النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
(١٢) - بَابُ الأَمْرِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ - حديث رقم (٣٤٨٦)
مضبوطة في ((شرح السنة)) في عِدَّة مواضع، وجرى على ألسنة الناس بالفتح،
وهي لغة، حكاها بعضهم، وجمعها: وَقَايَا، مثلُ عَطِيّةٍ وعَطَايَا. انتهى (١).
(فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌ََّ﴾ مستكثراً كون المهر أربع أواقٍ، ومنكراً له: ((عَلَى
أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟) أي أتزوّجتها على أربع أواقٍ؟ (كَأَنَّمَا تَنْجِتُونَ) - بكسر الحاء
المهملة -: أي تقطعون (الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ) الْعُرْض - بضم العين
المهملة، فسكون الراء -: هو الجانب والناحية.
ومعنى هذا الكلام: كراهية إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج.
وقال القرطبيّ تَخَّتُهُ: وهذا الإنكار منه ◌َ على هذا الرجل المتزوّج على
أربعة أواق ليس إنكاراً لأجل المغالاة، والإكثار في المهر، فإنه وَ ل و قد أصدق
نساءه خمسمائة درهم، وأربعةُ أواق مائة وستّون درهماً، وإنما أنكر بالنسبة إلى
حال الرجل، فإنه كان فقيراً في تلك الحال، فأدخل نفسه في مشقّة تَعَرَّضَ للسؤال
بسببها، ولذلك قال له: ((ما عندنا ما نعطيك))، ثم إن النبيّ وَّل بكريم أخلاقه،
ورأفته، ورحمته جبر منكسر قلبه بقوله: ((ولكن عسى أن نبعثك في بعث، فتُصيب
منه)). يعني سريّةً في الغزو، فبعثه، فأصاب حاجته ببركة النبيّ وَّر. انتهى.
(مَا) نافية، أي ليس (عِنْدَنَا مَا) موصولة، أي الذي (نُعْطِيك) يعني أنه ليس
عنده مال يُساعده به على المهر المذكور (وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ) بفتح،
فسكون: أي جيش، تسميةً بالمصدر؛ إذ البعث مصدر بعث، من باب نفع،
والجمع: بُعوثٌ (تُصِيبُ مِنْهُ)) أي تنال من ذلك البعث ما تدفعه مهراً لامرأتك (قَالَ)
أبو هريرة به (فَبَعَثَ النبيّ ◌ِهِ بَعْثاً إِلَى بَنِي عَبْسٍ) بفتح العين المهملة، وسكون
الموحّدة قبيلة مشهورة، والظاهر أنه أراد: عبس بن بَغِيض بن ريث بن غطفان بن
سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نِزار بن مَعَدّ بن عدنان، قاله في ((اللباب))(٢).
(بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ) أي في أولئك الجيش،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
(١) ((المصباح المنير)) ٦٦٩/٢ - ٦٧٠.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٩٨/٢.

٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظله هذا من أفراد المصنّف ◌َذَلُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٨٥/١٢ و٣٤٨٦] (١٤٢٤)، و(النسائيّ) في
((النكاح)) (٣٢٣٥ و٣٢٤٧ و٣٢٤٨) وفي ((الكبرى)) (٥٣٤٥ و٥٣٤٧
و٥٣٤٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢١/٤)، و(أحمد) في («مسنده»
(٢٨٦/٢ و٢٩٩)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (١٨/٣)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٨٩/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٤/٧ و٢٣٥)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان إباحة نظر الخاطب إلى مخطوبته قبل أن يتزوّجها؛
وذلك ليكون داعياً لنكاحها، أو دافعاً لتركها، كما بيّنه بَّ في حديث
المغيرة بن شعبة ظته بقوله: ((فإنه أجدر أن يُؤْدَم بينكما)).
٢ - (ومنها): أن هذا مما يُستثنى من تحريم النظر إلى وجه الأجنبيّة،
للضرورة .
٣ - (ومنها): أن فيه فضلَ الشريعة السمحة، وإحكام توجيهاتها، حيث
تُراعِي مصالح العباد التي ينتظم بها معاشهم، ومعادهم، من غير حصول
نَدَم، وتحسّر على الفائت، فإن الذي يتسارع إلى نكاح امرأة من غير نظر
إليها، وتروِّ في شأنها كثيراً ما يقع في عكس مراده، إذا لم تعجبه المرأة،
ولم تنبسط نفسه إليها، فيؤدّي ذلك إلى فراقها، وإلحاق الضرر بها بقطع
أطماعها، فتلافياً لمثل هذه الأخطار شرع الشارع الحكيم النظر إلى
المخطوبة قبل النكاح، وإن كانت أجنبيّة دفعاً لأشدّ المفسدتين بأخفّهما،
فما أجمل هذا التشريع، وما أحكمه؟، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم النظر إلى المرأة قبل
النكاح:
قال النوويّ كَّثُ: ذهب مالك، وأبو حنيفة، وسائر الكوفيين،

٢٦٣
(١٢) - بَابُ الأَمْرِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ - حديث رقم (٣٤٨٦)
والشافعيّ، وأحمد، وجماهير العلماء، إلى استحباب النظر إلى من يريد
تزويجها، وحكى القاضي عياض عن قوم كراهته، وهذا خطأ، مخالفٌ لصريح
هذا الحديث، ومخالفٌ لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع،
والشراء، والشهادة، ونحوها .
قال: ثمّ إنه إنما يباح له النظر إلى وجهها، وكفّيها فقط؛ لأنهما ليسا
بعورة، ولأنه يُستدلّ بالوجه على الجمال، أو ضدّه، وبالكفّين على خُصوبة
البدن، أو عدمها، قال: هذا مذهبنا، ومذهب الأكثرين، وقال الأوزاعيّ: ينظر
إلى مواضع اللحم، وقال داود: ينظر إلى جميع بدنها، وهذا خطأٌ ظاهرٌ، منابذ
الأصول السنّة، والإجماع.
قال: ثم مذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، والجمهور أنه لا يُشترط في
جواز النظر رضاها، بل له ذلك في غفلتها، ومن غير تقدّم إعلام، لكن قال
مالك: أكره نظره في غفلتها، مخافة وقوع نظره على عورة، وعن مالك رواية
ضعيفة أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها، وهذا ضعيفٌ؛ لأن النبيّ وَ ﴿ قد أذن في
ذلك مطلقاً، ولم يشترط استئذانها؛ ولأنها تستحيي غالباً من الإذن، ولأن في
ذلك تغريراً، فربما رآها، فلم تُعجبه، فيتركها، فتنكسر، وتتأذّى، ولهذا قال
أصحابنا: يستحبّ أن يكون نظره إليها قبل الخِطبة، حتى إن كرهها تركها من
غير إيذاء، بخلاف ما إذا تركها بعد الخِطبة. انتهى كلام النوويّ كَقَّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن النظر جائز، مطلقاً، فتقييد النظر
بالوجه والكفّين مخالفٌ لظاهر الحديث، وبهذا يقول داود، وابن حزم، وهو
رواية عن أحمد أيضاً، قال العلامة ابن القيّم ◌َّهُ في ((تهذيب السنن)): وقال:
داود: ينظر إلى سائر جسدها، وعن أحمد ثلاث روايات:
إحداهنّ: ينظر إلى وجهها ويديها .
والثانية: ينظر ما يظهر غالباً، كالرقبة، والساقين، ونحوهما.
والثالثة: ينظر إليها كلها: عورة، وغيرها، فإنه نصّ عن أحمد على أنه
يجوز أن ينظر إليها متجرّدة. انتهى (٢).
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١٠/٩ - ٢١١.
(٢) ((تهذيب السنن)) ٢٥/٣ - ٢٦.

٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وقال ابن قُدامة كَُّ في ((المغني)): قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس
أن ينظر إليها، وإلى ما يدعوه إلى نكاحها، من يد، وجسم، ونحو ذلك، قال
أبو بكر - يعني المروزيّ -: لا بأس أن ينظر إليها عند الخِطبة حاسرةً.
قال: ووجه جواز النظر إلى ما يظهر غالباً أن النبيّ وَ﴿ لَمّا أذن في النظر
إليها من غير علمها، عُلم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادةً؛ إذ لا
يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور؛ ولأنه يظهر غالباً،
فأبيح النظر إليه كالوجه؛ ولأنها امرأة أبيح النظر إليها بأمر الشارع، فأبيح النظر
منها إلى ذلك كذوات المحارم. انتهى (١).
وقال أبو محمد بن حزم تَُّهُ في ((المحلَّى)): ومن أراد أن يتزوّج امرأةً
حرّةً، أو أمة فله أن ينظر منها متغفّلاً لها، وغير متغفّلٍ إلى ما بطن منها،
وظهر، قال: وقد اختلف الناس في ذلك، فصحّ عن ابن عمر إباحة النظر إلى
ساقها، وبطنها، وظهرها، ويضع يده على عجزها، وصدرها، ونحو ذلك عن
عليّ، ولم يصحّ عنه، وصحّ عن أبي موسى الأشعريّ إباحة النظر إلى ما فوق
السّة، ودون الركبة. انتهى(٢).
والحاصل أن الصواب إطلاق الجواز؛ فقد أخرج الإمام أحمد تخْدَثُ في
((مسنده)) ما هو صريح في إطلاق الجواز، وإن كانت غافلة، فقال ◌َّتُهُ:
حدّثنا أبو كامل، حدّثنا زهير، حدّثنا عبد الله بن عيسى، حدّثني موسى بن
عبد الله بن يزيد، عن أبي حُميد، أو أبي حميدة - قال: وقد رأى رسول الله وَله -
قال: قال رسول الله وَله: ((إذا خطب أحدكم امرأة، فلا جناح عليه أن ينظر
إليها، إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تَعلَم)).
وهذا إسناد صحيح، والشكّ في الصحابيّ لا يضرّ، فقد صرّح بجواز
رؤيتها، وإن كانت غافلة.
وأيضاً فالنبيّ وَ﴿ حينما قال للصحابي: ((انظر إليها)) ما حدّد له موضعاً
للنظر، بل أطلق، وقد تأيد هذا بعمل راويه الصحابيّ ظته، فقد صحّ أن
جابراً ظ له تخبّأ لمخطوبته حتى ينظر إليها غافلة، فنظر إليها، فأعجبته، فنكحها.
(١) ((المغنى)) ٤٩٠/٩ - ٤٩١.
(٢) ((المحلَّى)) ٣٠/١٠ - ٣١.

٢٦٥
(١٢) - بَابُ الأَمْرِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ - حديث رقم (٣٤٨٦)
ويُروى أيضاً عن محمد بن مسلمة الأنصاريّ ◌َظُه، وفي سنده حجاج بن
أرطاة، وهو ضعيف، ورواه ابن حبّان في ((صحيحه))، وفيه ضعف أيضاً، غير
أن للحديث طرقاً يتقوّى بمجموعها(١).
وقد صحّ فعله عن عمر ﴿ه، فقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن
منصور، وابن أبي عمر، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عليّ
ابن الحنفيّة، ((أن عمر رَُّه خطب إلى عليّ ابنته أمّ كلثوم، فذَكَر له صغرها،
فقيل له: إنه ردّك، فعاوده، فقال له عليّ: أبعثُ بها إليك، فإن رضيتَ، فهي
امرأتك، فأرسل بها إليه، فكشف عن ساقها، فقالت: مَهْ، لولا أنك أمير
المؤمنين لصككتُ عينيك))(٢).
فقد كشف عمر بن الخطاب ظه عن ساق مخطوبته، ولذا قال الحافظ
في ((التلخيص)): وهذا يُشكل على من قال: إنه لا ينظر غير الوجه والكفّين.
وقال بعض المحقّقين: وتأيّد ذلك بعمل الصحابة ﴿ه، ومنهم محمد بن
مسلمة، وجابر بن عبد الله، فإن كلّاً منهما قد تخبّأ لخطيبته ليرى منها ما يدعوه
إلى نكاحها، أفيظنّ بهما عاقلٌ أنهما تخبّاً للنظر إلى الوجه والكفّين فقط، ومثل
عمر بن الخطّاب الذي كشف عن ساقي أم كلثوم بنت عليّ
فهؤلاء ثلاثة من كبار الصحابة، أحدهم الخليفة الراشد أجازوا النظر إلى
أكثر من الوجه والكفّين، ولا مخالف لهم من الصحابة فيما أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذُكر من الأقوال في هذه
المسألة، وأدلّتها أن إطلاق جواز النظر إلى المخطوبة، سواء كان إلى كفيها،
ووجهها، أو غيرهما من بدنها، وسواء كان بإذنها، أو لا، هو الحقّ الموافق
لظواهر أحاديث الباب، وعمل هؤلاء الصحابة ﴿ه، فقد فعله عمر، وجابر،
ومحمد بن مسلمة، وصحّ القول به عن ابن عمر، وأبي موسى الأشعريّ، كما
تقدّم في كلام ابن حزم، فتأمّل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(١) راجع: ((السلسلة الصحيحة)) للشيخ الألبانيّ تَخَذَفُ ١/ ١٥٢ -١٥٩ رقم (٩٧ و٩٨ و٩٩).
(٢) راجع: ((الإصابة)) ٢٨٠/١٣.

٢٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
[تنبيه]: قال النوويّ كَّلُهُ: قال أصحابنا: وإذا لم يمكنه النظر إليها
استُحبّ له أن يبعث امرأةً يَثِق بها تنظر إليها، وتخبره، ويكون ذلك قبل
الخطبة؛ لما ذكرناه. انتهى كلام النوويّ تَذُّهُ(١) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيّد ما قالوه: ما أخرجه أحمد،
والطبرانيّ، والحاكم، والبيهقيّ من حديث أنس ظُه أنه وََّ بعث أمّ سُليم إلى
امرأة، فقال: ((انظري إلى عرقوبها، وشُمّي عوارضها))، ولفظ الطبرانيّ:
((وشُمِّي معاطفها))، واستنكره أحمد، والمشهور فيه طريق عُمارة، عن ثابت،
عنه. ورواه أبو داود في ((المراسيل)) عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن
ثابت، ووصله الحاكم من هذا الوجه بذكر أنس فيه، وتعقّبه البيهقيّ بأن ذكر
أنس فيه وَهَم، قال: ورواه أبو النعمان، عن حماد مرسلاً، قال: ورواه
محمد بن كثير الصنعانيّ، عن حماد موصولاً، قاله الحافظ في ((التلخيص)) (٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الأرجح في الحديث
الإرسال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(فائدة): روى عبد الرزّاق في ((الأمالي)) بسند صحيح، عن ابن طاوس،
قال: أردت أن أتزوّج امرأةً، فقال لي أبي: اذهب، فانظر إليها، فذهبت،
فغلست رأسي، وترجّلت، ولبست من صالح ثيابي، فلما رآني في تلك الهيئة
قال: لا تذهب. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن منع طاوس لابنه أن يذهب
متزيّناً خشية أن تغترّ المرأة بذلك، فتقع في الندم، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
[فائدة آخرى]: كتب الشيخ الألبانيّ كَّتُ كلاماً نفيساً مهمّاً، قال في
((السلسلة الصحيحة)) - ١٥٨/١ - بعد تخريجه أحاديث الباب ما نصّه:
هذا: ومع صحة الأحاديث في هذه المسألة، وقول جماهير العلماء بها
- على الخلاف السابق - فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخّرة
عن العمل بها، فإنهم لا يسمحون للخاطب بالنظر إلى فتاتهم - ولو في حدود
(١) ((شرح مسلم)) ٢١٤/٩.
(٢) ((التلخيص الحبير)) ٣٠٧/٣.

٢٦٧
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
القول الضيّق - تورّعاً منهم - زعموا -، ومن عجائب الورع البارد أن بعضهم
يأذن لابنته بالخروج إلى الشارع سافرةً بغير حجاب شرعيّ، ثم يأبى أن يراها
الخاطب في دارها، وبين أهلها بثياب الشرع.
وفي مقابل هؤلاء بعض الآباء المستهترين الذين لا يغارون على بناتهم،
تقليداً منهم لأسيادهم الأوربيين، فيسمحون للمصوّر أن يصوّرهنّ، وهنّ
سافرات سُفوراً غير مشروع، والمصوّر رجل أجنبيّ عنهنّ، وقد يكون كافراً،
ثم يقدّمون صورهنّ إلى بعض الشبّان بزعم أنهم يريدون خطبتهنّ، ثم ينتهي
الأمر على غير خِطبة، وتظلّ صور بناتهم معهم، ليتغزّلوا بها، ولِيُطفئوا حرارة
الشباب بالنظر إليها، ألا فتعساً للآباء الذين لا يَغارون، وإنا لله، وإنا إليه
راجعون. انتهى كلام الشيخ الألبانيّ تَخْلُ، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١٣) - (بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ مَنَافِعَ
مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، أَوْ غَيْرِهِ(١))
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج كَخَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٤٨٧] (١٤٢٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، يَعْنِي
ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَاهِ قُتَيْبَةُ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ:
جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ جِئْتُ أَهَبُ لَكَ(٢) نَفْسِي،
فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ وَلِهِ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا، وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ وَيهِ
رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئاً جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ،
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: ((فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ
(١) ترجم القرطبيّ تظلّثهُ بنحو هذه الترجمة، فتبعته؛ لجودتها، فتنبّه.
(٢) وفي نسخة: ((جئت لأهب لك)).

٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
شَيْءٍ؟)) (١)، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ((اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ
تَجِدُ شَيْئاً؟))، فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئاً، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((انْظُرْ، وَلَوْ خَاتِماً مِنْ حَدِيدٍ))، فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ
يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتِماً مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ -
فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ
شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ»، فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ
قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ نَِّ مُوَلِّياً، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: ((مَاذَا مَعَكَ مِنَ
الْقُرْآنِ؟»، قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: ((تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرٍ
قَلْبِكَ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((اذْهَبْ، فَقَدْ مُلِّكْتَهَا (٢) بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ)). هَذَا
حَدِيثُ ابْنِ أَبِي حَازِمِ، وَحَدِيثُ يَعْقُوبَ يُقَارِبُهُ(٣) فِي اللَّفْظِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ) أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠)
عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٠.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨]
(ت١٨١) (خ م د ت س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٥/٣٥.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ) سلمة بن دينار المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [٨]
(ت١٨٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٠/٤٥.
٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ، مولى
الأسود بن سفيان، ثُقةٌ عابدٌ [٥] (ت١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في
((الإيمان) ٣١٣/٥٠.
٥ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد
الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ ضًُّا، مات
سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((الإيمان) ٣١٣/٥٠.
(١) وفي نسخة: ((فهل معك من شيء؟)).
(٢) وفي نسخة: ((فقد مَلَّكتُكها)).
(٣) وفي نسخة: ((مقاربه)).

(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
٢٦٩
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وهو (٢٢٦) من رباعيات
الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير يعقوب، فما أخرج له
ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير قتيبة، فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، ومن المعمّرين، وهو آخر من
مات بالمدينة من الصحابة ه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ القاصّ كَُّهُ .
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): هذا الحديث مداره على أبي حازم، وهو من
صغار التابعين، حدّث به كبار الأئمّة عنه، مثل مالك، وروايته عند البخاريّ،
وأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وحمّادُ بنُ زيد، وروايته عند الشيخين،
وفضيلُ بن سليمان، ومحمدُ بن مُطَرّف أبو غسّان، وروايتهما عند البخاريّ،
ويعقوب بن عبد الرحمن الإسكندرانيّ، وعبد العزيز بن أبي حازم، وروايتهما
عند البخاريّ أيضاً، ورواية عبد العزيز أخرجها مسلم أيضاً، وعبدُ العزيز بن
محمد الدراورديّ، وزائدةُ بن قُدامة، وروايتهما عند مسلم، ومعمر، وروايته
عند الطبرانيّ، وعبد الملك بن جريج، وروايته عند أبي الشيخ في ((كتاب
النكاح))، وقد رَوَى طرفاً منه سعيد بن المسيّب، عن سهل بن سعد، أخرجه
الطبرانيّ.
وجاءت القصّة أيضاً من حديث أبي هريرة رضيالله عنه عند أبي داود
باختصار، والنسائيّ مطوّلةً، وابن مسعود ◌َتُه عند الدارقطنيّ، ومن حديث ابن
عباس ﴿يا عند أبي عمر ابن حيويه في ((فوائده))، وضُميرة جدّ حسين بن عبد الله
عند الطبرانيّ.
وجاءت مختصرة من حديث أنس ظبه، وهي عند البخاريّ، والنسائيّ،

٢٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وابن ماجه، ومن حديث أبي أمامة ظُه عند تمّام في ((فوائده))، ومن حديث
جابر، وابن عباس ته عند أبي الشيخ في ((كتاب النكاح)).
قال الحافظ تَّلُ: وسأذكر ما في هذه الروايات من فائدة زائدة، إن
شاء الله تعالى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سأقتدي أنا بالحافظ تَُّ في ذكر تلك
الفوائد في هذا الشرح، إن شاء الله تعالى.
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ) ﴿مّ، وفي رواية ابن جريج: ((حدثني أبو
حازم، أن سهل بن سعد أخبره ... )) (قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ) قال الحافظ ◌َذَلُهُ:
هذه المرأة لم أقف على اسمها، ووقع في ((الأحكام لابن القطاع)) أنها خولة
بنت حكيم، أو أم شريك، وهذا نقل من اسم الواهبة الوارد في قوله تعالى:
﴿وَأَمَرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. انتهى.
(إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴿) وفي رواية البخاريّ من رواية سفيان بن عيينة: ((إني
لفي القوم عند رسول الله وَلقر، إذ قامت امرأة))، قال في ((الفتح)): وفي رواية
فضيل بن سليمان: ((كنا عند النبيّ وَ﴿ جلوساً، فجاءته امرأةٌ))، وفي رواية
هشام بن سعد: ((بينما نحن عند النبيّ ◌َل﴿ أتت إليه امرأة)).
قال الحافظ: وكذا في معظم الروايات ((أن امرأة جاءت إلى النبيّ وَلات))،
ويمكن ردّ رواية سفيان إليها بأن يكون معنى قوله: ((قامت)) وقفت، والمراد
أنها جاءت إلى أن وقفت عندهم، لا أنها كانت جالسةً في المجلس، فقامت،
وفي رواية سفيان الثوريّ عند الإسماعيليّ: ((جاءت امرأة إلى النبيّ وَّ، وهو
في المسجد))، فأفاد تعيين المكان الذي وقعت فيه القصّة. انتهى (٢).
(فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي) جملة ((أهب)) حاليّة، أي
حال كوني واهبة نفسي لك، ووقع في بعض النسخ بلفظ: ((جئت لأهب لك
نفسي))، وفي رواية البخاريّ: ((فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها
لك))، على طريق الالتفات، وفي رواية حماد بن زيد: ((إنها قد وهبت نفسها لله
ولرسوله))، وفي رواية يعقوب، والثوريّ: ((يا رسول الله جئت أهب نفسي
(١) ((الفتح)) ٤٧٨/١١ - ٤٧٩.
(٢) ((الفتح)) ٤٧٩/١١.

٢٧١
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
لك))، وفي رواية فضيل بن سليمان: ((فجاءته امرأة تَعْرِضُ نفسها عليه))، وفي
كلّ هذه الروايات حذف مضاف، تقديره: أمرَ نفسي، أو نحوه، وإلا فالحقيقة
غير مرادة؛ لأن رقبة الحرّ لا تملك، فكأنها قالت: أتزوّجك من غير عوض.
زاد في رواية البخاريّ والنسائيّ: ((فَرَ فيها رَأْيَك))، قال في ((الفتح)): كذا
للأكثر براء واحدة، مفتوحة، بعدَ فاءِ التعقيب، وهي فعل أمر من الرأي،
ولبعضهم بهمزة ساكنة، بعد الراء، وكلّ صواب، ووقع بإثبات الهمزة في
حديث ابن مسعود رضيته أيضاً. انتهى.
(فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ وَ ﴿) وفي رواية البخاريّ: ((فقالت: يا رسول الله،
إنها قد وهبت نفسها له، فَرَ فيها رأيك، فلم يجبها شيئاً، ثم قامت، فقالت: يا
رسول الله، إنها قد وهبت نفسها لك، فَرَ فيها رأيك، فلم يجبها شيئاً، ثم
قامت الثالثة، فقالت: إنها قد وهبت نفسها لك، فَرَ فيها رأيك ... )).
(فَصَغَّدَ النَّظَرَ فِيهَا، وَصَوَّبَهُ) هو بتشديد العين من صعّد، والواو من
صوّب، والمراد أنه نظر أعلاها وأسفلها، والتشديد للمبالغة في التأمّل، وإما
للتكرير، وبالثاني جزم القرطبيّ في ((المفهم))، قال: أي نظر أعلاها وأسفلها
مراراً، ووقع في رواية فضيل بن سليمان: ((فخفّض فيها البصر، ورفّعه))، وهما
بالتشديد أيضاً .
(ثُمَّ) بعد أن صعّد نظره، وصوّبه، فلم تُعجبه (طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِوَلِ رَأْسَهُ)
أي خفضه؛ لعدم ما يدعو للنظر إليها (فَلَمَّا رَأَت الْمَرْأَةُ) أي بعد أن تكرّر
طلبها، كما تقدّم من رواية البخاريّ حيث قامت وجلست ثلاث مرّات، وفي
رواية معمر، والثوريّ معاً عند الطبرانيّ: ((فصمت، ثم عرضت نفسها عليه،
فصمت، فلقد رأيتها قائمة مليّاً، تَعْرِض نفسها عليه، وهو صامت))، وفي رواية
مالك: ((فقامت طويلاً))، ومثله للثوريّ عنه، وفي رواية مبشّر: ((فقامت حتى
رئينا لها من طول القيام))، ووقع في رواية حماد بن زيد: ((أنها وهبت نفسها لله
ولرسوله، فقال: ما لي في النساء حاجة)).
ويُجمع بينها وبين ما تقدّم أنه قال ذلك في آخر الحال، فكأنه صمت
أولاً لتفهم أنه لم يُرِدْها، فلما أعادت الطلب أفصح لها بالواقع.
ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائيّ: ((جاءت امرأة إلى رسول الله وَّهِ،

٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
فعرضت نفسها عليه، فقال لها: اجلسي، فجلست ساعة، ثم قامت، فقال:
اجلسي بارك الله فيك، أما نحن فلا حاجة لنا فيك)).
فيؤخذ منه وفور أدب المرأة مع شدّة رغبتها؛ لأنها لم تبالغ في الإلحاح
في الطلب، وفهمت من السكوت عدم الرغبة، لكنها لمّا لم تيأس من الردّ
جلست تنتظر الفرج، وسكوته وَله إما حياءً من مواجهتها بالردّ، وكان شديد
الحياء جدّاً، فقد ثبت في صفته وَعليه أنه كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها،
وإما انتظاراً للوحي، وإما تفكّراً في جواب يناسب المقام (١).
(أَنَّهُ) وَِ (لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئاً) يعني أنها لم تُعجبه، وليست له فيها رغبة
(جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، لكن وقع
في رواية معمر، والثوريّ، عند الطبرانيّ: ((فقام رجلٌ أحسبه من الأنصار))،
وفي رواية زائدة عنده: ((فقال رجلٌ من الأنصار))، ووقع في حديث ابن
مسعود: ((فقال رسول الله وَلجر: من يَنكِح هذه؟ فقام رجل)).
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا) قال في
((الفتح)): ولا يعارض هذا قوله في حديث حماد بن زيد: ((لا حاجة لي))؛
لجواز أن تتجدّد الرغبة فيها بعد أن لم تكن. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك الرجل لم يسمع
قوله ومَله: ((لا حاجة لي))، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) بَرِ ((فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟))) وفي نسخة: ((فهل معك من
شيء؟))، وفي رواية: ((هل عندك شيء تُصدقها؟))، وفي رواية ابن مسعود:
(«ألك مالٌ؟)).
(فَقَالَ) الرجل (لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية: ((قال: ما أجد شيئاً))،
زاد في رواية هشام بن سعد: ((قال: فلا بدّ لها من شيء))، وفي رواية الثوريّ
عند الإسماعيليّ: ((عندك شيء؟، قال: لا، قال: إنه لا يصلح)).
ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائيّ بعد قوله: ((لا حاجة لي)):
(١) ((الفتح)) ٤٨٠/١١.

٢٧٣
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازٍ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
((ولكن تُمَلِّكيني أمرك، قالت: نعم، فنظر في وجوه القوم، فدعا رجلاً، فقال:
إني أريد أن أزوّجكِ هذا، إن رضيتٍ، قالت: ما رضيتَ لي، فقد رضيتُ))،
وهذا إن كانت القصّة متّحدةً يَحْتَمِل أن يكون وقع نظره في وجوه القوم بعد أن
سأله الرجل أن يزوّجها له، فاسترضاها أوّلاً، ثم تكلّم معه في الصداق، وإن
كانت القصّة متعدّدة، فلا إشكال.
ووقع في حديث ابن عبّاس ◌ًَّا في ((فوائد أبي عمر ابن حيويه)) أن رجلاً
قال: إن هذه امرأةٌ رضيت بي، فزوّجها مني، قال: فما مهرها؟، قال: ما
عندي شيء، قال: أمهرها ما قلّ أو كثر، قال: والذي بعثك بالحقّ ما أملك
شيئاً)، وهذه الأظهرُ فيها التعدّد، قاله في (الفتح)) (١).
(فَقَالَ) بَّهِ للرجل ((اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئاً؟)) يكون
صداقاً لها (فَذَهَبَ) الرجل (ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ) أي لم أجد شيئاً، فيكون
قوله: (مَا وَجَدْتُ شَيْئاً) مؤكّداً لما قبله (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((انْظُرْ) أي ارجع
إلى بيتك، فانظر فيه (وَلَوْ خَاتِماً مِنْ حَدِيدٍ))) ((خاتماً)) منصوب بـ((كان)) المحذوفة
مع اسمها، أي ولو كان المنظور خاتماً، وحذف ((كان)) مع اسمها بعد (لو))،
و((إن)) الشرطيّة كثيرٌ، كما قال في ((الخلاصة)):
وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ وَبَعْدَ ((إِنْ)) وَ(لَوْ)) كَثِيراً ذَا اشْتَهَرْ
ووقع في نسخة شرح النوويّ بلفظ: ((ولو خاتمٌ من حديد)) برفع ((خاتم))،
قال النوويّ: هكذا هو في النسخ: ((خاتمٌ من حديد))، وفي بعض النسخ:
((خاتماً))، وهذا واضح، والأول صحيح أيضاً، أي ولو حضر خاتم من حديد.
(٢)
انتھی(٢).
و((لو)) هنا تقليليّة، قال عياض: ووَهِمَ من زعم خلاف ذلك، وقد أشار
إلى ذلك السيوطيّ كَثُّْ في ((الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع))، حيث قال
عند ذكر معاني (لو)):
وَقِلَّةٍ كَخَبَرِ الْمُصَدَّقِ تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ
ووقع في حديث أبي هريرة ◌َظُبه ((قال: قم إلى النساء، فقام إليهنّ، فلم
(١) ((الفتح)) ٤٨١/١١.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٣/٩.

٢٧٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
يجد عندهنّ شيئاً))، والمراد بالنساء أهل الرجل، كما دلّت عليه رواية المصنّف
بلفظ: ((اذهب إلى أهلك)).
(فَذَهَبَ) الرجل إلى أهله مرّة ثالثة (ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ) فيه جواز
الحلف من غير استحلاف، ولا ضرورة، قال النوويّ كَُّهُ: لكن قال
أصحابنا: يكره من غير حاجة، وهذا كان محتاجاً، ليؤكّد قوله. انتهى(١). (يا
رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتِماً مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي) ((الإزار)) يذكّر ويؤنّث، وقد
ه الراوي (مَا) نافية (لَهُ رِدَاءٌ) أي ليس
جاء هنا مذكّراً (قَالَ سَهْلُ) بن سعد
له مع إزاره رداء، حتى يبقى عليه لبس يلبسه بعد دفع إزاره لها (فَلَهَا نِصْفُهُ) أي
صداقاً لها قال في ((الفتح)): ووقع للقرطبيّ في هذه الرواية وَهَمٌ، فإنه ظنّ أن
قوله: ((فلها نصفه)) من كلام سهل بن سعد، فشرحه بما نصّه: ((وقول سهل: ما
له رداء، فلها نصفه)) ظاهره لو كان له رداء لشركها النبيّ وَّر فيه، وهذا بعيد إذ
ليس في كلام النبيّ، ولا الرجل ما يدلّ على شيء من ذلك، قال: ويمكن أن
يقال: إن مراد سهل أنه لو كان عليه رداء مضاف إلى الإزار لكان للمرأة نصف
ما عليه الذي هو إما الرداء، وإما الإزار لتعليله المنع بقوله: ((إن لبسته لم يكن
عليك منه شيء))، فكأنه قال: لو كان عليك ثوب تنفرد أنت بلبسه، وثوب آخر
تأخذه هي تنفرد بلبسه لكان لها أخذه، فأما إذا لم يكن ذلك فلا. انتهى.
وقد أخذ كلامه هذا بعض المتأخّرين، فذكره ملخّصاً، وهو كلام
صحيحٌ، لكنه مبنيّ على الفهم الذي دخله الوهم، والذي قال: ((فلها نصفه)) هو
الرجل صاحب القصّة، وكلام سهل إنما هو قوله: ((ما له رداء فقط))، وهي
جملة معترضة، وتقدير الكلام: ولكن هذا إزاري، فلها نصفه، وقد جاء ذلك
صريحاً في رواية أبي غسّان محمد بن مطرّف، ولفظه: ((ولكن هذا إزاري،
ولها نصفه، قال سهلٌ: وما له رداء)).
ووقع في رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ: ((فقام رجلٌ، عليه إزار، وليس
عليه رداء)).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَله: ((مَا) استفهاميّة على سبيل الإنكار، أي أيَّ شيء
(١) ((شرح النوويّ)) ٢١٣/٩ - ٢١٤.

٢٧٥
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازِ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
(تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟) هل تعطيها، وتجلس بلا إزار، وهذا لا يجوز، أو تمنعها منه،
فلم يحصل الغرض؟، وإلى هذا أشار إليه بقوله: (إِنْ لَبِسْتَهُ) أنت (لَمْ يَكُنْ
عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ) هي (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ))) قال في ((الفتح)):
ومعنى قوله وَله: ((إن لبسته إلخ)) أي إن لبسته كاملاً، وإلا فمن المعلوم من
ضيق حالهم، وقلّة الثياب عندهم أنها لو لبسته بعد أن تشقّه لم يسترها،
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالنفي نفي الكمال؛ لأن العرب قد تنفي جملة الشيء
إذا انتفى كماله، والمعنى: لو شققته بينكما نصفين لم يحصل كمال سترك
بالنصف إذا لبسته، ولا هي.
وفي رواية معمر عند الطبرانيّ: ((ما وجدت والله شيئاً غير ثوبي هذا
أشققه بيني وبينها، قال: ما في ثوبك فضلٌ عنك))، وفي رواية فضيل بن
سليمان: ((ولكني أشقّ بردتي هذه، فأعطيها النصف، وآخذ النصف))، وفي
رواية الدراورديّ: ((قال: ما أملك إلا إزاري هذا، قال: أرأيت إن لبسته، فأيّ
شيء تلبس؟))، وفي رواية مبشّر: ((هذه الشملة التي عليّ ليس عندي غيرها))،
وفي رواية هشام بن سعد: ((ما عليه إلا ثوبٌ واحدٌ عاقدٌ طرفيه على عنقه))،
وفي حديث ابن عبّاس وجابر: ((والله ما لي ثوبٌ إلا هذا الذي عليّ))، وكلّ
هذا مما يرجّح الاحتمال الأول، والله أعلم. انتهى(١).
ووقع في رواية حماد بن زيد: ((فقال: أعطها ثوباً، قال: لا أجد، قال:
أعطها ولو خاتماً من حديد، فاعتلّ له)). ومعنى قوله: ((فاعتلّ له)) أي اعتذر
بعدم وجدانه كما دلّت عليه رواية غيره.
(فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ نَّهِ مُوَلِّياً، فَأَمَرَ
بِهِ) بالبناء للفاعل، أي أمر النبيّ وَل﴿ بأن يُدعَى له (فَدُعِيَ) بالبناء للمفعول، أي
طلب الرجل أن يحضر عنده وَل﴾ .
وفي رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ: ((فقام طويلاً، ثمّ ولّى، فقال
النبيّ وَّه: عليّ الرجل)).
(فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟))) هذا يَحْتَمِل أن يكون بعد قوله -
(١) ((الفتح)) ٤٨٢/١١ - ٤٨٣.

٢٧٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
كما في رواية مالك: ((هل معك من القرآن شيء))، فاستفهمه حينئذ عن كمّيته،
ووقع الأمران في رواية معمر، قال: «فهل تقرأ من القرآن شيئاً؟، قال: نعم،
قال: ماذا؟، قال: سورة كذا))، وعُرف بهذا المراد بالمعيّة، وأنّ معناها الحفظ
عن ظهر قلبه، ووقع في رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ: ((قال: معي سورة
كذا، ومعي سورة كذا، قال: عن ظهر قلبك؟، قال: نعم)). قاله في ((الفتح)).
(قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا) وفي رواية مالك: ((قال: نعم
سورة كذا، وسورة كذا، لسور سمّاها))، وفي رواية سعيد بن المسيّب، عن
سهل: ((أن النبيّ ◌َّه زوّج رجلاً امرأةً على سورتين من القرآن، يعلّمها
إيّاهما)».
ووقع في حديث أبي هريرة: ((قال: ما تحفظ من القرآن؟، قال: سورة
البقرة، أو التي تليها)). قال الحافظ: كذا في كتابي أبي داود، والنسائيّ بلفظ:
((أو))، وزعم بعض من لقيناه أنه عند أبي داود بالواو، وعند النسائيّ بلفظ
((أو)).
ووقع في حديث ابن مسعود: ((قال: نعم سورة البقرة، وسور المفصّل)).
وفي حديث ضُميرة: ((أن النبيّ ◌َله زوّج رجلاً على سورة البقرة، لم يكن
عنده شيء)).
وفي حديث أبي أمامة حظه زوّج النبيّ وَّ ه رجلاً من أصحابه امرأة على
سورة من المفصّل، جعلها مهرها، وأدخلها عليه، وقال: علّمها)).
، المذكور: ((فعَلِّمْهَا عشرين آية، وهي
وفي حديث أبي هريرة حظ﴾
امرأتك)).
وفي حديث ابن عبّاس ظه: ((أزوّجها منك على أن تُعلّمها أربع - أو
خمس ـ سور من كتاب الله)).
وفي مرسل أبي النعمان الأزديّ عند سعيد بن منصور: ((زوّج رسول الله وَل
امرأة على سورة من القرآن)).
وفي حديث ابن عباس، وجابر ﴿ه: ((هل تقرأ من القرآن شيئاً؟، قال:
نعم، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اَلْكَوْثَرَ ﴾﴾، قال: أصدقها إياها)).

٢٧٧
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازٍ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
قال الحافظ تَّتُهُ: ويُجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم
يحفظ بعضهم، أو أن القصص متعدّدة، كذا في ((الفتح)) (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الحمل على التعدد هو الأولى
في الجمع؛ إذ الاحتمال الأخير فيه تكلّف وتعسّف، كما لا يخفى، والله تعالى
أعلم.
(فَقَالَ) بَِّ للرجل («تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرٍ قَلْبِكَ؟))) إنما سأله النبيّ ◌َّ عن
قراءته عن ظهر القلب؛ ليتمكّن من تعليمها بذلك؛ لأنه إذا لم يَحفظها عن ظهر
القلب ربما لا يكتب، ولا يجد مصحفاً يُعلّمها منه، فيضيع حقّها، والله تعالى
أعلم.
(قَالَ) الرجل (نَعَمْ) أقرؤهنّ عن ظهر قلبي (قَالَ: ((اذْهَبْ) أي اذهب بها
إلى بيتك (فَقَدْ مُلِّكْتَهَا (٢)) بالبناء للمفعول، قال النوويّ كَّتُ: هكذا هو في
معظم النسخ، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين: (مُلْكْتَهَا))، بضم الميم،
وكسر اللام المشددة، على ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وفي بعض النسخ: ((مَلَّكْتُكَهَا))،
بكافين، وكذا رواه البخاريّ، وفي الرواية الأخرى: ((زوجتكها))، قال القاضي:
قال الدارقطنيّ: رواية مَن رَوَى ((مُلِّكتها)) وَهَمٌ، قال: والصواب رواية مَن
رَوَى: ((زوجتكها))، قال: وهم أكثر، وأحفظ (٣).
قال النوويّ: ويَحْتَمِل صحة اللفظين، ويكون جرى لفظ التزويج أوّلاً،
فَمَلَكَها، ثم قال له: اذهب، فقد مَلَكْتها بالتزويج السابق، والله أعلم.
(٤)
انتھی(٤).
(بِمَا مَعَكَ) متعلّق بـ«مُلِّكتها))، وقوله: (مِنَ الْقُرْآنِ) بيان ل((ما))، أي بتعليم
ما معك من السور من القرآن، وفي رواية زائدة التالية: ((انطلق، فقد
زوّجتكها، فعلّمها من القرآن)»، وفي رواية ابن عيينة عند البخاريّ: ((اذهب،
فقد أنكحتكها بما معك من القرآن))، وفي رواية مالك عند النسائيّ: ((قد
(١) ((الفتح)) ٤٨٣/١١ - ٤٨٤.
(٣) ((إكمال المعلم)) ٥٨٣/٤.
(٢) وفي نسخة: ((فقد مَلَّكتُكها)).
(٤) ((شرح النوويّ)) ٢١٤/٩.

٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
زوّجتكها على ما معك من القرآن))، وفي رواية الثوريّ، ومعمر عند الطبرانيّ:
((قد ملّكتكها بما معك من القرآن))، وفي رواية معمر عند أحمد: ((قد
أملكتكها))، والباقي مثله، وقال في أخرى: ((فرأيته يَمْضِي، وهي تتبعه))، وفي
رواية أبي غسّان: ((أمكنّاكها))، والباقي مثله، وفي حديث ابن مسعود ظُه: ((قد
أنكحتكها على أن تقرئها، وتعلّمها، وإذا رزقك الله عوّضتها، فتزوّجها الرجل
على ذلك(١)). أفاده في ((الفتح)) (٢).
وهذا الحديث صريح في جواز كون الصداق تعليم القرآن، وسيأتي
اختلاف العلماء فيه، وترجيح الراجح بدليله في المسألة العاشرة - إن شاء الله
تعالى -.
وقوله: (هَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي حَازِم) يعني أن السياق المتقدّم هو لفظ
عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه (وَحَدِيِّثُ يَعْقُوبَ) بن عبد الرحمن القاريّ،
عن أبي حازم (يُقَارِبُهُ) أي يقارب حديث عبد العزيز، وفي بعض النسخ:
((مقاربه)) (فِي اللَّفْظِ). ورواية يعقوب ساقها البخاريّ نَّثُ في ((صحيحه))، رواها
عن شيخ المصنّف، فقال:
(٥٠٣٠) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن
أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن امرأة جاءت رسول الله وَله، فقالت:
يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله وَ له، فصَعَّد
النظر إليها، وصوَّبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها
شيئاً جلست، فقام رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك
بها حاجة فزوّجنيها، فقال: ((هل عندك من شيء؟))، فقال: لا والله يا
رسول الله، قال: ((اذهب إلى أهلك، فانظر هل تجد شيئاً؟))، فذهب، ثم
رجع، فقال: لا والله يا رسول الله، ما وجدت شيئاً، قال: ((انظر ولو
خاتماً من حديد، فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله، ولا
خاتماً من حديد، ولكن هذا إزاري - قال سهل: ما له رداء - فلها نصفه،
(١) هذا الحديث لا يصحّ كما سيأتي، فتنبّه.
(٢) ((الفتح)) ١١/ ٤٨٤.

٢٧٩
(١٣) - بَابُ وُجُوبِ الصَّدَاقِ، وَجَوَازٍ كَوْنِهِ مَنَافِعَ مِنْ تَعْلِيم الْقُرْآنِ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٧)
فقال رسول الله والقر: ((ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء،
وإن لبسته لم يكن عليك شيء))، فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام،
فرآه رسول الله وَجَرَ مُوَلِّياً، فأمر به، فدُعِي، فلما جاء قال: ((ماذا معك من
القرآن؟))، قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا، عدّها، قال:
((أتقرؤهنّ عن ظهر قلبك؟))، قال: نعم، قال: ((اذهب، فقد مَلَّكْتُكَها بما
معك من القرآن)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٨٧/١٣ و٣٤٨٨] (١٤٢٥)، و(البخاريّ) في
((الوكالة)) (٢٣١١) و((فضائل القرآن)) (٥٠٢٩ و٥٠٣٠) و((النكاح)) (٥٠٨٧
و٥١٢١ و٥١٢٦ و٥١٣٢ و٥١٤١ و٥١٤٩) و((اللباس)) (٥٨٧١) و((التوحيد))
(٧٤١٧)، و(أبوداود) في ((النكاح)) (٢١١١)، و(الترمذيّ) في ((النكاح))
(١١١٤)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٥٤/٦ و٩١ و١١٣ و١٢٣) و((الكبرى)) (٣/
٣١٢ و٣٢٠ و٢٣/٥)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٨٨٩)، و(مالك) في
((الموظّإ)) (١١١٨)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٢٤٧/١)، و(عبد الرزّاق) في
(مصنّفه)) (٧٥٩٢)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٩٢٨)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٢٢٩٢ و٢٢٣٢٠ و٢٢٣٤٣)، و(الدارميّ) في ((النكاح)) (٢٢٠١)، و(ابن
حبّان) في ((صحيحه)) (٤٠٩٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١٦/٣ -
١٧)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٧١٦)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٣/
٥٣٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٥٧٥٠/٦ و٥٧٨١ و٥٩٠٧ و٥٩١٥ و٥٩٢٧
و٥٩٣٤ و٥٩٣٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٩/٤)، و(الدارقطنيّ) في
(سننه)) (٤٢١/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٤/٧ و٢٣٦ و٢٤٢)
و((الصغرى)) (١٣٣/٦) و((المعرفة)) (٢٦٦/٥ و٣٧٢)، و(البغويّ) في ((شرح
السنّة)) (٢٣٠٢)، والله تعالى أعلم.

٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن النكاح لا بدّ فيه من الصداق؛ لقوله وَلحه: ((هل عندك من
شيء تُصْدِقها؟))، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجاً وُهِب له،
دون الرقبة بغير صداق.
٢ - (ومنها): أن الأولى أن يُذْكَر الصداق في العقد؛ لأنه أقطع للنزاع،
وأنفع للمرأة، فلو عُقد بغير ذكر صداق صحّ، ووجب لها مهر المثل بالدخول
على الصحيح، وقيل: بالعقد، ووجه كونه أنفع لها أنه يثبت لها نصف المسمّى
أن لو طُلّقت قبل الدخول.
٣ - (ومنها): استحباب تعجيل تسليم المهر.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز اتخاذ الخاتم من الحديد.
٥ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على وجوب تعجيل الصداق قبل الدخول؛
إذ لو ساغ تأخيره لسأله هل يقدر على تحصيل ما يُمهرها بعد أن يدخل عليها،
ويتقرّر ذلك في ذمّته. ويمكن الانفصال عن ذلك بأنه ﴿ أشار بالأَولى،
والحامل على هذا التأويل ثبوت جواز نكاح المفوّضة، وثبوت جواز النكاح
على مسمّى في الذّة، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أن إصداق ما يُتموّل يُخرجه عن يد مالكه، حتى إن من
أصدق جارية مثلاً حَرُم عليه وطؤها، وكذا استخدامها بغير إذن من أصدقها،
وأن صحّة المبيع تتوقّف على صحّة تسليمه، فلا يصحّ ما تعذّر إما حسّاً،
كالطير في الهواء، وإما شرعاً كالمرهون، وكذا الذي لو زال إزاره لانكشفت
عورته، كذا قال عياض، قال الحافظ: وفيه نظر.
٧ - (منها): بيان ما أكرم الله رَبَت نبيّه وَله حيث أباح له أن يتزوّج ما شاء
من النساء، ومن ذلك أن تهب له المرأة نفسها، فيقبلها، كما قال الله
تعالى: ﴿وَأَقْرَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ الآية
[الأحزاب: ٥٠]، وعلى هذا بوّب النسائيّ، وأورد الحديث فيه.