النص المفهرس

صفحات 1-20

الصنف
الَّرُ الخَيْظُ التَارِ
فِ سشرح
جِيجُ الإِهِالْ مُسْلُ الحَجَا
لَجَامِعِه الفَقِيْرِالمِصَوْلَه الغَنِالقَدِرُ
مُقَدَابُ الشَّهُ العُلَّمَ بَكِ ◌ّنْ آدَمُ بنُمُوسَى الإِتَيُّوُلِالوَلّويّ
خُوَيَدْم الْعِلْمُ بِمَكّة المُكرّمَة
عَفَا اللَّه تَعَالى عَنْهُ، وَعَنْهُ وَالدِبُّه آمين
المَجَلَّهُ الخَامِس وَالِعِشْرون
كِتَابُ النِّكَاحِ كِتَابُ الرَّضَاعِ
رقم الأحاديث (٣٣٩٩-٣٦٥١)
دارابن الجوزي

بشير

التِّ الخُطُ التجاري
في شرح
صَخْجُ الأَمْلِ مُسُلُ الحجاب
٢٥

حِقُوق الطَّرْع محفوظة ◌ِدَارابن الجوزيّ
الطّبعَة الأولى
شعبَاتُ ١٤٣٣هـ
حقوق الطبع محفوظة ٢ ١٤٣٣ هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
ـن
ـابن
U
للنـ
يع
التـ
دارابن الجوزي
لِلنَّشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢
الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨
الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت - هاتف:
٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس:
٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٠٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني:
aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

٥
١٦ - كتاب النكاح
براس الرحمن الرحيم
ليلة الجمعة الخامس عشر من شهر رجب المبارك ١٤٢٩/٧/١٥هـ أول الجزء
الخامس والعشرين من شرح صحيح الإمام مسلم المسمّى ((البحر المحيط
الثجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج)) رحمه الله تعالى.
١٦ - (كِتَاب النّكَاحِ)
أي: هذا كتاب في ذكر الأحاديث الدالّة على أحكام النكاح.
مسألتان تتعلّقان بهذه الترجمة:
(المسألة الأولى): في بيان معنى النكاح لغة وشرعاً:
قال الأزهريّ: أصل النكاح في كلام العرب الوطء، وقيل للتزوّج: نكاح لأنه
سبب للوطء المباح، وقال الزّجَاجيّ: هو في كلام العرب الوطء، والعقد جميعاً،
وفي ((المغرب)): وقولهم: النِّكَاح الضمُّ مجاز، وفي ((المغيث)): النكاح التزويج.
وقال أبو عليّ الفارسيّ: فرّقت العرب بينهما فرقاً لطيفاً، فإذا قالوا: نَكَحَ
فلانةَ، أو بنت فلان، أو أخته أرادوا عَقَدَ عليها، وإذا قالوا: نَكَحَ امرأته، أو
زوجته لم يُريدوا إلا الوطء؛ لأن بذكر امرأته، أو زوجته يُستغنى عن ذكر
العقد، وقال الفرّاء: العرب تقول: نُكْحُ المرأةِ - بضمّ النون -: بُضْعُها، وهي
كناية عن الفرج، فإذا قالوا: نَكَحَها: أرادوا أصاب نُكْحها، وهو فرجها.
وفي ((المحكم)): النكاح: الْبُضْعُ، وذلك في نوع الإنسان خاصّة،
واستعمله ثعلب في الذَّبَاب، نَكَحَها يَنكِحُها نَكْحاً - بالفتح -، ونِكاحاً -
بالكسر -، وليس في الكلام فَعَلَ يَفْعِلُ(١)، مما لام الفعل منه حاء إلا یَنكِحُ،
(١) قوله: ((وليس في الكلام فَعَل يفعِل ... إلخ)) الحصر إضافيّ، وإلا فقد فاته یَنْتِحُ،
ويَنْزِحُ، ويَصْمِحُ، ويَجْنِحُ، ويَأْمِحُ، ذكره في هامش ((لسان العرب)) ٦٢٦/٢.

٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
ويَنْطِحُ، ويَمْنِحُ، ويَنْضِحُ، ويَنْبِحُ، ويَرْجِحُ، ويَأْنِحُ، ويَأْزِعُ، ويَمْلِحُ القدر(١)،
والاسم النُّكْح - بالضمّ -، والنِّكْحُ - بالكسر -، ونِكْحُها - بكسر، فسكون -:
الذي يتزوّجها، وهي نِكْحَته، وامرأةٌ ناكحُ بغير هاء: ذات زوج، قال الشاعر
[من الطويل]:
أَحَاطَتْ بِخُطَّابِ الأَيَامَى وَطُلْقَتْ غَدَاةَ غَدٍ مِنْهُنَّ مَنْ كَانَ نَاكِحاً
[من المتقارب]:
وَمِثْلُكَ نَاحَتْ عَلَيْهِ النِّسَاءُ مِنْ بَيْنِ بِكْرٍ إِلَى نَاكِحِهْ
ويقوّیه قول الآخر [من الوافر]:
لَصَلْصَلَةُ اللِّجَامِ بِرَأْسٍ ◌ِرْفٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَنْكِحِنِي
قال ابن الأثير: ولا يقال: ناكح إلا إذا أرادوا بناء الاسم من الفعل،
فيقال: نكحَتْ، فهي ناكحُ، ومنه حديث سُبيعة: ((ما أنت بناكح حتى تنقضي
العدّة)).
واستنكح في بني فلان: تزوّج فيهم، وحكى الفارسيّ: استنكحها،
کنكحها ؛ وأنشد [من الطويل]:
وَهُمْ قَتَلُوا الطَّائِيَّ بِالْحِجْرِ عَنْوَةً أَبَا جَابِرٍ وَاسْتَنْكَحُوا أُمَّ جَابِرٍ (٢).
(١) قال العلامة العينيّ كثّفُ: هذه الأفعال التي قالوا: إنها جاءت على يَفْعِل بكسر
العين، يعني في المضارع، قد جاء منها بفتح العين أيضاً في المضارع، قال
الجوهريّ: نَطَحَهُ الكبشُ يَنْطِحُهُ، ويَنْطَحُهُ، بكسر عين الفعل وفتحها، ومنحه يَمْنِحُهُ
ويَمْنَحُهُ، من المنح، وهو العطاء، ويقال: نَضَحَتِ القربةُ تَنْضَحُ بالفتحِ، وتَنْضِحُ
بالكسر، قاله الجوهريّ ونبح الكلب يَنْبَحُ بالفتح، ويَنْبِح بالكسر نَبْحاً، ونَبِيحاً،
ونُبَاحاً، ونِبَاحاً بالضم، والكِسر، ورَجَحَ الميزانِ يَرْجَحُ بالكسِرِ، والفتح، ويَرْجُحُ
بالضم، ويقال: أَنَحَ الرجل يَأْنِحُ بالكسر أَنْحاً، وأَنِيحاً، وأُنُوحاً: إذا ضَجر من ثِقَل
يجده من مرض، أو بُهْرٍ، كأنه يتنخنخ، ولا يبين، وأَزَحَ الرجلُ يَأْزِعُ أُزُوحاً
بالزاي: إذا تَقَبَّض، ومَلَحْتُ القدرَ أمْلِحِهَا بالفتح والكسر، مَلْحاً بالفتح: إذا
طرحت فيها من الملح بقَدَرٍ، وتقول: أملحت القدرَ إذا أكثرت فيها الملح حتى
فسدت، وفي ((التوضيح)): وللنكاح عدة أسماء جمعها أبو القاسم اللغويّ، فبلغت
ألف اسم وأربعين اسماً. انتهى. ((عمدة القاري)) ٦٤/٢٠ بتصرّف.
(٢) راجع: (لسان العرب)) في مادة: ((نكح)) و((عمدة القاري)) ٦٤/٢٠.

٧
١٦ - كتاب النكاح
قال النوويّ: وأما حقيقة النكاح عند الفقهاء ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا -
يعني الشافعيّة - حكاها القاضي حسين من أصحابنا في ((تعليقه)):
[أصحّها]: أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وهذا هو الذي صححه
أبو الطيّب، وأطنب في الاستدلال له، وبه قطع المتولّي وغيره، وبه جاء القرآن
العزيز، والأحاديث.
[والثاني]: أنه حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، وبه قال أبو حنيفة.
[والثالث]: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك. انتهى(١).
وقال القرطبيّ: حقيقة النكاح: الوطء، وأصله الإيلاج، وهو الإدخال،
وقد اشتهر إطلاقه على العقد، كما قال الله تعالى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ ◌َلَّقْتُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ﴾ [الأحزاب: ٤٩] أي: إذا
عقدتم عليهنّ. وقد يُطلق النكاح، ويُراد به العقد والوطء، كما في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ﴾ الآية [البقرة: ٢٢١]؛ أي: لا تعقدوا عليهنّ،
ولا تطؤوهنّ. انتهى (٢).
وقال في ((الفتح)): النكاح في اللغة الضمّ والتداخل، وتجوّز من قال: إنه
الضمّ، وقال الفرّاء: النُّكْح بضمّ، ثم سكون: اسم الفرج، ويجوز كسر أوله،
وكثُر استعماله في الوطء، وسُمّي به العقد لكونه سببه، قال أبو القاسم
الزجاجيّ: هو حقيقةٌ فيهما، وقال الفارسيّ: إذا قالوا: نكح فلانة، أو بنت
فلان، فالمراد العقد، وإذا قالوا: نكح زوجته، فالمراد الوطء، وقال آخرون:
أصله لزوم شيء لشيء، مستعلياً عليه، ويكون في المحسوسات، وفي المعاني،
قالوا: نكح المطرُ الأرضَ، ونكح النعاسُ عينَهُ، ونَكَحْتُ القَمْحَ في الأرض:
إذا حرثتها، وبذرته فيها، ونكحت الحصاةُ أخفاف الإبل.
وفي الشرع: حقيقةٌ في العقد، مجاز في الوطء على الصحيح، والحجّة
في ذلك كثرةُ وروده في الكتاب والسنّة للعقد حتى قيل: إنه لم يَرِد في القرآن
إلا للعقد، ولا يَرِدُ مثلُ قوله: ﴿حَّى تَنكِحَ زَوْبًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ لأن شرط
الوطء في التحليل إنما ثبت بالسنّة، وإلا فالعقد لا بدّ منه؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى
(١) ((شرح النوويّ)) ١٧٦/٩.
(٢) ((المفهم)) ٨٠/٤.

٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
تَنكِحَ﴾ معناه حتّى تتزوّج؛ أي: يعقد عليها، ومفهومه أن ذلك كافٍ بمجرّده،
لكن بيّنت السنّة أن لا عبرة بمفهوم الغاية، بل لا بدّ بعد العقد من ذوق
العُسَيلَة، كما أنه لا بُدّ بعد ذلك من التطليق، ثم العدّة.
نعم أفاد أبو الحسين بن فارس أن النكاح لم يَرِد في القرآن إلا للتزويج،
إلا في قوله تعالى: ﴿وَأَبْلُواْ الْيَنَ حََّ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ الآية [النساء: ٦]، فإن
المراد به الْخُلُم، والله أعلم.
وفي وجه للشافعيّة؛ كقول الحنفيّة أنه حقيقة في الوطء، مجازٌ في العقد،
وقيل: مقولٌ بالاشتراك على كلّ منهما، وبه جزم الزّجّاجيّ، قال الحافظ:
وهذا الذي يترجّح في نظري، وإن كان أكثر ما يُستعمل في العقد، ورجّح
بعضهم الأول بأن أسماء الجماع كلّها كنايات؛ لاستقباح ذكره، فيبعُدُ أن
يستعير من لا يقصد فحشاً اسم ما يستفظعه لما لا يستفظعه، فدلّ على أنه في
الأصل للعقد، وهذا يتوقّف على تسليم المدّعَى أنها كلّها كنايات، وقد جمع
اسم النكاح ابن القطّان، فزادت على الألف. انتهى(١).
وقال الإمام ابن قدامة دَّثُ في ((المغني)): النكاح في الشرع: هو عقد
التزويج، فعند إطلاق لفظه يَنصرف إليه، ما لم يَصرفه عنه دليلٌ، وقال
القاضي: الأشبه بأصلنا أنه حقيقةٌ في العقد والوطء جميعاً؛ لقولنا بتحريم
موطوءة الأب من غير تزويج؛ لدخوله في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ
ءَبَآؤُكُم مِّنَ النِّسَآءِ﴾ الآية [النساء: ٢٢].
وقيل: بل هو حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، تقول العرب: أَنكّحْنا
الفَرَا، فسنَرَى؛ أي: أضربنا فحل حمر الوحش أمَّه، فسنرى ما يتولّد منهما،
يُضرب مثلاً للأمرين يجتمعون عليه، ثم يتفرّقون عنه، وقال الشاعر [من الطويل]:
وَأُخْرَى عَلَى خَالٍ وَعَمِّ تَلَهَّفُ
وَمِنْ أَيِّمِ قَدْ أَنْكَحَتْنَا رِمَاحُنَا .
والصحيح ما قلنا؛ لأن الأشهر استعمال لفظة النكاح بإزاء العقد في
الكتاب، والسنّة، ولسان أهل العرف، وقد قيل: ليس في الكتاب لفظ نكاح
بمعنى الوطء، إلا قوله تعالى: ﴿حَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ ولأنه يصحّ
(١) ((الفتح)) ٣١٣/١١.

٩
١٦ - كتاب النكاح
نفيه عن الوطء، فيقال: هذا سِفَاح، وليس بنكاح، ويُروى عن النبيّ وَّ أنه
قال: (وُلدتُ من نكاح، لا من سِفَاح)) (١)، ويقال عن السُّرِّيّة: ليست بزوجة،
ولا منكوحة، ولأن النكاح أحد اللفظين اللذين ينعقد بهما عقد النكاح، فكان
حقيقة فيه؛ كاللفظ الآخر، وما ذكره القاضي يُفضي إلى كون اللفظ مشتركاً،
وهو على خلاف الأصل، وما ذكره الآخرون يدلّ على الاستعمال في الجملة،
والاستعمال فيما قلنا أكثر وأشهر، ثم لو قُدِّر كونه مجازاً في العقد لكان
استمالاً عرفّاً، يجب صرف اللفظ عند الإطلاق إليه؛ لشهرته، كسائر الأسماء
العرفيّة. انتهى كلام ابن قدامة رَُّ(٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما سبق أن الأرجح قول من
قال: إن النكاح حقيقة في العقد، مجاز في الوطء؛ لقوّة دليله كما بيّنها ابن
قدامة آنفاً، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في بيان فوائد النكاح، وحكمة مشروعيّته:
(اعلم): أن للنكاح خمس فوائد: الولد، وكسر الشهوة، وتدبير المنزل،
وكثرة العشيرة، ومجاهدة النفس بالقيام بهنّ:
(فأما الفائدة الأولى): فالولد، وهو الأصل، وله وُضِع النكاح،
والمقصود إبقاء النسل، وأن لا يخلو العالم عن جنس الإنس، وإنما الشهوة
خلقت باعثة مستحثة كالموكل بالفحل في إخراج البذر وبالأنثى في التمكين من
الحرث تلطفاً بهما في السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع؛ كالتلطف بالطير
في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة. وكانت القدرة الأزلية غير
(١) أورده الهيثميّ كَُّ في ((مجمع الزوائد)) ٢١٤/٨ وقال: رواه الطبرانيّ عن المدينيّ،
عن أبي الحويرث، ولم أعرف المدينيّ، ولا شيخه، وبقيّة رجاله وُثُقوا. انتهى،
وبإسناد الطبرانيّ المذكور أخرجه البيهقيّ في ((الكبرى)) (١٩٠/٧) فتبيّن بهذا أن
الحديث لا يصحّ بهذا الإسناد؛ للجهالة المذكورة.
ثم رأيت الشيخ الألبانيّ كَلَفُ حسّنه في ((إرواء الغليل)) (٣٢٩/٦ - ٣٣٤)، وقال بعد
أن أجرى الدراسة في طرقه: وخلاصته أن الحديث من قسم الحسن عندي؛ لأنه
صحيح الإسناد عن أبي جعفر مرسلاً. ثم ذكر له شاهدين، والله تعالى أعلم.
(٢) (المغني)) ٣٣٩/٩ - ٣٤٠.

١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
قاصرة عن اختراع الأشخاص ابتداء من غير حراثة وازدواج، ولكن الحكمة
اقتضت ترتيب المسببات على الأسباب مع الاستغناء عنها؛ إظهاراً للقدرة
وإتماماً لعجائب الصنعة، وتحقيقاً لما سبقت به المشيئة وحقّت به الكلمة
وجرى به القلم.
وفي التوصل إلى الولد قربة من أربعة أوجه، هي الأصل في الترغيب فيه
عند الأمن من غوائل الشهوة، حتى لم يحب أحدهم أن يلقى الله عزباً .
الأول: موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان.
والثاني: طلب محبة رسول الله وَل# في تكثير من به مباهاته.
والثالث: طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده.
والرابع: طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله.
(الفائدة الثانية): التحصن من الشيطان، وكسر التَّوَقان، ودفع غوائل
الشهوة، وغض البصر، وحفظ الفرج، وإليه الإشارة بقوله وقيل : ((من استطاع
منكم الباءة، فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر، وأحصن للفرج، فمن لم يستطع فعليه
بالصوم فإن الصوم له وجاء)».
(الفائدة الثالثة): ترويح النفس، وإيناسها بالمجالسة، والنظر، والملاعبة،
وفي ذلك إراحة للقلب، وتقوية له على العبادة، فإن النفس ملولٌ، وهي عن
الحق نَفُورٌ؛ لأنه على خلاف طبعها، فلو كُلِّفت المداومة بالإكراه على ما
يخالفها جَمَحَتْ وثابت، وإذا رُوِّحت باللذات في بعض الأوقات قَوِيت،
ونَشِطت، وفي الاستئناس بالنساء من الاستراحة ما يزيل الكرب، ويروح
القلب، وينبغي أن يكون لنفوس المتقين استراحات بالمباحات، ولذلك قال الله
تعالى: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهًا﴾ [الأعراف: ١٨٩].
(الفائدة الرابعة): تفريغ القلب عن تدبير المنزل، والتكفل بشغل الطبخ،
والكنس، والفرش، وتنظيف الأواني، وتهيئة أسباب المعيشة، فإن الإنسان لو
لم يكن له شهوة الوقاع لتعذر عليه العيش في منزله وحده؛ إذ لو تكفل بجميع
أشغال المنزل لضاع أكثر أوقاته، ولم يتفرغ للعلم والعمل، فالمرأة الصالحة
للمنزل عون على الدين بهذه الطريق، واختلال هذه الأسباب شواغل،
ومشوشات للقلب، ومنغصات للعيش.

١١
١٦ - كتاب النكاح
ولذلك قال أبو سليمان الدارانيّ تَخّْتُهُ: الزوجة الصالحة ليست من الدنيا،
فإنها تفرغك للآخرة، وإنما تفريغها بتدبير المنزل، وبقضاء الشهوة جميعاً.
(الفائدة الخامسة): مجاهدة النفس، ورياضتها بالرعاية، والولاية، والقيام
بحقوق الأهل، والصبر على أخلاقهن، واحتمال الأذى منهنّ، والسعي في
إصلاحهن، وإرشادهنّ إلى طريق الدين، والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهنّ،
والقيام بتربيته لأولاده، فكل هذه أعمال عظيمة الفضل، فإنها رعاية، وولاية،
والأهل والولد رعية، وفضل الرعاية عظيم إنما يحترز منها من يحترز خِيفة من
القصور عن القيام بحقها. ذكر هذه الفوائد الغزاليّ تَظُّهُ في ((إحيائه))(١)، وهي
فوائد مهمّة، وعوائد جسيمة.
وقال الشيخ وليّ الله الدهلويّ تَظُّ في كتابه ((حجة الله البالغة)): الأصل
في ذلك أن حاجة الجماع أوجبت ارتباطاً، واصطحاباً بين الرجل والمرأة، ثم
الشفقة على المولود، أوجبت تعاوناً منهما في حضانته، وكانت المرأة أهدأهما
للحضانة بالطبع، وأخفهما عقلاً، وأكثرهما انحجاماً من المشاقّ، وأتمهما
حياءً، ولزوماً للبيت، وأحذقهما سعياً في محقرات الأمور، وأوفرهما انقياداً،
وكان الرجل أسدّهما عقلاً، وأشدهما ذّاً عن الذِّمَارِ، وأجرأهما على الاقتحام
في المشاقّ، وأتمهما تِيهاً، وتسلطاً، ومناقشةً، وغَيْرَةً، فكان معاش هذه لا تتم
إلا بذاك، وذاك يحتاج إلى هذه، وأوجبت مزاحمات الرجال على النساء،
وغيرتهم عليهنّ ألا يصلح أمرهم إلا بتصحيح اختصاص الرجل بزوجته على
رؤوس الأشهاد، وأوجبت رغبة الرجل في المرأة، وكرامتها على وليها، وذبّه
عنها أن يكون مهرٌ، وخِظْبةٌ، وتَصَدٍّ من الوليّ، وكان لو فُتح رغبة الأولياء في
المحارم أفضى ذلك إلى ضرر عظيم عليها، من عَضْلها عمن ترغب فيه، وألا
يكون لها من يطالب عنها بحقوق الزوجية، مع شدّة احتياجها إلى ذلك،
وتكدير الرحم بمنازعات الضَّرّات، ونحوها، مع ما تقتضيه سلامة المزاج من
قلة الرغبة في التي نشأ منها، أو نشأت منه، أو كان كعصى دوحة، وأوجب
الحياء عن ذكر الحاجة إلى الجماع، أن تجعل مدسوسة في ضمن عروج يتوقع
(١) «إحياء علوم الدين)) ٢٥/٢.

١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
لهما، كأنه الغاية التي وجدا لها، وأوجب التلطف في التشهير، وجعل الملاك
المنزليّ عروجاً أن تجعل وليمة يدعى الناس إليها، ودُفٍّ وطَرَبٌ.
وبالجملة فلوجوه جمة مما ذكرنا، ومما حذفنا ـ اعتماداً على ذهن
الأذكياء - كان النكاح بالهيئة المعتادة، أعني نكاح غير المحارم، بمحضر من
الناس، مع تقديم مهر، وخِطبة، وملاحظة كفاءة، وتَصَدٍّ من الأولياء، ووليمةٍ،
وكون الرجال قوامين على النساء، متكفلين معاشهنّ، وكونهن خادماتٍ،
حاضناتٍ مطيعاتٍ سنةً لازمةً، وأمراً مسلَّماً عند الكافة، وفطرة فطر الله الناس
عليها، لا يختلف في ذلك عربهم، ولا عجمهم، ولمّا لم يكن بذل الجهد
منهما في التعاون، بحيث يجعل كلُّ واحد ضررَ الآخر ونفعه كالراجع إلى
نفسه، إلا بأن يوطّنا أنفسهما على إدامة النكاح، ولا بدّ من إبقاء طريق
للخلاص إذا لم يطاوعا، ولم يتراضيا، وإن كان من أبغض المباحات وجب
في الطلاق ملاحظة قيود، وعدّة، وكذا في وفاته عنها تعظيماً لأمر النكاح في
النفوس، وأداءً لبعض حق الإدامة، ووفاء لعهد الصحبة، ولئلا تشتبه الأنساب.
انتهى المقصود من كلام وليّ الله الدهلويّ تَُّ(١)، وهو كلام حسنٌ، والله
تعالى أعلم بالصواب.
(١) - (بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْي عَنِ التَّبَتُّلِ (٢))
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٣٩٩] (١٤٠٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي
شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى،
أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ
(١) ((حجة الله البالغة)) ٨٧/١ - ٨٩.
(٢) ترجم القرطبيّ كَّلُ بنحو هذه الترجمة، وهي أخصر من ترجمة النوويّ تَظَلَثُ ومن
تبعه، فلذا اخترتها .

١٣
(١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْىِ عَنِ التَُّّلِ - حديث رقم (٣٣٩٩)
عَبْدِ اللهِ بِمِنَّى، فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ، فَقَامَ مَعَهُ يُحَدَّثُهُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: يَا أَبَا عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ، أَلَا نُزَوِّجُكَ جَارِيَةٌ شَابَّةً، لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ زَمَانِكَ؟
قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ: ((يَا مَعْشَرَ
الشَّبَابِ، مَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ،
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ
[١٠] (ت٢٢٦) على الصحيح (خ م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة
إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠]
(ت٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) أبو كريب الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠]
(ت٢٤٧) وله (٨٧) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٤ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس
لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩]
(ت١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورِعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت٧ أو ١٤٨)
(ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٧.
٦ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ،
ثقةٌ فقيه، يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥٢/٦.
٧ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢]
مات بعد (٦٠) وقيل: بعد (٧٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٨ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن
الصحابيّ الشهير، مات سنة (٣٢) أو التي بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.

١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وله فيه ثلاثة من الشيوخ
قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهم، ثم فصّل؛ لاختلافهم فيها .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وأبي
بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ،
وأما شيخه محمد بن العلاء فقد اتّفق الجماعة بالرواية عنه بلا واسطة، كما مرّ
غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره، سوى شيخه
يحيى، فنيسابوريّ، والظاهر أنه دخل الكوفة.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين روى بعضهم عن بعض،
ورواية الأولين من رواية الأقران.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ الأسانيد، وهي ترجمة الأعمش، عن
إبراهيم النخعيّ، عن علقمة، عن ابن مسعود ﴿ه، قاله في ((الفتح)) (١).
، فهو أحد السابقين
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة
الأولين إلى الإسلام، ومن كبار علماء الصحابة، ذو مناقب جمّة، وأمّره
عمر ربه على الكوفة.
شرح الحديث:
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النخعيّ، وفي رواية للبخاريّ تصريح كلّ من الأعمش،
وإبراهيم بالتحديث، ولفظه: ((حدّثنا عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا
الأعمش، قال: حدّثني إبراهيم، عن علقمة ... )) (عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي
مَعَ عَبْدِ الله) أي: ابن مسعود حظُه (بِمِنَّى، فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ) وفي رواية البخاريّ:
((فلقيه عثمان بمنى))، قال في ((الفتح)): كذا وقع في أكثر الروايات، وفي رواية
زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش عند ابن حبان: ((بالمدينة))، وهي شاذّةٌ.
انتهى. (فَقَامَ مَعَهُ) أي: قام عثمان مع عبد الله، ويَحْتَمِل العكس (يُحَدِّثُهُ) جملة
(١) ((الفتح)) ٣١٩/١١.

١٥
(١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النَّكَاحِ، وَالنَّهْىٍ عَنِ التَُّلِ - حديث رقم (٣٣٩٩)
رَضُرُعَنْهُ،
(يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هذه كنية ابن مسعود
حاليّة (فَقَالَ لَهُ عُثْمَانٌ)
قال في ((الفتح)): وظن ابن الْمُنَيِّر أن المخاطب بذلك ابن عمر؛ لأنها كنيته
المشهورة، وأكَّد ذلك عنده أنه وقع في نسخته من ((شرح ابن بطال)) عقب
الترجمة: ((فيه ابنُ عمر لقيه عثمان بمنى))، وقصّ الحديث، فكتب ابن الْمُنَيِّر
في ((حاشيته)): هذا يدل على أن ابن عمر شدَّد على نفسه في زمن الشباب؛
لأنه كان في زمن عثمان شابّاً، كذا قال، ولا مدخل لابن عمر في هذه القصة
أصلاً، بل القصة والحديث لابن مسعود، مع أن دعوى أن ابن عمر كان شابّاً
إذ ذاك فيه نظر؛ فإنه كان إذ ذاك جاوز الثلاثين. انتهى(١).
(أَلَا) أداة عرض وتحضيض (نُزَوِّجُكَ جَارِيَةً) قال القرطبيّ: الجارية هنا
الْمُعْصِرُ، وما قارب ذلك. انتهى، قال الفيّوميّ تَخْتُ: أعصرت الجارية: إذا
حاضت، فهي مُعْصِرٌ بغير هاء، فإذا حاضت فقد بلغت، وكأنها إذا حاضت
دخلت في عصر شبابها. انتهى (٢). (شَابَّةً، لَعَلَّهَا تُذَكِّرُكَ بَعْضَ مَا مَضَى مِنْ
زَمَانِكَ) أي: زمان نشاطك، وفي الرواية التالية: ((فقال له عثمان: ألا نزوّجك
يا أبا عبد الرحمن جاريةً بكراً، لعله يرجع إليك من نفسك ما كنت تَعْهَدُ))، قال
في ((الفتح)): لعل عثمان رَُّه رأى به قَشَفاً(٣) ورَثَاثة هيئة، فحَمَلَ ذلك على
فقده الزوجة التي تُرَقِّهُهُ، قال: ويؤخذ منه أن معاشرة الزوجة الشابّة تزيد في
القوّة والنشاط، بخلاف عكسها فبالعكس. انتهى.
وقال القرطبيّ: وكان عبد الله قد قَلَّت رغبته في النساء، إما للاشتغال
بالعبادة، وإما للسنّ، وإما لمجموعهما، فحرّكه عثمان بذلك. انتهى (٤).
(لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ) أي: ما
(قَالَ) علقمة (فَقَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعود (
ذكرته من تزويجك لي شابّةً تذكّرني بعض ما مضى من زماني (لَقَدْ قَالَ لَنَا
رَسُولُ اللهِ وَ ﴾) وفي رواية زيد: ((لقد كنا مع رسول الله وَلقول شباباً، فقال لنا))،
(١) ((الفتح)) ٣١٩/١١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤١٣/٢.
(٣) القَشَفُ محرّكةً: قَذَرُ الجلد، ورَثَاثة الهيئة، وسوء الحال، وضِيق العيش، قاله في
(«القاموس)) ١٨٥/٣.
(٤) ((المفهم)) ٤/ ٨١.

١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وفي رواية عبد الرحمن بن يزيد الآتية في الباب: ((دخلت أنا وعمي علقمة،
والأسود، على عبد الله بن مسعود، قال: وأنا شابّ، فذكر حديثاً))، وفي رواية
البخاريّ: ((فقال عبد الله: كنا مع النبيّ وَلير شباباً، لا نجد شيئاً، فقال لنا: يا
معشر الشباب))، وفي رواية جرير، عن الأعمش عند مسلم: ((قال عبد الرحمن:
وأنا يومئذ شابٌ، فحدَّث بحديث رأيت أنه حَدَّث به من أجلي))، وفي رواية
وكيع، عن الأعمش: ((وأنا أحدَث القوم)) ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ) المعشر: جماعة
يشملهم وصفٌ مّا، والشباب: جمع شابّ، ويجمع أيضاً على شَبَبَة، وشُبَّان،
بضم أوّله، والتثقيل، وذكر الأزهريّ أنه لم يجمع فاعِلٌ على فُعّال غيره،
وأصله الحركة والنشاط، وهو اسم لمن بلغ إلى أن يُكْمِل ثلاثين، هكذا أَطلق
الشافعية، وقال القرطبيّ في ((المفهم)): يقال له: حَدَثٌ إلى ستة عشر سنةً، ثم
شابّ إلى اثنتين وثلاثين، ثم كَهْلٌ، وكذا ذكر الزمخشريّ في الشباب أنه من
لدن البلوغ إلى اثنتين وثلاثين، وقال ابن شاس المالكيّ في ((الجواهر)): إلى
أربعين، وقال النوويّ: الأصح المختار أن الشاب من بلغ، ولم يجاوز
الثلاثين، ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثم هو شيخ، وقال الروياني
وطائفة: من جاوز الثلاثين سُمِّي شيخاً، زاد ابن قتيبة إلى أن يبلغ الخمسين،
وقال أبو إسحاق الإسفرايينيّ عن الأصحاب: المرجع في ذلك إلى اللغة، وأما
بياض الشعر، فيختلف باختلاف الأمزجة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت أسماء المولود في أطواره المختلفة،
فقلت :
ثُمَّ صَبِيّاً لِلْفِظَامِ يُدْعَى
وَيَافِعٌ لِعَشْرَةَ حَزَوَّرُ
وَقُمُدَاً لِلْخَمْسٍ وَالْعِشْرِينِ
ثُمَّ لأَرْبَعِينَ قُلْ مُمِلُّ
إِلَى ثَمَانِينَ بِشَيْخِ يُعْلَی
أَوْرَدَه الْحَافِظُ فِي ((الْفَتْح)) كَذَا
دَعَوْهُ بِالْجَنِينِ حَتَّى يُولَدَا
اعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ أَنَّ الْوَلَدَا
ثُمَّ إِلَى سَبْعِ غُلَاماً يُرْعَى
لِخَمْسِ عَشْرَةَ أَتَاكَ الْخَبَرُ
عَنَظْنَطَاً إِلَى ثَلَاثِينِ دُعِي
ثُمَّ إِلَى خَمْسِينَ قَالُوا كَهْلُ
ثُمَّ إِذَا زَادَ بِهَمِّ يُجْلَى
فَاحْفَظْ وَقَاكَ اللهُ مِنْ كُلِّ أَذَى
(مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ) خَصَّ الشباب بالخطاب؛ لأن الغالب وجود قوّة

١٧
(١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النُّكَاحِ، وَالتَّهْرِ عَنِ التَّبُّلِ - حديث رقم (٣٣٩٩)
الداعي فيهم إلى النكاح، بخلاف الشيوخ، وإن كان المعنى معتبراً إذا وُجد
السبب في الكهول والشيوخ أيضاً (الْبَاءَةَ) بالهمز، وتاء تأنيث ممدود، وفيها لغة
أخرى بغير همز، ولا مدّ، وقد يهمز ويمدّ بلا هاء، ويقال لها أيضاً: الباهة،
كالأول، لكن بهاء بدل الهمزة، وقيل: بالمد القدرة على مؤن النكاح، وبالقصر
الوطء، قال الخطابيّ: المراد بالباءة النكاح، وأصله الموضع الذي يتبوؤه،
ويأوي إليه، وقال المازريّ: اشتُقَّ العقد على المرأة من أصل الباءة؛ لأن من
شأن من يتزوج المرأة أن يبوِّءها منزلاً .
وقال النوويّ: اختَلَف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين، يرجعان
إلى معنى واحد: أصحهما: أن المراد معناها اللغويّ، وهو الجماع، فتقديره:
من استطاع منكم الجماع؛ لقدرته على مُؤَنه، وهي مُؤَن النكاح، فليتزوج، ومن
لم يستطع الجماع؛ لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم؛ ليدفع شهوته، ويقطع شَرَّ
مَنِّهِ، كما يقطعه الوِجَاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم
مَظِنّة شهوة النساء، ولا ينفكّون عنها غالباً .
والقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة مُؤَن النكاح، سُمِّيت باسم ما
يلازمها، وتقديره: من استطاع منكم مُؤَن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع
فليصم؛ لدفع شهوته، والذي حمل القائلين بهذا على ما قالوه قوله: ((ومن لم
يستطع فعليه بالصوم))، قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم؛ لدفع
الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن، وانفصل القائلون بالأول عن ذلك
بالتقدير المذكور. انتهى.
قال في ((الفتح)): والتعليل المذكور للمازريّ، وأجاب عنه القاضي عياض
بأنه لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان، فيكون المراد بقوله: ((من استطاع الباءة))
أي: بلغ الجماع، وقدر عليه فليتزوج، ويكون قوله: ((ومن لم يستطع)) أي من
لم يقدر على التزويج.
قال الحافظ: وتهيأ له هذا لحذف المفعول في المنفيّ، فَيَحْتَمِل أن يكون
المراد: ومن لم يستطع الباءة، أو من لم يستطع التزويج، وقد وقع كل منهما
صريحاً، فعند الترمذيّ في رواية عبد الرحمن بن يزيد، من طريق الثوريّ، عن
الأعمش: ((ومن لم يستطع منكم الباءة))، وعند الإسماعيليّ من هذا الوجه، من

١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
طريق أبي عوانة، عن الأعمش: ((من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج))، ويؤيده
ما وقع في رواية للنسائيّ من طريق أبي معشر، عن إبراهيم النخعيّ: ((من كان
ذا طَوْل فلينكح))، ومثله لابن ماجه، من حديث عائشة ﴿قا، وللبزار من حديث
أنس ﴿ه، وأما تعليل المازريّ، فيَعْكُرُ عليه قوله في الرواية الأخرى عند
البخاريّ بلفظ: ((كنا مع النبيّ ◌َ﴿ شباباً، لا نجد شيئاً))، فإنه يدلّ على أن
المراد بالباءة الجماع، ولا مانع من الحمل على المعنى الأعمّ، بأن يراد بالباءة
القدرة على الوطء، ومُؤَنِ التزويج، والجواب عما استشكله المازريّ أنه يجوز
أن يُرْشَد من لا يستطيع الجماع من الشباب لفرط حياء، أو عدم شهوة، أو عُنَّةٍ
مثلاً إلى ما يُهَيِّء له استمرار تلك الحالة؛ لأن الشباب مظنة ثوران الشهوة
الداعية إلى الجماع، فلا يلزم من كسرها في حالة أن يستمر كسرها، فلهذا
أرشد إلى ما يستمر به الكسر المذكور، فيكون قسم الشباب إلى قسمين: قسم
يَتُوُقون إليه، ولهم اقتدار عليه، فندبهم إلى التزويج؛ دفعاً للمحذور، بخلاف
الآخرين، فندبهم إلى أمر تستمرّ به حالتهم؛ لأن ذلك أرفق بهم؛ للعلة التي
ذُكِرت في رواية عبد الرحمن بن يزيد، وهي أنهم كانوا لا يجدون شيئاً،
ويستفاد منه أن الذي لا يجد أهبة النكاح، وهو تائق إليه يندب له التزويج دفعاً
للمحذور. انتهى كلام الحافظ تَُّ(١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
(فَلْيَتَزَوَّجْ) أمرٌ بالتزوّج، وظاهره الوجوب، وبه قال بعض أهل العلم،
وحمله الجمهور على الندب، والأول هو الحقّ على تفصيل سيأتي تحقيقه، إن
شاء الله تعالى قريباً .
(فَإِنَّهُ أَغَضُّ) الفاء للتعليل؛ أي: لأنه أشدّ غضّاً (لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ)
أي: أشدّ إحصاناً له، ومنعاً من الوقوع في الفاحشة.
قال الحافظ كَّلهُ: وما ألطف ما وقع لمسلم حيث ذكر عقب حديث ابن
مسعود ظه هذا بيسير حديث جابر به رفعه: ((إذا أحدكم أعجبته المرأة،
فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته فليواقعها، فإن ذلك يردّ ما في نفسه))، فإن
فيه إشارةً إلى المراد من حديث الباب.
(١) ((الفتح)) ٣٢١/١١ -٣٢٢.

١٩
(١) - بَابُ التَّرْغِيبِ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّهْىِ عَنِ التَُّّلِ - حديث رقم (٣٣٩٩)
وقال ابن دقيق العيد تَخْتُهُ: يَحْتَمِل أن تكون أفعل على بابها، فإن التقوى
سبب لغضّ البصر، وتحصين الفرج، وفي معارضتها الشهوية الداعية، وبعد
حصول التزويج يضعف هذا العارض، فيكون أغضّ وأحصن مما لم يكن؛ لأن
وقوع الفعل مع ضعف الداعي أندر من وقوعه مع وجود الداعي.
ويَحْتَمِل أن يكون أفعل فيه لغير المبالغة، بل إخبار عن الواقع فقط.
انتھی .
(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي: الباءةَ (فَعَلَيْهِ) في رواية مغيرة، عن إبراهيم، عند
الطبرانيّ: ((ومن لم يَقْدِر على ذلك، فعليه بالصوم)).
قال المازريّ: فيه إغراء بالغائب، ومن أصول النحويين أن لا يُغْرَى
بالغائب، وقد جاء شاذاً قول بعضهم: عليه رجلاً ليسني، على جهة الإغراء.
وتعقبه عياض بأن هذا الكلام موجود لابن قتيبة، والزجاجيّ، ولكن فيه
غلط من أوجه:
أما أوَّلاً: فمن التعبير بقوله: فيه إغراء بالغائب، والصواب فيه إغراء
الغائب، فأما الإغراء بالغائب فجائزٌ، ونَصَّ سيبويه أنه لا يجوز دونه زيداً، ولا
يجوز عليه زيداً عند إرادة غير المخاطب، وإنما جاز للحاضر؛ لما فيه من
دلالة الحال، بخلاف الغائب، فلا يجوز؛ لعدم حضوره، ومعرفته بالحالة
الدالة على المراد.
وأما ثانياً: فإن المثال ما فيه حقيقة الإغراء، وإن كانت صورته، فلم يُرِد
القائل تبليغ الغائب، وإنما أراد الإخبار عن نفسه، بأنه قليل المبالاة بالغائب،
ومثله قولهم: إليك عني؛ أي: اجعل شغلك بنفسك، ولم يُرِد أن يُغْرِيه به،
وإنما مراده: دَعْنِي، وكُنْ كمن شُغِل عني.
وأما ثالثاً: فليس في الحديث إغراء الغائب، بل الخطاب للحاضرين
الذين خاطبهم أوّلاً بقوله: ((من استطاع منكم))، فالهاء في قوله: ((فعليه)) ليست
لغائب، وإنما هي للحاضر المبهم؛ إذ لا يصح خطابه بالكاف، ونظير هذا
قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِىِ الْقَلْلِّ﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾
[البقرة: ١٢٨]، ومثله لو قلت لاثنين: من قام منكما فله درهم، فالهاء للمبهم من
المخاطبين، لا للغائب. انتهى مُلَخّصاً.

٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب النكاح
وقد استحسنه القرطبيّ، قال الحافظ: وهو حسنٌ بالغٌ، وقد تفطن له
الطيبيّ، فقال: قال أبو عبيد: قوله: ((فعليه بالصوم)) إغراء غائب، ولا تكاد
العرب تُغْرِي إلا الشاهد، تقول: عليك زيداً، ولا تقول: عليه زيداً، إلا في
هذا الحديث، قال: وجوابه أنه لما كان الضمير الغائب راجعاً إلى لفظة ((مَنْ))،
وهي عبارة عن المخاطبين في قوله: ((يا معشر الشباب))، وبيان لقوله: ((منكم))
جاز قوله: ((عليه))؛ لأنه بمنزلة الخطاب.
وقد أجاب بعضهم بأن إيراد هذا اللفظ في مثال إغراء الغائب هو باعتبار
اللفظ، وجواب عياض باعتبار المعنى، وأكثر كلام العرب اعتبار اللفظ، كذا
قال، والحقّ مع عياض، فإن الألفاظ توابعُ للمعاني، ولا معنى لاعتبار اللفظ
مجرداً هنا. انتهى كلام الحافظ كَُّ(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّاً، والله تعالى
أعلم.
(بِالصَّوْم) أي: لتنكسر شهوته، فلا يقعَ في الحرام، قال في ((الفتح)):
عَدَلَ عن قوله: فعليه بالجوع، وقلّة ما يُثير الشهوة، ويستدعي طغيان الماء، من
الطعام والشراب، إلى ذكر الصوم؛ إذ ما جاء لتحصيل عبادة هي برأسها
مطلوبة، وفيه إشارة إلى أن المطلوب من الصوم في الأصل كسر الشهوة.
انتھی .
(فَإِنَّهُ) أي: الصومَ (لَهُ وِجَاءٌ))) - بكسر الواو، والمدّ - أصله الْغَمْزُ، ومنه
وجأه في عنقه: إذا غمزه دافعاً له، ووجأه بالسيف: إذا طعنه به، ووجأ أُنثييه:
غمزهما حتى رضّهما، ووقع في رواية ابن حبّان المذكورة: ((فإنه له وجاء،
وهو الإخصاء))، وهي زيادة مدرجة في الخبر، لم تقع إلا في طريق زيد بن أبي
أنيسة هذه، وتفسير الوجاء بالإخصاء فيه نظر، فإن الوجاء رضّ الأنثيين،
والإخصاء استئصالهما، وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة، وقال
أبو عبيدة: قال بعضهم: وجا بفتح الواو، مقصوراً، والأول أكثر، وقال أبو
زيد: لا يقال: وجاءٌ إلا فيما لم يبرأ، وكان قريب العهد بذلك، قاله في
((الفتح))(٢).
(١) ((الفتح)) ٣٢٣/١١ - ٣٢٤.
(٢) ((الفتح)) ٣٢٤/١١.