النص المفهرس

صفحات 101-120

(٣) - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٢٩)
١٠١
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو
بِشْر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت١٩٣) تقدم في ((المقدمة)) (ع) ٣/٢.
٢ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث من أفراد المصنّف تَخُّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٤٢٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ
يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَن
الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَسُّوَّلَ اللهِ نَِّ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ
زَمَانَ الْفَتْحِ، مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَأَنَّ أَبَهُ كَانَ تَمَتَّعَ بِبُرْدَيْنِ أَحْمَرَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت٢٤٩) (خت م
ت) تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل
بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت٢٠٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤١.
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم
قبل باب.
٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠) أو (١٤٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (مُتْعَةِ النِّسَاءِ) بالجرّ على البدليّة عن ((المتعة)).
وقوله: (وَأَنَّ أَبَاهُ كَانَ تَمَتَّعَ بِبُرْدَيْنِ أَحْمَرَيْنٍ) تقدّم في الروايات السابقة ما
يدلّ على أنه تمتّع ببرد واحد، ولعله زادها بعد ذلك بُرْداً آخر، والله تعالى أعلم.

١٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
والحديث من أفراد المصنّف نَّتُهُ، وقد تقدم البحث فيه مستوفَى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٣٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَامَ
بِمَكَّةَ، فَقَالَ: إِنَّ نَاساً أَعْمَى اللهُ قُلُوبَهُمْ، كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ، يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ،
يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَت الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ
عَلَى عَهْدٍ (١) إِمَامِ الْمُتَّقِينَ، يُرِيدُ (٢) رَسُولَ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَرِّبْ
بِنَفْسِكَ، فَوَ الهِ لَئِنَّ فَعَلْتَهَا لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارَِكَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ
الْمُهَاجِرِ بْنِ سَيْفِ اللهِ؛ أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَجُلٍ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَاهُ فِي
الْمُتْعَةِ، فَأَمَرَهُ بِهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ: مَهْلاً، قَالَ: مَا هِيَ؟ وَالهِ
لَقَدْ فُعِلَتْ فِي عَهْدِ (٣) إِمَامِ الْمُتَّقِينَ. قَالَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ: إِنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي
أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، لِمَن اضْطُرَّ إِلَيْهَا كَالْمَيْتَةٍ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، ثُمَّ أَحْكَمَ اللهُ
الدِّينَ، وَنَهَى عَنْهَا. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي رَبِيعُ بْنُّ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ؛ أَنَّ أَبَاهُ
قَالَ: قَدْ(٤) كُنْتُ اسْتَمْتَعْتُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِوَلِامْرَأَةً مِنْ بَنِي عَامِرٍ بِبُرْدَيْنِ
أَحْمَرَيْنِ، ثُمَّ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنِ الْمُتْعَةِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَسَمِعْتُ رَبِيعَ بْنَ
سَبْرَةَ يُحَدِّثُ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَنَا جَالِسٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
(١) وفي نسخة: ((في عهد)).
(٣) وفي نسخة: ((على عهد)).
(٢) وفي نسخة: ((يريد به).
(٤) وفي بعض النسخ بإسقاط ((قد)).

١٠٣
(٣) - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣٠)
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧]
(ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
عَنِ ابْنِ شِهَابِ الزهريّ؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ
(قَامَ بِمَكَّةَ) أي: قام خطيباً، وذلك في خلافته (فَقَالَ: إِنَّ نَاساً
الزُّبَيْرِ) ﴿
أَعْمَى اللهُ قُلُوبَهُمْ، كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) إنما قال ذلك لأن ابن عبّاس قد ذهب
بصره في أواخر عمره، وإنما وصفه ابن الزبير بعمى قلبه؛ لكونه أفتى بما
يُخالف الشرع، فقد صحّ لديه أنه وَ﴿ حرّم المتعة إلى يوم القيامة، فلا يفتي
بجوازها بعد علمه بهذا التحريم إلا من عَمِي قلبه، لكن يُعتذر عن ابن
عبّاس ﴿ّ أنه لم يصحّ لديه هذا التحريم، ولذا اعتمد على الإباحة في أول
الأمر، والله تعالى أعلم.
(يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ) أي: بجواز نكاح المتعة (يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ) أي: يريد
عبد الله بن الزبير ﴿ًا بقوله: ((إن ناساً ... إلخ)) عبدَ الله بن عبّاس ﴿هَا؛ لأنه
هو الذي اشتهر بهذه الفتيا .
والتعريض: خلاف التصريح، قال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: الْمِعْرَاض: التوريةُ،
وأصله الستر، يقال: عرفته في معراض كلامه، وفي لحن كلامه، وفحوى
كلامه، بمعنَّى، قال في ((البارع)): وعَرَّضتُ له، وعَرَّضتُ به تعريضاً: إذا قلت
قولاً، وأنت تعنيه، فالتعريض: خلاف التصريح من القول، كما إذا سألتَ
رجلاً، هل رأيتَ فلاناً؟ وقد رآه، ويَكْرَه أن يَكْذِب، فيقول: إن فلاناً لَيُرَى،
فيجعل كلامه مِعْرَاضاً؛ فِراراً من الكذب، وهذا معنى المعاريض في الكلام،
ومنه قولهم: ((إن في المعاريض لمندوحةً عن الكذب))(١). انتهى(٢).
(١) أثر صحيح أخرجه البخاريّ في ((الأدب المفرد)) عن عمران بن حُصين ﴿مَا، موقوفاً
عليه، وأما كونه حديثاً مرفوعاً، فضعيف، راجع: ((السلسلة الضعيفة)) للشيخ
الألبانيّ كَذَفُ ٢١٣/٣.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٠٣/٢.

١٠٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
ـا،
وقال القرطبيّ ◌َّهُ: قوله: ((يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ)) يعني به ابن عباس
وكان إذ ذاك قد عَمِي، وكان هذا من عبد الله بن الزبير ها زمن إمارته، وإنما
قَذَعَه ابنُ الزبير بهذا القول؛ لظهور الناسخ لنكاح المتعة، وشهرة الأحاديث في
ذلك، فكأنَّه نسبه إلى التفريط، وكان عبد الله بن عبَّاس ◌ًَّا في آخر عمره قَلَّ
ما يُصغي لمن يحدّث عن رسول الله وَ﴿، كما تقدّم في أوائل كتاب مسلم من
قوله: ((فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف)»،
وكان قد عَرَفَ الإباحة، فاقتصر عليها، ولم يُصْغ إلى غيرها، كما قال: ((لقد
كانت تُفعل على عهد إمام المتقين وَّ)).
وقال القرطبيّ أيضاً: كِنَايَتُهم عن ابن عباس في هذه المسألة بـ((رجل))
سترٌ منهم له؛ لأجل هذه الفتيا التي صدرت عنه ما كانت تليق بعلمه، ولا
بمنصبه في الفضل والدين، وإنكار عليّ، وابن الزبير، وغيرهما .
وإغلاظهم عليه، ولا مُنْكِرَ عليهم، يدلُّ على أن تحريم ذلك كان عندهم
معلوماً. انتهى(١).
(فَنَادَاهُ)؛ أي: نادى ذلك الرجل المعرَّض به، وهو ابن عبّاس.
عبدَ الله بن الزبير (فَقَالَ: إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ) قال النوويّ ◌َّتُهُ: الْجِلْف بكسر
الجيم، قال ابن السِّكِيت وغيره: الجلف: هو الجافي، وعلى هذا قيل: إنما
جمع بينهما توكيداً؛ لاختلاف اللفظ، والجافي: هو الغليظ الطبع، القليل
الفهم، والعلم، والأدب؛ لبُعده عن أهل ذلك. انتهى(٢).
وقال القرطبيّ ◌َخَُّهُ: و((الجِلْفُ))، و((الجافي)) هما بمعنى واحد، قاله ابن
السكيت وغيره، وكرَّرَهما لفظاً؛ لاختلافهما على عادة العرب في ذلك، وعليه
حَمَلوا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُواْ بَقِِّ وَحُزْنِيِّ إِلَى اَللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وقوله تعالى:
﴿حَّ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ﴾ [يوسف: ٨٥]، وأصل الْجِلْف:
الشاة المسلوخة بغير رأس، ولا قوائم، قاله القُتبيّ والهرويّ. انتهى(٣).
(فَلَعَمْرِي) اللام لام القسم، و((عَمْري)) بفتح العين المهملة، وسكون الميم
(١) ((المفهم)) ٤ /٩٨ - ٩٩.
(٣) «المفهم)) ٩٩/٤.
(٢) (شرح النوويّ)) ١٨٨/٩.

١٠٥
(٣) - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣٠)
لغة في ضم العين، قال الفيّوميّ تَخُّْ: عَمِرَ الرجل يَعْمَرُ، من باب تَعِبَ عُمْراً
بفتح العين، وضمّها: طال عمره، فهو عامرٌ، وبه سُمِّي تفاؤلاً، وبالمضارع،
ومنه يحيى بن يَعْمَر، ويتعدى بالحركة، والتضعيف، فيقال: عَمَرَهُ الله يَعْمُرُهُ،
من باب قَتَلَ، وعَمَّره تعميراً؛ أي: أطال عمره، وتدخل لام القسم على
المصدر المفتوح، فتقول: لَعَمْرُك لأفعلنّ، والمعنى: وحياتِكَ وبقائِكَ.
(١)
انتھی(١).
[فإن قلت]: كيف ساغ لابن عبّاس ◌َّا أن يحلف بحياته، وقد ورد
النهي عن الحلف بغير الله تعالى؟
[أجيب]: بأنه لم يُرد به القسم، بل هو مما يجري كثيراً في كلامهم،
كقولهم: ما له قاتله الله، وتربت يمينه، وعقرى حلقى، ونحو ذلك، مما يكثر
دورانه على اللسان، ولا يُريدون حقيقته، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(لَقَدْ كَانَت الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ، يُرِيدُ رَسُولَ اللهِ وَلِ﴿) يتبيّن
من هذا أن ابن عبّاس ﴿ما قد علم بالإباحة، ثم لم يبلغه النسخ، فلذلك
عارض بهذا على ابن الزبير ﴿هَا، والحقّ معه؛ لأنه علم النسخ، فلذلك هدّده
بالحدّ المشروع في الزنا .
وقال القرطبيّ تَخَّثُ: قول ابن عبّاس ﴿ُّ: (لقد فُعلت ... إلخ)) فيه تنبيه
منه على أنه لو كانت المتعة مِمّا يُتَّقَى لكان النبيُّ وَّهِ أولى بتُقَاةِ ذلك، فإنه
أتقى لله، وأخوف من كل مُتَّقٍ. انتهى(٢).
(فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ) ﴿َا (فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ) هذا تهديد؛ أي: افعل هذه
المتعة بنفسك مجرّباً، فستلقى عقابها (فَوَاللهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارَِ) قال
النوويّ تَّثُ: هذا محمول على أنه أبلغه الناسخ لها، وأنه لم يبق شكّ في
تحريمها، فقال: إن فعلتها بعد ذلك، ووطئت فيها كنت زانياً، ورجمتك
بالأحجار التي يرجم بها الزاني. انتهى (٣).
وقال القرطبيّ تَخْتُ: وقوله: ((لئن فعلتها لأرجمنَّك بأحجارك)) حُجَّةٌ لأحد
(١) ((المصباح المنير)) ٤٢٩/٢.
(٣) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/٩.
(٢) («المفهم)» ١٠٠/٤.

١٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
القولين المتقدمين في أن مَن نَكَح نكاح المتعة أقيم عليه الحدّ، ويَحْتَمِل أن
يُحمَل على الإرهاب والتغليظ. انتهى (١).
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ بْنِ سَيْفِ اللهِ) خالد بن
الوليد بن المغيرة المخزوميّ، صالح الحديث [٣].
رَوَى عن عمر، ولم يدركه، وعن ابن عمر، وابن عباس، وعبد الرحمن بن
أبي عمرة.
وروى عنه الزهريّ، ومحمد بن أبي يحيى الأسلميّ، وإسماعيل بن رافع
المدنيّ.
قال الزبير: كان مع ابن الزبير، وكان انَّهَم ابن أثال طبيب معاوية، أنه
سَمَّ عمه عبد الرحمن بن خالد، فاعتَرَض لابن أُثَال، فقتله، ثم لم يزل مخالفاً
لبني أمية، قال الزبير: وقد انقرض ولد خالد بن الوليد، فلم يبق منهم أحد،
وورثهم أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة دارَهم بالمدينة، وذكر
الواقديّ أن معاوية ضرب خالداً، وأغرمه، وحُبِس حتى مات معاوية، وقيل:
إن الذي قتل ابن أثال خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وذكره ابن
حبان في ((الثقات)).
تفرّد به المصنّف بهذا الحديث متابعةً.
[تنبيه]: سيف الله هو خالد بن الوليد الصحابيّ الشهير بظلاله، سمّاه بذلك
رسول الله ◌َ﴿؛ لأنه ينكأ في أعداء الله، ذكره النوويّ تَخَذَتُهُ(٢).
(أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَجُلٍ) هو ابن عبّاس ◌َّ، ففي رواية أبي عوانة:
قال ابن شهاب: وأخبرني خالد بن المهاجر بن سيف الله أنه بينما هو جالس
عند ابن عباس، جاءه رجل، فاستفتاه في المتعة، فأمره ابن عباس بها ....
(جَاءَهُ رَجُلٌ) لا يُعرف اسمه (فَاسْتَفْتَاهُ)؛ أي: طلب منه الفتوى، وهو بيان
الحكم (فِي الْمُتْعَةِ)؛ أي في نكاح المتعة (فَأَمَرَهُ بِهَا)؛ أي: أمر السائل أن
يستمتع بها (فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن
(١) ((المفهم)) ٩٩/٤.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٨/٩.

١٠٧
(٣) - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣٠)
حارثة الأنصاريّ، أبو الرجال(١)، أو أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ [٥] تقدّم
في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨٩٠/٤٦.
وقوله: (مَهْلاً) وفي رواية أبي عوانة: ((فقال له ابن أبي عمرة الأنصاريّ:
مهلاً يا ابن عباس)).
و((مَهْلاً)): منصوب على المصدريّة لعامل محذوف؛ أي: أَمْهِل في فتواك
هذا، ولا تعجل فيه، قال المجد تَخَّتُهُ: الْمَهْلُ بالفتح، ويُحرَّك، والْمُهْلة
بالضمّ: السكينة، والرفق، وأمهله: رَفَقَ به، ومَهَّله تمهيلاً: أجّله، وتَمَهَّل:
اتَّأَدَ، ويقال: مَهْلاً يا رجلُ، وكذا للأنثى، والجمع، بمعنى أَمْهِلْ، وتقول:
مُجيباً لمن قال لك: مَهَلاً: لَا مَهْلَ والله، ولا تقولَ: لا مهلاً والله، وتقول:
ما مَهْلٌ والله بمغنيةٍ عنك. انتهى(٢).
(قَالَ)؛ أي: الرجل المفتي، وهو ابن عبّاس ﴿ه، كما أسلفته آنفاً (مَا
هِيَ) (ما)) استفهاميّة، و((هي)) ضمير القصّة، أي: أيّ شيء القصّة التي تمنعني
عن هذا الفتوى، والاستفهام للإنكار، بدليل قوله: (وَاللهِ لَقَدْ فُعِلَتْ) بالبناء
للمفعول، والضمير للمتعة (فِي عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ) هو رسول اللهِ وَِّ.
وفي رواية أبي عوانة: ((قال ابن عباس: أَمَّا هي، والله لقد فُعِلَت في
عهد إمام المتقين)) .
وغرض ابن عبّاس ﴿ها بهذا الإنكار على ابن أبي عمرة في إنكاره عليه
فتواه المذكورة؛ أي: كيف تنكر عليّ، وقد فعلها الناس في عهده وَلّ بأمره؟
وقد صدق ابن عبّاس ﴿ّ في ذلك، ولكن الحقّ مع ابن أبي عمرة؛ لأنه
متمسّك بالنسخ الثابت عنه وَّه، كما بيّن ذلك بقوله: (قَالَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ: إِنَّهَا
كَانَتْ رُخْصَةً) وفي رواية أبي عوانة: قال ابن أبي عمرة: ((يا أبا عباس إنها
كانت رخصة ... )) (فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، لِمَن اضْطُرَّ إِلَيْهَا)؛ أي: لمن احتاج
(١) ((أبو الرجال)) بكسر الراء، وتخفيف الجيم مشهور بهذه الكنية، وهي لقب بصورة
الكنية؛ لأن له عشرة من الأولاد الذكور، و((عمرة)) أمه، وهي عمرة بنت
عبد الرحمن الأنصاريّة.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٥٢/٤ - ٥٣.

١٠٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
إليها، قال الفيّوميّ تَخْلُ: ضَرّه إلى كذا، واضطرّه، بمعنى ألجأه إليه، وليس له
منه بُدٌّ. انتهى(١).
وقال المجد تَّلهُ: الاضطرار: الاحتياج إلى الشيء، واضطَرَّه إليه:
أحوجه، وألجأه، فاضْطُرَّ بضمّ الطاء. انتهى (٢).
(كَالْمَيْتَةِ، وَالدَّم، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، ثُمَّ أَحْكَمَ اللهُ الدِّينَ)؛ أي: أثبته، ومنع
من تغييره، يقال: أحكمه: إذا أتقنه، فاستَحكم، ومنعه عن الفساد، كَحَكَمَهُ
حَكْماً، وعن الأمر: رجعه، فحَكَمَ، ومنعه مما يريد، گَحَگمه، وحَكَّمَه، قاله
في ((القاموس))(٣).
(وَنَهَى عَنْهَا) ببناء الفعل للفاعل (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي رَبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ
الْجُهَنِيُّ؛ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: قَدْ كُنْتُ اسْتَمْتَعْتُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ امْرَأَةً مِنْ بَنِي
عَامِرٍ بِيُرْدَيْنِ أَحْمَرَيْنٍ) تقدّم وجه الجمع بينه وبين ما تقدّم من أنه استمتع بها
ببردَّ واحد (ثُمَّ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَنِ الْمُتْعَةِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَسَمِعْتُ
رَبِيعَ بْنَ سَبْرَةَ يُحَدِّثُ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مروان بن الحكم الأمويّ
الخليفة الراشد، والد عبد العزيز المذكور قبل ستة أحاديث، توفّى في رجب
سنة (١٠١) وقد تقدّمت ترجمته في ((المقدّمة)) ٤٦/٦. (وَأَنَا جَالِسٌ) جملة حاليّة
من (سمعت)).
والحديث من أفراد المصنّف كََّثُ، وقد تقدّم تخريجه قبل تسعة أحاديث،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٤٣١] (.) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ،
حَدَّثَنَا مَعْقِلُ، عَنِ ابْنٍ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ
سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ، وَقَالَ: ((أَلَا إِنَّهَا
(١) (المصباح المنير)) ٣٦٠/٢.
(٣) (القاموس المحيط)) ٩٨/٤.
(٢) ((القاموس المحيط)) ٧٥/٢.

(٣) - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣١)
١٠٩
حَرَامٌ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَانَ أَعْطَى شَيْئاً، فَلَا يَأْخُذْهُ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ) هو: إبراهيم بن أبي عَبْلة - بسكون الموحّدة - واسمه
شَمِر - بكسر الشين المعجمة - ابن يقظان بن عبد الله الْمُرْتَحل، أبو إسماعيل،
ويقال: أبو سعيد الرمليّ، وقيل: الدمشقيّ، ثقةٌ [٥].
أرسل عن عتبة بن غزوان، ورَوَى عن أنس بن مالك، وأم الدرداء
الصغرى، وبلال بن أبي الدرداء، وعقبة بن وَسّاج، وغيرهم.
وروى عنه مالك، والليث، وابن المبارك، وابن إسحاق، وضمرة بن
ربيعة، وغيرهم.
قال ابن معين، ودُحَيم، ويعقوب بن سفيان، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن
المدينيّ: كان أحد الثقات، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال الذَّهليّ: يا لك من
رجل، وقال الدارقطنيّ: الطرق إليه ليست تصفو، وهو ثقة لا يخالف الثقات،
إذا روى عنه ثقةٌ، وقال ضمرة بن ربيعة: ما رأيت أفصح منه، مات سنة إحدى
أو اثنين وخمسين ومائة، كذا قال محمد بن أبي أسامة، وأبو مسلم المستملي
عن ضمرة، وقال غير واحد عن ضمرة: مات سنة (١٥٢) من غير شك، وكذا
قال ابن يونس، وقال حيوة بن شُريح، عن ضمرة: مات سنة اثنتين، أو ثلاث
وخمسین.
وفي كتاب ابن أبي حاتم، عن أبيه: رأى ابن عمر، وروى عن واثلة بن
الأسقع، وهو صدوقٌ ثقةٌ، وقال البخاريّ في ((التاريخ)): سمع ابن عمر،
وأخرج الطبراني في ((مسند الشاميين)) من طريق إبراهيم، قال: رأيت ابن عمر
یحتبي يوم الجمعة. انتهى.
وقال الذهبيّ في ((مختصر المستدرك)): أرسل عن ابن عمر، وتبعه
العلائيّ في ((المراسيل))، فقال: لم يدرك ابن عمر، قال الحافظ: وهو متعقب
بما أسلفناه، وقال النسائيّ في ((التمييز)): ليس به بأسٌ، وقال الخطيب: ثقةٌ من
تابعي أهل الشام، يُجْمَع حديثه، وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)): كان ثقةً
فاضلاً، له أدب ومعرفةٌ، وكان يقول الشعر الحسن. انتهى.

١١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وأغرب يحيى بن يحيى الليثيّ، فقال في ((الموطأ)): عن إبراهيم بن
عبد الله بن أبي عَبْلة، و(عبد الله)) زيادة لا حاجة إليها، قاله في ((التهذيب))(١).
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب، وفي الذي قبله، و((الحسن بن أعين)) هو:
الحسن بن محمد بن أعين الحرّانيّ، و((معقل)) هو: ابن عُبيد الله الجزريّ،
و((عمر بن عبد العزيز)) هو: الخليفة الراشد تَخْلَثُ المذكور في الحديث الماضي.
[تنبيه]: هذا الإسناد مما انتقده أبو الفضل بن عمّار الشهيد تَظُّ في
رسالته المتقدّمة في مقدّمة شرح هذا الكتاب، فقال: ووجدت فيه عن سلمة بن
شبيب، عن ابن أعين، عن مَعْقِل، عن ابن أبي عَبْلة، عن عمر بن عبد العزيز،
قال: حدّثني الربيع بن سَبْرة، عن أبيه، أن رسول الله وَّقر نهى عن المتعة،
فقال: ((إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطى شيئاً، فلا
یأخذه)».
قال أبو الفضل: وهذا رواه حسين بن عيّاش، وهو شيخٌ بدون ابن
أعين(٢)، عن معقل، عن ابن أبي عَبْلة، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز،
عن الربيع بن سَبْرة، وهو الصحيح عندنا؛ لأن هذا اللفظ إنما هو لعبد العزيز بن
عمر بن عبد العزيز، رواه عنه الناس. انتهى(٣).
قال الجامع عفا الله عنه: الرواية التي أشار إليها أبو الفضل أخرجها أبو
عوانة في «مسنده))، (٣٢/٣) فقال:
(٤٠٩١) - حدّثنا هلال بن العلاء، قال: ثنا حسين بن عياش، قال: ثنا
معقل بن عبيد الله، قال: حدّثني إبراهيم بن أبي عَبْلة، عن عبد العزيز بن عمر،
(١) (تهذيب التهذيب)) ٧٥/١ - ٧٦.
(٢) هكذا النسخة، والظاهر أنه سقط منه لفظة ((ليس))، والأصل: ((شيخ ليس بدون ابن
أعين)) فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٣) راجع: ((قرّة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح الإمام مسلم بن الحجاج)) ١/
١٤٩.

١١١
(٣) - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣٢)
عن الربيع بن سَبْرة، عن أبيه سبرة، قال: قَدِمت حاجّاً، فخرجت أمشي أنا
وصاحب لي، وعليّ سَحْقٌ، وعلى صاحبي بُرْدٌ أجود من بردي، وأنا أشبّ
منه، فلقينا امرأةً، فأعجبني حسنها، أو جمالها، فقلنا لها: هل لك أن تزوجي
أحدنا بأحد هذين البردين، قالت: والله ما أبالي، قال: فأيَّنا؟ قالت: برد
كبرد، وأنت أعجب إليّ، فقام نبي الله وَّ﴿ في تلك العشيَّة، أو من الغد،
فأسند ظهره إلى الكعبة، ثم ذكر من شأن المتعة ما ذكر، ثم قال: ((ألا إنها
حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة، ومن كان أعطى شيئاً فلا يأخذه)).
انتھی .
وأشار أبو الفضل بقوله: ((رواه عنه الناس)) إلى ما أخرجه مسلم قبل هذا
من رواية عبد الله بن نُمير، وعبدة بن سليمان، كلاهما عن عبد العزيز بن
عمر.
والحاصل أن ما قاله أبو الفضل تخُّ هو الظاهر، فيكون الحديث
محفوظاً من رواية عبد العزيز بن عمر، لا من حديث والده عمر بن عبد العزيز؛
لأن الحسن بن أعين خالف فيه حسين بن عيّاش، ولابن عيّاش متابعان فيه،
وهما عبد الله بن نمير، وعبدة بن سلمان، فترجّح روايته، فتأمل، والله تعالى
أعلم.
وقوله: (مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا) يريد يوم الفتح؛ لما تقدّم من قوله: ((نَھَى يوم
الفتح عن متعة النساء)).
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّلُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٤٣٢] (١٤٠٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَن
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ
أَبِي طَالِبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ أَكْلٍ لُحُومٍ
الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ).

١١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، أبو عبد الله الإمام الحجة المتّفق
على جلالته، وإتقانه [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٧٨.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) بن أبي طالب الهاشميّ، أبو هاشم ابن
الحنفيّة، ثقةٌ قرنه الزهريّ بأخيه الحسن [٤].
رَوَى عن أبيه، محمد ابن الحنفية، وعن صهر له من الأنصار صحابيّ.
ورَوى عنه ابنه عيسى، والزهريّ، وعمرو بن دينار، وسالم بن أبي
الجعد، وغيرهم.
قال الزبير: كان أبو هاشم صاحبَ الشيعة، فأوصى إلى محمد بن عليّ بن
عبد الله بن عباس، وصرف الشیعة إلیه، ودفع إليه کتبه، ومات عنده، وقال ابن
سعد: كان صاحب علم، ورواية، وكان ثقةً، قليل الحديث، وكانت الشيعة
يَلقونه، وينتحلونه، وكان بالشام مع بني هاشم، فحضرته الوفاة، فأوصى إلى
محمد بن عليّ، وقال: أنت صاحب هذا الأمر، وهو في ولدك، ومات في
خلافة سليمان بن عبد الملك، وقال ابن عيينة، عن الزهريّ: ثنا عبد الله
والحسن ابنا محمد بن عليّ، وكان الحسن أرضاهما، وفي رواية: وكان
الحسن أوثقهما، وكان عبد الله يَتَّبع، وفي رواية: يَجمع أحاديث السبائية،
وقال العجليّ: عبد الله والحسن ثقتان، وقال أبو أسامة: أحدهما مرجئ،
والآخر شيعيّ، وقال النسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن
عبد البرّ: كان أبو هاشم عالِماً بكثير من المذاهب، والمقالات، وكان عالِماً
بالحدثان، وفنون العلم.
قال أبو حسان الزياديّ وغيره: مات سنة ثماني وتسعين، وأرّخه الهيثم:
سنة تسع وتسعين، وكذا أرّخه خليفة.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وكرّره
خمس مرّات.
٤ - (أَبُوهُمَا) هو: محمد بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو القاسم ابن
الحنفيّة المدنيّ، ثقة فقيهٌ [٢] مات بعد الثمانين (ع) تقدم في ((الحيض)) ٤/ ٧٠١.

١١٣
(٣) - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣٢)
٥ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو
الحسن الخليفة الراشد، استُشهد سنة (٤٠) وله (٦٣) سنةً على الأرجح (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
وابن شهاب، والحسن بن محمد ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َظّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنیین، سوی شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل
المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابنين عن أبيهما، وفيه أيضاً أربعة من
التابعين .
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ◌ُله أحد الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة
المبشّرين بالجنة، ومات حين مات، وهو أفضل أهل الأرض من بني آدم
بالإجماع.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ) وفي رواية البخاريّ من طريق
ابن عيينة، أنه سمع الزهريّ يقول: أخبرني الحسن بن محمد بن عليّ، وأخوه
عبد الله ... وذكر البخاريّ في ((التاريخ)) عن ابن عيينة، عن الزهريّ: أخبرنا
الحسن، وعبد الله ابنا محمد بن عليّ، وكان الحسن أوثقهما، ولأحمد عن
سفيان: وكان الحسن أرضاهما إلى أنفسنا، وكان عبد الله يَتّبع السَّبَئِيّة. انتهى.
والسَّبَئِيَّة - بمهملة، ثم موحدة - ينسبون إلى عبد الله بن سبأ، وهو من
رؤساء الروافض، وكان المختار بن أبي عبيد على رأيه، ولِما غلب على
الكوفة، وتتبع قتلة الحسين، فقتلهم أحبته الشيعة، ثم فارقه أكثرهم لِما ظهر منه
من الأكاذيب، وكان من رأي السبئية موالاة محمد بن عليّ بن أبي طالب،
وكانوا يزعمون أنه المهديّ، وأنه لا يموت حتى يخرج في آخر الزمان، ومنهم

١١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
من أقرّ بموته، وزعم أن الأمر بعده صار إلى ابنه أبي هاشم هذا، ومات أبو
هاشم في آخر ولاية سليمان بن عبد الملك سنة ثمان، أو تسع وتسعين، قاله
في ((الفتح))(١) .
(عَنْ أَبِيهِمَا) محمد بن عليّ، وفي رواية الدارقطنيّ في ((الموطآت)) من
طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن مالك، عن الزهريّ: أن عبد الله والحسن
ابني محمد أخبراه؛ أن أباهما محمد بن علي بن أبي طالب أخبرهما (عَنْ
عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) رَبُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ) وفي رواية
أحمد، عن سفيان: ((نَهَى عن نكاح المتعة)).
وسبب قول عليّ ◌َُّله هذا أنه سمع ابن عبّاس ◌ِّ يرخّص في المتعة،
ففي رواية عبيد الله الآتية: ((أنه سمع ابن عباس يُلين في متعة النساء، فقال:
مهلاً يا ابن عبّاس، فإن رسول الله وَّ نهى عنها))، وفي رواية جويرية، عن
مالك: ((أنه سمع عليّ بن أبي طالب يقول لفلان: إنك رجل تائه))، والمراد
بفلان هو ابن عبّاس، وفي رواية للبخاريّ: ((أن عليّاً قيل له: إن ابن عباس لا
يرى بمتعة النساء بأساً))، وللدارقطنيّ: ((أن علياً سمع ابن عباس، وهو يفتي في
متعة النساء، فقال: أما علمت ... )).
وقوله (يَوْمَ خَيْبَرَ) هكذا لجميع الرواة عن الزهريّ: ((خيبر)) بالمعجمة
أوّله، والراء آخره، إلا ما رواه عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد، عن
مالك في هذا الحديث، فإنه قال: ((حُنَين)) - بمهملة أوّله، ونونين - أخرجه
النسائيّ، والدارقطنيّ، ونبّها على أنه وهمٌّ، تفرّد به عبد الوهّاب، وأخرجه
الدارقطنيّ من طريق آخر، عن يحيى بن سعيد، فقال: ((خيبر)) على الصواب،
وأغرب من ذلك رواية إسحاق بن راشد، عن الزهريّ، عنه بلفظ: ((نهى في
غزوة تبوك عن نكاح المتعة))، وهو خطأ أيضاً، قاله في ((الفتح))(٢).
(وَ) نهَى أيضاً (عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ) - بكسر الهمزة، فسكون
النون -: نسبة إلى الإنس، وهم بنو آدم، أو - بضمّ، فسكون -: نسبة إلى
(١) ((الفتح)) ٤١٨/١١.
(٢) ((الفتح)) ٤١٨/١١.

١١٥
(٣) - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣٢)
الأُنس، ضدّ الوحشة، أو - بفتحتين: نسبة إلى الأَنَسَة بمعنى الأُنْس أيضاً،
والمراد هي التي تَأْلَفُ البيوت.
قال ابن الأثير: ((الحمر الإنسيّة)): هي التي تألف البيوت، والمشهور فيها
كسر الهمزة، منسوبة إلى الإنس، وهم بنو آدم، الواحد إنسيٍّ، وفي كتاب أبي
موسى ما يدلّ على أن الهمزة مضمومة، فإنه قال: هي التي تألف البيوت،
والأُنسُ ضدّ الوحشة، والمشهور في ضدّ الوحشة الأَنسُ بالضمّ، وقد جاء فيه
الكسر قليلاً، قال: ورواه بعضهم بفتح الهمزة والنون، وليس بشيء، قال ابن
الأثير: إن أراد أن الفتح غير معروف في الرواية، فيجوز، وإن أراد أنه ليس
بمعروف في اللغة فلا، فإنه مصدرُ أَنِستُ به آنَسُ أَنَساً، وأَنَسَةً. انتهى كلام ابن
الأثير كَذْهُ(١).
وقال النوويّ كَّتُهُ: قوله: ((الأنسية)) ضبطوه بوجهين: أحدهما: كسر
الهمزة، وإسكان النون، والثاني: فتحهما جميعاً، وصرح القاضي بترجيح
الفتح، وأنه رواية الأكثرين، وفي هذا تحريم لحوم الحمر الإنسية، وهو
مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، إلا طائفة يسيرةً من السلف، فقد رُوي عن ابن
عباس، وعائشة، وبعض السلف إباحته، وروي عنهم تحريمه، ورُوي عن مالك
كراهته، وتحریمه. انتھی(٢).
بين النهي عن
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): والحكمة في جمع عليّ .
الحمر الأهليّة والمتعة في هذا الحديث أن ابن عباس ﴿ه كان يرخّص في
الأمرين معاً، فردّ عليه عليّ رَظُه في الأمرين معاً، وأن ذلك يوم خيبر، فإما أن
يكون على ظاهره، وأن النهي عنهما وقع في زمن واحد، وإما أن يكون الإذن
الذي وقع عام الفتح لم يبلغ عليّاً؛ لقصر مدّة الإذن، وهو ثلاثة أيام، كما
تقدّم. انتهى(٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((النهاية)) ٧٤/١ - ٧٥.
(٣) ((الفتح)) ٤٢٣/٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٨٩/٩.

١١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ
ـبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه :
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤٣٢/٣ و٣٤٣٣ و٣٤٣٤ و٣٤٣٥ و ٣٤٣٦]
(١٤٠٧) وسيأتي في ((الذبائح)) أيضاً، و(البخاريّ) في ((المغازي)) (٤٢١٦)
و((النكاح)) (٥١١٥) و((الذبائح والصيد)) (٥٥٢٣) و((كتاب الحيل)) (٦٩٦١)،
و(الترمذيّ) في ((الأطعمة)) (١٧٩٤)، و(النسائيّ) في (النكاح)) (٣٣٦٦ و٣٣٦٧
و٣٣٦٨) و((الصيد والذبائح)) (٤٣٣٥ و٤٣٣٦) وفي ((الکبری)) (٥٥٣٨ و٥٥٣٩
و٥٥٤٠)، و(ابن ماجه) في ((النكاح)) (١٩٦١)، و(مالك) في ((الموطإ))
(١١٥١)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (١٦٢/١ و٣٨١)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٥٥١/٣ و١٢١/٥)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٢/١)، و(أحمد)
في («مسنده)) (٧٩/١ و١٤٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٩٩٠ و٢١٩٧)، و(أبو
عوانة) في («مسنده)) (٢٦/٣ و٢٨ و٢٩ و١٧/٥ و٢٨ و٢٩)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٧٢/٤)، و(ابن الجارود)، في ((المنتقى)) (١٧٥/١)، و(سعيد بن
منصور) في ((سننه)) (٢٥١/١ - ٢٥٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٣٤/١)،
و(البزّار) في ((مسنده)) (٢٤١/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٠٢/٧ و٣٢٩/٩)
و((الصغرى)) (١٩١/٦) و((المعرفة)) (٣٤٠/٥ و٢٦٥/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم المتعة.
٢ - (ومنها): بيان تحريم الحمر الأهليّة.
٣ - (ومنها): بيان جواز النسخ في الشريعة الإسلامية، وهو مجمع عليه
بين المسلمين، كما قال في ((الكوكب الساطع)):
النَّسْخُ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَاقِعُ وَقَائِلُ النَّخْصِيصِ لَا يُنَازِعُ
٤ - (ومنها): بيان جواز تكرار النسخ، حسب المصالح.
كانوا يخفى عليهم بعض
٥ - (ومنها): بيان أن أفاضل الصحابة
النصوص الواضحة، فقد خفي على ابن عبّاس ◌ِّ نسخ المتعة، فكان يُفتي
بجوازها حتى بيّن له عليّ ◌َظُبه ذلك، فمن هنا ينبغي أن يتنبّه المقلّدون

١١٧
(٣) - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣٢)
للمذاهب أن الأئمة قد يخفى عليهم بعض النصوص، فيُقتون بخلافه، فيكون
ذلك مذهباً لهم، وهم في ذلك معذورون، فإذا تبيّن الحقّ لمقّديهم فعليهم أن
يتّبعوا النصوص، ويعتذروا عن أئمتهم، ولا يتجمّدوا، فيقولوا: إمامنا أعلم
منا، فلعله كان عنده دليلٌ أقوى من هذا، فإن هذا قولٌ بالظنون الكاذبة،
فليُتنّه، فإنه من مزالّ الأقدام، والله تعالى المستعان.
٦ - (ومنها): بيان أن العالم إذا أخطأ النصّ، لا يُضَلَّلُ، ولا يُهْجَر،
وإنما يُبَيَّن له الحقّ؛ لأنه ما يخالف النصّ إلا باجتهاد، والخطأ في الاجتهاد
مغفور، بل صاحبه مأجور، لِما أخرجه الشيخان، عن عمرو بن العاص
أنه سمع رسول الله وَل؛ يقول: ((إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب فله
أجران، وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر))، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال في ((الفتح)): قوله: ((يوم خيبر)) الظاهر أنه ظرفٌ
للأمرين: للنهي عن المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية، وحكى البيهقيّ عن
الحميديّ أن سفيان بن عيينة كان يقول: قوله: ((يوم خيبر)) يتعلّق بالحمر
الأهليّة، لا بالمتعة، قال البيهقيّ: وما قاله مُحْتَمِلٌ - يعني في روايته هذه -
وأما غيره فصرّح أن الظرف يتعلّق بالمتعة، وفي رواية للبخاريّ من طريق مالك
بلفظ: ((نهى رسول الله * يوم خيبر عن متعة النساء، وعن لحوم الحمر
الأهلية))، وهكذا أخرجه مسلم من رواية ابن عيينة أيضاً، وفي رواية عبيد الله بن
عمر، عن الزهريّ عند البخاريّ في ((ترك الحيل)): ((أن رسول الله وَّ نهى عنها
يوم خيبر))، وكذا أخرجه مسلم، وزاد من طريقه: ((فقال: مَهْلاً يا ابن عباس))،
ولأحمد من طريق معمر بسنده أنه ((بلغه أن ابن عباس رخّص في متعة النساء،
فقال: إن رسول الله وَّ نهى عنها يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية))،
وأخرجه مسلم من رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ، مثل رواية مالك،
والدارقطنيّ من طريق ابن وهب، عن مالك، ويونس، وأسامة بن زيد ثلاثتهم،
عن الزهريّ كذلك.
وذكر السهيليّ أنّ ابن عيينة رواه عن الزهريّ بلفظ: ((نهى عن أكل الحمر
الأهليّة عام خيبر، وعن المتعة بعد ذلك، أو في غير ذلك اليوم)).

١١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
قال الحافظ: وهذا اللفظ الذي ذكره لم أره من رواية ابن عيينة، فقد
أخرجه أحمد، وابن أبي عمر، والحميديّ، وإسحاق في مسانيدهم عن ابن
عيينة باللفظ الذي أخرجه البخاريّ من طريقه، لكن منهم من زاد لفظ ((نكاح))،
كما بيّنته، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طريق عثمان بن أبي شيبة، وإبراهيم بن
موسى، والعباس بن الوليد، وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة،
ومحمد بن عبد الله بن نُمير، وزهير بن حرب جميعاً عن ابن عيينة بمثل لفظ
مالك، وكذا أخرجه سعيد بن منصور، عن ابن عيينة، لكن قال: ((زمن)) بدل
(يوم))، قال السهيليّ: ويتّصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال؛ لأن فيه النهي
عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أحدٌ من أهل السير، ورواةٍ
الأثر، قال: فالذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهريّ.
وهذا الذي قاله سبقه إليه غيره في النقل عن ابن عيينة، فذكر ابن عبد البرّ
من طريق قاسم بن أصبغ أن الحميديّ ذكر عن ابن عيينة أن النهي زمن خيبر
عن لحوم الحمر الأهليّة، وأما المتعة فكان في غير يوم خيبر، قال: ثم
راجعت ((مسند الحميديّ)) من طريق قاسم بن أصبغ، عن أبي إسماعيل السلمي
عنه، فقال بعد سياق الحديث: ((قال ابن عيينة: يعني أنه نهى عن لحوم الحمر
الأهليّة زمن خيبر، ولا يعني نكاح المتعة))، قال ابن عبد البرّ: وعلى هذا أكثر
الناس، وقال البيهقيّ: يُشبه أن يكون كما قال لصحّة الحديث في أنه وَله
رخّص فيها بعد ذلك، ثمّ نهى عنها، فلا يتمّ احتجاج عليّ إلا إذا وقع النهي
أخيراً؛ لتقوم الحجة به على ابن عبّاس پا.
وقال أبو عوانة في ((صحيحه)): سمعت أهل العلم يقولون: معنى حديث
عليّ رَّ ◌ُبه أنه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأما المتعة، فسكت عنها، وإنما
نهى عنها يوم الفتح. انتهى.
والحامل لهؤلاء على هذا ما ثبت من الرخصة فيها بعد زمن خيبر، كما
أشار إليه البيهقيّ، لكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن عليّاً حظوته لم تبلغه
الرخصة فيها يوم الفتح؛ لوقوع النهي عنها عن قربٍ، كما تقدّم بيانه، ويؤيّد
ظاهرَ حديث عليّ ◌َلُه ما أخرجه أبو عوانة، وصححه من طريق سالم بن
عبد الله: ((أن رجلاً سأل ابن عمر عن المتعة؟ فقال: حرام، فقال: إن فلاناً

١١٩
(٣) - بَابُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ أُبِيحَ، ثُمَّ نُسِخَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٤٣٣)
يقول فيها، فقال: والله لقد علم أن رسول الله وَليقر حرّمها يوم خيبر، وما كنّا
مسافحين)). انتهى ما في ((الفتح)) (١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٤٣٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا
جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ لِقُلَانٍ:
إِنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ، نَهَانَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يَحْيَى بْنِ يَحْبَى، عَنْ مَالِكِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ
جليلٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٧/٤٧.
٢ - (جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء بن عُبيد البصريّ، عمّ عبد الله الراوي عنه،
صدوقٌ [٧] (ت١٧٣) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٧٣/ ٣٩٠.
والباقيان ذكرا قبله.
وقوله: (يَقُولُ لِفُلَانٍ) هو ابن عبّاس ◌َّهَا، كما بيّنته الرواية الآتية.
وقوله: (إِنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ) في رواية الدارقطنيّ: ((إنك امرؤ تائه)).
و((التائه)): هو الحائر الذاهب عن الطريق المستقيم، قال الفيّوميّ كَّتُ: تَاهَ
الإنسانُ في الْمَفَازة يَتِيهُ تَيْهاً: ضَلَّ عَن الطريق، وتاه يتُوهُ تَوْهاً لغةٌ، وقد تَيَّهْتُهُ،
وتَوَّهْتُهُ، ومنه يُستعار لمن رام أمراً، فلم يُصادف الصواب، فيقال: إنه تائه.
(٢)
انتھی(٢).
[تنبيه]: رواية جويرية، عن مالك هذه ساقها أبو نعيم في ((مستخرجه))
(٤/ ٧١) فقال :
(٣٢٦٣) - حدّثنا أبو بكر بن خلاد غير مرة، ثنا محمد بن غالب (ح)
وحدّثنا فاروق الخطابيّ، ثنا إبراهيم بن عبد الله، قالا: ثنا القعنبيّ (ح) وحدّثنا
(١) ((الفتح)) ٤١٩/١١ - ٤٢٠.
(٢) ((المصباح المنير)) ٧٩/١.

١٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
أبو إسحاق بن حمزة، ثنا إبراهيم بن شريك، ثنا أحمد بن يونس (ح) وحدّثنا
أبو أحمد، ثنا أبو خليفة، ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا جُويرية، عن
مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن عليّ، عن أبيهما،
عن عليّ: ((أن رسول الله وَّهُ نَهَى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم
الحمر الإنسية)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّقُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٣٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ، جَمِيعاً عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنِ الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيٍّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهـ
نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ بَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وفي الذي قبله، و((ابن نُمير)) هو: محمد بن
عبد الله بن نُمیر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبق شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٤٣٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللهِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَن الْحَسَنِ وَعَبْدِ اللهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ
أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيٍّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يُلَيِّنُ فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ: مَهْلاً يَا ابْنَ
عَبَّاسٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.