السكوت قد يكون أبلغ من الكلام، وأفضل في بعض الأحايين؛ لأنه ◌َّله لو أمر غلامه بِرَدّ عمر لم يجز لعمر العود إلى الاستئذان مرة بعد أخرى، فلما سكت فَهِمَ عمر من ذلك أنه لم يؤثر ردّه مطلقاً. أشار إلى ذلك المهلب نَُّ . ٢٢ - (ومنها): أن الحاجب إذا عَلِم مَنْعَ الإذن بسكوت المحجوب، لم يأذن. ٢٣ - (ومنها): أن فيه مشروعيةَ الاستئذان على الإنسان، وإن كان وحده؛ لاحتمال أن يكون على حالة يَكْرَه الاطلاع عليها . ٢٤ - (ومنها): أن فيه جوازَ تكرار الاستئذان لمن لم يُؤْذَن له، إذا رجا حصول الإذن، وأن لا يتجاوز به ثلاث مرات، كما سيأتي إيضاحه في ((كتاب الأدب)) في قصة أبي موسى مع عمر رظُه، ولا استدراك على عمر من هذه القصة؛ لأن الذي وقع من الإذن له في المرة الثالثة وقع اتفاقاً، ولو لم يُؤْذَن له فالذي يظهر أنه كان يعود إلى الاستئذان؛ لأنه صرّح كما سيأتي بأنه لم يبلغه ذلك الحكم. ٢٥ - (ومنها): أن فيه أن كل لذّة، أو شهوة قضاها المرء في الدنيا، فهو استعجال له من نعيم الآخرة، وأنه لو ترك ذلك لادُّخِر له في الآخرة، أشار إلى ذلك الطبريّ تَكَذَشُ. ٢٦ - (ومنها): أنه استنبط منه بعضهم إيثار الفقر على الغنى، وخصه الطبريّ بمن لم يصرفه في وجوهه، ويفرّقه في سبله التي أمر الله بوضعه فيها، قال: وأما مَن فَعَل ذلك فهو من منازل الامتحان، والصبرُ على المحن مع الشكر أفضل من الصبر على الضراء وحده. انتهى.