النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
(٩) - بَابُ اسِْمَارِ النَِّبِ فِي النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ، وَاسْتِذَانِ الْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ - حديث رقم (٣٤٧٣)
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تزويج الأب البكر
البالغة بغير إذنها :
ذهب الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، ووافقهم أبو ثور: إلى شترط
استئذانها، فلو عقد علیها بغير استئذان لم يصحّ.
وذهب آخرون إلى أنه يجوز للأب أن يزوّجها، ولو كانت بالغة بغير
استئذان، وهو قول ابن أبي ليلى، ومالك، والليث، والشافعيّ، وأحمد،
وإسحاق .
ومن حجّتهم مفهوم حديث الباب؛ لأنه جعل الثيّب أحقّ بنفسها من
وليّها، فدلّ على أن وليّ البكر أحقّ بها منها .
واحتجّ بعضهم بحديث يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي
موسى، مرفوعاً: ((تُستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها))، قال: فقيّد
ذلك باليتيمة، فيُحْمَل المطلق عليه.
وفيه نظر - كما قال الحافظ - لحديث ابن عباس الآتي بلفظ: ((والبكر
يستأمرها أبوها)) فنصّ على ذكر الأب.
وأجاب الشافعيّ بأن المؤامرة قد تكون عن استطابة النفس، ويؤيّده
حديث ابن عمر ﴿ه، رفعه: ((آمروا النساء في بناتهنّ))، أخرجه أبو داود، قال
الشافعيّ: لا خلاف أنه ليس للأمّ أمرٌ، لكنه على معنى استطابة النفس.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الحديث ضعيفٌ(١)؛ لجهالة الراوي
عن ابن عمر ﴿ًا، فلا يصلح للاستدلال به، والله تعالى أعلم.
وقال البيهقيّ: زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظة، قال
الشافعيّ: زادها ابن عيينة في حديثه، وكان ابن عمر، والقاسم، وسالم
يزوّجون الأبكار لا يستأمرونهنّ. قال البيهقيّ: والمحفوظ في حديث ابن
عباس: ((البكر تُستأمر))، ورواه صالح بن كيسان بلفظ: ((واليتيمة تُستأمر))،
(١) إنما الصحيح ما رواه الطبرانيّ، والبيهقيّ عن العرس بن عميرة بلفظ: ((آمروا النساء
في أنفسهن، فإن الثيب تُعرب عن نفسها، وإذن البكر صمتها))، راجع: ((صحيح
الجامع)) للشيخ الألبانيّ كففمُ ٦٦/١.

٢٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وكذلك رواه أبو بردة، عن أبي موسى، ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة، فدلّ على أن المراد بالبكر اليتيمة.
قال الحافظ: وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب، ولو قال
قائلٌ: بل المراد باليتيمة البكر لم يُدفع، و(تُستأمر)) بضمّ أوله يدخل فيه الأب
وغيره، فلا تعارض بين الروايات.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام الحافظ ◌َُّ هذا حسنٌ جدّاً.
وحاصله أن رواية ((يستأذنها أبوها)) صحيحة؛ لأنها زيادة ثقة حافظ، وهو
سفيان بن عيينة، وأيضاً إن رواية ((تُستأذن)) لا تنافيها، إذ الاستئذان يعمّ الأب،
وغيره، وأما رواية ((اليتيمة)) فتردّ إلى معنى ((البكر)) جمعاً بين الروايات.
والحاصل أن ما ذهب إليه الأولون - وهو عدم جواز تزويج البكر البالغة
بغير إذنها - هو الأرجح، لظهور أدلّته، والله تعالى أعلم.
وأما قول الحافظ: ويبقى النظر في أن الاستثمار، هل هو شرط في
صحّة العقد، أو مستحبّ على معنى استطابة النفس، كما قال الشافعيّ؟ كلٌّ من
الأمرين مُحْتَمِل. انتهى.
ففيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ الاحتمال الثاني - وهو الاستحباب - ضعيف؛
لمخالفته لظواهر الأحاديث المذكورة؛ وأما حديث أبو داود المذكور، فلا
يصلح للاحتجاج به؛ لأنه ضعيفٌ، كما مرّ آنفاً، فالاحتمال الأول - وهو كون
الاستثمار شرطاً في صحّة العقد - أقوى، لظواهر الأحاديث.
وقد حقّق المسألة العلامة ابن القيّم تَخّْثُ، فقال في ((الهدي)) - بعد ذكر
حديث الاستئذان - ما نصّه: ومُوجَّب هذا الحكم أنه لا تُجبر البكر البالغ على
النكاح، ولا تُزوّج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي
حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين الله به، ولا
نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله صل﴿، وأمره، ونهيه، وقواعد
شريعته، ومصالح أمّته.
أما موافقته لحكمه، فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة، وليس رواية هذا
الحديث مرسلةً بعلّة فيه، فإنه قد روي مسنداً، ومرسلاً، فإن قلنا بقول الفقهاء:
إن الاتصال زيادة، ومن وصله مقدّمٌ على من أرسله، فظاهر، وهذا تصرّفهم في

٢٢٣
(٩) - بَابُ اسْتِثْمَارِ النَّبِ فِي النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ، وَاسْتِذَانِ الْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ - حديث رقم (٣٤٧٣)
غالب الأحاديث، فما بال هذا، خرج عن حكم أمثاله؟ وإن حكمنا بالإرسال،
كقول كثير من المحدّثين، فهذا مرسلٌ قويّ، قد عضدته الآثار الصحيحة
الصريحة، والقياس، وقواعد الشرع - كما سنذكره - فيتعيّن القول به.
وأما موافقة هذا القول لأمره، فإنه قال: ((والبكر تُستأذن))، وهذا أمرٌ
مؤكّد؛ لأنه بصيغة الخبر الدّالّ على تحقّق المخبر به، وثبوته، ولزومه،
والأصل في أوامره وسلفي أن تكون للوجوب، ما لم يقم إجماع على خلافه.
وأما موافقته لنهيه، فلقوله: ((لا تُنكح البكر حتى تُستأذن))، فأمر، ونھی،
وحكم بالتخيير، وهذا إثباتٌ للحكم بأبلغ الطرق.
وأما موافقته لقواعد شرعه، فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرّف
أبوها في أقلّ شيء من مالها إلا برضاها(١)، ولا يُجبرها على إخراج اليسير منه
بدون رضاها، فكيف يجوز أن يُرقّها، ويُخرج بُضعها منها بغير رضاها إلى من
يريده هو، وهي من أكره الناس فيه، وهو من أبغض شيء إليها؟ ومع هذا
فيُنكحها إياه قهراً بغير رضاها إلى من يريده، ويجعلها أسيرةً عنده، كما قال
النبيّ ◌َّهِ: ((اتقوا الله في النساء، فإنّهنّ عوان عندكم))(٢)، أي أسرى، ومعلومٌ
أن إخراج مالها كلّه بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير
رضاها، ولقد أبطل من قال: إنها إذا عيّنت كفؤاً تحبّه، وعيّن أبوها كفؤاً،
فالعبرة بتعيينه، ولو كان بغيضاً إليها، قَبِيح الخِلْقة.
وأما موافقته لمصالح الأمّة، فلا يخفى مصلحة البنت في تزويجها بمن
تختاره وترضاه، وحصول مقاصد النكاح لها به، وحصول ضدّ ذلك بمن
تبغضه، وتنفر عنه، فلو لم تأت السنّة الصريحة بهذا القول، لكان القياس
الصحيح، وقواعد الشريعة لا تقتضي غيره، وبالله التوفيق.
(١) قال الجامع: في هذا الإطلاق نظر لا يخفى؛ لأن الأب يجوز أن يأكل من مال
ولده إذا احتاج إليه بغير رضاه؛ للحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد، وأصحاب
السنن عن عائشة يا مرفوعاً: ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من
كسبه))، والبنت يشملها لفظ الولد، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٢) أخرجه الترمذيّ برقم (١١٦٣) وقال: حسنٌ صحيحٌ.

٢٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
[فإن قيل]: فقد حكم رسول الله وولفر بالفرق بين البكر والثيّب، وقال:
((لا تُنكح الأيّم حتى تستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن))، وقال: ((الأيّم
أحقّ بنفسها من وليّها، والبكر يَستأذنها أبوها))، فجعل الأيّم أحقّ بنفسها من
وليّها، فعُلم أن وليّ البكر أحقّ بها من نفسها، وإلا لم يكن لتخصيص الأيّم
بذلك معنیّ.
وأيضاً فإنه فرّق بينهما في صفة الإذن، فجعل إذن الثيّب النطق، وإذن
البكر الصَّمت، وهذا كلّه يدلّ على عدم اعتبار رضاها، وأنها لا حقّ لها مع
أبيها .
[فالجواب]: أنه ليس في ذلك ما يدلّ على جواز تزويجها بغير رضاها
مع بلوغها، وعقلها، ورُشدها، وأن يزوّجها بأبغض الخلق إليها إذا كان كفؤاً،
والأحاديث التي احتججتم بها صريحةٌ في إبطال هذا القول، وليس معكم أقوى
من قوله: ((الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها)). هذا إنما يدلّ بطريق المفهوم،
ومنازعوكم يُنازعونكم في كونه حجّةً، ولو سُلّم أنه حجّةٌ، فلا يجوز تقديمه
على المنطوق الصريح، وهذا أيضاً إنما يدلّ إذا قلت: إن للمفهوم عموماً،
والصواب أنه لا عموم له؛ إذ دلالته ترجع إلى أن التخصيص بالمذكور لا بدّ له
من فائدةٍ، وهي نفي الحكم عما عداه، ومعلومٌ أن انقسام ما عداه إلى ثابت
الحکم ومنفیّه فائدة، وأن إثبات حكم آخر للمسكوت فائدة، وإن لم یکن ضدّ
حكم المنطوق، وأن تفصيله فائدة، كيف، وهذا مفهومٌ مخالفٌ للقياس
الصريح، بل قياس الأولى، كما تقدّم، ويخالف النصوص المذكورة.
وتأمّل قوله وَله: ((والبكر يستأذنها أبوها))، عقب قوله: ((الأيّم أحقّ
بنفسها من وليّها))، قطعاً لتوهّم هذا القول، وأن البكر تُزوّج بغير رضاها، ولا
إذنها، فلا حقّ لها في نفسها البتّة، فوصل إحدى الجملتين بالأخرى، دفعاً
لهذا التوهّم، ومن المعلوم أنه لا يلزم من كون الثّب أحقّ بنفسها من وليّها أن
لا يكون للبكر حقّ في نفسها البّة.
وقد اختلف الفقهاء في مناط الإجبار على ستّة أقوال:
(أحدها): أنه يُجبر بالبكارة، وهو قول الشافعيّ، ومالك، وأحمد في
روایة.

٢٢٥
(٩) - بَابُ اسْتِثْمَارِ النَّبِ فِي النُّكَاحِ بِالنُّطْقِ، وَاسْتِذَانِ الْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ - حديث رقم (٣٤٧٣)
(الثاني): أن يُجبر بالصغر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في الرواية
الثانية.
(الثالث): أنه يُجبر بهما معاً، وهو الرواية الثالثة عن أحمد.
(الرابع): أنه يجبر بأيهما وُجد، وهو الرواية الرابعة عنه.
(الخامس): أنه يجبر بالإيلاد، فتُجبر الثيّب البالغ، حكاه القاضي
إسماعيل عن الحسن البصريّ، قال: وهو خلاف الإجماع، قال: وله وجهٌ
حسنٌ من الفقه.
قال ابن القيّم: فيا ليت شعري ما هذا الوجه الأسود المظلم؟.
(السادس): أنه يجبر من يكون في عياله، ولا يخفى عليك الراجح من
هذه المذاهب. انتهى كلام ابن القيّم تَقْدَفُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى أن الأرجح القول بأن الإجبار
بهما معاً؛ فلا تُجبر البكر البالغة، ولا الثيّب الصغيرة؛ عملاً بمقتضى
الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال في ((الفتح)) ما حاصله: استُدلّ بحديث الباب
على أن الصغيرة الثّب لا إجبار عليها؛ لعموم كونها أحقّ بنفسها من وليّها،
وعلى أن من زالت بكارتها بوطء، ولو كان زناً لا إجبار عليها، لأب ولا
غيره؛ لعموم قوله: ((الثيّب أحقّ بنفسها)).
وقال أبو حنيفة: هي كالبكر، وخالفه صاحباه، واحتُجّ له بأن علّة
الاكتفاء بسكوت البكر هو الحياء، وهو باق في هذه؛ لأن المسألة مفروضة
فيمن زالت بكارتها بوطء، لا فيمن اتخذت الزنا ديدناً وعادة.
وأجيب بأن الحديث نصّ على أن الحياء يتعلّق بالبكر، وقابلها بالثيّب،
فدلّ على أن حكمهما مختلفٌ، وهذه ثيّبٌ لغةً وشرعاً، بدليل أنه لو أوصى
بعتق كلّ ثيّب في ملكه دخلت إجماعاً، وأما بقاء حيائها كالبكر فممنوعٌ؛ لأنها
تستحيي من ذكر وقوع الفجور منها، وأما ثبوت الحياء من أصل النكاح فليست
فيه كالبكر التي لم تُجرّبه قط.
(١) ((زاد المعاد في هدي خير العباد)) ٩٥/٥ - ٩٩.

٢٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون هو
الأرجح؛ لعموم الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أن بعضهم استدلّ بقوله: ((أحقّ بنفسها)) على أن
للثّب أن تتزوّج بغير وليّ، ولكنها لا تزوّج نفسها، بل تجعل أمرها إلى رجل،
فيزوّجها، حكاه ابن حزم عن داود، وتعقّبه بحديث عائشة ◌َيًُّا، مرفوعاً: ((أيما
امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل))، وهو حديث صحيح، وهو يبيّن أن
معنى قوله: ((أحقّ بنفسها من وليّها)) أنه لا ينفذ عليها أمره بغير إذنها، ولا
يُجبرها، فإذا أرادت أن تتزوّج لم يجز لها إلا بإذن وليّها، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٤٧٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى،
يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ
مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا
يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِمِثْلِ مَعْنَى
حَدِيثٍ هِشَامٍ، وَإِسْنَادِهِ. وَاتَّفَقَ لَفْظُ حَدِيثِ هِشَامٍ، وَشَيْبَانَ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامِ، فِي
هَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: ستة عشر:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة، تقدّم قريباً.
٢ - (الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) ميسرة، أو سالم الصوّاف الكِنْديّ مولاهم،
أبو الصَّلْت البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت١٤٣) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١٨/٥٢.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التميميّ، أبو إسحاق الفرّاء الرازيّ، يُلقّب
بالصغير، ثقةٌ حافظٌ [١٠] مات بعد (١٢٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧/ ٧٢١.

٢٢٧
(٩) - بَابُ اسْتِثْمَارِ الثَِّبِ فِي النَّكَاحِ بِالنُّطْقِ، وَاسْتِذَانِ الْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ - حديث رقم (٣٤٧٤)
٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام
مُرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٥ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه،
ثقةٌ جليلٌ [٧] (ت١٥٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٦ - (حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن بَهْرَام التميميّ، أبو أحمد، أو أبو عليّ
الْمَرُّوذيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت٢١٣) أو بعدها (ع) تقدم في ((المساجد
ومواضع الصلاة)) ١٥٤٣/٥٦.
٧ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم، أبو معاوية النحويّ(١)
البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١١٨/٤.
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقنديّ، ثقةٌ حافظ
فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م دت) تقدم في ((المقدمة)) ٢٩/٥.
٩ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت٢٠٨) (خ م د
ت س) تقدم في ((الحيض)) ٧٢٣/٧.
١٠ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّام) بن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، كان يسكن
حمص، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٠٩/٤٩.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) يعني أن هؤلاء الخمسة، وهم:
الحجاج بن أبي عثمان، والأوزاعيّ، وشيبان النحويّ، ومعمرٌ، ومعاوية بن
سلام رووا هذا الحدیث عن يحيى بن أبي كثير.
[تنبيه]: رواية الحجّاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كثير هذه،
ساقها أبو عوانة دَخْثُ في ((مسنده)) ٧٣/٣ فقال:
(٤٢٣٩) - حدّثنا أبو عمران التستريّ موسى بن زكريا بالبصرة، قثنا(٢)
مُؤمَّل بن هشام، قثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الحجاج بن أبي عثمان، عن
(١) يقال: إنه نسبة إلى نحوة بطن من الأزد، لا إلى علم النحو، فتنبّه.
(٢) هي في الموضعين مختصرة من ((قال: حدّثنا))، فتنبّه.

٢٢٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبيّ وَلّه: ((لا
تُنكح الثيِّب حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن)). انتهى.
وأما رواية الأوزاعيّ، عن يحيى، فساقها الترمذيّ، فقال:
(١٠٢٥) - حدّثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا محمد بن يوسف، حدّثنا
الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله قال: ((لا تُنكح الثيب حتى تستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن،
وإذنها الصُّمُوت)). انتهى.
وأما رواية شيبان النحويّ عن يحيى، فساقها البخاريّ، فقال:
(٦٥٦٩) - حدّثنا أبو نُعَيْم، حدثنا شَيْبَانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ،
عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولَ اللهِ وَّهِ: ((لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حتى تُسْتَأْمَرَ، ولا
تُنْكَحُ الْبِكْرُ حتى تُسْتَأْذَنَ))، قالوا: كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قال: ((أَنْ تَسْكُتَ)). انتهى.
وأما رواية معمر، عن يحيى، فلم أجد من ساقها، وكذا رواية معاوية
عنه، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٧٥] (١٤٢٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ
إِذْرِيسَ، عَن ابْنِ جُرَيْج (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ،
جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِّ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: قَالَ ذَكْوَانُ مَوْلَى عَائِشَةَ: سَمِعْتُ
عَائِشَةٌ تَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ عَنِ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا، أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا؟
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَِّ: (نَعَمْ، تُسْتَأْمَرُ))، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّهَا
تَسْتَحْيِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((فَذَلِكِ إِذْنُهَا، إِذَا هِيَ سَكَتَتْ))).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِذْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ،
ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت١٩٢) وله بضع و(٧٠) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٢ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مليكة زُهير بن عبد الله
التيميّ المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٢/٤.

٢٢٩
(٩) - بَابُ اسْتِثْمَارِ النَِّبِ فِي النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ، وَاسْتِذَانِ الْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ - حديث رقم (٣٤٧٥)
٣ - (ذَكْوَانُ مَوْلَى عَائِشَةَ) أبو عمرو المدنيّ، ثقةٌ [٣] (خ م د س) تقدم
في ((الحج)) ١٧/ ٢٩٣١.
٤ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ﴿يَا، ماتت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف دخلَتُهُ، وله فيه إسنادان بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، وذكوان.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة ◌ُّا من
المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَن ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَة، أنه قال: (سَمِعْتُ عَائِشَةَ) ﴿َا (تَقُولُ: سَأَلْتُ
رَسُولَ اللهِ عَنِ الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا) بضم أوله، من الإنكاح (أَهْلُهَا) بالرفع على
الفاعليّة (أَتُسْتَأْمَرُ) بالبناء للمفعول (أَمْ لَا؟) أي: أم لا يُحتاج إلى استثمارها؟
(فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((نَعَمْ، تُسْتَأْمَرُ))) بالبناء للمفعول: أي يُطلب أمرها
(فَقَالَتْ عَائِشَةُ) ◌َّهَا (فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّهَا تَسْتَحْيِي) بياءين، وفيه لغة أخرى، بياء
واحدة، فيقال: استَحْيَيْتُ منه، واستَحَيْتُ منه، قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: حَيِيَ فلانٌ
حيَاءً بالفتح والمدّ، فهو حَيِيٍّ، على فعلي، واستحيا منه، وهو الانقباض،
والانزواء، قال الأخفش: يتعدَّى بنفسه، وبالحرف، فيقال: استحييتُ منه،
واستحييته، وفيه لغتان: إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية
لتميم، بياء واحدة. انتهى(١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((فَذَلِك) بكسر الكاف خطاباً للمؤنّث، والإشارة
إلى السكوت المفهوم من المقام، وفي حديث أبي هريرة ظه الماضي: ((أن
تسكت))، وفي رواية البخاريّ: ((رضاها صَمْتها))، وفي حديث ابن عبّاس
(١) ((المصباح المنير)) ١٦٠/١.

٢٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
الآتي: ((وإذنها صُماتها))، واسم الإشارة مبتدأ، خبره قوله: (إِذْنُهَا، إِذَا هِيَ
سَكَتَتْ))) جواب ((إذا)) دلّ عليه السابق: فقد أذِنت، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة وثّا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٧٥/٩] (١٤٢٠)، و(البخاريّ) في ((النكاح))
(٥١٣٧) و((الإكراه)) (٥٩٤٦) و((الحيل)) (٦٩٧١)، و(أبو داود) في ((النكاح))
(٢٠٩٣)، و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٣٢٦٧) وفي ((الكبرى)) (٥٣٧٦)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٤٣/٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤/
١٣٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٥/٦ و١٦٥ و٢٠٣)، و(الطحاويّ) في ((مشكل
الآثار)) (٤٣٦/١٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٧٠٨)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٤٠٨٢)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٧٥/٣)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٨٥/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٩/٧ و١٢٢ و١٢٣)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٢٥٥)، والله تعالى أعلم.
وأما بقية المسائل المتعلّقة بالحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أبي
هريرة به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٤٧٦] (١٤٢١) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا مَالِك (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْتَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكِ: حَدَّثَكَ
عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيّ ◌َّرِ قَالَ: ((الْأَيْمُ
أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا))؟، قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّف
[١٠] (ت٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١.

٢٣١
(٩) - بَابُ اسْتِثْمَارِ الثَّيِّبِ فِي النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ، وَاسْتْذَانِ الْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ - حديث رقم (٣٤٧٦)
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (يَحْبَى بْنُ بَحْتَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قبل باب.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ) بن العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب
الهاشميّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٧/٨١.
٦ - (نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن مُطْعِم النوفليّ، أبو محمد، أو أبو عبد الله
المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت٩٩) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٢.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسِ) عبد الله البحر الحبر ﴿ها، تقدّم قريباً.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُمَاسيّات المصنّف رَُّهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى يحيى، فما أخرج أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عباس ◌ُّا من
يسر
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَن يَحْيَى بْن يَحْيَى التميميّ، وقوله: (وَاللَّفْظُ لَهُ) أي لفظ الحديث
المسوق هنا ليحيى، وأما سعيد، وقتيبة، فروياه بالمعنى (قَالَ) يحيى (قُلْتُ
لِمَالِكِ) بن أنس (حَدَّثَكَ) بتقدير أداة الاستفهام، أي: أحدّثك (عَبْدُ اللهِ بْنُ
الْفَضْلِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌َّا (أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ، قَالَ: ((الْأَيْمُ)
تقدّم ضبط الأَيِّمَ، وتفسيرها في شرح حديث أبي هريرة ﴿ته الماضي (أَحَقُّ
بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا) أي تنطق بنفسها، ولا ينطق الوليّ عنها، وفي الرواية التالية:
((الثّب أحقّ بنفسها من وليّها)).
وقال النوويّ: يَحْتَمِل من حيث المعنى أن المراد: أحقّ من وليّها في كلّ
شيء، من عقد، وغيره، كما قاله أبو حنيفة، وداود.
ويَحْتَمِل أنها أحقّ بالرضا، أي لا تُزوّج حتى تنطق بالإذن، بخلاف

٢٣٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
البكر، ولكن لَمّا صحّ قوله {َّ﴾: ((لا نكاح إلا بوليّ)) مع غيره من الأحاديث
الدّالّة على اشتراط الوليّ تعيّن الاحتمال الثاني.
[واعلم]: أن لفظة ((أحقّ)) هنا للمشاركة، معناه: أن لها في نفسها في
النكاح حقّاً، ولوليّها حقّاً، وحقّها أوكد من حقّه، فإنه لو أراد تزويجها كفؤاً،
وامتنعت لم تُجبر، ولو أرادت أن تتزوّج كفؤاً، فامتنع الوليّ أُجبر، فإن أصرّ
زوّجها القاضي، فدلّ علی تأکید حقّها، ورجحانه. انتهى.
(وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا) ببناء الفعل للمفعول: أي يُظْلَب إذنها في
تزويجها، وفي الرواية التالية: ((والبكر تُستأمر)).
قال القرطبيّ تَظْثُ: هكذا وقع في حديث ابن عباس : ((والبكر
تُستأمر))، وفي حديث أبي هريرة : ((الأيّم تُستأمر، والبكر تُستأذن))، وهو
أتقن مساقاً من حديث ابن عباس لأن ((تُستأمر)) معناه: يُستدعَى أمرها، وهذا
يظهر منه أن يصدر منها بالقول ما يُسمّى أمراً، وهذا ممكن من الثّب؛ لأنها لا
يَلحقها من الخجل، والانقباض ما يَلحق البكر، فلا يُكتفى منها إلا بنطق يدلّ
على مرادها صريحاً، وأما (تُستأذن)) فإنه يقتضي أن يظهر منها ما يدلّ على
رضاها، وإذنها بأيّ وجه كان، من سكوت، أو غيره، ولا تُكلّف النطقَ،
ولذلك لما قال في حديث ابن عباس: ((لا تُنكح البكر حتى تُستأذن)) أشكل
عليهم إذنها، فسألوا، فأجيبوا بقوله (وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا))) بضم الصاد المهملة،
ويقال فيه: الصّمت - بالفتح - والصّموت - بالضمّ -: ومعناها السكوت، وإلى
هذا أشرت بقولي:
مَصَادِرٌ يُعْنَى بِهَا السُّكُوتُ
الصَّمْتُ وَالصُّمَاتُ والصُّمُوتُ
فَاحْفَظْ فَمَا حُفِظَ ذُو ثُبُوتٍ
كَالْقَتْلِ وَالصُّرَاخِ وَالسُّكُوتِ
قال الفيّوميّ تَخْلُ: والأصل: وصُماتها كإذنها، فشُبِّهَ الصُّماتُ بالإذن
شرعاً، ثم جُعِل إذناً مجازاً، ثم قُدّم مبالغةً، والمعنى: هو كاف في الإذن،
وهذا مثل قوله: ((ذكاة الجنين ذكاة أمّه))، والأصل: ذكاة أمّ الجنين ذكاته،
وإنما قلنا: الأصل: صماتها كإذنها؛ لأنه لا يُخبرُ عن شيءٍ إلا بما يصحّ أن
يكون وصفاً له حقيقةً، أو مجازاً، فيصحّ أن يقال: الفرس يطير، ولا يصحّ أن
يقال: الحجر يطير؛ لأنه لا يوصف بذلك، فصُماتها كإذنها صحيح، ولا يصحّ

٢٣٣
(٩) - بَابُ اسْتِثْمَارِ النَِّبِ فِي النِّكَاحِ بِالنُّطْقِ، وَاسْتِذَانِ الْبِكْرِ بِالسُّكُوتِ - حديث رقم (٣٤٧٦)
أن يكون ((إذنها)) مبتدءاً؛ لأن الإذن لا يصحّ أن يوصف بالسكوت؛ لأنه يكون
نفياً له، فيبقى المعنى: إذنها مثل سكوتها، وقبل الشرع كان سكوتها غير كاف،
فكذلك إذنها، فينعكس المعنى. انتهى(١).
وقوله: (قَالَ: نَعَمْ)، أي قال مالك بعد أن عرض علیه یحیی بن يحيى
الحديث، حيث قال: حدّثك عبد الله بن إلخ فقال: نعم حدّثني به.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس ها هذا من أفراد المصنّف نَظّفُهُ.
[تنبيه]: قال الدار قطنيّ دَّثُ في ((التتبّع)) (١٧٦): وأخرج مسلم حديث
عبد الله بن الفضل في الأَيِّم، من طريق مالك، وزياد بن سعد، ولا علّة له،
ولا عُذر للبخاريّ في تركه. انتهى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٧٦/٩ و٣٤٧٧ و ٣٤٧٨] (١٤٢١)،
و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢٠٩٨ و٢١٠٠)، و(الترمذيّ) في ((النكاح)) (١١٠٨)،
و(النسائيّ) في ((النكاح)) (٣٢٦١ و٣٢٦٢ و٣٢٦٣ و٣٢٦٤ و٣٢٦٥) وفي
((الكبرى)) (٥٣٧١ و٥٣٧٢ و٥٣٧٢ و٥٣٧٣ و٥٣٧٤)، و(ابن ماجه) في ((النكاح))
(١٨٧٠)، و(مالك) في ((الموطًإٍ)) (٥٢٤/٢ - ٥٣٥)، و(الشافعيّ) في ((مسنده))
(١٢/٢)، و(عبد الرزاق) في ((مصنّفه)) (١٠٢٨٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفْه))
(١٣٦/٤)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٩/١ و٢٤١ و٢٤٢ و٢٧٤ ٣٤٥ و ٣٥٥
و٣٦٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢١٨٨ و٢١٨٩ و٢١٩٠)، و(ابن حبّان) في
(صحيحه)) (٤٠٨٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٠٧٤٢/١٠)، و(ابن الجارود)
في ((المنتقى)) (٧٠٩)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٥٥٦)، و(أبو عوانة) في
(مسنده)) (٧٦/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨٦/٤)، و(الدار قطنيّ) في
(سننه)) (٢٣٩/٣ - ٢٤٠)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٨/٧ و١٢٢)
و((الصغرى)) (١١٥/٦) و((المعرفة)) (٢٤٠/٥ و٤٤٨)، و(البغويّ) في ((شرح
(١) ((المصباح المنير)) ٣٤٧/١.

٢٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
السنّة)) (٢٢٥٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٤٧٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِیَادِ بْنِ
سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ، سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُخْبِرُ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ
النَّبِيَّ وَهِ قَالَ: ((الثَيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيُّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابین.
٢ - (زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ) بن عبد الرحمن الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثم اليمن،
ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٥٣/٢٦.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث فيه قبله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٤٧٨] (.) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ،
وَقَالَ: ((النَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا
صُمَاتُهَا))، وَرُبَّمَا قَالَ: ((وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا))).
رجال هذا الإسناد: اثنان:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم قبل
بابین.
و((سفيان)) هو: ابن عيينة، ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية ابن أبي عمر، عن سفيان هذه ساقها البيهقيّ تَكَُّ في
((الكبرى)) ١١٥/٧ فقال:
(١٣٤٤١) - أخبرنا أبو عليّ الروذباريّ، أنبأ محمد بن بكر، ثنا أبو
داود، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا سفيان (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا

٢٣٥
(١٠) - بَابُ تَزْوِيجِ الْأَبِ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ
محمد بن الحسن بن منصور، ثنا هارون بن يوسف، ثنا ابن أبي عمر، ثنا
سفيان، عن زياد بن سعد، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جُبير، عن ابن
عباس ﴿يًّا قال: قال رسول الله وص له: ((الثيب أحقّ بنفسها من وليها، والبكر
يَستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها))، وربما قال: ((وصُماتها إقرارها))،
لفظ حديث ابن أبي عمر، وفي رواية أحمد: ((الثيب أحقّ بنفسها من وليها،
والبكر يستأمرها أبوها)). انتهى.
[تنبيه آخر]: تقدّم أن بعضهم ادّعى أن رواية: ((يستأذنها أبوها)) ليست
بمحفوظة، والصحيح أنها محفوظة؛ لأن من زادها إمام حافظ معتمد، وهو
سفيان بن عيينة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْثُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ﴾ .
(١٠) - (بَابُ تَزْوِيج الْأَبِ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ)
قال الإمام البخاريّ تَكْثُ في (صحيحه): ((باب إنكاح الرجل وُلْدَه
الصغار؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، فجعل عدّتها ثلاثة أشهر
قبل البلوغ، ثم أورد حديث عائشة المذكور في الباب.
قال في ((الفتح)): قوله: لقول الله تعالى: ﴿وَأَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ إلخ، أي
فدلّ على أن نكاحها قبل البلوغ جائزٌ، وهو استنباط حسنٌ، لكن ليس في الآية
تخصيص ذلك بالولد، ولا بالبكر، ويمكن أن يقال: الأصل في الأبضاع
التحريم إلا ما دلّ عليه الدليل، وقد ورد حديث عائشة في تزويج أبي بكر لها،
وهي دون البلوغ، فبقي ما عداه على الأصل، ولهذا السرّ أورد حديث
عائشة فيها، قال المهلّب: أجمعوا على أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة
البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلا أن الطحاويّ حكى عن ابن شُبْرُمة منعه
فيمن لا توطأ، وحكى ابن حزم عن ابن شُبرمة مطلقاً أن الأب لا يُزوّج ابنته
البكر الصغيرة حتى تبلغ، وتأذن، وزعم أن تزويج النبيّ وَّر عائشة، وهي بنت
ستّ سنين كان من خصائصه، ومقابله تجويز الحسن، والنخعيّ للأب إجبار

٢٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
بنته كبيرة كانت، أو صغيرةً، بكراً كانت، أو ثيّباً. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٤٧٩] (١٤٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ
(ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ
هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ لِيسِتٌ سِنِينَ، وَبَنَى بِي
وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ. قَالَتْ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَوُعِكْتُ شَهْراً، فَوَفَى شَعْرِي
جُمَيْمَةً، فَأَتَتْنِي أُمُّ رَومَانَ، وَأَنَا عَلَى أُرْجُوحَةٍ، وَمَعِي صَوَاحِبِي، فَصَرَخَتْ بِي،
فَأَتَيْتُهَا، وَمَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فَأَخَذَتْ بِيَدِي، فَأَوْقَفَتْنِي عَلَى الْبَابِ، فَقُلْتُ: هَهْ
هَهْ، حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِي، فَأَدْخَلَتْنِي بَيْتاً، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ
وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرٍ طَائِرٍ، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَغَسَلْنَ رَأْسِي، وَأَصْلَحْتَنِي، فَلَمْ
يَرُعْنِي إِلَّا وَرَسُولُ اللهِ وَّهِ ضُحِّى، فَأَسْلَمْتَنِي إِلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ
ربما دَلَّس [٥] (ت٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠.
٢ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
والباقون ذُكروا في الأبواب الثلاثة الماضية.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف وَّلُهُ، وله فيه إسنادان، فرّق
بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى أبي بكر، فما أخرج
له الترمذيّ.
(١) ((الفتح)) ٤٥٣/١١ - ٤٥٤.

٢٣٧
(١٠) - بَابُ تَزْوِيجِ الْأَبِ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ - حديث رقم (٣٤٧٩)
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، وأبي أسامة، فكوفيون.
٤ - (ومنها): أن قول أبي بكر بن أبي شيبة: ((وجدت في كتابي عن أبي
أسامة)) فيه أن هذا وجادة، وليس سماعاً، لكن يُجاب عنه بأنه قد وُصل من
رواية أبي كريب التي قبله، فإنه قال: ((حدّثنا أبو أسامة))، فليس فيه انقطاع،
على أن هذه الوجادة في كتاب نفسه، لا في كتاب غيره، فتنبّه.
قال النوويّ تَخْتُهُ في ((شرحه)): قوله: ((وجدت في كتابي إلخ)) معناه: أنه
وجد في كتابه، ولم يذكر أنه سمعه، ومثل هذا تجوز روايته على الصحيح،
وقول الجمهور، ومع هذا فلم يقتصر مسلم عليه، بل ذكره متابعة لغيره.
انتھی(١).
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة
أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة ثا من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من
الحديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّهَا أنها (قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي) أي عقد عليّ النكاح، وكان ذلك
بمكة قبل الهجرة (رَسُولُ اللهِ وَلِ﴿ لِسِتٌّ سِنِينَ) أي في السنة السادسة من
مولدي، وسيأتي أنه ولم تزوّجها، وهي بنت سبع سنين، قال النوويّ: أما
قولها في رواية: ((تزوجني وأنا بنت سبع))، وفي أكثر الروايات: بنت ست،
فالجمع بينهما أنه كان لها ستّ وكسر، ففي رواية اقتصرت على السنين، وفي
رواية عَدَّت السنة التي دخلت فيها، والله أعلم. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ تَخُّْ: وقول عائشة ﴿ّا: ((تزوجني رسول الله وَّهُ لستُ
سنين))، وفي الرواية الأخرى: ((وهي بنت سبع سنين)) ظاهر هاتين الروايتين
الاختلاف، فيمكن أن يقال: إن ذلك تقديرٌ لا تحقيقٌ، ويمكن أن يقال: إن
ذلك كان في أوائل السنة السابعة، فيكون معنى قولها: ((لست سنين)): انقضت،
وقولها: ((وهي بنت سبع سنين)) أي: هي فيها، والله أعلم. انتهى(٣).
(١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٢٠٧.
(٣) ((المفهم)) ١٢٠/٤.
(٢) (شرح النوويّ)) ٢٠٧/٩.

٢٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
(وَبَنَى بِي) بالبناء للفاعل، أي دخل بي، وكان ذلك بالمدينة في شوّال
من السنة الأولى من الهجرة، وقيل: من السنة الثانية.
[فائدة]: قال الفيّوميّ كَُّهُ: وبنى على أهله: دخل بها، وأصله أن
الرجل كان إذا تزوّج بنَى للعِرْسِ خِبَاءً جديداً، وعَمَّرَه بما يَحتاج إليه، أو بُنِيَ
له؛ تكريماً، ثم كثُر، حتى كُنِي به عن الجماع، وقال ابن دُريد: بَنَى عليها،
وبَنَى بها، والأول أفصح، هكذا نقله جماعةٌ. ولفظ ((التهذيب)): والعامّة تقول:
بَنَى بأهله، وليس من كلام العرب، قال ابن السّكّيت: بَنَى على أهله: إذا زُفّت
إليه. انتهى(١).
وعبارة ابن منظور: والباني: العَرُوس الذي يبني على أهله، قال الشاعر
[شطر بيت من الوافر]:
يَلُوحُ كَأَنَّهُ مِصْبَاحُ بَانِي
وبَنَّى فلان على أهله بِناءً، ولا يُقال بأهله، هذا قول أهل اللغة، وحكى
ابن جنّي: بنى بأهله، وابتنى بها، عدّاهما جميعاً بالباء، ثم ذكر نحو ما تقدّم
عن ((تهذيب الأزهريّ))، قال: وقد ورد: بنى بأهله في شعر جِرْدَانِ الْعَوْدِ، قال
[من الطويل]:
بَنَيْتُ بِهَا قَبْلَ الْمِحَاقِ بِلَيْلَةٍ فَكَانَ مِحَاقاً كُلُّهُ ذَلِكَ الشَّهْرُ
قال ابن الأثير: وقد جاء: بَنَى بأهله في غير موضع من الحديث، وغير
الحديث. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)) - بعدما ذكر قول من قال: لا يقال: بنى بأهله ــ ما
نصّه: ولا معنى لهذا التغليط؛ لكثرة استعمال الفصحاء له، وحسبك بقول
عائشة: ((بنى بي))، وبقول عروة في آخر الحديث: ((وبنى بها)). انتهى (٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ((بنى بها)) لغة عربيّة،
فصيحة؛ لورودها في الشعر العربيّ، وفي كلام الفصحاء، كعائشة، وعروة،
(١) ((المصباح المنير)) ٦٣/١.
(٢) ((لسان العرب)) في مادة بنى.
(٣) ((الفتح)) ٦٢٨/٧ ((كتاب مناقب الأنصار)).

٢٣٩
(١٠) - بَابُ تَزْوِيجِ الْأَبِ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ - حديث رقم (٣٤٧٩)
وغيرهم، وأثبتها من اللغويين ابن دُريد، وابن جنّي، فلا يصحّ دعوى أنها لغة
عاميّة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ) وفي رواية البخاريّ من طريق أبي أسامة، عن
هشام، عن أبيه، قالَ: ((تُوفّيت خديجة قبل مخرج النبيّ وَّه إلى المدينة بثلاث
سنين، فلبث سنتين، أو قريباً من ذلك، ونكح عائشة، وهي بنت ستّ سنين،
ثم بنی بها، وهي بنت تسع سنين)).
فقال في ((الفتح)): فيه إشكال؛ لأن ظاهره يقتضي أنه لم يبن بها إلا بعد
قدومه المدينة بسنتين، ونحو ذلك؛ لأن قوله: ((فلبث سنتين، أو نحو ذلك))،
أي بعد موت خديجة، وقوله: ((ونكح عائشة))، أي عقد عليها لقوله بعد ذلك:
((وبنى بها، وهي بنت تسع))، فيخرج من ذلك أنه بنى بعد قدومه بسنتين، ولیس
كذلك؛ لأنه وقع عند البخاريّ في ((النكاح)) من رواية الثوريّ، عن هشام بن
عروة في هذا الحديث: ((ومكثت عنده تسعاً))، وسيأتي ما قيل: من إدراج
النكاح في هذه الطريق، وهو في الجملة صحيح، فإن عند مسلم من حديث
الزهريّ، عن عروة، عن عائشة في هذا الحديث: ((وزُفّت إليه، وهي بنت
تسع، ولُعْبَتها معها، ومات عنها، وهي بنت ثمان عشرة))، وله من طريق
الأسود، عن عائشة نحوه، ومن طريق عبد الله بن عروة، عن أبيه، عن عائشة:
(تزوّجني رسول الله ◌َّ في شوّال، وبنى بي في شوّال))، فعلى هذا فقوله:
((فلبث سنتين، أو قريباً من ذلك))، أي لم يدخل على أحد من النساء، ثم دخل
على سودة بنت زمعة قبل أن يُهاجر، ثم بنى بعائشة بعد أن هاجر، فكأنّ ذكر
سودة سقط على بعض رواته.
وقد روى أحمد، والطبرانيّ بإسناد حسن، عن عائشة، قالت: ((لما
تُوقّيت خديجة قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون: يا رسول الله ألا
تَزَوّج؟ قال: نعم، فما عندك؟ قالت: بكر وثيّب، البكر بنت أحبّ خلق الله
إليك عائشة، والثّب سودة بنت زمعة، قال: فاذهبي، فاذكريهما عليّ، فدخلت
على أبي بكر، فقال: إنما هي بنت أخيه، قال: قولي له: أنت أخي في
الإسلام، وابنتك تصلح لي، فجاءه، فأنكحه، ثم دخلت على سودة، فقالت

٢٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
لها: أخبري أبي، فذكرت له، فزوّجه)»(١)، وذكر ابن إسحاق وغيره أنه دخل
على سودة بمگّة.
(١) هذا الحديث ساقه الإمام أحمد كثّفُ في «مسنده» ٦/ ٢١٠ مطوّلاً، ولفظه:
(٢٥٢٤١) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن بشر، قال: حدّثنا محمد بن
عمرو، قال: ثنا أبو سلمة ويحيى، قالا: لَمّا هَلَكت خديجة جاءت خولة بنت
حكيم امرأة عثمان بن مظعون، قالت: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: ((من؟))
قالت: إن شئت بكراً، وإن شئت ثيباً، قال: ((فمن البكر؟» قالت: ابنة أحب
خلق الله إليك، عائشة بنت أبي بكر، قال: (ومن الثيب؟)) قالت: سودة ابنة زمعة،
قد آمنت بك، واتبعتك على ما تقول، قال: ((فاذهبي، فاذكريهما عليّ))، فدخلت
بيت أبي بكر، فقالت: يا أم رُومان ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟
قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صل﴿ أخطب عليه عائشة، قالت: انتظري
أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر، فقالت: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من
الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله وَل و أخطب عليه عائشة،
قال: وهل تصلح له، إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله بَّ، فذكرت له
ذلك، قال: ((ارجعي إليه، فقولي له: أنا أخوك، وأنت أخي في الإسلام، وابنتك
تصلح لي))، فرجعت، فذكرت ذلك له، قال: انتظري، وخرج، قالت أم رومان:
إن مطعم بن عديّ قد كان ذكرها على ابنه، فوالله ما وعد وعداً قط، فأخلفه - لأبي
بكر - فدخل أبو بكر على مطعم بن عديّ، وعنده امرأته أم الفتى، فقالت: يا ابن
أبي قحافة لعلك مُصْبٍ صاحبنا مدخله في دينك الذي أنت عليه أن تزوج إليك،
قال أبو بكر للمطعم بن عديّ: أقول هذه تقول، إنها تقول ذلك، فخرج من عنده،
وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عِدَته التي وعده، فرجع فقال لخولة: ادعي لي
رسول الله ◌َ ﴾، فدعته، فزوّجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين.
ثم خرجت، فدخلت على سودة بنت زمعة، فقالت: ماذا أدخل الله عليك من الخير
والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﴾ أخطبك عليه، قالت:
وَدِدت، ادخلي إلى أبي، فاذكري ذاك له، وكان شيخاً كبيراً قد أدركه السنّ، قد
تخلف عن الحجّ، فدخلت عليه، فحيّته بتحية الجاهلية، فقال: من هذه؟ فقالت:
خولة بنت حكيم، قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه
سودة، قال: كفء كريم، ماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذاك، قال: ادعها
لي، فدعيتها، قال: أي بُنيةُ إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد
أرسل يخطبك، وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم، قال: ادعيه =