النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ (١٨) - بَابُ لَا تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثاً لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٥٢٦) وجعله حقيقة العسيلة، قال الجمهور: بدخول الذَّكَر تحصل اللذّة، والعسيلة(١). ٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّلُهُ: إنه يستفاد من الحديث على قول الجمهور أن الحكم يتعلّق بأقلّ ما ينطلق عليه الاسم، خلافاً لمن قال: لا بدّ من حصول جميعه، وفي قوله: ((حتى تذوقي عسيلته إلخ)) إشعارٌ بإمكان ذلك، لكن قولها: ((ليس معه إلا مثلُ هذه الهدية)) ظاهرٌ في تعذّر الجماع المشترَط. فأجاب الكرمانيّ بأن مرادها بالهدبة التشبيه بها في الدقّة والرقّة، لا في الرخاوة، وعدم الحركة. قال الحافظ: واستُبعِد ما قال، وسياق الخبر يُعطي بأنها شكت منه عدم الانتشار، ولا يمنع من ذلك قوله ◌َل9: ((حتى تذوقي))؛ لأنه علّقه على الإمكان، وهو جائز الوقوع، فكأنه قال: اصبري حتى يتأتّى منه ذلك، وإن تفارقا، فلا بدّ لها عند إرادة الرجوع إلى رفاعة من زوج آخر، يحصل لها منه ذلك. ٥ - (ومنها): أنه استُدلّ بإطلاق وجود الذوق منهما على اشتراط علم الزوجين به، حتى لو وطئها نائمةً، أو مغمى عليها لم يكف، ولو أنزل هو، وبالغ ابن المنذر، فنقله عن جميع الفقهاء. وتُعُقّب بأن فيه خلافاً . وقال القرطبيّ: فيه حجةٌ لأحد القولين في أنه لو وطئها نائمةً، أو مُغمَّى عليها لم تحل لمطلّقها؛ لأنها لم تذق العسيلة؛ إذ لم تُدركها، وجزم ابن القاسم بأن وطء المجنون يُحلِّل، وخالفه أشهب، قاله في ((الفتح)(٢). ٦ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ كَّلُ: في قوله: ((تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟)) دليلٌ على أن إرادة المرأة الرجوع إلى زوجها لا يضرّ العاقد عليها، وأنها ليست بذلك في معنى التحليل المستحقّ صاحبه اللعن. ٧ - (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز رجوعها لزوجها الأول إذا حصل الجماع من الثاني، لكن شَرَطَ المالكيّة، ونُقل عن عثمان، وزيد بن ثابت أن لا يكون في ذلك مخادعةٌ من الزوج الثاني، ولا إرادة تحليلها للأول، وقال (١) ((شرح النوويّ)) ٣/١٠. (٢) ((الفتح)) ٢٠٢/١٢. ٤٤٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح الأكثر: إن شُرط ذلك في العقد فسد، وإلا فلا(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط وطء الزوج الثاني المطلّقة ثلاثاً: ذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم إلى أن المطلّقة ثلاثاً لا تحلّ لمطلّقها حتى تنكح زوجاً غيره، ويطأها، ثم يفارقها، وتنقضي عدّتها، فأما مجرّد عقده عليها، فلا يُبيحها للأول. وخالف في ذلك سعيد بن المسيّب، فقال: إذا عقد الثاني عليها، ثم فارقها، حلّت للأوّل، ولا يُشترط وطء الثاني؛ لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٠]، والنكاح حقيقة في العقد على الصحيح. وأجاب الجمهور بأن هذا الحديث مخصّص لعموم الآية، ومبيّنٌ للمراد بها، قال النوويّ: قال العلماء: ولعلّ سعيداً لم يبلغه هذا الحديث، قال القاضي عياض: لم يقل أحد بقول سعيد في هذا إلا طائفةٌ من الخوارج. وقال في ((الفتح)): قال جمهور العلماء: ذوق العُسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة، وزاد الحسن البصريّ: حصول الإنزال، وهذا الشرط انفرد به عن الجماعة، قاله ابن المنذر، وآخرون، وقال ابن بطّال: شذّ الحسن في هذا، وخالفه سائر الفقهاء، وقالوا: يكفي من ذلك ما يوجب الحدّ، ويحصّن الشخص، ويوجب كمال الصداق، ويُفسد الحجّ والصوم، وهو في التشديد يقابل قول سعيد بن المسيّب في الرخصة . ويردّ قول الحسن أن الإنزال لو كان شرطاً لكان كافياً، وليس كذلك؛ لأن كلّاً منهما إذا كان بعيد العهد بالجماع مثلاً أنزل قبل تمام الإيلاج، وإذا أنزل كلّ منهما قبل تمام الإيلاج لم يذق عسيلة صاحبه، لا إن فُسّرت العسيلة بالإمناء، ولا بلذّة الجماع. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحلّ للأوّل، إلا (١) ((الفتح)) ٢٠٢/١٢. ٤٤٣ (١٨) - بَابُ لَا تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثاً لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٥٢٦) سعيد بن المسيّب، ثم ساق بسنده الصحيح عنه، قال: يقول الناس: لا تحلّ للأول حتى يُجامعها الثاني، وأنا أقول: إذا تزوّجها تزويجاً صحيحاً، لا يريد بذلك إحلالها للأول، فلا بأس أن يتزوّجها الأول، وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وفيه تعقّب على من استبعد صحته عن سعيد، قال ابن المنذر: وهذا القول لا نعلم أحداً وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، ولعلّه لم يبغله الحديث، فأخذ بظاهر القرآن. قال الحافظ: سياق كلامه يُشعر بذلك. وفيه دلالة على ضعف الخبر الوارد في ذلك، وهو ما أخرجه النسائيّ (٣٤١٥) من رواية شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن عمر، رفعه في الرجل تكون له المرأة، فيُطلّقها، ثم يتزوّجها آخر، فيُطلّقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى الأول، فقال: ((لا، حتى تذوق العسيلة))، وقد أخرجه النسائيّ أيضاً (٣٤١٦) من رواية سفيان الثوريّ، عن علقمة بن مرثد، فقال: عن رزين بن سليمان الأحمريّ، عن ابن عمر نحوه، قال النسائيّ: هذا أولى بالصواب، وإنما قال ذلك؛ لأن الثوريّ أتقن، وأحفظ من شعبة، وروايته أولى بالصواب من وجھین : [أحدهما]: أن شيخ علقمة شيخهما هو رزين بن سليمان، كما قال الثوريّ، لا سالم بن رزين، كما قال شعبة، فقد رواه جماعة عن علقمة كذلك، منهم: غيلان بن جامع، أحد الثقات. [ثانيهما]: أن الحديث لو كان عند سعيد بن المسيّب، عن ابن عمر، مرفوعاً ما نسبه إلى مقالة الناس الذين خالفهم. ويؤخذ من كلام ابن المنذر أن نقل أبي جعفر النحّاس في ((معاني القرآن))، وتبعه عبد الوهّاب المالكيّ في ((شرح الرسالة)) القول بذلك عن سعيد بن جبير وَهَمِّ، وأعجب منه أن أبا حبان(١) جزم به عن السعيدين: سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، ولا يُعرف له سندٌ عن سعيد بن جبير في (١) هكذا نسخة ((الفتح)): ((حبان)) بالباء الموحّدة، فليُحرّر. ٤٤٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح شيء من المصنّفات، وكفى قول ابن المنذر حجةً في ذلك، وحكى ابن الجوزيّ عن داود أنه وافق سعيد بن المسيّب. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن جمهور العلماء على أن المطلّقة ثلاثاً لا تحلّ لزوجها الأول إلا بعد نكاح صحيح، ويُجامعها الزوج الثاني، وإن لم يُنزل، ثم يطلّقها، فتنقضي عدّتها، وهذا هو الحقّ الموافق لظاهر حديث عائشة ﴿يا المذكور في الباب، فما نُقل عن سعيد بن المسيّب من الاكتفاء بالعقد المجرّد عن الجماع، وكذا عن الحسن البصريّ من اشتراط الإنزال، فمما لا يُلتفت إليه؛ لمخالفته ما صحّ عن رسول الله وَطهر، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): اتفقوا على أنه إذا كان الجماع في نكاح فاسد لم يحلّل، وشذّ الْحَكَمُ، فقال: يكفي، وأن من تزوّج أمة، ثم بتّ طلاقها، ثم مَلَكها لم يحلّ له أن يطأها حتى تتزوّج غيره، وقال ابن عبّاس، وبعض أصحابه، والحسن البصريّ: تحلّ له بمِلك اليمين. واختلفوا فيما إذا وطئها حائضاً، أو بعد أن طهرت قبل أن تطهّر، أو أحدهما صائم، أو محرم. وقال ابن حزم: أخذ الحنفيّة بالشرط الذي في هذا الحديث عن عائشة، وهو زائد على ظاهر القرآن، ولم يأخذوا بحديثها في اشتراط خمس رضعات؛ لأنه زائد على ما في القرآن، فليزمهم الأخذ به، أو ترك حديث الباب. وأجابوا بأن النكاح عندهم حقيقة في الوطء، فالحديث موافق لظاهر القرآن. ونقل ابن العربيّ عن بعضهم أنه أورد على حديث الباب ما ملخصّه: أنه يلزم من القول به إما الزيادة بخبر الواحد على ما في القرآن، فيستلزم نسخ القرآن بالسنّة التي لم تتواتر، أو حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين مع ما فيه من الإلباس. والجواب عن الأول: أن الشرط إذا كان من مقتضيات اللفظ لم تكن إضافته نسخاً، ولا زيادة، وعن الثاني: أن النكاح في الآية أضيف إليها، وهي ٤٤٥ (١٨) - بَابُ لَا تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثاً لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٥٢٦) لا تتولى العقد بمجرّدها، فتعيّن أن المراد به في حقّها الوطء، ومن شرطه اتفاقاً أن يكون وطأً مباحاً، فيحتاج إلى سبق العقد. ويمكن أن يقال: لما كان اللفظ محتملاً للمعنيين بيّنت السنّة أنه لا بدّ من حصولهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): أنه استدلّ بحديث الباب على أن المرأة لا حقّ لها في الجماع؛ لأن هذه المرأة شكت زوجها أنه لا يطؤها، وأن ذَكَره لا ينتشر، وأنه ليس معه ما يغني عنها، ولم يفسخ النبيّ وَّ نكاحها بذلك، ومن ثمّ قال إبراهيم بن إسماعيل بن عليّة، وداود بن عليّ: لا يفسخ بالْعُنّة، ولا يُضرب لِلْعِنِين أجل. وقال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع، فقال الأكثر: إن وطئها بعد أن دخل بها مرّة واحدةً لم يؤجّل أجل العنّين، وهو قول الأوزاعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وإسحاق، وقال أبو ثور: إن ترك جماعها لعلّة أُجّل سنة، وإن كان لغير علّة فلا تأجيل. وقال القاضي عياض: اتفق كافّة العلماء على أن للمرأة حقّاً في الجماع، فيثبت لها الخيار إذا تزوّجت المجبوب، والممسوح، جاهلةً بهما، ويُضرَب للعنّين أجلٌ سنة؛ لاحتمال زوال ما به. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نقله عياض كَّتُ عن كافّة العلماء من أن للمرأة حقّاً في الجماع هو الحقّ؛ لأن الله تعالى أوجب على الزوج المعاشرة بالمعروف، وهو من المعروف، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْعُرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد عُلِم الحقّ للرجل على امرأته أن يُجامعها، فكذلك لها ذلك، والله تعالى أعلم. قال في ((الفتح)): وأما استدلال داود ومن يقول بقوله بقصّة امرأة رفاعة، فلا حجة فيها؛ لأن في بعض طرقه أن الزوج الثاني كان أيضاً طلّقها، كما وقع عند مسلم صريحاً من طريق القاسم، عن عائشة ﴿ّ، قالت: ((طلّق رجلٌ امرأته ثلاثاً، فتزوّجها رجلٌ آخر، فطلّقها قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها الأول أن يتزوّجها، فسُئل النبيّ وَ ﴿ عن ذلك؟ فقال: لا ... )) الحديث، وأصله عند البخاريّ في أوائل ((الطلاق))، ووقع في حديث الزهريّ، عن عروة عند ٤٤٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح البخاريّ في ((اللباس)) في آخر الحديث بعد قوله: ((حتى تذوقي عُسيلته، ويذوق عُسيلتك))، قال: ففارقته بعد، زاد ابن جريج عن الزهريّ في هذا الحديث: ((أنها جاءت بعد ذلك إلى النبيّ وَّ، فقالت: إنه - يعني زوجها الثاني - مسّها، فمنعها أن ترجع إلى زوجها الأول))، وصرّح مقاتل بن حيّان في تفسيره، مرسلاً: ((قالت: يا رسول الله إنه كان مسّني، فقال: كذبت بقولك الأول، فلن أُصدّقك في الآخر، وأنها أتت أبا بكر، ثم عمر، فمنعاها)). وكذا وقعت هذه الزيادة الأخيرة في رواية ابن جريج المذكورة، أخرجها عبد الرزاق، عنه. ووقع عند مالك في ((الموظٍّ)) عن الْمِسْوَر بن رفاعة، عن الزَّبِير بن عبد الرحمن بن الزَّبير، زاد خارج ((الموطًا)) فيما رواه ابن وهب عنه، وتابعه إبراهيم بن طهمان، عن مالك عند الدارقطنيّ في ((الغرائب))، عن أبيه: ((أن رفاعة طلّق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثاً، فنكحها عبد الرحمن، فاعتُرِضَ عنها، فلم يستطع أن يمسّها، ففارقها، فأراد رفاعة أن يتزوّجها ... )) الحديث. ووقع عند مسلم من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله وَله سُئل عن المرأة يتزوّجها الرجل، فيُطلّقها، فتتزوّج رجلاً، فيُطلّقها قبل أن يدخل بها، أتحلّ لزوجها الأول؟ قال: ((لا، حتى يذوق عسيلتها)). وأخرج الطبريّ، وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة ظبه نحوه، والطبريّ أيضاً، والبيهقيّ من حديث أنس ﴿به كذلك، وكذا وقع في رواية حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: ((أن عمرو بن حزم طلّق الْغُميصاء، فنكحها رجلٌ، فطلّقها قبل أن يمسّها، فسألت النبيّ وَّ؟ ، فقال: لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها، وتذوق عسيلته))، وأخرجه الطبرانيّ، ورواته ثقات. قال الحافظ: فإن كان حماد بن سلمة حفظه، فهو حديث آخر لعائشة في قصّة أخرى، غير قصّة امرأة رفاعة، وله شاهد من حديث عُبيد الله - بالتصغير - ابن عباس، عند النسائيّ، كما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٤٤٧ (١٨) - بَابُ لَا تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثً لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٥٢٦) (المسألة السابعة): أنه قد وقع لغير امرأة رفاعة قريبٌ مما وقع لها، فقد أخرج النسائيّ (٣٤١٤) من طريق سليمان بن يسار، عن عُبَيد الله بن عباس - أي ابن عبد المطّلب -: ((أن الْغُميصاء، أو الرميصاء، أتت النبيّ وَلّ تشكو من زوجها أنه لا يَصِلُ إليها، فلم يلبث أن جاء، فقال: إنها كاذبةٌ، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال: ليس ذلك لها حتى تذوق عسيلته))، ورجاله ثقات، لكن اختُلِف فيه على سليمان بن يسار. قال الحافظ: ووقع عند شيخنا - يعني الحافظ العراقيّ - في ((شرح الترمذيّ)): ((عبد الله بن عباس))، مكبّراً، وتعقّب على ابن عساكر، والْمِزّيّ أنهما لم يذكرا هذا الحديث في ((الأطراف))، ولا تعقّب عليهما، فإنهما ذكراه في مسند عبيد الله - بالتصغير - وهو الصواب. وقد اختلف في سماعه من النبيّ وَّرَ، إلا أنه وُلد في عصره، فذُكر لذلك في الصحابة. واسم زوج الغميصاء هذه عمرو بن حزم، أخرجه الطبرانيّ، وأبو مسلم الكجيّ، وأبو نُعيم في الصحابة من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن عمرو بن حزم طلّق الغميصاء، فتزوّجها رجلٌ قبل أن يمسّها(١)، فأرادت أن ترجع إلى زوجها الأول ... الحديث. قال الحافظ: ولم أعرف اسم زوجها الثاني. ووقعت لامرأة ثالثة قصّة أخرى أيضاً مع رفاعة رجلٍ آخر غير الأول، والزوج الثاني عبد الرحمن بن الزَّبِير أيضاً، أخرجه مقاتل بن حيّان في (تفسيره))، ومن طريقه ابن شاهين في ((الصحابة))، ثم أبو موسى في قوله تعالى: ﴿فَلَ تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ قال: ((نزلت في عائشة بنت عبد الرحمن بن عقيل النضريّة، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك، وهو ابن عمها، فطلّقها بائناً، فتزوّجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير، ثم طلّقها، فأتت (١) كذا نسخة: ((الفتح))، والظاهر أن فيه سقطاً، والأصل: ((فتزوّجها رجلٌ، فطلّقها قبل أن يمسّها))، فليُحرّر. ٤٤٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح النبيّ وَّ، فقالت: إنه طلّقني قبل أن يمسّني، أفأرجع إلى ابن عمّي، زوجي الأول؟ قال: لا)) الحديث. قال الحافظ: وهذا الحديث إن كان محفوظاً، فالواضح من سياقه أنها قصّة أخرى، وأنّ كلّاً من رفاعة القُرظيّ، ورفاعة النضريّ وقع له مع زوجة له طلاقٌ، فتزوّج كلّ منهما عبدُ الرحمن بن الزَّبِير، فطلّقها قبل أن يمسّها، فالحكم في قصّتهما متّحدٌ مع تغاير الأشخاص. وبهذا يتبيّن خطأ من وحّد بينهما، ظنّاً منه أن رفاعة بن سَمَوْأَل هو رفاعة بن وهب، فقال: اختُلف في امرأة رفاعة على خمسة أقوال، فذكر الاختلاف في النطق بتميمة، وضمّ إليها عائشة، والتحقيق ما تقدّم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: جزمه في تخطئة من وحّد بينهما فيه نظر لا يخفى؛ إذ هو مُحْتَمِلٌ، كما أبداه هو بعد ورقتين، حيث قال ما نصّه: وقد قدّمتُ أنه وقع لكل من رفاعة بن سموأل، ورفاعة بن وهب أنه طلّق امرأته، وأن كلّاً منهما تزوّجها عبد الرحمن ابن الزَّبير، وأن كلّاً منهما شَكَتْ أنه ليس معه إلا مثلُ الهدبة، فلعلّ إحدى المرأتين شكته قبل أن يفارقها، والأخرى بعد أن يفارقها . ويَحْتمل أن تكون القصّة واحدةً، ووقع الوهم من بعض الرواة في التسمية، أو في النسبة، وتكون المرأة شَكَت مرّتين من قبل المفارقة، ومن بعدها، والله أعلم انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الأخير عندي هو الأقرب، والله تعالى أعلم. ووقع أيضاً لأبي رُكانة قصّة أخرى، فقد أخرج أبو داود، من حديث ابن عباس ﴿ّ قال: طلّق عبد يزيد، أبو رُكانة أم رُكانة، ونكح امرأة من مُزينة، فجاءت إلى النبيّ وَّ، فقالت: ما يُغني عنّي إلا كما تُغني هذه الشعرة - الشعرة أخذتها من رأسها - ففرِّق بيني وبينه، قال: فقال النبيّ وَّ لعبد يزيد: ((طلّقها، وراجع أمّ ركانة، ففعل))، وهو حديث ضعيف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ٤٤٩ (١٨) - بَابُ لَا تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلاثَاً لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٥٢٧) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٥٢٧] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْنَى، وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِ يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ وَِّ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِنَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَبَتَّ طَلَاقَهَا، فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الَّبِيرِ، فَجَاءَت النَّبِيَّ وَِّ(١)، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثٍ تَطْلِيقَاتٍ، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، وَإِنَّهُ وَاللهِ مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ، وَأَخَذَتْ بِهُدْبَةٍ مِنْ جِلْبَابِهَا، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِنَّهِ ضَاحِكاً، فَقَالَ: (لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ))، وَأَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ بِبَابِ الْحُجْرَةِ، لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، قَالَ: فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَادِي أَبَا بَكْرٍ: أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَلِّ؟). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٥٠) (م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٢ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي. وقولها: (إِنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ رِفَاعَةً) فيه التفات من التكلّم إلى الغيبة، وقولها: ((فتزوجت)) رجوع إلى التكلّم. وقولها: (مِنْ جِلْبَابِهَا) واحد الجلابيب، وهو كساء تستتر المرأة به إذا خرجت من بيتها . (١) وفي نسخة: ((فجاءت إلى النبيّ ٤٥٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح وقولها: (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ ... إلخ) ظاهر هذه الرواية أن هذا من قول عروة، فيكون مرسلاً، لكن الظاهر من سياق الروايات أنه أخذ عن عائشة هنا، فيكون هو حاكياً عنها، والله تعالى أعلم. وقال القرطبيّ تَُّهُ: فيه دليلٌ على أن مثل هذا إذا صدر من مدّعية لا يُنكر عليها، ولا توبّخ بسببه، فإنه في معرض المطالبة بالحقوق، ويدلّ على صحّته أن أبا بكر ظُه لم يُنكره، وإن كان خالد قد حرّكه للإنكار، وحضّه (١) عليه. انتهى(١). وقوله: (عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ) أي ترفع صوتها، وفي غير كتاب مسلم: ((تُهْجِر به))، من الْهُجْر، وهو الْفُحْش من القول(٢). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٢٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ وَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي. [تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (٢١٠/٢) فقال: (٧١٦) - أخبرنا عبد الرزاق، نا معمرٌ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: جاءت امرأة رفاعة الْقُرَظيّ إلى رسول اللهِ وَّةِ، فقالت: إن (١) ((المفهم)) ٢٣٥/٤. (٢) ((المفهم)) ٢٣٥/٤. ٤٥١ (١٨) - بَابُ لَا تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثاً لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٥٢٩) رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات، قالت: فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير، وما معه إلا مثل هذه الْهُدْبة، وإنه طلّقني، فأبتّ طلاقي، فتبسم رسول الله وَّل، وقال لها: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟، لا، حتى تذوقي عُسيلته، ويذوق عُسيلتك))، قالت: وأبو بكر جالس عند رسول الله وَلله، وخالد بن سعيد بن العاص جالس بباب الْحُجْرة، لم يؤذن له، فَفَطِنَ، فنادى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول الله وَ؟ انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٥٢٩] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ يَتَزَوَّجُهَا الرَّجُلُ، فَّطَلِّقُهَا، فَتَتَزَوَّجُ رَجُلاً، فَيُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، أَنَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ؟ قَالَ: ((لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا))). رجال هذا الإسناد: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) أبو كريب، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريباً . ٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم أيضاً قريباً . والباقيان ذكرا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وهو مختصر من قصّة امرأة رفاعة القرظيّ الماضي، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، ويَحْتَمل أن تكون قصّة أخرى، كما أشار إليه في ((الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) راجع: ((الفتح)) ٤٠/١٢. ٤٥٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٥٣٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، جَمِيعاً عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٥٨/٦٣. ٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب. [تنبيه]: رواية محمد بن فُضيل، عن هشام هذه ساقها البيهقيّ تَظَّتُهُ في ((الكبرى)) (٣٧٤/٧) فقال: (١٤٩٧٠) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد الفقيه، أنا الحسن بن سفيان، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا ابن فُضيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فيها أنها سئلت عن الرجل يتزوج المرأة، فيطلّقها ثلاثاً، فقالت: قال رسول الله وَله: ((لا تحل للأول حتى يذوق الآخر عُسيلتها، وتذوق عُسيلته)). انتهى. وأما رواية أبي معاوية، عن هشام، فقد ساقها البخاريّ تَّتُهُ في ((صحيحه))، فقال: (٥٢٦٥) - حدّثنا محمد (١)، حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: طَلَّق رجلٌ امرأته، فتزوجت زوجاً غيره، فطَلّقها، وكانت معه مثل الْهُدْبة، فلم تَصِل منه إلى شيء تريده، فلم يلبث أن طلّقها، فأتت النبيّ مَّ، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي طلقني، وإني تزوجت زوجاً غيره، فدخل بي، ولم يكن معه إلا مثل الهدبة، فلم يَقْرَبني إلا هَنَةً واحدةً(٢)، (١) هو محمد بن سلام، كما قاله في ((عمدة القاري)) ٢٤١/٢٠. (٢) أي لم يطأني إلا مرّةً واحدةً. ٤٥٣ (١٨) - بَابُ لَا تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثاً لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، ... إلخ - حديث رقم (٣٥٣١) لم يصل مني إلى شيء، فَأَحِلُّ لزوجي الأول؟ فقال رسول الله وَله: ((لا تحلِّين لزوجك الأول، حتى يذوق الآخر عُسيلتك، وتذوقي عسيلته)). انتهى. وأما رواية محمد بن فُضيل، عن هشام، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٥٣١] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: طَلَّقَ رَجُلُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثاً، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: (لَا، حَتَّى يَذُوقَ الْآخِرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الْأَوَّلُ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصِلِ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/٢. ٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) الْعُمريّ المدنيّ، تقدّم في الباب الماضي. ٣ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت١٠٦) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٩٥/٣. والباقيان ذكرا قبله. وقوله: (طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ) هو رفاعة القرظيّ، ويَحْتَمِل أن تكون هذه قصّة أخرى، كما أشار إليه في ((الفتح))(١). وقوله: (ثلاثاً) أي آخر تطليقات ثلاث، كما تقدّم بيانه. وقوله: (فَتَزَّوَّجَهَا رَجُلٌ) هو عبد الرحمن بن الزَّبِير، ويَحْتَمِل أن يكون غيره، كما أشرت إليه آنفاً . والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (١) ((الفتح)) ٤٠/١٢. ٤٥٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّشُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٥٣٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَخْيَى، يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ، جَمِيعاً عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي حَدِيثٍ يَحْنَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، عَنْ عَائِشَةَ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريباً. والباقون ذُكروا في الباب، وفي الباب الماضي. [تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان، عن عبيد الله، ساقها البخاريّ في ((صحيحه))، فقال: (٥٢٦١) - حدّثني محمد بن بشار، حدّثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: حدّثني القاسم بن محمد، عن عائشة، أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً، فتزوجت، فَطَلَّق، فسئل النبيّ وَِّ أَتَحِلُّ للأول؟ قال: ((لا، حتى يذوق عسيلتها، كما ذاق الأول)). انتهى. وأما رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١٩) - (بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٥٣٣] (١٤٣٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِم، عَنْ كُرَيْبٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ (١) إِذَا أَرَّادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، قَالَ: (١) وفي نسخة: (لو أنّ أحدكم)). ٤٥٥ (١٩) - بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ - حديث رقم (٣٥٣٣) بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّب الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَداً))). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريباً. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت١٨٨) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦. ٥ - (سَالِمُ) بن أبي الجعد، واسمه رافع الغَطَفاني الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ يرسل كثيراً [٣] (ت٧ أو٩٨) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٢٨/٨. ٦ - (كُرَيْبُ) بن أبي مسلم الهاشميّ مولى ابن عبّاس، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت٩٨) تقدم في ((الحيض)) ٦٨٨/٢. ٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ظنًا، تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦. لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَُّ، وله فيه شيخان، قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء منه ومنهما . ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: سالم، عن كريب، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة، وقال في ((الفتح)): وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق واحد، أولهم منصور. انتهى، وقد تقدّم أنه لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة، وإن كان في عصرهم، فليس تابعيّاً على الراجح، ولذا جعلته من الطبقة السادسة، فتنبّه. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﴿ها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى. ٤٥٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح شرح الحديث: (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿يَا أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ) وفي بعض النسخ: ((لو أن أحدكم)) (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ) أي إن أراد أن يجامعها، فالإتيان كناية عن الجماع، قيل: وهذه الرواية مفسّرة للرواية الأخرى بلفظ: ((لو أن أحدهم إذا أتى أهله))، وفي رواية للبخاري: ((أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله))، وعند الإسماعيليّ: ((أما إن أحدكم لو يقول حين يجامع أهله))، قال في ((الفتح)): وهو ظاهر في أن القول يكون مع الفعل، لكن يمكن حمله على المجاز، وعنده في رواية رَوْح بن القاسم، عن منصور: ((لو أن أحدهم إذا جامع امرأته ذكر الله)). قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لکن یمکن حمله على المجاز: أراد به تأويل قوله: ((حين يُجامع أهله)) بأن المراد إرادة مجامعة أهله، بدليل رواية المصنّف هذه بلفظ: ((إذا أرد أن يأتي أهله))، لكن الذي يظهر أنه لا داعي لهذا الحمل، فما المانع من أن يقوله قبل الشروع، وبعد الشروع؟، فتأمل، والله تعالى أعلم. وقوله: (أَهْلَهُ) المراد زوجته، وفي ((العباب)): الأهل أهل الرجل، وأهل الدار، وكذلك الأهلة، والجمع الأَهْلات، وأَهَلاتٌ(١)، وأهلون، وكذلك الأهالي، زادوا فيه الياء، على غير قياس، كما جمعوا ليلاً على ليالي، وقد جاء في الشعر آهَالٍ، مثالُ فَرْخ وأَفْراخ، وزَنْد وأَزْناد. انتهى(٢). (قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا) من جَنَّب الشيءَ يُجَنِّب تجنيباً: إذا أبعده منه، ومنه الجنب؛ لأنه بعيد عن ذكر الله تعالى، وأجنب تباعد، وأجنبته الشيءَ مثل جَنّبته، وقرأ في الشواذّ: (وَأَجْنِبْني وبَنِيَّ) بقطع الهمزة، وقال الزمخشريّ: فيه ثلاث لغات: جَنَبْتُه الشرّ - أي ثلاثيّاً، من باب قَعَد - وجَنَّبه - أي بالتشديد - وأجنبه، وقال في ((اللسان)): يقال: جَنَبْتُهُ الشّرّ، وأجنبته، وجَنّبته، بمعنى واحد (٣)، قاله الفرّاء، والزجّاج. انتهى(٤). (١) أي بفتح الهمزة، والهاء، كما في ((القاموس)). (٢) ((عمدة القاري)) ٢٦٧/٢. (٤) (لسان العرب)) ٢٧٨/١. (٣) أي نخّيته عنه، وأبعدته. ٤٥٧ (١٩) - بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ - حديث رقم (٣٥٣٣) وفي رواية للبخاريّ: ((اللهمّ جنّبني)) بالإفراد (الشَّيْطَانَ) وزنه فَيْعالٌ، إذا كان من شَطَنَ، وفَعْلانُ، إذا كان من شاط، وقال الزمخشريّ: وقد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة، والدليل على أصالتها قولهم: تشيطن، واشتقاقه من شَطَن: إذا بَعُد؛ لبعده من الصلاح والخير، أو من شاط: إذا بطل، إذا جُعِلت نونه زائدة(١) . (وَجَنِّب الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) أي من الولد، وفي حديث أبي أمامة عند الطبرانيّ: ((جنّني، وجنّب ما رزقتني من الشيطان الرجيم)) (فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ) وفي رواية للبخاريّ: ((ثم قُدِّر بينهما ولدٌ، أو قُضِي ولد))، قال في ((الفتح)): كذا بالشكّ، وفي رواية سفيان بن عيينة، عن منصور: ((فإن قَضَى الله بينهما ولداً))، ومثله في رواية إسرائيل، وفي رواية شعبة: ((فإن كان بينهما ولدٌ))، وفي رواية همام: ((فَرُزقا ولداً)). انتهى(٢). وقوله: (فِي ذَلِكَ) أي ذلك الإتيان، يعني أن امرأته حَمَلت من ذلك الجماع الذي قال فيه هذا الذكر (لَمْ يَضُرَّهُ) قال في ((العمدة)): يجوز ضم الراء، وفتحها، ويقال: الضم أفصح، قال: يجوز في مثل هذه المادة ثلاثة أوجه: الضم؛ لأجل ضمّه ما قبلها، والفتح؛ لأنه أخف الحركات، وفكّ الإدغام، كما عُلِم في موضعه، فافهم. انتهى(٣). (شَيْطَانٌ أَبَداً))) قال في ((العمدة)): أي لم يضر الشيطان الولد، يعني لا يكون له عليه سلطان ببركة اسمه، بل يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَتِهِمْ سُلْطَانُ﴾ [الإسراء: ٦٥]، ويقال: يَحْتَمِل أن يؤخذ قوله: ((لم يضره)) عامّاً، فيدخل تحته الضرر الدينيّ، ويَحْتَمِل أن يؤخذ خاصّاً بالنسبة إلى الضرر البدنيّ، بمعنى أن الشيطان لا يتخبطه، ولا يداخله بما يضر عقله وبدنه، وهو الأقرب، وإن كان التخصيص خلاف الأصل؛ لأنا إذا حملناه على العموم اقتضى أن يكون الولد معصوماً عن المعاصي، وقد لا يتفق ذلك، ولا بُدّ من وقوع ما أخبر به النبيّ وَّر، أما إذا (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٦٧/٢. (٣) ((عمدة القاري)) ٢٦٧/٢. (٢) ((الفتح)) ٥١٦/١١. ٤٥٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح حَمَلناه على الضرر في العقل والبدن، فلا يمتنع، وقال القاضي عياض: قيل: المراد أنه لا يصرعه الشيطان، وقيل: لا يطعن فيه عند ولادته، بخلاف غيره، قال: ولم نَحْمِله على العموم في جميع الضرر؛ لوجود الوسوسة، والإغراء، يعني الحمل على فعل المعاصي، وقال الداوديّ: ((لم يضره)) بأن يفتنه بالكفر. (١) انتهى(١). وقال في ((الفتح)): قوله: (لم يضرّه شيطان)) كذا بالتنكير، وفي رواية شعبة عند مسلم وأحمد: ((لم يُسَلَّط عليه الشيطان، أو لم يضره الشيطان))، وكذا هو عند البخاريّ في ((بدء الخلق)) بلفظ: ((الشيطان))، واللام للعهد المذكور في لفظ الدعاء، ولأحمد عن عبد العزيز العَمِّيّ، عن منصور: ((لم يضرّ ذلك الولد الشيطان أبداً))، وفي مرسل الحسن، عن عبد الرزاق: ((إذا أتى الرجل أهله، فليقل: بسم الله، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، ولا تجعل للشيطان نصيباً فيما رزقتنا، فكان يُرْجَى إن حملت أن يكون ولداً صالِحاً)). واختُلِف في الضرر المنفيّ بعد الاتفاق على ما نَقَلَ عياض على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر، وإن كان ظاهراً في الحمل على عموم الأحوال، من صيغة النفي، مع التأبيد، وكان سبب ذلك ما أخرجه البخاريّ في (بدء الخلق)): ((أن كل بني آدم يطعُن الشيطان في بطنه حين يولد إلا من استثني))(٢)، فإن في هذا الطعن نوع ضرر في الجملة، مع أن ذلك سبب صراخه. ثم اختلفوا، فقيل: المعنى لم يُسَلَّط عليه، من أجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، (١) ((عمدة القاري)) ٢٦٩/٢. (٢) هو ما أخرجه البخاريّ في ((بدء الخلق)) من ((صحيحه)) عن أبي هريرة ظبه قال النبيّ وَّهِ: ((كلُّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه، حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب)). وأخرجه مسلم في ((الفضائل)) بلفظ: ((ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهلّ صارخاً من نخسة الشيطان، إلا ابن مريم، وأمّه)). ٤٥٩ (١٩) - بَابُ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ - حديث رقم (٣٥٣٣) ويؤيده مرسل الحسن المذكور، وقيل: المراد لم يطعُن في بطنه، وهو بعيدٌ، لمنابذته ظاهر الحديث المتقدم، وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا، وقيل: المراد لم يَصْرَعه، وقيل: لم يضرّه في بدنه. وقال ابن دقيق العيد: يَحْتَمِل أن لا يضرّه في دينه أيضاً، ولكن يُبعده انتفاء العصمة . وتُعُقِّب بأن اختصاص مَن خُصّ بالعصمة بطريق الوجوب، لا بطريق الجواز، فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمداً، وإن لم يكن ذلك واجباً له. وقال الداوديّ: معنى («لم يضرّه)) أي لم يَفْتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية، وقيل: لم يضرّه بمشاركة أبيه في جماع أمه، كما جاء عن مجاهد أن الذي يجامع، ولا يسمي يَلْتَفّ الشيطان على إحليله، فيجامع معه. ولعل هذا أقرب الأجوبة، ويتأيد الحمل على الأول بأن الكثير ممن يَعرف هذا الفضل العظيم يَذْهَل عنه عند إرادة المواقعة، والقليل الذي قد يستحضره ويفعله، لا يقع معه الحمل، فإذا كان ذلك نادراً لم يبعد. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن أَوْلى الأجوبة هو الأول، وهو أنه لا يسلّط عليه الشيطان، بل يكون من جملة عباد الله المحفوظين الذين قال تعالى في حقّهم: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَّهِمْ سُلْطَانُ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٥٣٣/١٩ و٣٥٣٤] (١٤٣٤)، و(البخاريّ) في ((الوضوء)) (١٤١)، و((بدء الخلق)) (٣٢٧١ و٣٢٨٣)، و((النكاح)) (٥١٦٥ و٦٣٨٨ و٧٣٩٦)، و(أبو داود) في (٢١٦١)، و(الترمذيّ) في (١٠٩٢)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٦٦ و٢٦٩)، و(ابن ماجه) في (١٦١٩)، ٤٦٠ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٩٤/٦)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٣٩/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٦/١ و٢٢٠ و٢٤٣ و٢٨٣ و٢٨٦)، و(أبو عوانة) في «مسنده)) (٨٢/٣ - ٨٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠٩/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٩٤/٧)، و((الكبير)) (٢٠٨/٨ و٤٢٢/١١)، و(عبد بن حميد) في «مسنده)) (٢٣٠/١)، و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١٣٠/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٩/٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب التسمية والدعاء المذكور، والمحافظة على ذلك حتى في حالة الملاذّ، كالوقاع، وقد ترجم عليه الإمام البخاريّ تَُّ في ((كتاب الطهارة)). ٢ - (ومنها): أن فيه الاعتصام بذكر الله تعالى، ودعائه من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستعاذة به من جميع الأسواء. ٣ - (ومنها): أن فيه الاستشعارَ بأنه تعالى هو الميسِّر لذلك العمل الذي يستعيذ عليه، والمعين عليه. ٤ - (ومنها): أن فيه الحثّ على المحافظة على تسميته تعالى، ودعائه في كل حال لم يَنْهَ الشرع عنه، حتى في حال ملاذّ الإنسان. وقال ابن بطال ◌َُّ: فيه الحثّ على ذكر الله في كل وقت، على طهارة وغيرها، ورَدُّ قول من قال: لا يذكر الله تعالى إلا وهو طاهر، ومَن كَرِهِ ذِكْرَ الله تعالى على حالتين: على الخلاء، وعلى الوقاع، رُوي عن ابن عمر ﴿ها أنه كان لا يذكر الله إلا وهو طاهر، ورُوي مثله عن أبي العالية، والحسن، وروي عن ابن عباس ◌ً أنه كَرِه أن يذكر الله تعالى على حالين: على الخلاء، والرجل يواقع أهله، وهو قول عطاء، ومجاهد، وقال مجاهد: يجتنب المَلَك الإنسان عند جماعه، وعند غائطه، قال ابن بطال: وهذا الحديث خلاف (١) قولهم. انتهى (١). ٥ - (ومنها): أنّ فيه إشارةً إلى ملازمة الشيطان لابن آدم من حين خروجه (١) راجع: ((عمدة القاري)) ٢٦٩/٢.