النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
(١٠) - بَابُ تَزْوِيجِ الْأَبِ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ - حديث رقم (٣٤٧٩)
وأخرج الطبرانيّ من وجه آخر عن عائشة قالت: ((لما هاجر رسول الله وَالقتل،
وأبو بكر خَلَّفَنا بمكة، فلما استقرّ بالمدينة، بعث زيد بن حارثة، وأبا رافع،
وبعث أبو بكر عبد الله بن أُرَيقط، وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر أن يَحْمِل معه
أُمَّ رُومان، وأم أبي بكر، وأنا وأختي أسماء، فخرج بنا، وخرج زيد، وأبو
رافع بفاطمة، وأمّ كلثوم، وسودة بنت زمعة، وأخذ زيد امرأته أم أيمن،
وولديها أيمن، وأسامة، واصطحبنا، حتى قدمنا المدينة، فنزلت في عيال أبي
بكر، ونزل آل النبيّ وَلجر عنده، وهو يومئذ يبني المسجد وبيوته، فأدخل سودة
بنت زمعة أحد تلك البيوت، وكان يكون عندها، فقال له أبو بكر: ما يمنعك
أن تبني بأهلك؟ فبنى بي ... )) الحديث.
قال الماورديّ: الفقهاء يقولون: تزوّج عائشة قبل سودة، والمحدّثون
يقولون: تزوّج سودة قبل عائشة، وقد يُجمع بينهما بأنه عقد على عائشة، ولم
يدخل بها، ودخل بسودة.
لي، فجاء رسول الله وَّل إليه، فزوّجها إياه، فجاءها أخوها عبد بن زمعة من
=
الحج، فجعل يحثي في رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم
أحثي في رأسي التراب أن تزوج رسول الله وسلّ سودة بنت زمعة.
قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحرث بن الخزرج في السُّنْح، قالت:
فجاء رسول الله وَث، فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار، ونساء،
فجاءتني أمي، وإني لفي أرجوحة بين عذقين، ترجح بي، فأنزلتني من الأرجوحة،
ولي جُميمة، ففرقتها، ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني، حتى
وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج، حتى سكن من نَفَسي، ثم دخلت بي، فإذا
رسول الله ﴿ جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار،
فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك، فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم
فيك، فوثب الرجال والنساء، فخرجوا، وبنى بي رسول الله وسلّم في بيتنا، ما
نُحرت عليّ جزور، ولا ذُبحت عليّ شاة، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بِجَفْنة،
كان يرسل بها إلى رسول الله - ﴿ إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين.
انتهى («المسند» ٢١٠/٦ - ٢١١.
وهذا مرسلٌ صحيح.

٢٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
قال الحافظ: والرواية التي ذكرتها عن الطبرانيّ ترفع الإشكال، وتوجّه
الجمع المذكور، والله أعلم.
وقد أخرج الإسماعيليّ من طريق عبد الله بن محمد بن يحيى، عن
هشام، عن أبيه ((أنه كتب إلى الوليد: إنك سألتني متى توفّيت خديجة؟ وإنها
توفّيت قبل مخرج النبيّ مَله من مكّة بثلاث سنين، أو قريب من ذلك، نكح
النبيّ وَّرِ عائشة بعد مُتَوَقَّى خديجة، وعائشةُ بنت ستّ سنين، ثم إن النبيّ وَّلـ
بنى بها بعدما قدم المدينة، وهي بنت تسع سنين))، وهذا السياق لا إشكال فيه،
ويرتفع به ما تقدّم من الإشكال أيضاً، والله أعلم.
وإذا ثبت أنه بنى بها في شوّال من السنة الأولى من الهجرة قوِيَ قولُ من
قال: إنه دخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر، وقد وهّاه النوويّ في ((تهذيبه))،
وليس بواهٍ إذا عددناه من ربيع الأول، وجزمه بأن دخوله بها كان في السنة
الثانية يُخالف ما ثبت أنه دخل بها بعد خديجة بثلاث سنين.
وقال الدمياطيّ في ((السيرة)) له: ماتت خديجة في رمضان، وعقد على
سودة في شوّال، ثم على عائشة، ودخل بسودة قبل عائشة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحرر بما سبق أنه وَلا ي تزوج عائشة
قبل سودة، ودخل بسودة قبل عائشة ﴿يا، وهذا هو الجمع السديد، والله تعالى
أعلم بالصواب.
(قَالَتْ) عائشة رِيّا (فَقَدِمْنَا) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ، فَوُعِكْتُ شَهْراً) ببناء
الفعل للمفعول، أي أصابني الْوَعْك، وهو أَلَمُ الْحُمَّى، قال المجد ◌َّهُ:
الْوَعْكُ: سكون الريح، وشِدّة الحرّ، كالْوَعْكة، وأذى الْحُمَّى، ووَجَعها،
ومَغْتُهَا في البدن، وأَلَمٌ من شِدّة التعب، ورجلٌ وَعْكٌ - بفتح، فسكون - ووَعِكٌ
- بفتح، فكسر - ومَوعُودٌ. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ كَّلُ: قولها: (فوُعكت شهراً)): أي مرضت بالحمَّى، وكان
هذا في أوّل قدومهم المدينة في الوقت الذي وُعِك فيه أبو بكر ◌َظُه، وقبل أن
(١) ((الفتح)) ٦٢٩/٧ - ٦٣٠ ((كتاب مناقب الأنصار)).
(٢) ((القاموس المحيط)) ٣٢٣/٣.

٢٤٣
(١٠) - بَابُ تَزْوِيجِ الْأَبِ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ - حديث رقم (٣٤٧٩)
يَدْعُو النِبِيُّ ◌َ﴿ للمدينة بأن يصحِّحها، وينقل حُمَّاها إلى الْجُحْفَة، فلمّا دعا؛
فعل الله ذلك. انتهى(١) .
(فَوَفَى شَعْرِي) أي كَمُل (جُمَيْمَةً) تصغير جُمّةٍ، وهي الشعر النازل إلى
الأذنين، ونحوهما، أي صار إلى هذا الحدّ بعد أن كان قد ذهب بسبب
المرض.
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قولها: ((فوفى شعري جُمَيْمَةً)) أي بلغ إلى أن صار
جُمَّةً صغيرة، وقد تقدم أنَّ ((الجمَّة)) إلى شحمة الأذن و((اللمّة)) للمنكب، وفي
كلامها حذف، وتقديره: فوُعِكْتُ؛ فسقط شعري، ثم بَرِثْتُ فوفى جُميمةً.
(٢)
انتھی(٢).
وقال في ((الفتح)): قولها: ((فَوَفَى)): أي كَثُر، وفي الكلام حذف تقديره:
ثم فصلت من الوعك، فتَرَبَّى شعري، فكثر. وقولها: ((جُميمة)) بالجيم مصغرُ
الجمةِ بالضم، وهي مُجْتَمَع شعر الناصية، ويقال للشعر إذا سقط عن المنكبين:
جمةٌ، وإذا كان إلى شحمة الأذنين: وَفْرَةٌ. انتهى(٣).
(فَأَتَتْنِي أُمُّ رُومَانَ) قال النوويّ كَّتُهُ: هي أم عائشة ﴿ّ، وهي بضم
الراء، وإسكان الواو، وهذا هو المشهور، ولم يذكر الجمهور غيره، وحَگی
ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب)) ضم الراء وفتحها، ورجّح الفتح، وليس هو
براجح. انتهى(4).
وقال في ((العمدة)»: أم رومان بفتح الراء، وضمها، زينب بنت عامر،
وهي أم عبد الرحمن أخي عائشة أيضاً، ماتت سنة ست في قول الواقديّ
والزبير، وهو الأصح. انتهى(٥) .
وقال القرطبيّ كَُّ: قولها: ((فأتتني أُمَّ رُومان)) أم رُومان - بضم الراء
المهملة، ويقال بفتحها، والأول أشهر -، واسمها: زينب بنت عامر الكنانية،
وهي زوج أبي بكر الصديق تظُه، وأم ولديه: عبد الرحمن، وعائشة، أسلمت
(١) ((المفهم)) ١٢١/٤.
(٢) ((المفهم)) ١٢١/٤.
(٣) ((الفتح)) ٦٦٢/٨ ((كتاب مناقب الأنصار)) رقم (٣٨٩٤).
(٤) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٢٠٧.
(٥) ((عمدة القاري)) ٣٨/١.

٢٤٤
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وهاجرت، وتوفيت في حياة رسول الله وَّله، ونزل رسول الله وَل في قبرها،
واستغفر لها(١).
وقولها: (وَأَنَا عَلَى أَرْجُوحَةٍ) جملة حاليّة من ((فأتتني))، و((الأرجوحة))
بضم الهمزة، هي خشبة يَلعَب عليها الصبيان، والجواري الصغار، يكون
وسطها على مكان مرتفع، ويجلسون على طرفيها، ويحركونها، فيرتفع جانب
منها، وينزل جانب(٢).
وقال القرطبيّ تَخْفُ: ((الأُرجوحة)) خشبة يَرْكَبُ على طرفيها صغيران،
فيترجح أحدهما على الآخر تارة، والآخر أخرى، ويقال: الأرجوحة: حبل
يُعَلَّق، فيركبه الصبيان، يلعبون عليه، قاله شيخنا المنذريّ الشافعيّ. انتهى.
وقولها: (وَمَعِي صَوَاحِيي) جملة حاليّة أيضاً، و((الصواحب)) جمع صاحبة
(فَصَرَخَتْ بِي) أي صاحت صياحاً مُزعِجاً، ونادتني (فَأَتَيْتُهَا، وَمَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ
بِي) ((ما)) الأولى نافيةٌ، والثانية موصولة، أي: لم أعرف الذي تريد مني بندائها
(فَأَخَذَتْ بِيَدِي، فَأَوْقَفَتْنِي) بقطع الهمزة، أي جعلتني واقفاً (عَلَى الْبَابِ) أي على
باب البيت الذي فيه رسول الله وص لي، وهو بيت أبي بكر ته، كما بيّنته رواية
أحمد الآتية، وقولها: (فَقُلْتُ: هَهْ هَوْ) بالتكرار، وهي كلمة يقولها المبهور (٣)
حتى يتراجع إلى حال سكونه، وهي بفتح الهاء الأولى، وإسكان الهاء الثانية،
وهي هاء السكت.
وقال القرطبيّ كَُّ: قولها: ((هه، هه)) هي حكاية عن صوت المنْبَهِر؛
الذي ضاق نَفَسه، وذلك أنَّها كانت تتأرجح، ثم إنها صِيح بها صياحاً مزعجاً،
فأتت مسرعة، فضاق نفسها لذلك، وانبهرت، ولذلك قالت: (حَتَّى ذَهَبَ
نَفَسِي) وهو بفتح الفاء، وقد أخطأ من سكَّنها (فَأَدْخَلَتْنِي بَيْئاً، فَإِذَا) هي
الفُجائيّة، أي ففاجأني (نِسْوَةٌ) بكسر النون أفصح من ضمّها، وهي والنساء
اسمان لجماعة إناث الأناسيّ، الواحدة امرأة من غير لفظ الجمع، قاله
الفيّوميّ(٤). (مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ) قال القرطبيّ ◌َُّهُ:
(١) ((المفهم)) ١٢١/٤.
(٣) أي المغلوب، أي الذي غلبه نفسه.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٠٧/٩.
(٤) ((المصباح المنير)) ٦٠٤/٢.

٢٤٥
(١٠) - بَابُ تَزْوِيجِ الْأَبِ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ - حديث رقم (٣٤٧٩)
هو نحو مِمَّا روي من حديث معاذ: أنَّ النبيّ وَّ ه قال لرجل من الأنصار شهد
إملاكه، فقال: ((على الأُلفة والخير والطائر الميمون)) (١)، وقد قال رَّ لابن
عوف: ((بارك الله لك))(٢)، وروي عنه وسلم أنه قال: ((بارك الله لكم وعليكم))(٣)،
قال: وهذه أدعية، والدُّعاء كلُّه حسن، غير أن الدُّعاء بما دعا به النبيّ وَل
أولى، ولذلك كره بعضهم قول العرب: بالرفاء والبنين. انتهى (٤).
(وَعَلَى خَيْرٍ طَائِرٍ) الطائر: الحظّ، يُطلَق على الحظّ من الخير والشر،
والمراد هنا: على أفضل حظّ وبركة (٥).
وقال في ((المشارق)): قوله: ((على الخير والبركة، وعلى خير طائر)):
دعاءٌ بالسعادة، وأصل استعمالها من تفاؤل العرب بالطير، وقد يكون المراد
بالطائر هنا: القَسْم والنصيب أيضاً. انتهى (٦).
وقال القرطبيّ تَخْتُ: وقولهن: ((على خير طائر))، وقول النبيّ يَّ: (وعلى
الطائر الميمون))؛ على جهة التفاؤل الحسن، والكلام الطيب، وليس هذا من
قبيل الطَّرة المنهي عنها؛ التي قال فيها وَّة: ((لا طِيَرة، وخيرها الفأل))، وقد
ذكرنا أصل هذه اللفظة، وحكمها في كتاب الإيمان. انتهى.
(فَأَسْلَمَتْنِي) أي دفعتني أمي (إِلَيْهِنَّ) أي إلى نسوة الأنصار (فَغَسَلْنَ رَأْسِي،
وَأَصْلَحْنَنِي) أي جهّزنني للدخول على النبيّ وَّر بصفة العروس؛ لأن ذلك
يُحبّبها إليه، ولأنه يتضمن إعلان النكاح، ولأنهن يؤانسنها، ويؤدبنها، ويُعلِّمنها
آدابها حال الزفاف، وحال لقائها الزوج.
(فَلَمْ يَرُعْنِي) بضمّ الراء، وسكون العين: أي لم يفاجأني، ويأتيني بغتةً،
وقال القرطبيّ: أي لم يُفْزِعني، والرَّوعِ: الفَزَع، وهو مستعملٌ في كلِّ أمر يطرأ
على الإنسان فَجْأَةً، من خير أو شرِّ، فيرتاع لفَجْأته. انتهى(٧) .
(١) راوه البيهقيّ في ((الكبرى)) ٢٨٨/٧، وراجع: ((مجمع الزوائد)) ٢٩٠/٤.
(٢) متّفقٌ عليه.
(٣) رواه أبو داود (٢١٣٠)، والترمذيّ (١٠٩١).
(٤) ((المفهم)) ٤/ ١٢٢.
(٦) ((مشارق الأنوار)) ٣٢٤/١.
(٥) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٢٠٧.
(٧) («المفهم)) ١٢٣/٤.

٢٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وقال في ((الفتح)): قولها: ((فلم يَرُعني)) بضم الراء، وسكون العين: أي
لم يُفزعني شيءٌ إلا دخوله عليّ، وكَنَتْ بذلك عن المفاجأة بالدخول على غير
عالم بذلك، فإنه يُفْزِع غالباً .
ورَوَى أحمد من وجه آخر هذه القصة مُطوَّلة: ((قالت عائشة: قدِمنا
المدينة، فنزلنا في بني الحارث، فجاء رسول الله وَلقول، فدخل بيتنا، فجاءت بي
أمي، وأنا في أرجوحة، ولي جُميمة، ففرقتها، ومسحت وجهي بشيء من ماء،
ثم أقبلت بي تقودني حتى وقفت بي عند الباب، حتى سكن نَفَسي ...
الحديث(١)، وفيه: «فإذا رسول الله صل وم جالس على سريره، وعنده رجال ونساء
من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله،
بارك الله لك فيهم، فوثب الرجال والنساء، وبنى بي رسول الله (ص18 في بيتنا،
وأنا يومئذ بنت تسع سنين)).
(إِلَّ وَرَسُولُ اللهِ وَِّ ضُحَّى) أي في وقت الضحى (فَأَسْلَمْتَنِي إِلَيْهِ) فيه
جواز الزفاف، والدخول بالعروس نهاراً، وهو جائز ليلاً ونهاراً، واحتجّ به
البخاريّ في الدخول نهاراً، وترجم عليه باباً، فقال: ((باب البناء بالنهار))،
وأورد حديث الباب مختصراً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّها هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٧٩/١٠ و٣٤٨٠ و٣٤٨١ و٣٤٨٢] (١٤٢٢)،
و(البخاريّ) في ((مناقب الأنصار)) (٣٨٩٦) و((النكاح)) (٥١٣٣ و٥١٣٤
و٥١٥٨)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢١٢١) و((الأدب)) (٤٩٣٣ و٤٣٥)
والنسائيّ) في (النكاح)) (٣٢٥٦ و٣٢٥٧ و٣٢٥٨ و٣٢٥٩ و ٣٣٧٨ و٣٣٧٩
و ٣٣٨٠) وفي ((الكبرى)» (٥٣٦٥ و٥٣٦٦ و ٥٣٦٧ و٥٣٦٨ و٥٣٦٩ و٥٥٦٩
(١) تقدّم ذكر حديث أحمد في الهامش بتمامه في هذا الباب، فتنبّه.

٢٤٧
(١٠) - بَابُ تَزْوِيجِ الْأَبِ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ - حديث رقم (٣٤٧٩)
و٥٥٧٠ و٥٥٧١ و٥٥٧٢)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٨٧٦)، و(الطيالسيّ)
في ((مسنده)) (١٤٥٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١١٨/٦ و٢٨٠)، و(الدارميّ) في
(سننه)) (٢٢٦١)، و(ابن حبّان) في «صحيحه» (٧٠٩٧)، و(أبو يعلى) في
((مسنده) (٤٦٠٠)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٧٨/٣)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٨٧/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٤/٢٣)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (١٤٨/٧ - ١٤٩ و٢٢٠/١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز إنكاح الأب بنته الصغيرة، وهو مجمع عليه، إلا
ما حكي عن ابن شُبرمة، كما تقدّم.
٢ - (ومنها): جواز نكاح المرأة، وإن لم تكن صالحة للوطء.
٣ - (ومنها): أن الوليّ الخاصّ يقدّم على الوليّ العامّ، حيث زوّج أبو
بكر بنته عائشة للنبيّ وَلّ، وقد اختلف فيه عند المالكية، كما أشار إليه في
((الفتح)).
٤ - (ومنها): أن النهي عن إنكاح البكر حتى تُستأذن مخصوص بالبالغة
حتى يُتصوّر منها الإذن، وأما الصغيرة فلا حاجة إلى استئذانها؛ إذ لا معنى
لذلك، حيث إنها لا تدري ما هو النكاح، قال النوويّ كَُّ: هذا صريحٌ في
جواز تزويج الأب الصغيرةَ بغير إذنها؛ لأنه لا إذن لها، والجدّ كالأب عندنا.
انتھی.
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَّلُ: ذهبت طائفة إلى أن بلوغ المرأة تسعَ
سنين يوجب إجبارها على الدخول إذا طلبه الزوج، وبه قال أحمد، وأبو عبيد،
وقال مالك، وأبو حنيفة: حدُّ ذلك أن تطيق الرّجُل، فإن لم تطق؛ لم يُمَكَّن
الزوج منها، وإن بلغت التسع، وقال الشافعيّ: حدُّ ذلك أن تطيق الرّجُل،
وتقارب البلوغ.
وحكم إلزام الزوج النفقة حكم الجبر، فمتى أجبرناها على الدخول
ألزمناه لها النفقة. انتهى (١).
(١) (المفهم)) ١٢١/٤.

٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
٦ - (ومنها): استحباب الدعاء بالخير والبركة لكل واحد من الزوجين،
ومثله في حديث عبد الرحمن بن عوف ظابه: (بارك الله لك))(١).
٧ - (ومنها): استحباب تنظيف العَرُوس، وتزيينها لزوجها .
٨ - (ومنها): استحباب اجتماع النساء لتجهيز العروس لزوجها، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في إجبار الأب ابنته على النكاح:
قال القرطبيّ تَظُّهُ: هذا الحديث مستند الإجماع (٢) على أن الأب يُجبر
البكر الصغيرة على النكاح، وإذا جاز ذلك في الأنثى التي لا تملك حلَّ العقد عن
نفسها، فلأن يجوز في الصغير الذي يملك حلَّ العقد عن نفسه عند بلوغه أحرى
وأولى، وما ذكرناه جارٍ على مذهب مالك، والشافعي، وفقهاء أهل الحجاز.
وأمَّا أهل العراق فقالوا: لها الخيار إذا بلغت، إلا أبا يوسف، فإنه قال:
لا خيار لها. ثم اختلفوا في غير الأب، من وليٍّ أو وصيٍّ، هل له أن يجبر أم
لا؟ فمنع الجمهور ذلك؛ غير أن الشافعي جعل الجدَّ بمنزلة الأب، وغير ما
روي عن مالك في الوصي على الإنكاح: أنه يجبر - في أحد قوليه - وهو الذي
حكاه الخطّابي عن مالك، وعن حمَّد بن أبي سلمة(٣)، وقاله شريح، وعروة بن
الزبير، والمشهور عن مالك المنع من ذلك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، وجماعة من السلف بجواز ذلك،
وليس بصحيح؛ لما يختصّ به الأب من فرط الشَّفقة، والاجتهاد في ابتغاء
المصلحة، فإنه يختصُّ من ذلك بما لا يوجد في غيره غالباً، ويكفي هذا فارقاً
مانعاً من الإلحاق. انتهى.
وقال النوويّ تَخْلُ: وأجمع المسلمون (٤) على جواز تزويجه بنته الصغيرة؛
لهذا الحديث.
(١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٢٠٧.
(٢) دعوى الإجماع فيها نظر، فقد خالف ابن شُبرمة، فتنبّه.
(٣) هكذا النسخة، والظاهر أنه حماد بن أبي سليمان، فليُحرّر.
(٤) دعوى الإجماع فيها نظر، كما مرّ آنفاً.

٢٤٩
(١٠) - بَابُ تَزْوِيجِ الْأَبِ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ - حديث رقم (٣٤٧٩)
قال: وإذا بلغت فلا خيار لها في فسخه عند مالك، والشافعيّ، وسائر
فقهاء الحجاز.
وقال أهل العراق: لها الخيار إذا بلغت، أما غير الأب، والجدّ من
الأولياء، فلا يجوز أن يزوّجها عند الشافعيّ، والثوريّ، ومالك، وابن أبي
ليلى، وأحمد، وأبي ثور، وأبي عبيد، والجمهور، قالوا: فإن زوّجها لم
يصحّ، وقال الأوزاعيّ، وأبو حنيفة، وآخرون من السلف: يجوز لجميع
الأولياء، ويصحّ، ولها الخيار إذا بلغت، إلا أبا يوسف، فقال: لا خيار لها.
واتفق الجمهور على أن الوصيّ الأجنبيّ لا يزوّجها. وجوّز شُريحٌ،
وعروة، وحمّادٌ له تزويجها قبل البلوغ. وحكاه الخطابيّ عن مالك أيضاً.
قال: (واعلم): أن الشافعيّ، وأصحابه قالوا: يُستحبّ أن لا يزوّج الأب
والجدّ حتى تبلغ، ويستأذنها؛ لئلا يوقعها في أسر الزوج، وهي كارهةٌ، وهذا
الذي قالوه لا يخالف حديث عائشة يتا؛ لأن مرادهم أنه لا يزوّجها قبل
البلوغ إذا لم تكن مصلحةٌ ظاهرةٌ يخاف فوتها بالتأخير، كحديث عائشة ◌ُنا،
فيستحبّ تحصيل ذلك الزوج؛ لأن الأب مأمور بمصلحة ولده، فلا يفوّتها .
قال: وأما وقت زفاف الصغيرة المزوّجة، والدخول بها، فإن اتّفق الزوج
والوليّ على شيء لا ضرر فيه على الصغيرة عُمل به، وإن اختلفا، فقال أحمد،
وأبو عُبيد: تُجبر على ذلك بنت تسع سنين دون غيرها .
وقال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة: حدّ ذلك أن تُطيق الجماع،
ويختلف ذلك باختلافهنّ، ولا يُضبط بسنّ، وهذا هو الصحيح، وليس حديث
عائشة تحديداً، ولا المنع من ذلك فيمن أطاقته قبل تسع، ولا الإذن فيه لمن
لم تُطقه، وقد بلغت تسعاً.
قال الداوديّ: وكانت عائشة قد شبّت شَباباً حسناً ثُها. انتهى كلام
النووي كَّتُهُ(١)، وهو تحقيق نفيس جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٠٦/٩ - ٢٠٨.

٢٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٤٨٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ
ابْنِ عُرْوَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ
هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَّتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ وَّهِ، وَأَنَا بِنْتُ سِتٍّ سِنِينَ،
وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعٍ سِنِينَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريباً.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب.
٤ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٤٨١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ تَزَوَّجَهَا، وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ
سِنِينَ، وَزُقَّتْ إِلَيْهِ، وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، وَلُعَبُهَا مَعَهَا، وَمَاتَ عَنْهَا، وَهِيَ بِنْتُ
ثَمَانَ عَشْرَةَ(١)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم قريباً.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله.
(١) وفي نسخة: ((ثماني عشرة)).

٢٥١
(١٠) - بَابُ تَزْوِيجِ الْأَبِ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ - حديث رقم (٣٤٨١)
وقولها: (أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ تَزَوَّجَهَا) فيه التفات؛ إذ الأصل أن تقول: تزوجني
إلخ، فتنبّه.
وقوله: (وَهِيَ بِنْتُ سَبْعٍ سِنِينَ) تقدّم أنه لا تنافي بينه وبين قولها:
((تزوجني، وأنا ابن ستّ سنين))؛ لإمكان الجمع بأن ذلك كان في أوائل السنة
السابعة، فيكون معنى قولها: ((ست سنين)) التي انقضت، ومعنى ((سبع سنين))
التي هي فيها، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَزُقَّتْ إِلَيْهِ) بالبناء للمفعول، يقال: زَقَّت النساء العَرُوس إلى
زوجها زَفّاً، من باب نصر، والاسم الزِّفَاف بالكسر، ككتاب، وهو إهدائها
إليه، وأزفّتها بالألف لغة، وزَفّ الرجلُ يَزِفّ، من باب ضرب: أسرع، والاسم
الزَّفِيف(١).
وقوله: (وَلُعَبُهَا مَعَهَا) ((اللُّعَب)) بضمّ، ففتح: جمع لُعْبَة، بضمّ، فسكون،
وزانُ غُرْفَة، وغُرَفٍ، وهي كلُّ ما يُلْعَب به مثلُ الشِّطْرنج، والنَّرْد(٢)، قال
النوويّ كَّتُ: المراد هنا هذه اللَّعَب المسماة بالبنات التي تَلْعَب بها الجواري
الصغار، ومعناه التنبيه على صِغَر سنها، قال القاضي عياض تَخْتُهُ: وفيه جواز
اتخاذ اللُّعَبِ، وإباحة لَعِب الجواري بهنّ، وقد جاء في الحديث الآخر أن
النبيّ وَّهِ رأى ذلك، فلم ينكره، قالوا: وسببه تدريبهنّ لتربية الأولاد، وإصلاح
شأنهنّ وبيوتهنّ. انتهى كلام القاضي.
قال النوويّ: ويَحْتَمِل أن يكون مخصوصاً من أحاديث النهي عن اتخاذ
الصور؛ لما ذكره من المصلحة، ويَحْتَمِل أن يكون هذا منهيّاً عنه، وكانت قصّة
عائشة ◌ّا هذه، ولُعَبها في أول الهجرة قبل تحريم الصور، والله أعلم.
انتھی .
وقولها: (وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ) وفي نسخة: ((ثماني عشرة)).
والحديث متّفق عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((المصباح المنير)) ٢٥٤/١.
(٢) راجع: ((المصباح)) ٥٥٤/٢.

٢٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ:
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ لَّهِ، وَهِيَ بِنْتُ سِتٍّ، وَبَنَى بِهَا، وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ، وَمَاتَ عَنْهَا،
وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (الْأَعْمَشُ) سليمان مِهْران، تقدّم قريباً.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، تقدّم أيضاً قريباً.
٣ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن
الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ [٢] (ت٤ أو٧٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٧٤/٣٢.
والباقون ذكروا في الباب وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَّهِ عَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١١) - (بابُ اسْتِحْبَابِ التَّزَوُّجِ وَالتَّزْوِيجِ فِي شَوَّالٍ،
وَاسْتِحْبَابِ الدُّخُولِ فِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٤٨٣] (١٤٢٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنٍ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ وَلقر فِي
شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟ قَالَ:
وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا فِي شَوَّالٍ).

(١١) - بابُ اسْتِحْبَابِ التَّزَوُّجِ وَالتَّزْوِيجِ فِي شَوَّالٍ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٣)
٢٥٣
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سُفْيَانٌ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الثبت
الحجة الفقيه العابد، ومن كبار [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأمويّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت١٤٤) أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوام الأسديّ، أبو بكر المدنيّ،
ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٣] بقي إلى أواخر دولة بني أمية، وكان مولده سنة (٤٥) (خ م
ت س ق) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٧١١/١٧.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي، والبابين قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَخَذُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما
الترمذيّ، وعبد الله بن عروة، فما أخرج له أبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الأخ، عن أخيه، عن خالته، وتابعيّ عن
تابعيّ، وهو من رواية الأقران.
٤ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، عروة.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة ثنا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من
الأحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عَنْ عَائِشَةَ) هَؤًُّا، أنها (قَالَتْ: (تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى
بِي) بالبناء للفاعل: أي دخل بي (فِي شَوَّالٍ) - بفتح الشين المعجمة، وتشديد
الواو - قال الفيّوميّ كَّلُ: و((شوّالٌ)) شهر عيد الفطر، وجمعه شوّالات،
وشواويلُ، وقد تدخله الألف واللام، قال ابن فارس: وزعم ناسٌ أن الشّوّال
سُمي بذلك لأنه وافق وقتاً تَشُول فيه الإبلُ. انتهى (١) .
(١) ((المصباح المنير)) ٣٢٨/١.

٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وقال ابن منظور كَّلُ: وشَوّالٌ من أسماء الشهور، معروفٌ، اسم الشهر
الذي يلي شهر رمضان، وهو أول أشهر الحجّ، قيل: سُمّي بتشويل لبن الإبل،
وهو تَولّيهِ، وإدباره، وكذلك حال الإبل في اشتداد الحرّ، وانقطاع الرُّطْب،
وقال الفرّاء: سُمّي بذلك لِشَوَلَان الناقة فيه بذنَبِها، والجمع شَوَاويل على
القياس، وشَوَاوِل على طرح الزائد، وشوَالات. وكانت العرب تَطَيِّرُ من عقد
النكاح فيه، وتقول: إن المنكوحة تمتنع من ناكحها كما تمتنع طَرُوقة الجَمَل إذا
لَقِحَت، وشالت بذَنَبِها، فأبطل النبيّ وَّه ◌ِيَرَتَهُم. انتهى(١) .
(فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) ((أيُّ) اسم استفهام إنكاريّ، مبتدأ، خبره
قولها: (كَانَ أَحْظَى) أفعل تفضيل من الحظوة، يقال: حَظِيَ عند الناس يَحْظَى،
من باب تَعِبَ حِظَةً، وزان عِدَةٍ، وحظوةً بضمّ الحاء، وكسرها: إذا أحبّوه،
ورفعوا منزلته، فهو حَظِيٌّ، على فَعِيلٍ، والمرأة حَظِيَةٌ، إذا كانت عند زوجها
كذلك. قاله الفيّوميّ.
(عِنْدَهُ) وَِّ (مِنِّ) الظرف، والجارّ والمجرور متعلّقان بـ((أحظى)).
والمعنى: لا أحد أكثر حظوة عند النبيّ وَ﴾ منّي، مع أنه رَّ تزوّجني في
شوّال، وبنى بي فيه، فبطل بذلك ما كان يزعمه الجاهليّة من التشاؤم بهذا
الشهر .
وقال أبو العبّاس القرطبيّ ◌َّهُ: إنما قالت عائشة ﴿ّا ذلك لتردّ به قول
من كان يَكره عقدَ النكاح في شهر شوّال، ويتشاءم به من جهة أنّ شوّالاً من
الشَّوْل، وهو الرفع، ومنه شالت الناقة بذنبها، وقد جعلوه كنايةً عن الهلاك؛ إذ
قالوا: شالت نعامتهم: أي هلكوا، فشوّالٌ معناه كثير الشَّوْل، فإنه للمبالغة،
فكأنهم كانوا يتوهّمون أن كلّ من تزوّج في شوّال منهنّ شال الشنآن بينها وبين
الزوج، أو شالت نفرته، فلم تحصل لها حظوةٌ عنده، ولذلك قالت عائشة رادّةً
لذلك الوهم: ((فأيّ نسائه كان أحظى عنده منّي)). أي: لم يضرّني ذلك، ولا
نقص من حظوتي.
قال القرطبيّ: ومن هذا النوع كراهة الجهّال عندنا اليومَ عقد النكاح في
(١) ((لسان العرب)) في مادة شول.

٢٥٥
(١١) - بابُ اسْتِحْبَابِ التَّزَوُّجِ وَالتَّزْوِيجِ فِي شَوَّالٍ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٨٣)
شهر المحرّم، بل ينبغي أن يُتَيمّن بالعقد والدخول فيه؛ تمسّكاً بما عظّم الله رَك،
ورسوله وَّله من حرمته، ورَدْعاً للجهّال عن جهالاتهم. انتهى(١).
(قَالَ) عروة (وَكَانَتْ عَائِشَةُ) ﴿َّا (تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخِلَ نِسَاءَهَا) أي نساء
قومها على أزواجهنّ (فِي شَوَّالٍ) تبرّكاً بما حصل لها فيه من الخير
برسول الله وَّل، ومن الحظوة عنه، ولمخالفة ما يقوله الجهّال من ذلك،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ؤها هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٨٣/١١ و٣٤٨٤] (١٤٢٣)، و(الترمذيّ) في
((النكاح)) (١٠٩٣)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٧٠/٦ و١٣٠) و ((الكبرى)) (٣/
٣٣٣)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٩٩٠)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(١٠٤٥٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥٤/٦ و٢٠٦)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٢٢١١)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢١٥/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٤٠٥٨)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٨٠/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٨٨/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٩٤/٧) و((الكبير)) (٦٨/٢٣ و٦٩ و٧٠)،
و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٥٩/٨ - ٦٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧)
٢٩٠)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٢٥٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التزويج في شهر شوّال، قال النوويّ تَخْذَلُهُ:
فيه استحباب التزويج، والتزوّج، والدخول في شوال، وقد نصّ أصحابنا على
استحبابه، واستدلّوا بهذا الحديث. انتهى.
٢ - (ومنها): حرص النبيّ ◌َّ ﴾ على محو آثار الشرك، والاعتقادات
(١) ((المفهم)) ١٢٣/٤ - ١٢٤.

٢٥٦
البحر المحيط النجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
الجاهليّة، حيث تزوّج عائشة في شوّال، وبنى بها فيه؛ لذلك، وكذلك كانت
هي تحرص على إدخال نسائها فيه.
٣ - (ومنها): أنه ينبغي لأهل العلم، ودعاة الخير الاجتهاد في إزالة ما
كان عليه عادة الناس، من التشاؤم في بعض الشهور، أو الأيام، أو
الأشخاص، فإن ذلك من آثار الشرك، وما أكثره اليوم في شتّى بقاع الأرض،
بشتّى أنواع الخرافات، فلا حول ولا قوّة إلا بالله، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا
الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِعْلَ عَائِشَةَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (ابْنُ نُمَير) هو: محمد المذكور قبل ثلاثة أحاديث.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم قريباً.
٣ - (سفيان) هو الثوريّ المذكور في السند الماضي.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن سفيان الثوريّ هذه لم أر من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١٢) - (بَابُ الأَمْرِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ(١))
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨٥] (١٤٢٤) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
(١) ترجم النوويّ تَخْفُ بقوله: ((باب ندب من أراد نكاح امرأة إلى أن ينظر إلى وجهها، وكفيها
قبل خطبتها))، وليس في الحديث تقييد ما ينظر إليه بالوجه والكفين، وإنما أخذه من
مذهبه، وهذا لا ينبغي لشارح كتاب من كتب الحديث أن يقيّد الحديث بالمذهب، إلا إذا
وجد نصّاً يقيّده بذلك، وهذه المسألة الخلاف فيها مشهور، كما سيأتي في المسائل،
ولذا عدلت عن ترجمته إلى ترجمة تناسب الحديث، فتفطّن، والله تعالى وليّ التوفيق.

٢٥٧
(١٢) - بَابُ الأَمْرِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ - حديث رقم (٣٤٨٦)
يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ◌ََّ(١)،
فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: («أَنَظَرْتَ
إِلَيْهَا؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَاذْهَبْ، فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئً)).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وستأتي تراجمهم في الحديث التالي مع شرح الحديث، سوى ((ابن أبي
عمر))، وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر، و(سفيان))، وهو ابن عيينة، فقد
تقدّما قبل بابين، وإنما أخّرت شرح الحديث؛ لكون الثاني أتمّ وأطول، فتنبّه.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨٦] (.) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةً
الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ
إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((هَلْ
نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئاً)، قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا، قَالَ: ((عَلَى كَمْ
تَزَّوَّجْتَهَا؟))، قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ(٢)، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟، كَأَنَّمَا
تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَ
فِي بَعْثٍ، تُصِيبُ مِنْهُ))، قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثاً إِلَى بَنِي عَبْسٍ، بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ) بن عون الْغَطَفانيّ مولاهم، أبو زكرياء البغداديّ،
ثقةٌ حافظٌ مشهور، إمام الجرح والتعديل [١٠] (ت٢٣٣) بالمدينة النبويّة، وله
بضع و(٧٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩٤/٦.
٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم
دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٣٨/٨.
(١) وفي نسخة: ((كنت جالساً عند النبيّ وَّ).
(٢) وفي نسخة: ((على أربع أواقيّ)).

٢٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
٣ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ،
صدوق يخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢.
٤ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ الثقة [٣] (ت١٠٠) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١٤٢/٩.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ)
تقدم فى ((المقدمة)) ٤/٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى يزيد بن كيسان، كما
مرّ آنفاً .
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فبغداديّ، وغير
الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أنّ فيه أبا هريرة ظ ◌ُله رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبْهُ أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال في ((الفتح)): هذا الرجل
يَحْتَمِل أن يكون المغيرة ظُه، فقد أخرج الترمذيّ، والنسائيّ، من حديثه أنه
خطب امرأةً، فقال له النبيّ وَله: ((انظر إليها، فإنه أحرى أن يدوم بينكما))،
وصححه ابن حبان، وأخرج أبو داود، والحاكم، من حديث جابر (
مرفوعاً: ((إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى
نكاحها فليفعل))، وسنده حسنٌ، وله شاهد من حديث محمد بن مسلمة،
وصححه ابن حبان، والحاكم، وأخرجه أحمد، وابن ماجه، ومن حديث أبي
حميد، أخرجه أحمد، والبزار. انتهى(١).
(إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ) أي أردت أن أتزوّج، كما بُيّن في
الروايات الأخرى، فقد أخرجه النسائيّ بلفظ: ((خطب رجل امرأةً من الأنصار،
(١) (الفتح)) ٤٤٠/١١.

٢٥٩
(١٢) - بَابُ الأَمْرِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ - حديث رقم (٣٤٨٦)
فقال له رسول الله وَله: هل نظرت إليها؟)) (امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ) قال صاحب
((التنبيه): لا أعرف الرجل، ولا المرأة (١). (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َيِّ: ((هَلْ نَظَرْتَ
إِلَيْهَا؟) وفي الرواية السابقة: ((أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب، فانظر
إليها))، وفي رواية للنسائيّ: ((فأمره أن ينظر إليها))، ثم بيّن ◌َ ل﴿ سبب أمره
بالنظر إليها بقوله: (فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ) جمع عين، كفلس وفُلُوس، وفي
الرواية السابقة: ((فإن في أعين الأنصار))، وقوله: (شَيْئاً))) قال النوويّ كَذّتُهُ:
هكذا الرواية المشهورة: ((شيئاً)) بالهمز، وهو واحد الأشياء، قيل: المراد
صغرٌ، وقيل: زُرْقٌ. انتهى(٢) .
وقال الغزاليّ في ((الإحياء)): اختُلِف في المراد بقوله: ((شيئاً))، فقيل:
عَمَشٌ، وقيل: صغرٌ، قال الحافظ: الثاني وقع في رواية أبي عوانة في
((مستخرجه))، فهو المعتمد. انتهى(٣).
قال أبو العبّاس القرطبيّ كَّتُهُ: هذا الأمر - يعني أمره وَلهو الرجل بالنظر
إلى المرأة المخطوبة - على جهة الإرشاد إلى المصلحة، فإنه إذا نظر إليها،
فلعلّه يرى منها ما يُرغّبه في نكاحها، وقد نبّه النبيّ ◌َّ على هذا بقوله فيما
ذكره أبو داود من حديث جابر ظه، إذ قال: ((إذا خطب أحدكم المرأة، فإن
استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)) (٤)، ولا يقال مثلُ هذا
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٠/٩.
(١) (تنبيه المعلم)) ص٢٣٥ - ٢٣٣.
(٣) ((الفتح)) ٤٣٩/١١ - ٤٤٠.
(٤) رواه الشافعيّ، وأحمد، وعبد الرزّاق، والبزّار، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبيّ،
وقال الحافظ: ورجاله ثقات، وفي إسناده محمد بن إسحاق - يعني أنه مدلِّسٌ، لكنه
صرّح بالتحديث في إحدى روايتي أحمد، وأعلّه ابن القطّان بواقد بن عبد الرحمن،
وقال: المعروف واقد بن عمرو، قال الحافظ: ورواية الحاكم فيها واقد بن عمرو،
وكذا رواية الشافعيّ، وعبد الرزّاق. انتهى. ((التلخيص الحبير)) ٣٠٦/٣.
قال الإمام أحمد كثُّهُ: حدّثنا يعقوب، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني داود بن
الْحُصين مولى عمرو بن عثمان، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن جابر بن
عبد الله الأنصاريّ، قال: سمعت رسول الله صل* يقول: ((إذا خطب أحدكم المرأة،
فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إليها، فليفعل)). انتهى. ((المسند)) رقم (١٤٣٤٠) . =

٢٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
في الواجب، وقاعدة النكاح - وإن كان معاوضةً - مفارقةٌ لقاعدة البيوع، من
حيث إنها مبنيّةٌ على المكارمة، والمواصلة، وإظهار الرغبات، والعمل على
مكارم الأخلاق، بحيث يجوز فيها النكاح من غير ذكر صداق، وتجوز فيها
ضروبٌ من الجهالات والأحكام، لا يجوز شيء منها في البيوع، والمعاملات
المبنيّة على المشاحّة، والمغابنة، ومن هنا جاز عقد النكاح على امرأة لا يُعرف
حالها من جمال، وشباب، وحسن خُلُقٍ، وتمام خَلْقٍ، وهذه وإن كانت
مجهولةً حالة العقد، لم يضرّ الجهل بها؛ إذ لم يلتفت الشرع إليه في هذا
الباب، فالأمر بالنظر إلى المخطوبة أحرى بأن لا يكون واجباً، فلم يبقَ إلا أن
يحمل ذلك الأمر على ما تقدّم، وبهذا قال جمهور الفقهاء: مالكٌ، والشافعيّ،
والكوفيّون، وغيرهم، وأهل الظاهر، وقد كره ذلك قومٌ، لا مبالاة بقولهم؛
الأحاديث الصحيحة في هذا الباب. انتهى كلام القرطبيّ تَّقُهُ(١).
(قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا) الظاهر أن هذا النظر بعد أمر النبيّ وَّ له بالنظر
بقوله: ((اذهب، فانظر إليها))، فذهب، فجاء، فأخبره بأنه نظر إليها (قَالَ) وَه
((عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟) قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ) بفتح الهمزة، وفي نسخة: ((أواقيّ))
بياء مشدّدة، وهي: جمع أوقيّة، قالَ الفيّومِيّ ◌َّتُهُ: و((الأوقيةُ)) بضم الهمزة،
وبالتشديد، وهي عند العرب: أربعون درهماً(٢)، وهي في تقدير ◌ُفْعُولةٍ،
كالأُعجوبة، والأُحدوثة، والجمع: الأواقي، بالتشديد، وبالتخفيف؛ للتخفيف،
وقال ثعلب في باب المضموم أوله: وهي الأُوقِيّة، والْوُقيّةُ لغة، وهي بضم
الواو، هكذا هي مضبوطة في كتاب ابن السِّكِّيت، وقال الأزهريّ: قال الليث:
الْوُقِيَّةِ: سبعة مثاقيل، وهي مضبوطة بالضم أيضاً، قال الْمُطَرِّزِيّ: وهكذا هي
= قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد رجاله ثقات، والأكثرون على أن واقداً هو
ابن عمرو، وهو ثقةٌ من رجال مسلم، وأما واقد بن عبد الرحمن فمجهول،
فالحديث عندي صحيح، والله تعالى أعلم.
(١) («المفهم)» ١٢٥/٤ - ١٢٦.
(٢) وقدّر بالمعيار المعاصر بـ(١٤٧) غراماً، راجع ما كتبه الشيخ عبد الله بن
عبد الرحمن البسّام كثّفُ في كتابه: ((توضيح المرام)) ٤/ ٤٧١.