النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ (٥) - بَابُ بَيَان التَّهْىِ عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَخِطْبَتِهِ - حديث رقم (٣٤٥١) الْحَجِّ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْحَاجِّ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانٍ: إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُنْكِحَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ، فَأُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ أَبَانُ: أَلَا أُرَاَ عِرَاقِيّاً جَافِياً، إِّي سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَقَّنَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ»). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ) المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت٢٤٨) تقدم في ((الإيمان)» ٢١١/٢٦. ٢ - (شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ) بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت١٩٩) (م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢١١/٢٦. ٣ - (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) الْجُمحيّ، أو السكسكيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٦] (ت١٣٩) (ع) تقدم في (الإيمان)) ٨٧/ ٤٦٢. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، صدوق [٦] مات بعد (١٣٠) أو قبلها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٦٢/٨٧. والباقون ذُكروا في الباب وفيما قبله. وقوله: (أَنْ يُنْكِحَ ابْنَهُ طَلْحَةَ بِنْتَ شَيْئَةَ بْنِ جُبَيْرٍ) ((ابنه)) منصوب على أنه مفعولٌ أول لـ((يُنكح))، و((طلحة)) منصوب على البدلّة منه، و((بنت شيبة)) بالنصب هو المفعول الثاني. وقوله: (أَلَا أُرَاكَ عِرَاقِيّاً جَافِياً) قال النوويّ تَخْذُهُ: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا: ((عِراقيّاً))، وذكر القاضي أنه وقع في بعض الروايات: ((عراقياً))، وفي بعضها ((أعرابيّاً))، قال: وهو الصواب: أي جاهلاً بالسنة، والأعرابيّ: هو ساكن البادية، قال: و((عراقيّاً)) هنا خطأٌ، إلا أن يكون قد عَرَفَ من مذهب أهل الكوفة حينئذ جواز نكاح المحرم، فيصحّ ((عراقيّاً))، أي آخذاً بمذهبهم في هذا جاهلاً بالسنة، والله أعلم. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن مذهب الحنفيّة، وسفيان الثوري جواز نكاح المحرم، وإنكاحه، وهم كوفيون، والظاهر أنهم أخذوه ممن سبقهم ١٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح من أهل العراق، فيصحّ قوله: ((عراقيّاً))، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْلَثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤٥٢] (١٤١٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، جَمِيعاً عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْنَاءِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ. زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الزُّهْرِيَّ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، أَنَّهُ نَكَحَهَا، وَهُوَ حَلَالٌ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الشَّعْثَاءِ) جابر بن زيد الأزديّ، ثم الْجَوْفيّ البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت٩٣) وقيل: (١١٠) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٧٣٩/٩. والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله، و((إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ)) هو: ابن راهويه . لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف تَخْتُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما مرّ غير مرّة. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وإسحاق، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عباس ظه من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثاً. (عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ) جابر بن زيد (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﴿َا (أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَِّيَّ ◌َ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث الهلاليّة رَّا، تُوفيت سنة (٥١) تقدّمت ترجمتها في ((الحيض)) ٦٨٧/١. زاد في رواية النسائيّ من طريق عطاء، عن ابن عباس : ((جَعَلت ١٦٣ (٥) - بَابُ بَيَان النَّهْىِ عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَخِطْبَتِهِ - حديث رقم (٣٤٥٢) أمرها إلى العباس، فأنكحها إياه))، ولابن حبان، والطبرانيّ من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق بلفظ: ((تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك - يعني عمرة القضاء - وهو حرام، وكان الذي زوّجه إياها العباس))، وفي مغازي أبي الأسود، عن عروة: بعث النبيّ ◌َ﴿ جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة ليخطبها له، فجعلت أمرها إلى العباس، وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوّجه إياها، فبنى بها بسَرِف، وقدَّر الله أنها ماتت بعد ذلك بسرف، وكانت قبله ێے تحت أبي رُهْم بن عبد العزى، وقيل: تحت أخيه حُوَيطب، وقيل: سَخْبرة بن أبي رهم، وأمها هند بنت عوف الهلالية. (وَهُوَ مُحْرٌِ) وزاد البخاريّ من طريق عكرمة، عن ابن عباس: ((وبَنَى بها، وهو حلال، وماتت بسرف)). قال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأيّ شيء يُدفع حديث ابن عباس؟ - أي مع صحته - قال: فقال: الله المستعان، ابنُ المسيِّب يقول: وَهِمَ ابن عباس، وميمونة تقول: تزوجني، وهو حلال. انتهى. الذي قبله . وقد عارض حديث ابن عباس هذا حديث عثمان . ويُجمع بينهما بحمل حديث ابن عباس على أنه من خصائص النبيّ وَّر. قاله في ((الفتح)). (زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير شيخه الثاني في السند (فَحَدَّثْتُ بِهِ الزُّهْرِيَّ) فاعل حدّث ضمير سفيان بن عيينة (فَقَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية الْبَكَّائيّ - بفتح الموحّدة، وتشديد الكاف ـ أبو عوف الكوفيّ، نزيل الرقّة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين ﴿ّا، يقال: له رؤية، ولا يثبتُ، وهو ثقةٌ من الثالثة، مات سنة (١٠٣) تقدّم في ((الإيمان)) ٣٥٧/٦٣. (أَنَّهُ) ◌َِّ (نَكَحَهَا، وَهُوَ حَلَالٌ) وفي الرواية الثالثة قال: حدّثتني ميمونة بنت الحارث أن رسول الله وضله تزوّجها، وهو حلالٌ، قال: وكانت خالتي، وخالة ابن عبّاس)). وهذه الرواية هي الراجحة؛ لكونها من صاحبة القضيّة، فهي أحفظ لها، وقد رواه مثلها أبو رافع رَضُْه، وكان هو السفير بينهما، فهما أخبرُ بالقصّة من ابن عبّاس، وأيضاً فإن المسيِّب ◌َثْتُهُ قال: وَهِمَ ابنُ عباس، وسيأتي تمام ١٦٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح البحث قريباً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس . هذا متّفق عليه . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٥٢/٥ و٣٤٥٣] (١٤١٠)، و(البخاريّ) في ((الحج)) (١٨٣٧) و((المغازي)) (٤٢٥٩) و((النكاح)) (٥١١٤)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٨٤٤)، و(الترمذيّ) في ((الحج)) (٨٤٢ و٨٤٣ و٨٤٤)، و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)) (٢٨٣٨ و٢٨٣٩ و٢٨٤٠ و٢٨٤١ و٢٨٤٢) و«النكاح» (٣٢٧٢ و٣٢٧٣ و٣٢٧٤ و٣٢٧٥) وفي ((الكبرى)) (٣٨٢٠ و٣٨٢١ و٣٨٢٢ و٣٨٢٣ و٣٨٢٤ و٥٤٠٧ و٥٤٠٩ و٥٤١٠ و٥٤١١ و٥٤١٢)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٩٦٥)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣٤٦/١)، و(أحمد) في «مسنده)) (٢٢١/١ و٢٢٨ و٢٤٥ و٢٧٠ و٢٧٥ و ٢٨٣ و٢٨٥ و٢٨٦ و٣٢٤ و٣٣٦ و٣٣٧ و٣٤٦ و٣٥١ و٣٥٤ و٣٥٩ و٣٦٠ و٣٦٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٢٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٨/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٢٥/٣) و((الكبير)) (٥٢/١١ و١٤٢ و١٥٤ و٣١٨ و٣٤٧)، و(الدار قطنيّ) في ((سننه)) (٢٦٣/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢١٢/٧) و((الصغرى)) (١٩٩/٦)، والله تعالى أعلم. ـّ هذا، (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حديث ابن عبّاس فشِ حيث خالف أحاديث النهي عن نكاح المُحْرِم: قال الحافظ أبو عمر تَّتُ في ((كتاب الاستذكار)) ما حاصله: اختلفت الآثار المسندة في تزويج رسول الله * ميمونة ﴿ينا، واختَلَف في ذلك أهل السير، والعلم بالأخبار، فقد أتت الآثار بأن رسول الله وال يه تزوّجها حلالاً متواترةً من طرق شتّى، عن أبي رافع، مولى النبيّ بِّر، وعن سليمان بن يسار، وهو مولاها، وعن يزيد بن الأصمّ، وهو ابن أختها، وهو قول سعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن شهاب، ١٦٥ (٥) - بَابُ بَيَان النَّهْىِ عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَخِطْبَتِهِ - حديث رقم (٣٤٥٢) وجمهور علماء المدينة، يقولون: إن رسول الله ولو لم يَنكح ميمونة إلا وهو حلالٌ، وما أعلم أحداً من الصحابة رُوي عنه أنه وَّ نكح ميمونة، وهو محرم إلا ابن عباس(١)، وحديثه بذلك صحيحٌ ثابتٌ من نكاح ميمونة، إلا أن يكون متعارضاً مع رواية غيره، فيسقط الاحتجاج بكلام الطائفتين، وتُطلب الحجة من غير قصّة ميمونة، وإذا كان كذلك، فإن عثمان بن عفّان قد روى عن النبيّ وَل أنه نهى عن نكاح المحرم، وقال: ((لا ینکح المحرم، ولا يُنکح»، ولا معارض له؛ لأن حديث ابن عبّاس في نكاح ميمونة قد عارضه في ذلك غيره. ثم أخرج أبو عمر بسنده عن يزيد بن الأصمّ، قال: حدّثتني ميمونة ابنة الحارث: ((أن رسول الله وَل﴾ تزوّجها، وهو حلالٌ))، قال يزيد: كانت خالتي، وخالة ابن عبّاس. وروى حمّاد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصمّ، عن ميمونة، قالت: تزوّجني رسول الله وَّ بسرِف، وهما حلالان بعدما رجعا من مكّة. وذكر عبد الرزّاق، قال: أخبرني معمر، عن الزهريّ، قال: أخبرني يزيد بن الأصمّ: أن النبيّ ◌َله تزوّج ميمونة حلالاً. قال أبو عمر: قد نقل قومٌ حديث يزيد بن الأصمّ مرسلاً؛ لظاهر رواية الزهريّ، وليس كما ظهر، إلا رواية الزهريّ، فحُملت للتأويل، وجاز لمن أخبرته ميمونة أن النبيّ وَلهر تزوّجها حلالاً أن يُخبر بأن رسول الله وَل تزوّج ميمونة حلالاً، يُحدّث به هكذا وحده، يقول: حدّثتني ميمونة أن رسول الله وَل تزوّجها حلالاً . على أنهم يلزمهم مثله في حديث ابن عبّاس: ((أن رسول الله وَلّ تزوّج ميمونة، وهو محرم))؛ لأنه ليس فيه أن ميمونة أخبرته، وموضع ابن عبّاس من ميمونة بموضع يزيد بن الأصمّ سواء. انتهى كلام ابن عبد البرّ كَدْتُهُ(٢). وقال في ((الفتح)): قال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأيّ شيء (١) سيأتي في التنبيه الآتي أنه جاء مثله عن عائشة، وأبي هريرة ها، ولعل الحافظ ابن عبد البرّ كَلَهُ لم يعتدّ بهما؛ لأن فيهما مقالاً سيأتي بيانه، فتنبّه. (٢) ((الاستذكار)) ٢٥٩/١١ - ٢٦٢. ١٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح يُدفَع حديث ابن عبّاس؟ - أي مع صحّته - قال: فقال: الله المستعان، ابن المسيّب يقول: وَهِمَ ابن عبّاس، وميمونة تقول: تزوّجني وهو حلال. انتهى. وقد عارض حديث ابن عباس حديث عثمان: ((لا ينكح المحرم، ولا يُنكح)). أخرجه مسلم. ويُجمع بينه وبين حديث ابن عبّاس ﴿ها بحمل حديث ابن عبّاس على أنه من خصائص النبيّ وَلـ وقال ابن عبد البرّ: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوّجها، وهو حلالٌ، جاءت من طرق شتّى، وحديث ابن عبّاس صحيح الإسناد، لكن الوهم إلى الواحد أقرب منه إلى الجماعة، فأقلّ أحوال الخبرين أن يتعارضا، فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم، فهو المعتمد. انتهى. ومنهم من حمل حديث عثمان على الوطء. وتُعُقّب بأنه ثبت فيه: ((لا يَنكِح)) بفتح أوله، و((لا يُنكِح)) بضمّ أوله، ((ولا يخطب)). ووقع في ((صحيح ابن حبّان)) زيادة: ((ولا يُخطب عليه)). ويترجّح حديث عثمان بأنه تقعيد قاعدة، وحديث ابن عبّاس واقعة عين، تَحْتَمِل أنواعاً من الاحتمالات: [فمنها]: أن ابن عبّاس كان يرى أن من قلّد الهدي يصير محرماً، كما تقدّم تقرير ذلك في ((الحجّ))، والنبيّ وَّ كان قلّد الهدي في عمرته تلك التي تزوّج فيها ميمونة، فيكون إطلاقه أنه وَّهُ تزوّجها، وهو محرمٌ، أي عقد عليها بعد أن قلّد الهدي، وإن لم يكن تلبّس بالإحرام، وذلك أنه كان أرسل إليها أبا رافع يخطبها، فجعلت أمرها إلى العبّاس، فزوّجها من النبيّ ◌َّ. وقد أخرج الترمذيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان في ((صحيحيهما)) من طريق مطر الورّاق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع: ((أن النبيّ وَّ تزوّج ميمونة، وهو حلالٌ، وبنى بها، وهو حلالٌ، وكنت أنا الرسول بينهما))، قال الترمذيّ: لا نعلم أحداً أسنده غير حمّاد بن زيد، عن مطر، ورواه مالك، عن ربيعة، عن سليمان، مرسلاً. ١٦٧ (٥) - بَابُ بَيَان النَّهْىٍ عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَخِطْبَتِهِ - حديث رقم (٣٤٥٢) [ومنها]: أن قول ابن عبّاس: تزوّج ميمونة، وهو محرم، أي داخل الحرام، أو في الشهر الحرام، قال الأعشى [من الرمل]: قَتَلُوا كِسْرَى بِلَيْلِ مُحْرِماً غَادَرُوهُ لَمْ يُمَثَّعْ بِكَفَنْ أي في الشهر الحرام، وقال آخر [من الكامل): قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِماً وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَقْئُولَا أي في البلد الحرام، وإلى هذا التأويل جنح ابن حبّان، فجزم به في (صحیحه)) . وعارض حديثَ ابن عباس أيضاً حديثُ يزيد بن الأصمّ: ((أن النبيّ ◌َّل تزوّج ميمونة، وهو حلالٌ))، أخرجه مسلم من طريق الزهريّ، قال: ((وكانت خالته، كما كانت خالة ابن عباس))، وأخرج مسلم من وجه آخر عن يزيد بن الأصمّ، قال: ((حدّثتني ميمونة أن رسول الله وَلهول تزوّجها، وهو حلالٌ، قال: وكانت خالتي، وخالة ابن عبّاس)). وأما أثر ابن المسيّب الذي أشار إليه أحمد، فأخرجه أبو داود(١)، وأخرج البيهقيّ من طريق الأوزاعيّ، عن عطاء، عن ابن عبّاس ... الحديث، قال: وقال سعيد بن المسيّب: ذَهِلَ ابنُ عباس، وإن كانت خالته، ما تزوّجها إلا بعدما أحلّ. قال الطبريّ: الصواب من القول عندنا أن نكاح المحرم فاسدٌ؛ لصحّة حديث عثمان كتبه، وأما قصّة ميمونة، فتعارضت الأخبار فيها، ثم ساق من طريق أيوب، قال: أُنبئت أن الاختلاف في زواج ميمونة إنما وقع لأن النبيّ وَلـ كان بعث إلى العبّاس ليُنكحها إياه، فأنكحه، فقال بعضهم: أنكحها قبل أن يُحرم النبيّ وَّز، وقال بعضهم: بعدما أحرم، وقد ثبت أن عمر، وعليّاً، وغيرهما من الصحابة فرّقوا بين محرم نكح، وبين امرأته، ولا يكون هذا إلا عن ثبت. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما تقدّم أن حديث كونه تزوّج ميمونة ﴿يا، وهما حلالان أرجح من حديث ابن عبّاس ظنًّا أنه وَلِّلـ (١) في سند أبي داود مجهول، لكن يقويّه ما أخرجه البيهقيّ بعده، فتنبّه. ١٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح تزوّجها، وهما محرمان؛ لموافقته لحديث عثمان رظه مرفوعاً: ((لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح))، وأما حديث ابن عبّاس، فقابل للتأويلات المذكورة، فلا يُعارض الأول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: قال الحافظ تَّثُهُ: حديث ابن عبّاس ◌َّا قد جاء مثله صحيحاً عن عائشة، وأبي هريرة ظها، فأما حديث عائشة، فأخرجه النسائيّ من طريق أبي سلمة عنها، وأخرجه الطحاويّ، والبزّار، من طريق مسروق عنها، وصححه ابن حبّان، وأكثر ما أُعلّ بالإرسال، وليس ذلك بقادح فيه، وقال النسائيّ: ((أخبرنا عمرو بن عليّ، أنبأنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة مثله))، قال عمرو بن عليّ: قلت لأبي عاصم: أنت أمليت علينا من الرقعة ليس فيه عائشة، فقال: دع عائشة، حتى أنظر فيه. وهذا إسناد صحيح، لولا هذه القصّة، لكن هو شاهد قويّ أيضاً. وأما حديث أبي هريرة ظه، فأخرجه الدارقطنيّ، وفي إسناده كاملٌ أبو العلاء، وفيه ضعف، لكنه يعتضد بحديثي ابن عباس وعائشة. قال: وفيه ردّ على قول ابن عبد البرّ: إن ابن عبّاس تفرّد من بين الصحابة بأن النبيّ وَ ﴿ تزوّج، وهو محرم. قال: وجاء عن الشعبيّ، ومجاهد مرسلاً مثله، أخرجهما ابن أبي شيبة. وأخرج الطحاويّ من طريق عبد الله بن محمد بن أبي بكر، قال: سألت أنساً عن نكاح المحرم؟ فقال: لا بأس به، وهل هو إلا كالبيع، وإسناده قويّ، لكنه في مقابلة النصّ، فلا عبرة به، وكأن أنساً لم يبلغه حديث عثمان . ـه . انتھی . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في ردّ الحافظ على ابن عبد البرّ نظر لا يخفى؛ إذ الظاهر أن مراده ما صحّ في ذلك، وحديث عائشة، وأبي هريرة ضعيفان، كما يظهر مما ذُكر آنفاً، فكيف يُردّ عليه بالضعيف؟. ثم بعد كتابتي ما تقدّم رأيت الشيخ الشنقيطيّ تَخَّثُ قد أجاد البحث في هذه المسألة في ((تفسيره))، أحببت إيراده بطوله، وإن كان قد تقدّم الغرض منه، إلا أن عنده تحقيقات زائدة، ودونك عبارته: ١٦٩ (٥) - بَابُ بَيَان النَّهْىٍ عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَخِطْبَتِ - حديث رقم (٣٤٥٢) قال تَخْذَلُهُ: (واعلم): أوّلاً أن المقرر في الأصول أنه إذا اختلف نصان وجب الجمع بينهما، إن أمكن وإن لم يمكن وجب الترجيح. وإذا عرفت هذه المقدمة، فاعلم أن من أجوبتهم عن حديث ابن عباس المذكور أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث ميمونة، وأبي رافع، أنه تزوجها وهو حلال، ووجه الجمع في ذلك هو أن يُفَسَّر قول ابن عباس: إنه تزوجها وهو محرم، بأن المراد بكونه محرماً كونه في الشهر الحرام، وقد تزوجها وَّ في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة، عام سبع في عمرة القضاء، كما ذكره البخاريّ تَخْلُ في ((صحيحه)) في ((كتاب المغازي)) في ((باب عمرة القضاء))، قال - بعد أن ساق حديث ابن عباس المذكور -: وزاد ابن إسحاق: حدّثني ابن أبي نَجِيح، وأبان بن صالح، عن عطاء، ومجاهد، عن ابن عباس قال: تزوج النبيّ ◌َّله ميمونة في عمرة القضاء. انتهى. ومعلوم أن عمرة القضاء كانت في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة، من سنة سبع، ولا خلاف بين أهل اللسان العربيّ في إطلاق الإحرام على الدخول في حرمة لا تُهْتَك، كالدخول في الشهر الحرام، أو في الحرم، أو غير ذلك. وقال ابن منظور في ((اللسان)): وأحرم الرجل: إذا دخل في حرمة لا تُهْتَك، ومن إطلاق الإحرام على الدخول في الشهر الحرام، وقد أنشد في ((اللسان)» شاهداً لذلك قول زهير [من الطويل]: وَكَمْ بِالْقَنَانِ مِنْ مُحِلِّ وَمُحْرِمٍ جَعَلْنَ الْقَنَانَ(١) عَنْ يَمِينٍ وَحَزْنَهِ وقول الآخر [من الطويل]: وَإِذْ فَتَكَ النُّعْمَانُ بِالنَّاسِ مُحْرِماً فَمُلِّئ مِنْ عَوْفِ بْنِ كَعْبٍ سَلَاسِلُهْ وقول الراعي [من الكامل]: وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَقْئُولَا قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِماً شَقَفاً وَأَصْبَحَ سَيْفُهُمْ مَسْلُولًا فَتَفَرَّقَتْ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ عَصَاهُمُ ويروى: ((فَلْمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذُولاً)). فقوله: ((قتلوا ابن عفان الخليفة (١) ((القنان)): اسم جبل بعينه لبني أسد، وقيل: هو جبل، ولم يخصص. اهـ. ((لسان العرب» ٣٥٠/١٣. ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح محرماً)): أي في الشهر الحرام، وهو ذو الحجة، وقيل: المعنى أنهم قتلوه في حرم المدينة؛ لأن المُحْرِم يُطلق لغة على كل داخل في حرمة لا تُهتك، سواء كانت زمانية، أو مكانية، أو غير ذلك. وقال بعض أهل اللغة، منهم الأصمعيّ: إن معنى قول الراعي: ((محرماً)) في بيته المذكور كونه في حرمة الإسلام، وذمته التي يجب حفظها، ويحرم انتهاكها، وأنه لم يُخِلَّ من نفسه شيئاً يستوجب به القتل، ومن إطلاق المحرم على هذا المعنى الأخير، قول عديّ بن زيد: قَتَلُوا كِسْرَى بِلَيْلِ مُحْرِماً غَادَرُوهُ لَمْ يُمَثَّعْ بِكَفَنْ يريد قتل شيرويه أباه أبرويز بن هرمز، مع أن له حرمة العهد الذي عاهدوه به حين مَلَّكوه عليهم، وحرمة الأبوة، ولم يفعل لهم شيئاً يستوجب به منهم القتل، وذلك هو مراده بقوله: ((مُحْرِماً))، وعلى تفسير قول ابن عباس: ((وهو محرم)) بما ذُكر فلا تعارض بين حديث ابن عباس وبين حديث ميمونة، وأبي رافع. ولو فرضنا أن تفسير حديث ابن عباس ﴿ها بما ذُكر ليس بمتعين، وليس بظاهر كلَّ الظهور، وأن التعارض بين الحديثين باقٍ، فالمصير إلى الترجيح إذاً واجب، وحديث ميمونة وأبي رافع أرجح من حديث ابن عباس؛ لأن ميمونة هي صاحب القصة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره، وقد تقرر في الأصول أن خبر صاحب الواقعة المروية مقدَّم على خبر غيره؛ لأنه أعرف بالحال من غيره، والأصوليون يمثّلون له بحديث ميمونة المذکور، مع حديث ابن عباس. ومما يرجّح به حديث أبي رافع على حديث ابن عباس أن أبا رافع هو رسوله إليها يخطبها عليه، فهو مباشر للواقعة، وابن عباس ليس كذلك، وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المباشر لما روى على خبر غيره؛ لأن المباشر لِما روى أعرف بحاله من غيره، والأصوليون يمثّلون له بخبر أبي رافع المذكور: ((أنه ◌َ ﴿ تزوج ميمونة وهو حلال، قال: وكنت الرسول فيما بينهما))، مع حديث ابن عباس المذكور: ((أنه تزوجها وهو محرم)). ومما يرجّح به حديث ميمونة، وحديث أبي رافع معاً على حديث ابن ١٧١ (٥) - بَابُ بَيَان النَّهْىِ عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَخِطْبَتِهِ - حديث رقم (٣٤٥٢) عباس أن ميمونة وأبا رافع كانا بالغين وقت تحمّل الحديث المذكور، وابن عباس ليس ببالغ وقت التحمل، وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المتحمل بعد البلوغ على المتحمل قبله؛ لأن البالغ أضبط من الصبي لِمَا تحمّل، وللاختلاف في قبول خبر المتحمل قبل البلوغ من الاتفاق على قبول خبر المتحمل بعد البلوغ، وإن كان الراجح قبول خبر المتحمل قبل البلوغ إذا كان الأداء بعد البلوغ؛ لأن المتفق عليه أرجح من المختلف فيه. فإن قيل: يرجح حديث ابن عباس ﴿ا أنه اتَّفَق عليه الشيخان في ((صحيحيهما))، ومعلوم أن ما اتفق عليه مسلم والبخاري أرجح مما انفرد به مسلم، وهو حديث ميمونة، وأرجح مما أخرجه الترمذيّ، وأحمد، وهو حديث أبي رافع. فالجواب أن غاية ما يفيده اتفاق الشيخين صحة الحديث إلى ابن عباس، ونحن لو جزمنا بأنه قاله قطعاً لم يمنع ذلك من ترجيح حديث ميمونة وأبي رافع عليه؛ لأنهما أعلم بحال الواقعة منه؛ لأن ميمونة صاحبة الواقعة، وأبو رافع هو الرسول المباشر لذلك، فلنفرض أن ابن عباس قال ذلك، وأن أبا رافع وميمونة خالفاه، وهما أعلم بالحال منه؛ لأن لكل منهما تعلقاً خاصاً بنفس الواقعة، ليس لابن عباس مثله. ومن المرجِّحات التي رجّح بها بعض العلماء حديث تزوُّجه وَ لّ ميمونة وهو حلال على حديث تزوجه إياها وهو محرم، أن الأول رواه أبو رافع وميمونة، والثاني رواه ابن عباس وحده، وما رواه الاثنان أرجح مما رواه الواحد، كما هو مقرر في الأصول. ولكن هذا الترجيح المذكور يردّه ما ذكره ابن حجر في فتح الباري، ولفظه: فالمشهور عن ابن عباس أن النبيّ وَّ تزوجها، وهو محرم، وصح نحوه عن عائشة، وأبي هريرة. انتهى. وعلى تقدير صحة ما ذكره ابن حجر، فمن روى أن تزويجها في حالة الإحرام أكثر. فإن قيل: يرجح حديثهم إذاً بالكثرة. فالجواب أنهم وإن كثروا، فميمونة وأبو رافع أعلم منهم بالواقعة، كما ١٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح تقدم، والمرجحات يرجح بعضها على بعض، وضابط ذلك عند الأصوليين، هو قوة الظنّ، ومعلوم أن ما أخبرت به ميمونة ﴿يا عن نفسها، وأخبر به الرسول بينها وبين زوجها 18 الذي هو أبو رافع أقوى في ظن الصدق مما أخبر به غيرهما . ومن أقوى الأدلة الدالة على أن حديث ابن عباس لا تنهض به الحجة على جواز عقد النكاح في حال الإحرام: هو أنا لو سلّمنا أن النبيّ وَل ◌ّ تزوج ميمونة وهو محرم، لم تكن في ذلك حجة على جواز ذلك بالنسبة إلى أمته وَلآ؛ لأنه ثبت عنه في ((صحيح مسلم)) وغيره من حديث عثمان بن عفان ظته ما يدل على منع النكاح في حال الإحرام، وهو عامّ لجميع الأمة، والأظهر دخوله هو رَ في ذلك العموم، فإذا فعل فعلاً يخالف ذلك العموم المنصوص عليه بالقول، دل على أن ذلك الفعل خاص به وهو لتحتّم تخصيص ذلك العموم القولي بذلك الفعل، فيكون خاصاً به وله . وقد تقرر في الأصول أن النص القولي العام الذي يشمل النبي وَلقر بظاهر عمومه لا بنص صريح إذا فعل النبيّ وَ ﴿ فعلاً يخالفه، كان ذلك الفعل مخصّصاً لذلك العموم القوليّ، فيكون ذلك الفعل خاصاً به والت . فإن قيل: لا حجة في حديث عثمان المذكور في ((صحيح مسلم)) على منع عقد النكاح في حال الإحرام؛ لأن المراد بالنكاح فيه وطء الزوجة، وهو حرام في حال الإحرام إجماعاً، وليس المراد به العقد. فالجواب من أوجه: الأول: أن في نفس الحديث قرينتين دالتين على أن المراد به عقد النكاح، لا الوطء، الأولى: أنه ◌َ﴿ قال في الحديث المذكور: ((لا يَنْكِحُ المحرم، ولا يُنْكَحُ))، فقوله: ((ولا يُنْكَحُ)) بضم الياء دليل على أن المراد لا يُزَوَّج، ولا يمكن أن يكون المراد بذلك الوطء؛ لأن الولي إذا زوّج قبل الإحرام، وطلب الزوج وطء زوجته في حال إحرام وليّها فعليه أن يمكّنه من ذلك إجماعاً، فدل ذلك على أن المراد بقوله: ((ولا يُنكَحُ)) ليس الوطء، بل التزويج، كما هو ظاهر. القرينة الثانية: أنه * قال أيضاً: ((ولا يخطب))، والمراد خطبة المرأة ١٧٣ (٥) - بَابُ بَيَان النَّهْىٍ عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَخِطْبَتِهِ - حديث رقم (٣٤٥٢) التي هي طلب تزويجها، وذلك دليل على أن المراد العقد؛ لأنه هو الذي يطلب بالخطبة، وليس من شأن وطء الزوجة أن يطلب بخطبة، كما هو معلوم. الوجه الثاني: أن أبان بن عثمان راوي الحديث، وهو من أعلم الناس بمعناه، فسَّره بأن المراد بقوله: ((ولا يُنكح)): أي لا يزوَّج؛ لأن السبب الذي أورد فيه الحديث هو أنه أرسل له عمر بن عبيد الله حين أراد أن يزوج ابنه طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبير، فأنكر عليه ذلك أشدّ الإنكار، وبيَّن له أن حديث عثمان، عن النبيّ رَّ ر دليل على منع عقد النكاح في حال الإحرام، ولم يُعْلَم أنه أنكر عليه أحد تفسيره الحديث بأن المراد بالنكاح فيه العقد، لا الوطء. الوجه الثالث: هو ما قدمنا من الأحاديث، والآثار الدالة على منع التزويج في حال الإحرام، كحديث ابن عمر عند أحمد: أنه سئل عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل، وهو خارج من مكة، فأراد أن يعتمر، أو يحج؟ فقال: لا تتزوجها وأنت محرم، نَھی رسول الله ێ عنه. انتهى. فتراه صرّح بأن النكاح المنهي عنه في الإحرام التزويج. وقال الشوكانيّ في ((نيل الأوطار)) في حديث ابن عمر هذا: في إسناده أيوب بن عتبة، وهو ضعيف، وقد وُثِّق. وكالأثر الذي رواه مالك، والبيهقيّ، والدارقطنيّ، عن أبي غَطَفان بن طَرِيف أن أباه طريفاً تزوج امرأة، وهو محرم، فردّ عمر بن الخطاب نكاحه. انتھی . وذلك دليل على أن عمر يفسر النكاح الممنوع في الإحرام بالتزويج، ولا يخصه بالوطء، وقد روى البيهقي في ((السنن الكبرى)) بإسناده عن الحسن، عن عليّ قال: من تزوج، وهو محرم نزعنا منه امرأته. وروى بإسناده أيضاً عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن علياً نظرُبه قال: لا ینکح المحرم، فإن نکح رُدّ نكاحه. وروى بإسناده أيضاً عن شَؤْذَب مولى زيد بن ثابت، أنه تزوج وهو محرم، ففرّق بينهما زيد ابن ثابت. قال: وروينا في ذلك عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ◌ًا، وروى ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح بإسناده أيضاً عن قُدامة بن موسى، قال: تزوجت، وأنا محرم، فسألت سعيد بن المسيِّب، فقال: يفرَّق بينهما . وروى بإسناده أيضاً عن سعيد بن المسيِّب أن رجلاً تزوج وهو محرم، فأجمع أهل المدينة على أن يفرَّق بينهما. انتهى. ثم قال الشيخ الشنقيطيّ كثّثهُ: الذي يظهر لي رجحانه بدليل هو أن إحرام أحد الزوجين، أو الولي مانع من عقد النكاح؛ لحديث عثمان الثابت في (صحيح مسلم)، ولِمَا قدَّمنا من الآثار الدالة على ذلك، ولم يثبت في كتاب الله، ولا سنة نبيّه ◌َ﴿ شيء يعارض ذلك الحديث، وحديث ابن عباس معارَضٌ بحديث ميمونة، وأبي رافع، وقد قدمنا لك أوجه ترجيحهما عليه، ولو فرضنا أن حديث ابن عباس لم يعارضه معارض، وأن النبيّ وَل ◌ّ تزوج ميمونة وهو محرم، فهذا فعلٌ خاصٌ، لا يعارض عموماً قولياً؛ لوجوب تخصيص العموم القولي المذكور بذلك الفعل، كما تقدم إيضاحه. انتهى المقصود من كلام الشيخ الشنقيطيّ تَخُّْهُ، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤٥٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ وَلِ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) العطّار، أبو سليمان المكيّ، ثقةٌ [٨] (ت٤ أو ١٧٥) (ع) تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤١٣. والباقون ذكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ١٧٥ (٥) - بَابُ بَيَان النَّهْىِ عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَخِطْبَتِهِ - حديث رقم (٣٤٥٤) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٤٥٤] (١٤١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو فَزَارَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ: أَنَّ رَّسُولَ اللهِ تَزَّوَّجَهَا، وَهُوَ حَلَالٌ، قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي، وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان، تقدّم قبل باب. ٢ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِم) بن زيد الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، في حديثه عن قتادة ضعفٌ [٦] (ت١٧٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٨١/٦. ٣ - (أَبُو فَزَارَةَ) راشد بن كيسان الْعَبسيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥]. رَوَى عن أنس، ويزيد بن الأصم، وأبي زيد مولى عمرو بن حُريث، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وميمون بن مِهْران، وغيرهم. وروى عنه ليث بن أبي سليم، والثوريّ، وجرير بن حازم، وشريك، وحماد بن زيد، والجراح بن مَلِيح، وغيرهم. قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ كَيِّسٌ، ولم أر له في كتب أهل النقل ذكراً بسوء، وقال ابن حبان: مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة، فأما مثل أبي زيد مولى عمرو بن حُريث الذي لا يعرفه أهل العلم فلا، وفَرَّق أسلم بن سهل في ((تاريخ واسط)) بين الذي يروي عن أنس، وبين الكوفي الراوي عن يزيد بن الأصم وغيره، وفي ((عِلَل الخلال)): قال أحمد: أبو فزارة في حديث عبد الله مجهول، وتعقبه ابن عبد الهادي، فقال: هذا النقل عن أحمد غلط من بعض الرواة عنه، و کأنه اشتبه علیه أبو زيد بأبي فزارة. انتھی. أخرج له البخاريّ في ((الأدب المفرد)»، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون ذُكروا قبل حديث، وشرح الحديث واضح. ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ميمونة ؤها هذا من أفراد المصنّف ◌َذَلُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٥٤/٥] (١٤١١)، و(أبو داود) في ((النكاح)) (١٨٤٣)، و(الترمذيّ) في ((النكاح)) (٨٤٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٤٠٤)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٩٦٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٥٢/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٣٢/٦ و٣٣٣ و٣٣٥)، و(الدارميّ) في (سننه)) (١٨٣١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٦٧/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٧٨/٤)، و(الحاكم) في ((مستدركه)) (٣٤/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢١/٢٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦٦/٥ و٥٨/٧ و٢١٠ و٢١١) و((الصغرى)) (٧١/٤ و١٩٩/٦ و٢٠٠) و((المعرفة)) (٣٦/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٥٣/٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِللهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٦) - (بَابُ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٤٥٥] (١٤١٢) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ ﴿ قَالَ: (لَا يَبِعْ بَعْضُّكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْطُّبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ بَعْضٍ»). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابین. ٢ - (ابْنُ رُمْح) هو: محمد بن رُمح بن المهاجر، تقدّم قبل باب. ٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المشهور، تقدّم أيضاً قبل باب. ٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم في الباب الماضي. ٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ها، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١/ ١٠٢. (٦) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرُكَ - حديث رقم (٣٤٥٥) ١٧٧ لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف تَظْلُهُ، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٢٢٤) من رباعيات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى ابن رُمح، فانفرد به هو، وابن ماجه. ٣ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيين، ومصريين، وبغلاني. ٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمر ظُله من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأشدّ الناس اتّباعاً للأثر، روى (٢٦٣٠) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ﴿ه (عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ) أنه (قَالَ: ((لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) بجزم (يبع)) في هذه الرواية، على أن ((لا)) ناهية، وفي الرواية التالية: ((لا يَبيعُ)) بالرفع، على أنها نافية، وهو أبلغ في المنع (وَلَا يَخْطُبْ بَعْضُكُمْ عَلَى خِطْبَةٍ بَعْضٍ))) يَحْتَمل أن تكون ((لا)) هنا نافيةً، و((يخطب)) مرفوعاً، ويَحْتَمل أن تكون ناهيةَ، و((يخطب)) مجزوماً، كما مرّ البحث فيه، وفي الرواية التالية: ((لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، إلا أن يأذن له)). وفي رواية البخاريّ من طريق ابن جريج، عن نافع: ((حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب))، أي حتى يترك الأول خطبته، أو يأذن للثاني في خطبتها، وفي حديث أبي هريرة رظله عند البخاريّ: ((ولا يخطب الرجل على خِطبة أخيه حتى يَنكِحَ، أو يترك))، قال في ((الفتح)): قوله: ((حتى ينكح)) أي حتى يتزوّج الخاطب الأول، فيحصلَ اليأس المحض، وقوله: ((أو يترك)) أي الخاطب الأول التزويج، فيجوز حينئذ للثاني الخِطبة، فالغايتان مختلفتان، الأولى ترجع إلى اليأس، والثانية ترجع إلى الرجاء، ونظير الأولى قوله تعالى: ﴿حَّ بَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((الفتح)) ٤٧١/١١. ١٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ضونه هذا هذا متّفق عليه . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٥٥/٦ و٣٤٥٦ و٣٤٥٧ و ٣٤٥٨] (١٤١٢)، و(البخاريّ) في ((النكاح)) (٥١٤٢) و((البيوع)) (١٤١٢)، و(أبو داود) في ((البيوع)) (٣٤٣٦)، و(الترمذيّ) في ((البيوع)) (١٢٩٢)، و(النسائيّ) في النكاح)) (٣٢٣٩ و٣٢٤٤) وفي ((البيوع)) (٤٥٠٤ و٤٥٠٥) وفي ((الكبرى)) (٥٣٥٤ و٥٣٦٠ و٦٠٩٤ و٦٠٩٥)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٨٦٨)، و(مالك) في ((الموظّا)» (١١١٢)، و(الشافعيّ) في ((الرسالة)) (ص٣٠٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (١٩٣٠)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٠٣/٤)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٤٤٥/٢ - ٤٤٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢١/٢ و١٢٢ و١٢٤ و١٢٦ و١٣٠ و١٤٢ و١٥٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢١٧٦)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٣/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٠٤٧ و٤٠٥١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٨/٣ و٤١ و٢٧٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٨١/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٦٣/١)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٧٤/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٤/٥ و١٨٠/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٢٢٨٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان النهي عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، والنهي للتحريم على الصحيح، كما يأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): أن النهي إذا لم يترك الأول، أو لم يأذن له، وإلا فلا نھي . ٣ - (ومنها): أن فيه فضيلة الإسلام، وأنه تشريع ربانيّ جاء الإصلاح الفرد والمجتمع، فهو دائماً يحثّ على الأُلفة والمودّة، ويُبعد كل ما من شأنه إحداث التباغض، والتعادي بين المسلمين، فلذلك نهى عن خِطبة المسلم على خطبة أخيه؛ لئلا يحصل بينهما شقاق، وتنافر، فواجب المسلم نحو أخيه التودّد إليه بكلّ ما يستطيع، والقيام بنصرته، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ ١٧٩ (٦) - بَابُ تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَأْذَنَ أَوْ يَتْرَُك - حديث رقم (٣٤٥٥) الآية [الحجرات: ١٠]. وقال النبيّ وَله: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضاً)) متّفق عليه، وقال وَّي: ((مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى))، متّفق عليه، وأخرج مسلم عن أبي هريرة عظته قال: قال رسول الله وَل اته: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذُله، ولا يحقره، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الْخِطْبَة على الخِطبة: ذهب الجمهور إلى أن النهي في هذا الحديث للتحريم، وقال الخطابيّ: هو نهي تأديب، وليس بنهي تحريم، يُبطل العقد عند أكثر الفقهاء. كذا قال. قال في ((الفتح)): ولا ملازمة بين كونه للتحريم، وبين البطلان عند الجمهور، بل هو عندهم للتحريم، ولا يبطل به العقد، بل حكى النوويّ أن النهي فيه للتحريم بالإجماع، ولكن اختلفوا في شروطه، فقال الشافعيّة، والحنابلة: محلّ التحريم ما إذا صرّحت المخطوبة، أو وليّها الذي أذنت له، حيث يكون إذنها معتبراً بالإجابة، فلو وقع التصريح بالردّ فلا تحريم، ولو لم يعلم الثاني بالحال فيجوز الهجوم على الخِطبة؛ لأن الأصل الإباحة، وعند الحنابلة في ذلك روايتان. وإن وقعت الإجابة بالتعريض، كقولها: لا رغبة عنك، فقولان عند الشافعيّة، الأصحّ - وهو قول المالكيّة، والحنفية - لا يحرم أيضاً، وإذا لم تردّ، ولم تقبل فيجوز، والحجة فيه قول فاطمة بنت قيس خيتا: خطبني معاوية، وأبو الجهم، فلم ينكر النبيّ وَّ ذلك عليهما، بل خطبها هو لأسامة بن زید وأشار النوويّ وغيره إلى أنه لا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكونا خطبا معاً، أو لم يعلم الثاني بخطبة الأول، والنبيّ وَ ل﴿ أشار بأسامة، ولم يخطب، وعلى تقدير أن يكون خطب، فكأنه لما ذكر لها ما في معاوية، وأبي جهم ظهر منها الرغبة عنهما، فخطبها لأسامة. ١٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ من أنه لا حجة فيه، فيه نظرٌ لا يخفى، بل حديث فاطمة حجة ظاهرة في ذلك، فإذا توقفت المرأة، فلم تقبل، ولم تردّ فلا مانع للثاني من خطبتها، كما نقله الترمذيّ عن الشافعيّ، فقد حَكَى عن الشافعيّ أن معنى حديث الباب: إذا خطب الرجل المرأة، فرضيت به، ورَكِنت إليه، فليس لأحد أن يخطب على خطبته، فإذا لم يعلم برضاها، ولا ركونها، فلا بأس أن يخطبها، والحجة فيه قصّة فاطمة بنت قيس، فإنها لم تُخبره برضاها بواحد منهما، ولو أخبرته بذلك لم يُشر عليها بغير من اختارت. فلو لم توجد منها إجابة، ولا ردّ، فقطع بعض الشافعيّة بالجواز، ومنهم من أجرى القولين. ونصّ الشافعيّ في البكر على أن سكوتها رضاً بالخاطب، وعن بعض المالكيّة: لا تمنع الخطبة إلا على خطبة من وقع بينهما التراضي على الصداق. وإذا وُجد شروط التحريم، ووقع العقد الثاني، فقال الجمهور: يصحّ مع ارتكاب التحريم. وقال داود: يُفسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وعند المالكيّة خلافٌ كالقولين، وقال بعضهم: يُفسخ قبله، لا بعده. وحجة الجمهور أن المنهيّ عنه الخِطبة، والخطبة ليست شرطاً في صحّة النكاح، فلا يُفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة. وحكى الطبريّ أن بعض العلماء قال: إن هذا النهي منسوخٌ بقصّة فاطمة بنت قيس. ثم ردّه، وغلّطه بأنها جاءت مستشيرةً، فأُشير عليها بما هو الأَولى، ولم يكن هناك خِطبة على خطبة، كما تقدّم. ثم إن دعوى النسخ في مثل هذا غلط؛ لأن الشارع أشار إلى علّة النهي في حديث عقبة بن عامر ظه بالأخوة، وهي صفة لازمة، وعلّة مطلوبةٌ للدوام، فلا يصحّ أن يلحقها نسخٌ، والله تعالى أعلم(١) . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال ببطلان النكاح الذي عُقِد بالْخِطبة على الْخِطبة؛ لصريح النهي الوارد في الحديث، والنهي للتحريم، وهو أيضاً يقتضي الفساد، وليس هناك دليلٌ يدلّ على صرف (١) ((الفتح)) ١١ / ٤٦٨ - ٤٦٩.