النص المفهرس

صفحات 1-20

النِالخَيَظُ التَارِ
فِ سشرح
3
لَجَامِعِهِ الْفَقِيُ المِصَوْلَه الغَنِالْقَدِرُ
◌ُقَبْ الشَّهُ الْعُلَّمَ بَلِينَ آدَمُ بنُمُوسَ الإِسَيُّوُبِ الوَلْوِيّ
مُوَيَدْمِ العِلْمُ بِمَكّة المُكْمَة
عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وَعَدُ وَالدِبْه آمين
المجَلَّةُ السَّادِسِ وَالِعِشْرون
كِتَابُ: الطَّلَاقِ- اللَّعَانِ- العِثْقِ- البُيُوع
رقم الأحاديث (٣٦٥٢ - ٣٨٣٠)
دارابن الجوزي

بشـ
3

النِالخَطَ الَماري
في شرح
جَعُ الأهمالُمُسْلِم ◌ُ الحجاب
٢٦

حقوق الطّبْع محفوظة لِدارابن الجوزي
الطَّبعَة الأولى
شعبان ١٤٣٣هـ
حقوق الطبع محفوظة ٥ ١٤٣٣هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
بن
للنشر والتوزيع
دارابن الجوزي
لِلِنّشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢
الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨
الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت - هاتف:
٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس:
٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني:
aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

٥
١٨ - كتاب الطلاق
براس الرحمن الرحيم
ليلة الثلاثاء الرابع عشر من شهر شوال ١٤٢٩/١٠/١٤ هـ أول الجزء
السادس والعشرين من شرح ((صحيح الإمام مسلم)) المسمّى ((البحر المحيط
النجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج)) رحمه الله تعالى.
١٨ - (كِتَابُ الطَّلَاقِ)
قال الجامع عفا الله عنه: مناسبة هذا الكتاب لكتاب النكاح واضحة.
(اعلم): أن ((الطّلاقُ)) مصدر طَلَقَ بتخفيف اللام، واسم مصدر لطَلَّقَ
بتشديدها، ومصدره التطليق.
وهو: لغةً: حلّ القيد، وشرعاً: حلّ عقد النكاح بلفظ الطلاق، ونحوه،
وعرّفه النوويّ في ((تهذيبه)) بأنه تصرّفُ مملوكٌ للزوج، يُحدثه بلا سبب، فيقطع
النكاح(١).
وقال المجد رَّتُهُ: طَلَقَت المرأةُ من زوجها، كنصَرَ، وكَرُم طَلَاقاً:
بانت، فهي طالقٌ، جمعها ظُلَّقٌ، كرُكَّع، وطالقةٌ، جمعها طوالق، وأطلقها،
وطلّقها. انتهى(٢).
وقال الفيّوميّ تَخْلُ: طلّق الرجل امرأته تطليقاً، فهو مُطَلِّقٌ، فإن كثر تطليقه
للنساء، قيل: مِطْلِيقٌ، ومِظْلَاقٌ - بكسر الميم، وسكون الطاء المهملة - وطَلَقَتْ:
هي تَظْلُقُ، من باب قَتَلَ، وفي لغة من باب قَرُبَ، فهي طالقٌ بغير هاء، قال
الأزهريّ: وكلّهم يقولون: طالقٌ بغير هاءٍ، قال: وأما قول الأعشى [من الطويل]:
(١) راجع: ((شرح الخطيب على مقدّمة أبي شجاع))، في فقه الشافعيّ، مع حاشيته
((تحفة الحبيب)) ٤٨٧/٣ - ٤٨٨.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٢٥٨/٣.

٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
أَيَا جَارَتَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ كَذَاكِ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَهْ
فقال الليث: أراد طالقةٌ غداً، وإنما اجترأ عليه لأنه يقال: طَلَقَتْ، فَحَمَلَ
النعتَ على الفعل.
وقال ابن فارس أيضاً: امرأةٌ طالقٌ، طَلَّقَها زوجها، وطالقةٌ غداً، فصرّح
بالفرق؛ لأن الصفة غير واقعة.
وقال ابن الأنباريّ: إذا كان النعت منفرداً به الأنثى دون الذّكر لم تدخله
الهاء، نحو (طالق))، و((طامث))، و((حائض))؛ لأنه لا يَحتاج إلى فارق؛
لاختصاص الأنثی به.
وقال الجوهريّ: يقال: طالقٌ، وطالقةٌ، وأنشد بيت الأعشى.
وأُجيب عنه بجوابين: أحدهما ما تقدّم.
والثاني: أن الهاء لضرورة التصريع، على أنه معارَضٌ بما رواه ابن
الأنباريّ، عن الأصمعيّ، قال: أنشد أعرابيٍّ من شِقِّ اليمامة البيتَ: ((فَإِنَّكِ
طَالِقٌ))، من غير تصريحٍ، فتسقط الحجّةُ به.
قال البصريّون: إنما حُذفت العلامة لأنه أُريد النسب، والمعنى: امرأةٌ
ذات طلاق، وذات حيضٍ؛ أي: هي موصوفةٌ بذلك حقيقةً، ولم يُجروه على
الفعل.
ويُحكَى عن سيبويه أن هذه نعوتٌ مذكّرةٌ وُصِف بهنّ الإناثُ، كما يُوصف
المذكّرُ بالصفة المؤنّثةِ، نحو عَلّامةٍ، ونَسّابةٍ، وهو سماعيّ. انتهى كلام الفيّوميّ
ببعض تصرّف(١).
وقال ابن منظور كَذَتُهُ: طلاقُ المرأة: بينونتُها عن زوجها، وامرأةٌ طالقٌ
من نسوةٍ طُلَّقٍ، وطالقةٌ من نسوة طَوَالِقٍ، وطَلَّقَ الرجلُ امرأتَهُ، وطَلَقَتْ هي -
بالفتح - تَظْلُقُ طَلَاقاً، وطَلُقَتْ - بالضم - والضمّ أكثر عند ثعلب، وأنكره
الأخفش، طلاقاً، وأطلقها بَعْلُها، وطَلَّقَها، ورجلٌ مِطلاقٌ ومِطليقٌ وطِلِّيقٌ -
بكسر أول الكلّ - وطُلَقَةٌ، كَهُمَزَةٍ: كثير التطليق للنساء. انتهى ببعض
تصرّف(٢).
(١) ((المصباح المنير)) ٣٧٦/٢.
(٢) (لسان العرب)) ٢٢٦/١٠.

٧
١٨ - كتاب الطلاق
وقال أبو العبّاس القرطبيّ تَخْتُ: ((الطلاق)) هو: حلّ العِصْمة المنعقِدة بين
الأزواج بألفاظ مخصوصة، و((الفسخُ)): هو إزالة ما يُتُوهَّم انعقاده لموجِب يمنع
العقدَ، وقد يُطلق الفسخ، ويُراد به الطلاق، على ما يأتي - إن شاء الله تعالى -
(١)
انتھی
.
وقال النوويّ كَّتُهُ: ((الطلاق)): مشتقّ من الإطلاق، وهو الإرسال،
والترك، ومنه طَلَّقتُ البلاد: أي تركتها، ويقال: طَلَقَت المرأة، بفتح اللام،
وضمّها، والفتح أفصح، تَطْلُق بضمّها فيهما. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): ((الطّلاق)) في اللغة حلّ الوثاق، مشتقّ من الإطلاق،
وهو الإرسال والترك، وفلان طَلْقُ اليد؛ أي: كثير البذل.
وفي الشرع: حلُّ عُقْدة التزويج فقط، وهو موافقٌ لبعض أفراد مدلوله
اللغويّ. قال إمام الحرمين: هو لفظً جاهليّ، ورد الشرع بتقريره.
وطلقت المرأة - بفتح الطاء، وضمّ اللام، وبفتحها أيضاً، وهو أفصح -
وطُلِّقَتْ أيضاً بضمّ أوله، وكسر اللام الثقيلة، فإن خفّفت فهو خاصّ بالولادة،
والمضارعُ فيهما بضمّ اللام، والمصدر في الولادة: طَلْقاً، ساكنة اللام، فهي
طالقٌ فيهما. انتهى.
وقال الإمام ابن قدامة تَخْتُ: الطلاق مشروع، والأصل في مشروعيّته
الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿الطّلَقُ مَرَّتَانٍ
فَإِسَاكُ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيٌّ بِإِحْسَانٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ
إِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١].
وأما السنّة فما روى ابن عمر ﴿يَا أنه طلّق امرأته، وهي حائضٌ، فسأل
عمرُ رسولَ الله وَّر عن ذلك؟ ... الحديث الآتي في الباب التالي.
قال: في آي وأخبارٍ سوى هذين كثير.
وأجمع الناس على جواز الطلاق، والعبرة دالّة على جوازه؛ فإنه ربّما
فَسَدت الحال بين الزوجين، فيصير بقاء النكاح مَفسدةً مَحْضَةً، وضرراً مجرّداً
بإلزام الزوج النفقةً والسكنى، وحبس المرأة، مع سوء العشرة، والخصومة
(١) ((المفهم)) ٢٢٤/٤.
(٢) ((شرح النوويّ) ٦٠/١٠.

٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
الدائمة من غير فائدة، فاقتضى ذلك شرع ما يُزيلُ النكاح؛ لتزول المفسدةُ
الحاصلة منه. انتهى كلام ابن قدامة تَظّهُ(١) .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): ثم الطلاق قد يكون حراماً، أو مكروهاً، أو
واجباً، أو مندوباً، أو جائزاً.
أما الأول: ففيما إذا كان بدعيّاً، وله صورٌ.
وأما الثاني: ففيما إذا وقع بغير سبب مع استقامة الحال.
وأما الثالث: ففي صور، منها الشقاق، إذا رأى الحكمان.
وأما الرابع: ففيما إذا كانت غير عفيفة.
وأما الخامس، فنفاه النوويّ، وصوّره غيره بما إذا كان لا يريدها، ولا تطيب
نفسه أن يتحمّل مؤنتها من غير حصول الاستمتاع، فقد صرّح الإمام أن الطلاق في
هذه الصورة لا يكره. انتهى(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) - (بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ(٣))
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخَذَتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٥٢] (١٤٧١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى
مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَن نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ خَائِضٌ، فِي عَهْدِ
رَسُولِ اللهِ وَلِ، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ : ﴿ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَِ: (مُرْهُ، فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا، حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَظْهُرَ،
ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ
يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ
[١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
(١) ((المغني)) ٣٢٣/١٠.
(٢) ((الفتح)) ٥/١٢ - ٦.
(٣) هكذا ترجم القرطبيّ تَخْفُ، وترجمته أولى وأخصر من ترجمة النووي، فتأمله.

٩
(١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ - حديث رقم (٣٦٥٢)
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله إمام
دار الهجرة الفقيه، رأس المتقنين، وكبير المتثبِّتين [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في
((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ مشهور
[٣] (ت١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله بن عمر بن الخطاب ظ﴿مّ العدويّ، أبو
عبد الرحمن المدنيّ، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٠٢/١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وهو (٢٣٦) من رباعيّات
الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوري.
٤ - (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد عند البخاريّ: مالك، عن نافع، عن ابن
عمر چچتقا.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ظه من المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠)
حديثاً، وأحد العبادلة الأربعة، وأشدّ الناس اتّباعاً للأثر، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ابْنِ عُمَرَ) عَا (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) وفي رواية الليث التالية: ((أن ابن
عمر طلق امرأة له))، وفي رواية عبيد الله بن عمر الثالثة: ((طَلَّقتُ امرأتي))،
وكذا في رواية يونس بن جُبير الآتية أيضاً.
قال في ((الفتح)): قال النوويّ في ((تهذيبه)): اسمها آمنة بنت غِفَار، قاله
ابن باطيش، ونقله عن النوويّ جماعة ممن بعده، منهم الذهبيّ في ((تجريد
الصحابة))، لكن قال: في ((مبهماته))، فكأنه أراد ((مبهمات التهذيب))، وأوردها
الذهبي في ((آمنة)) بالمدّ، وكسر الميم، ثم نون، وأبوها غِفَار ضبطه ابن يقظة (١)
(١) هكذا نسخة: ((الفتح))، ولعله مصحّف من ابن نُقطة، فليحرّر.

١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
بكسر المعجمة، وتخفيف الفاء، قال: ولكني رأيت مستند ابن باطيش في
أحاديث قتيبة، جمع سعيد العيار بسند فيه ابن لَهِيعة: أن ابن عمر طَلَّق امرأته
آمنة بنت عَمّار، كذاً رأيتها في بعض الأصول، بمهملة مفتوحة، ثم ميم ثقيلة،
والأول أولى، وأقوى من ذلك ما رأيته في ((مسند أحمد)»، قال: حدثنا يونس،
حدثنا الليث، عن نافع؛ أن عبد الله طلّق امرأته، وهي حائض، فقال عمر: يا
رسول الله إن عبد الله طلق امرأته النوَارِ، فأمره أن يراجعها ... الحديث، وهذا
الإسناد على شرط الشيخين، ويونس شيخ أحمد، هو ابن محمد المؤدِّب، من
رجالهما، وقد أخرجه الشيخان عن قتيبة، عن الليث، ولكن لم تُسَمَّ عندهما،
ويمكن الجمع بأن يكون اسمها آمنة، ولقبها النوَارِ. انتهى(١).
(وَهِيَ حَائِضٌ) جملة حاليّة من المفعول، وفي رواية قاسم بن أصبغ، من
طريق عبد الحميد بن جعفر، عن نافع، عن ابن عمر: ((أنه طلّق امرأته، وهي
في دمها حائضٌ))، وعند البيهقيّ: ((أنه طلّق امرأته في حيضها))، (فِي عَهْدِ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿) وفي رواية أبي الزبير الآتية: ((على عهد رسول الله (وَلا))، قال
في ((الفتح)): وأكثر الرواة لم يذكروا ذلك؛ استغناءً بما في الخبر أن عمر سأل
رسول الله صل*، فاستلزم أن ذلك وقع في عهده.
وزاد الليث، عن نافع في الرواية التالية: ((تطليقةً واحدةً»، وقال المصنّف
في آخره: ((جوّد الليث في قوله: ((تطليقة واحدة))، وكذا وقع عنده من طريق
محمد بن سيرين الآتية: قال: ((مكثتُ عشرين سنة يُحدّثني من لا أتّهم أن ابن
عمر طلّق امرأته ثلاثاً، وهي حائضٌ، فأمره أن يراجعها، فكنتُ لا أتّهمهم،
ولا أعرف وجه الحديث، حتى لقيت أبا غلّاب يونس بن جُبير، وكان ذا ثبت،
فحدّثني أنه سأل ابن عمر، فحدّثه أنه طلّق امرأته تطليقة، وهي حائضٌ))،
وأخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ من طريق الشعبيّ، قال: ((طلّق ابن عمر امرأته،
وهي حائضٌ واحدةً))، ومن طريق عطاء الخراسانيّ، عن الحسن، عن ابن
عمر؛ أنه ((طلّق امرأته تطليقةً، وهي حائضٌ)). قاله في ((الفتح) (٢).
(فَسَأَلَ هُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ وَّهِ عَنْ ذَلِكَ) وفي رواية سالم الآتية:
(١) ((الفتح)) ٧/١٠ - ٨.
(٢) ((الفتح)) ٨/١٠.

١١
(١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السَُّّةِ - حديث رقم (٣٦٥٢)
((قال: طلّقت امرأتي، وهي حائض، فذَكَرَ ذلك عمر للنبيّ وََّ، فتغيّظ
رسول الله (183 في ذلك))، وفي رواية يونس بن جبير: ((طلّقت امرأتي، فأتى
عمر النبيَّ ێۇ، فذكر له ذلك)).
قال في ((الفتح)) بعد ذكر رواية سالم، ما نصّه: ولم أر هذه الزيادة في
رواية غير سالم، وهو أجلّ مَن روى الحديث عن ابن عمر، وفيه إشعارٌ بأن
الطلاق في الحيض كان تقدّم النهي عنه، وإلا لم يقع التغيّظ على أمر لم يسبق
النهي عنه.
ولا يعكُرُ على ذلك مبادرة عمر بالسؤال عن ذلك؛ لاحتمال أن يكون
عَرَفَ حكم الطلاق في الحيض، وأنه منهيّ عنه، ولم يَعرِف ماذا يَصنَع من وقع
له ذلك؟
قال ابن العربيّ: سؤال عمر ◌َُّّهَ مُحْتَمِلٌ لأن يكون أنهم لم يروا قبلها
مثلها، فسأل لِيَعْلَم. ويَحْتَمِل أن يكون لَمّا رأى في القرآن قوله تعالى:
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَةَ قُرُوَةٍ﴾ [البقرة:
٢٢٨] أراد أن يعلم أن هذا قرء، أم لا؟
ويَحْتَمِل أن يكون سمع من النبيّ بَّ النهي، فجاء ليسأل عن الحكم بعد
ذلك.
وقال ابن دقيق العيد: وتغيُّظُ النبيِّ وََّ إِمّا لأن المعنى الذي يقتضي المنع
كان ظاهراً، فكان مقتضى الحال التثبّتَ في ذلك، أو لأنه كان مقتضى الحال
مشاورة النبيّ وَّيقول في ذلك إذا عزم عليه. انتهى(١).
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مُرْهُ) - بضمّ الميم، وسكون الراء -: فعل أمر
من أَمَر يأمُرُ، من باب نصر ينصُرُ، وأصله اؤمر، فحذفت فاء الكلمة شذوذاً؛
لكثرة الاستعمال، وهمزة الوصل؛ استغناء عنها، فصار ((مُر))، بضمّ، فسكون،
وإليه أشار ابن مالك في ((لاميّته)) حيث قال:
وَشَذَّ بِالْحَذْفِ ((مُرْ)) و((خُذْ)) و((كُلْ)) وَفَشَا و ((امُرْ)) وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ ((خُذْ)) و((كُلَا))
(فَلْيُرَاجِعْهَا) فيه أن المراجعة واجبة؛ لأَمْرهِ وَ ل ◌َه بالمراجعة، وهو القول
(١) (الفتح)) ٩/١٠.

١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
(ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا) بكسر اللام، ويجوز تسكينها؛ أي: يترك مسّها، وفي الرواية
التالية: ((ثم يُمسكها))؛ أي: يستمرّ بها في عصمته (حَتَّى تَطْهُرَ) بضمّ الهاء لا
غير؛ أي: من حيضتها هذه التي وقع فيها الطلاق (ثُمَّ تَحِيضَ) حيضة أخرى
(ثُمَّ تَظْهُرَ)؛ أي: من هذه الحيضة، وفي رواية عبيد الله الآتية: ((ثم ليدعها حتى
تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت، فليطلّقها))، ونحوه في رواية
الليث، وأيوب، عن نافع، وكذا في رواية عبد الله بن دينار، ورواية الزهري
عن سالم.
وفي رواية محمد بن عبد الرحمن، عن سالم الآتية: «مره، فليراجعها،
ثم ليطلّقها طاهراً، أو حاملاً))، قال الشافعيّ: غير نافع إنما رَوَى: ((حتى تطهر
من الحيضة التي طلّق فيها، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلّق))، رواه يونس بن
جبير، وأنس بن سیرین، وسالم.
قال الحافظ: وهو كما قال، لكن رواية الزهريّ، عن سالم موافقةٌ لرواية
نافع، وقد نبّه على ذلك أبو داود، والزيادة من الثقة مقبولةٌ، ولا سيّما إذا كان
حافظاً. انتهى(١).
(ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ)؛ أي: بعد طهارتها من هذه الحيضة (وَإِنْ شَاءَ
طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ) تقدّم أن فتح ميمه أفصح من ضمها؛ أي: قبل أن يجامعها،
وفي رواية أيوب: ((ثم يطلّقها قبل أن يمسها))، وفي رواية عبيد الله بن عمر:
((فإذا طَهُرت، فليطلقها قبل أن يجامعها، أو يُمْسكها))، ونحوه في رواية الليث،
وفي رواية الزهريّ، عن سالم: ((فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها طاهراً قبل أن
يمسها)»، وفي رواية محمد بن عبد الرحمن، عن سالم: «ثم ليطلقها طاهراً أو
حاملاً)).
(فَتِلْكَ الْعِدَّةُ) الإشارة إلى الحالة التي هي حالة الطهر؛ أي: إن حالة
الطهر هي عين العدّة (الَّتِي أَمَرَ) أي: أَذِنَ (اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ))) وهذا
بيان لمراد الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ
(١) ((الفتح)) ٣٥١/٩.

١٣
(١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السَُّّةِ - حديث رقم (٣٦٥٢)
لِعِدَّتِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]، وصرّح معمر في روايته، عن أيوب، عن نافع
بأن الكلام عن النبيّ وَّ و، وفي رواية الزبير، قال ابن عمر: وقرأ النبيّ ◌َلّ:
﴿وَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾ الآية، واستدلّ به من ذهب إلى أن الأقراء هي
الأطهار للأمر بطلاقها في الطهر، وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِهِنَّ﴾؛ أي: وقت
ابتداء عدّتهنّ، وقد جعل المطلّقة تربّص ثلاثة قروء، فلما نهى عن الطلاق
في الحيض، وقال: إن الطلاق في الطهر هو الطلاق المأذون فيه عُلم أن
الأقراء الأطهار. قاله ابن عبد البرّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٣٦٥٢ و ٣٦٥٣ و ٣٦٥٤ و ٣٦٥٥ و٣٦٥٦
و ٣٦٥٧ و ٣٦٥٨ و٣٦٥٩ و٣٦٦٠ و ٣٦٦١ و ٣٦٦٢ و ٣٦٦٣ و ٣٦٦٤ و٣٦٦٥
و٣٦٦٦ و٣٦٦٧ و٣٦٦٨ و٣٦٦٩ و٣٦٧٠ و٣٦٧١ و٣٦٧٢] (١٤٧١)،
و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٩٠٨) و((الطلاق)) (٥٢٥٢ و٥٢٥٣ و٥٢٥٨ و٥٣٣٢
و٥٣٣٣) و((الأحكام)) (٧١٦٠)، و(أبو داود) في ((الطلاق)) (٢١٧٩ و٢١٨٢)،
و(الترمذيّ) في ((الطلاق)) (١١٧٥ و١١٧٦)، و(النسائيّ) في ((الطلاق)) (١٣٧/٦
- ١٣٨ و١٤٠ و٢١٢) و((الكبرى)) (٣٣٨/٣ و٣٣٩ و٣٤١ و٣٤٣ و٣٤٤ و٣٤٥
و٤٠٢ و٤٠٣)، و(ابن ماجه) في ((الطلاق)) (٢٠١٩ و٢٠٢٢ و٢٠٢٣)،
و(مالك) في ((الموظٍّ)) (١٢٢٠)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٣٢/٢ -٤٣)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٠٩٥٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٨٥٣)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢/٥ - ٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٤/٢ و٦٣
و١٠٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٢٦٢ و٢٢٦٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٢٦٣)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٧٣٤)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني
الآثار)» (٥٣/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٤٤/٣ و١٤٥ و١٤٧ و١٤٨
و١٤٩ و١٥٠ و١٥١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٤٧/٤ و١٤٨ و١٤٩

١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
و١٥٠ و١٥١ و١٥٢)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٧/٤)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٣٢٤/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٣٥١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان طلاق السنّة، وهو أن يطلّقها كما أمره، وَ لقر في هذا
الحديث، قال البخاريّ تَخْلُ في ((صحيحه)): وطلاق السنّة أن يطلّقها طاهراً،
من غير جماع، ويُشهد شاهدين. انتهى(١).
٢ - (ومنها): بيان المعنى المراد في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِذَّتِنَّ﴾
الآية، وهو أن يطلّقها في طهر لم يُجامعها فيه.
٣ - (ومنها): تحريم طلاق الحائض، وأنه إذا طلّق يقع الطلاق عند
الجمهور، وهو الحقّ، وخالف في ذلك بعض الظاهريّة، وسيأتي تحقيق القول
في ذلك قريباً - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): تحريم طلاق المرأة في طهر جامعها فيه، وبه قال
الجمهور، وقال المالكيّة: لا يحرم، وفي رواية كالجمهور، ورجحها
الفاكهانيّ؛ لكونه شَرَط في الإذن في الطلاق عدم المسيس، والمعلّق بشرط
معدوم عند عدمه، وهذا هو الحقّ.
٥ - (ومنها): أن الزوج يستقلّ بالرجعة، دون الوليّ، ورضا المرأة؛ لأنه جعل
ذلك إليه، دون غيره، وهو كقوله تعالى: ﴿وَيُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بَِوِهِنَ فِى ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
٦ - (ومنها): أن الأب يقوم عن ابنه البالغ الرشيد في الأمور التي تقع له
مما يَحتَشِم الابن من ذِكْره، ويتلقّى عنه ما لعلّه يلحقه من العتاب على فعله
شفقةً منه، وبرّاً.
٧ - (ومنها): أن طلاق الطاهرة لا يُكره؛ لأنه أنكر إيقاعه في الحيض،
لا في غيره؛ ولقوله في آخر الحديث: ((فإن شاء أمسك، وإن شاء طلّق)).
٨ - (ومنها): أن الحامل لا تحيض؛ لقوله في طريق سالم المتقدّمة: ((ثم
لْيُطلّقها طاهراً، أو حاملاً))، فحرّم الطلاق في زمن الحيض، وأباحه في زمن
الحمل، فدلّ على أنهما لا يجتمعان.
(١) ((صحيح البخاري)) بنسخة: ((الفتح)) ٥/١٠.

١٥
(١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السَُّّةِ - حديث رقم (٣٦٥٢)
وأجاب من قال: تحيض الحامل بأن حيض الحامل لمّا لم يكن له تأثير
في تطويل العدّة، ولا تخفيفها؛ لأنها بوضع الحمل، أباح الشارع طلاقها
حاملاً مطلقاً، وأما غير الحامل ففرق بين الحائض والطاهر؛ لأن الحيض يؤثر
في العدّة، فالفرق بين الحامل وغيرها إنما هو بسبب الحمل، لا بسبب
الحيض، ولا الطهر.
٩ - (ومنها): أن الأقراء في العدّة هي الأطهار.
١٠ - (ومنها): أنه تمسّك بالزيادة التي في رواية سالم الآتية: ((ثم
ليطلقها طاهراً، أو حاملاً)) من استثنى من تحريم الطلاق في طهر جامعها فيه ما
إذا ظهر الحمل، فإنه لا يحرم، والحكمة فيه أنه إذا ظهر الحمل فقد أقدم على
ذلك على بصيرة، فلا يندم على الطلاق، وأيضاً فإن زمن الحمل زمن الرغبة
في الوطء، فإقدامه على الطلاق فيه يدلّ على رغبته عنها .
ومحلّ ذلك أن يكون الحمل من المطلِّق، فلو كان من غيره بأن نكح
حاملاً من زنا، ووطئها، ثم طلّقها، أو وُطئت منكوحته بشبهة، ثم حملت منه،
فطلّقها زوجها، فإن الطلاق يكون بدعيّاً؛ لأن عدّة الطلاق تقع بعد وضع
الحمل، والنقاء من النفاس، فلا تُشرع عقب الطلاق في العدّة، كما في
الحامل منه. قاله في ((الفتح))(١).
١١ - (ومنها): أن الخطابيّ ◌َظُّ قال في قوله: ((ثم إن شاء أمسك، وإن
شاء طلّق)) دليلٌ على أن من قال لزوجته، وهي حائضٌ: إذا طهرتٍ، فأنت
طالقٌ لا يكون مطلّقاً للسنّة؛ لأن المطلّق للسنّة هو الذي يكون مخيّراً عند وقوع
طلاقه بين إيقاع الطلاق وتركه، ومن سبق منه هذا القول في وقت الحيض زائلٌ
عنه الخيار في وقت الطهر. انتهى(٢).
١٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: ((قبل أن يمسّ)) على أن الطلاق في طهر
جامعها فيه حرام، وبه صرّح الجمهور، فلو طلّق هل يُجبر على الرجعة كما
يُجبر عليها إذا طلّقها، وهي حائضٌ؟ طرده بعض المالكيّة فيهما، والمشهور
عنهم إجباره في الحائض، دون الطاهر، وقالوا فيما إذا طلّقها، وهي حائض:
(١) ((الفتح)) ١٢/١٠ - ١٣.
(٢) ((معالم السنن)) ٢٠١/٣ - ٢٠٢.

١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
يُجبر على الرجعة، فإن امتنع أدّبه الحاكم، فإن أصرّ ارتجع عليه، وهل يجوز
له وطؤها بذلك؟ روايتان لهم، أصحّهما الجواز، وعن داود يجبر على الرجعة
إذا طلّقها حائضاً، ولا يُجبر إذا طلّقها نفساء، وهو جمود، ذكره في
((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقوع الطلاق في الحيض:
قال النوويّ كَّتُهُ: أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض الحائل بغير
رضاها، فلو طلّقها أَثِم، ووقع طلاقه، ويؤمر بالرجعة؛ لحديث ابن عمر
المذكور في الباب، وشذّ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يقع طلاقه؛ لأنه غير
مأذون له فيه، فأشبه طلاق الأجنبيّة، والصواب الأول، وبه قال العلماء كافّةً،
ودليلهم أمره بمراجعتها، ولو لم يقع لم تكن رجعة.
[فإن قيل]: المراد بالرجعة الرجعة اللغويّة، وهي الرّدّ إلى حالها الأول،
لا أنه تحسب عليه طلقةٌ.
[قلنا]: هذا غلطٌ لوجهين:
[أحدهما]: أن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعيّة يُقدّم على حمله على
الحقيقة اللغويّة، كما تقرّر في أصول الفقه.
[الثاني]: أن ابن عمر صرّح في روايات مسلم وغيره بأنه حسبها عليه
طلقة. انتهى.
وقال في ((الفتح)): قال النوويّ: شذّ بعض أهل الظاهر، فقال: إذا طلّق
الحائض لم يقع الطلاق لأنه غير مأذون فيه، فأشبه طلاق الأجنبيّة، وحكاه
الخطابيّ عن الخوارج والروافض، وقال ابن عبد البرّ: لا يخالف في ذلك إلا
أهل البدع والضلال - يعني الآن. قال: وروي مثله عن بعض التابعين، وهو
شذوذ، وحكاه ابن العربيّ وغيره عن ابن عُليّة - يعني إبراهيم بن إسماعيل ابن
عليّة الذي قال الشافعيّ في حقّه: إبراهيم ضالٌّ، جلس في باب الضوالّ يُضلّ
الناس، وكان بمصر، وله مسائل ينفرد بها، وكان من فقهاء المعتزلة. وقد غَلِطَ
من ظنّ أن المنقول عنه المسائل الشاذّة أبوه، وحاشاه، فإنه من كبار أهل
(١) ١٣/١٠.

١٧
(١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ - حديث رقم (٣٦٥٢)
السنّة. وكأن النوويّ أراد ببعض الظاهريّة ابنَ حزم، فإنه ممن جرّد القول
بذلك، وانتصر له، وبالغ، وأجاب عن أمر ابن عمر بالمراجعة بأن ابن عمر
كان اجتنبها، فأمره أن يُعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، فحمل
المراجعة على معناها اللغويّ.
وتُعُقّب بأن الحمل على الحقيقة الشرعيّة مقدّمٌ على اللغويّة اتفاقاً.
وأجاب عن قول ابن عمر: ((حسبت عليّ بتطليقة)) بأنه لم يُصرّح بمن
حسبها عليه، ولا حجة في أحد دون رسول الله وَله .
وتُعُقّب بأن مثل قول الصحابيّ: ((أمرنا في عهد رسول الله (وَلير بكذا))،
فإنه ينصرف إلى من له الأمر حينئذ، وهو النبيّ بَّر، كذا قال بعض الشّرّاح.
قال الحافظ: وعندي أنه لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول
الصحابيّ: أمرنا بكذا، فإن ذلك محلّه حيث يكون اطلاع النبيّ وَّ على ذلك
ليس صريحاً، وليس كذلك في قصّة ابن عمر هذه، فإن النبيّ وَلل هو الآمر
بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا
أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حُسبت عليه تطليقة، كان احتمال أن يكون
الذي حسبها غير النبيّ ◌َالله بعيداً جدّاً مع احتفاف القرائن في هذه القصّة بذلك،
وكيف يتخيّل أن ابن عمر يفعل في القصّة شيئاً برأيه، وهو ينقل أن النبيّ وَّل
تغيّظ من صنيعه؟ كيف لم يشاوره فيما يفعل في القصّة المذكورة؟
وقد أخرج ابن وهب في ((مسنده)) عن ابن أبي ذئب أن نافعاً أخبره: أن
ابن عمر طلّق امرأته، وهي حائض، فسأل عمر رسول الله صَلّر عن ذلك،
فقال: ((مره، فليُراجعها، ثم يُمسكها حتى تطهر))، قال ابن أبي ذئب في
الحديث عن النبيّ وَلجر: ((وهي واحدة)). قال ابن أبي ذئب: وحدّثني حنظلة بن
أبي سفيان؛ أنه سمع سالماً يُحدّث، عن أبيه، عن النبيّ وَّر بذلك.
وأخرجه الدارقطنيّ من طريق يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، وابن
إسحاق جميعاً، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ وَّر، قال: ((هي واحدة))،
وهذا نصٌّ في موضع الخلاف، فيجب المصير إليه.
وأورده بعض العلماء على ابن حزم، فأجابه بأن قوله: ((هي واحدة)) لعله
ليس من كلام النبيّ ◌َل، فألزمه بأنه نقض أصله لأن الأصل لا يُدفع بالاحتمال.

١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
وعند الدارقطنيّ في رواية شعبة، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر في
القصّة: ((فقال عمر: يا رسول اللهُ أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم))، ورجاله
إلى شعبة ثقات.
وعنده من طريق سعيد بن عبد الرحمن الْجُمَحيّ، عن عُبيد الله بن عمر،
عن نافع، عن ابن عمر: ((أن رجلاً قال: إني طلّقت امرأتي البثّةَ، وهي
حائضٌ، فقال: عصيت ربّك، وفارقت امرأتك، قال: فإن رسول الله وَله أمر
ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأنت لم تُبق ما ترتجع به امرأتك)).
وفي هذا السياق ردٌّ على من حمل الرجعة في قصّة ابن عمر على المعنى
اللغويّ.
وقد وافق ابنَ حزم على ذلك من المتأخّرين ابنُ تيميّةً، وله كلام طويلٌ
في تقرير ذلك، والانتصار له، وأعظم ما احتجّوا به ما وقع في رواية أبي
الزبير، عن ابن عمر عند مسلم، وأبي داود، والنسائيّ، وفيه: فقال له
رسول الله وَّل: ((ليُراجعها، فردّها، وقال: إذا طهرت فليُطلّق، أو يمسك))،
لفظ مسلم، وللنسائيّ، وأبي داود: ((فردّها عليّ))، زاد أبو داود: ((ولم يرها
شيئاً))، وإسناده على شرط الصحيح، فإن مسلماً أخرجه من رواية حجاج بن
محمد، عن ابن جريج، وساقه على لفظه، ثم أخرجه من رواية أبي عاصم،
عنه، وقال: نحو هذه القصّة، ثم أخرجه من رواية عبد الرزّاق، عن ابن
جريج، قال: مثل حديث حجاج، وفيه بعض الزيادة، فأشار إلى هذه الزيادة،
ولعلّه طَوَى ذكرها عمداً.
وقد أخرج أحمد الحديث عن رَوح بن عُبادة، عن ابن جريج، فذكرها،
فلا يتخيّل انفراد عبد الرزّاق بها.
قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة، وأحاديثهم كلّها
على خلاف ما قال أبو الزبير.
وقال ابن عبد البرّ: قوله: ((ولم يرها شيئاً)) منكرٌ، لم يقله غير أبي
الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو أثبت منه؟ ولو صحّ
فمعناه عندي - والله أعلم -: ولم يرها شيئاً مستقيماً؛ لكونها لم تقع على
السنّة.

١٩
(١) - بَابٌ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ - حديث رقم (٣٦٥٢)
وقال الخطابيّ: قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثاً منكراً من
هذا، وقد يَحْتَمِل أن يكون معناه: ولم يرها شيئاً تَحْرُم معه المراجعة، أو لم
يرها شيئاً جائزاً في السنّة، ماضياً في الاختيار، وإن كان لازماً له مع الكراهة.
ونقل البيهقيّ في ((المعرفة)) عن الشافعيّ أنه ذكر رواية أبي الزبير، فقال:
نافعٌ أثبتُ من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا،
وقد وافق نافعاً غيره من أهل الثبت، قال: وبسط الشافعيّ القول في ذلك،
وحمل قوله: ((لم يرها شيئاً)) على أنه لم يعدّها شيئاً صواباً غير خطإ، بل يؤمر
صاحبه أن لا يقيم عليه؛ لأنه أمره بالمراجعة، ولو كان طلّقها طاهراً لم يؤمر
بذلك، فهو كما يقال للرجل إذا أخطأ في فعله، أو أخطأ في جوابه: لم يصنع
شيئاً؛ أي: لم يصنع شيئاً صواباً .
قال ابن عبد البرّ: واحتجّ بعض من ذهب إلى أن الطلاق لا يقع بما
روي عن الشعبيّ، قال: إذا طلّق الرجل امرأته، وهي حائضٌ لم يعتدّ بها في
قول ابن عمر.
قال ابن عبد البرّ: وليس معناه ما ذهب إليه، وإنما معناه: لم تعتدّ المرأة
بتلك الحيضة في العدّة، كما روي ذلك عنه منصوصاً أنه قال: يقع عليها
الطلاق، ولا تعتدّ بتلك الحيضة. انتهى.
وقد روى عبد الوهاب الثقفيّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن
عمر نحواً مما نقله ابن عبد البرّ، عن الشعبيّ، أخرجه ابن حزم بإسناد صحيح،
والجواب عنه مثله.
وروى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك، عن عمر أنه طلّق
امرأته، وهي حائض، فقال رسول الله وَليفي: (ليس ذلك بشيء))، وهذه متابعات
لأبي الزبير، إلا أنها قابلة للتأويل، وهو أولى من إلغاء الصريح في قول ابن
عمر: إنها تحتسب عليه بتطليقة. وهذا الجمع الذي ذكره ابن عبد البرّ وغيره
يتعيّن، وهو أولى من تغليط بعض الثقات. وأما قول ابن عمر: ((إنها حُسبت
عليه بتطليقة))، فإنه وإن لم يُصرّح برفع ذلك إلى النبيّ (وَليّ)، فإن فيه تسليم أن
ابن عمر قال: إنها حُسبت عليه، فكيف يجتمع مع هذا قوله: إنه لم يعتدّ بها،
أو لم يرها شيئاً على المعنى الذي ذهب إليه المخالفون؟ لأنه إن جُعِل الضمير

٢٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الطلاق
للنبيّ وَّ لزم منه أن ابن عمر خالف ما حكم به النبيّ وَّ ر في هذه القصّة
بخصوصها؛ لأنه قال: إنها حُسبت عليه بتطليقة، فيكون من حسبها عليه خالف
كونه لم يرها شيئاً، وكيف يُظنّ به ذلك، مع اهتمامه، واهتمام أبيه بسؤال
النبيّ وَّر عن ذلك ليفعل ما يأمره به؟ وإن جُعل الضمير في ((لم يعتدّ بها))، أو
((لم يرها)) لابن عمر لزم منه التناقض في القصّة الواحدة، فيفتقر إلى الترجيح،
ولا شكّ أن الأخذ بما رواه الأكثر، والأحفظ أولى من مقابله عند تعذّر الجمع
عند الجمهور، والله أعلم.
واحتجّ ابن القيّم لترجيح ما ذهب إليه شيخه بأقيسة، ترجع إلى مسألة أن
النهي يقتضي الفساد، فقال: الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام، فالقياس أن
حرامه باطلٌ؛ كالنكاح، وسائر العقود، وأيضاً فكما أن النهي يقتضي التحريم،
فكذلك يقتضي الفساد، وأيضاً فهو طلاقٌ مَنَعَ منه الشرع، فأفاد منه عدم جواز
إيقاعه، فكذلك يفيد عدم نفوذه، وإلا لم يكن للمنع فائدة؛ لأن الزوج لو وكّل
رجلاً أن يطلّق امرأته على وجه، فطلّقها على غير الوجه المأذون فيه لم ينفذ،
فكذلك لم يأذن الشارع للمكلّف في الطلاق إلا إذا كان مباحاً، فإذا طلّق طلاقاً
محرّماً لم يصحّ، وأيضاً فكلّ ما حرّمه الله من العقود مطلوب الإعدام، فالحكم
ببطلان ما حرّمه أقرب إلى تحصيل هذا المطلوب من تصحيحه، ومعلومٌ أن
الحلال المأذون فيه ليس كالحرام الممنوع منه، ثم أطال من هذا الجنس
بمعارضات كثيرة، لا تنهض مع التنصيص على صريح الأمر بالرجعة، فإنها فرع
وقوع الطلاق على تصريح صاحب القصّة بأنها حسبت عليه تطليقةً، والقياس
في معارضة النصّ فاسد الاعتبار، والله أعلم.
وقد عورض بقياس أحسن من قياسه، فقال ابن عبد البرّ: ليس الطلاق
من أعمال البرّ التي يُتقرّب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حقّ آدميّ، فكيفما
أوقعه وقع، سواء أُجر في ذلك، أم أثم، ولو لزم المطيع، ولم يلزم العاصي
لكان العاصي أخفّ حالاً من المطيع.
ثم قال ابن القيّم: لم يَرِد التصريح بأن ابن عمر احتسب بتلك التطليقة
إلا في رواية سعيد بن جبير عنه، عند البخاريّ، وليس فيها تصريحُ بالرفع،
قال: فانفراد سعيد بن جبير بذلك كانفراد أبي الزبير بقوله: ((لم يرها شيئاً))،