النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
(٧٦) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْهُمْرَةِ - حديث رقم (٣٢٩٠)
((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة))، كما سبق في ((صحيح مسلم).
وأصحّهما يوم عرفة؛ للحديث المذكور في هذا الباب، ويتأول حديث يوم
الجمعة على أنه أفضل أيام الأسبوع. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث ((خير يوم طلعت فيه الشمس ... ))
أخرجه النسائيّ في ((كتاب الجمعة)) برقم (١٣٧٣/٤)، وقد استوفيت البحث فيه
في ((شرحي))، فراجعه تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
٢ - (ومنها): عظيم منّ الله وَلَ على المؤمنين، وإكرامه لهم، حيث
يباهي بهم الملائكة لوقوفهم بعرفة.
٣ - (ومنها): إثبات صفة الدنوّ الله ◌ُعَلَ على ما يليق بجلاله.
٤ - (ومنها): إثبات صفة القول له تعالى أيضاً كذلك، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٩٠] (١٣٤٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَّا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ
لَيْسَ لَهُ جَزَاءُ إِلَّا الْجَنَّةُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن هشامٍ
المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٠) مقتولاً بقُديد (ع) تقدم في ((الصلاة)) ٩١٨/١٨.
٢ - (أَبُو صَالِحِ السَّمَّانِ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣]
(ت١٠١) (ع) تقدم فيّ ((المقدمة)) ٤/٢.
والباقون ذُكروا في البابين الماضيين.
(١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ١١٧.

٣٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َُّهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضاً، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ربه، أحفظ من روى الحديث في دهره،
روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سُمَيٍّ) قال الحافظ ابن عبد البرّ كَُّ: تفرّد سميّ بهذا الحديث،
واحتاج إليه الناس فيه، فرواه عنه مالك، والسفيانان، وغيرهما، حتى إن
سهيل بن أبي صالح حدّث به عن سُميّ، عن أبي صالح، فكأن سهيلاً لم
يسمعه من أبيه، وتحقّق بذلك تفرّد سميّ به، فهو من غرائب الصحيح. انتهى.
(عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبُهُ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:
((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ) أَي: منتهية إلى العمرة، قال القاري: أي العمرة المنضمّة
إلى العمرة، أو العمرة الموصولة، أو المنتهية إلى العمرة، وقال المناويّ: أي
العمرة حال كون الزمن بعدها ينتهي إلى العمرة، فـ((إلى)) للانتهاء على أصلها،
وقال الباجيّ، وتبعه ابن التين: إن ((إلى)) يَحْتَمِل أن تكون بمعنى ((مع))، كقوله
تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢]، وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى
اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]، فيكون التقدير: العمرة مع العمرة مكفّرةٌ لما بينهما، فإذا
كانت للغاية كان المكفّر هو العمرة الأولى، وإذا كانت بمعنى ((مع)) كان المكفّر
العمرتين، ويدلّ للثاني حديث: ((العمرتان تكفّران ما بينهما))، أخرجه البيهقيّ
في ((شعب الإيمان)) من حديث أبي هريرة ته، قال المناويّ: فيه من لم
أعرفهم، ولم أرهم في كتب الرجال.
وقال السنديّ كَّتُهُ: قيل: يَحْتَمِل أن تكون ((إلى)) بمعنى ((مع))؛ أي:
العمرة مع العمرة، أو بمعناها متعلّقة بـ(كفّارة))؛ أي: تكفّر إلى العمرة، ولازمه
أنها تكفّر الذنوب المتأخّرة. انتهى.

٣٨٣
(٧٦) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٣٢٩٠)
(كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا) هذا ظاهر في فضل العمرة، وأنها مكفّرة للخطايا
الواقعة بين العمرتين، قال الحافظ ابن عبد البرّ: ((كفّارة لما بينهما)) من الذنوب
الصغائر، دون الكبائر، قال: وذهب بعض علماء عصرنا إلى تعميم ذلك، ثم
بالغ في الإنكار عليه، قال الزرقانيّ: وكأنه يعني الباجيّ، فإنه قال: ((ما)) من
ألفاظ العموم، فتقتضي من جهة اللفظ تكفير جميع ما يقع بينهما إلا ما خصّه
الدليل.
واستشكل بعضهم كون العمرة كفّارة مع أن اجتناب الكبائر يكفّر، فماذا
تكفّره العمرة؟
وأجيب بأن تكفير العمرة مقيّد بزمنها، وتكفير الاجتناب عامّ لجميع عُمُر
العبد، فتغايرا من هذه الحيثيّة، ذكره الزرقانيّ(١).
وقال العينيّ: ظاهر الحديث أن الأولى هي المكفّرة؛ لأنها التي وقع
الخبر عنها أنها تكفّر، ولكن الظاهر من جهة المعنى أن العمرة الثانية هي التي
تكفّر ما قبلها إلى العمرة التي قبلها، فإن التكفير قبل وقوع الذنب خلاف
الظاهر. انتهى (٢).
وقال الأبيّ: الأظهر أن الحديث خرج مخرج الحثّ على تكرير العمرة
والإكثار منها؛ لأنه إذا حُمل على غير ذلك يُشكل بما إذا اعتمر مرّة واحدة،
فإنه يلزم عليه أن لا فائدة لها؛ لأن فائدتها، وهو التكفير مشروطة بفعلها ثانية؛
إلا أن يقال: لم تنحصر فائدة العبادة في تكفير السيئات، بل يكون فيها، وفي
ثبوت الحسنات، ورفع الدرجات، كما ورد في بعض الأحاديث: من فعل كذا
كُتب له كذا كذا حسنة، ومحيت عنه كذا كذا سيئة، ورُفعت له كذا كذا درجة،
فتكون فائدتها إذا لم تكرّر ثبوت الحسنات، ورفع الدرجات، قال: وقال
شيخنا أبو عبد الله - يعني ابن عرفة -: إذا لم تكرّر كفّر بعض ما وقع بعدها،
لا كلّه - والله أعلم - بقدر ذلك البعض(٣).
(وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ) قال ابن الأثير ◌َُّهُ: هو الذي لا يخالطه شيء من
(١) ((شرح الزرقانيّ على الموطأ)) ٢٦٨/٢.
(٢) ((عمدة القاري)) ١٠٨/١٠ - ١٠٩.
(٣) ((شرح الأبّيّ)) ٤٤٤/٣.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
المآثم، وقيل: هو المقبول الْمُقَابَلُ بالبرّ، وهو الثواب، يقال: بَرّ حجّه - بالبناء
للفاعل - وبُرَّ حجّه - بالبناء للمفعول - وبرّ اللهُ حجّه وأبرّه بِرّاً بالكسر، وإبراراً.
(١)
انتھی '١١.
وقال الحافظ ابن عبد البرّ كَّلهُ: ((الحج المبرور)): هو المتقبّل، وقيل:
الذي لا رياء فيه، ولا سمعة، ولا رَفَث، ولا فسوق، وكانت النفقة فيه من
المال الطيّب، وعن ابن عمر، قال: الحجّ المبرور إطعام الطعام، وحسن
الصحبة، ورَوَى ضمرة بن ربيعة، عن ثور بن يزيد، قال: من أمّ هذا البيت،
ولم يكن فيه ثلاث خصال، لم يَسلَم له حجه: من لم يكن له حِلْمٌ يضبط به
جهله، ووَرَعُ عما حرّم الله عليه، وحسن الصحبة لمن صحبه. ثم أخرج بسنده
عن جابر رَُّه، قال: سئل رسول الله وَله: ما برّ الحجّ؟ قال: ((إطعام الطعام،
وطيب الكلام))(٢)، قال: وذكر ابن شاهين بسنده: قال رجل للحسن: يا أبا
سعيد ما الحجّ المبرور؟ قال: أن يدفع زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة.
انتهى كلام ابن عبد البرّ ◌َُّهُ باختصار(٣).
وقال النوويّ تَخّتُهُ: الأصحّ الأشهر أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم،
مأخوذ من البرّ، وهو الطاعة، وقيل: هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع
خيراً مما كان، ولا يعاود المعاصي، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وقيل: هو
الذي لا يعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما. انتهى (٤).
وقال في ((الفتح)): قال ابن خالويه: المبرور المقبول، وقال غيره: الذي
لا يخالطه شيء من الإثم. ورجّحه النوويّ، وقال القرطبيّ: الأقوال التي
ذُكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحجّ الذي وُفِّيَت أحكامه، ووقع
موقعاً لما طُلب من المكلّف على الوجه الأكمل، وقيل: إنه يظهر بآخره، فإن
(١) ((النهاية)) ١١٧/١.
(٢) قال الهيثميّ تَُّ في ((مجمع الزوائد» (٢٠٧/٣): رواه الطبرانيّ في ((الأوسط))،
وإسناده حسنٌ، وسيأتي تعقّبه قريباً .
(٣) راجع: ((الاستذكار)) ٢٣٠/١١ - ٢٣٥.
(٤) ((شرح النوويّ)) ١٢٢/٩.

(٧٦) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٣٢٩٠)
٣٨٥
رجع خيراً مما كان عُرف أنه مبرور، ولأحمد، والحاكم من حديث جابر:
قالوا: يا رسول الله ما برّ الحجّ؟ قال: ((إطعام الطعام، وإفشاء السلام)). وفي
إسناده ضعف، فلو ثبت لكان هو المتعيّن، دون غيره. انتهى بتصرّف يسير(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث المذكور قال الحاكم: صحيح
الإسناد، وقال الذهبيّ: صحيح، وحسّن سنده المنذريّ في الترغيب، والهيثميّ
في ((مجمع الزوائد))، لكن الحقّ تضعيفه كما قال الحافظ؛ لأن في سند أحمد
محمد بن ثابت مجمع على ضعفه، وفي سند الحاكم أيوب بن سُويد، ضعّفه
الجمهور، بل قال ابن معين: يسرق الأحاديث، والله تعالى أعلم.
وقال ابن العربيّ: الحجّ المبرور هو الذي لا معصية بعده، قال الأبيّ:
وهو الظاهر؛ لقوله في الحديث الآخر: ((من حجّ هذا البيت، فلم يَرْفُث، ولم
يفسق ... )) الحديث؛ إذ المعنى: ثم لم يفعل شيئاً من ذلك، ولهذا عطفه بالفاء
المُشعرة بالتعقيب، وإذا فسّر بذلك كان الحديثان بمعنى واحد، وتفسير الحديث
بالحديث أولى، ويكون الرجوع بلا ذنب كناية عن دخول الجنّة مع السابقين.
انتھی .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن العربي، واستظهره
الأبيّ هو الأرجح عندي، لكن بإبدال قوله: ((بعده)) بلفظ ((فيه)»، يعني أن الحجّ
المبرور هو الذي ليس فيه رفثٌ، ولا فسوقٌ، بمعنى أنه لا معصية في حال
إيقاعه، بل اجتنب فيه المحظورات الشرعية حال أدائه.
والحاصل أن معنى الحديثين واحدٌ، فيكون حديث: ((من حجّ هذا البيت،
فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه)) تفسيراً لمعنى قوله: ((الحجّ المبرور
ليس له جزاء إلا الجنّة))، فإنه إذا رجع كيوم ولدته أمّه؛ أي: ليس عليه شيء
من الذنوب كان من أهل الجنّة السابقين إليها من غير شكّ، والله تعالى أعلم.
(لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ) أي: ثوابٌ (إِلَّا الْجَنَّةُ))) بالرفع، أو النصب، وهو نحو
((ليس الطيب إلا المسك)) بالرفع، فإن بني تميم يرفعونه حملاً لها على ((ما)) في
الإهمال عند انتقاض النفي، كما حَمَل أهلُ الحجاز ((ما)) على ((ليس)) في
(١) ((الفتح)) ٦/٥ - ٧.

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الإعمال عند استيفاء شروطها، كذا قاله ابن هشام الأنصاريّ في ((مغني
اللبيب)).
قال النوويّ تَخُّْ: ((ليس له جزاء إلا الجنّة)) معناه: أنه لا يقتصر لصاحبه
من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بدّ أن يدخل الجنّة. انتهى.
وقال السنديّ: ((ليس له جزاء إلا الجنّة)): أي دخولُها أوّلاً، وإلا فمطلق
الدخول يكفي فيه الإيمان، وعلى هذا فهذا الحديث من أدلّة أن الحجّ تُغفر به
الكبائر أيضاً؛ لحديث: ((رجع كيوم ولدته أمه))، بل هذا الحديث يفيد مغفرة ما
تقدّم من الذنوب، وما تأخّر، والله تعالى أعلم. انتهى (١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ نَُّ من تكفير
الحجّ المبرور جميع الذنوب كبائرها وصغائرها، هو الأرجح عندي؛ لوضوح
حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان،
وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َّه هذا متّفَقٌّ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٩٠/٧٦ و٣٢٩١] (١٣٤٩)، و(البخاريّ) في
(الحجّ)) (١٧٧٣)، و(الترمذيّ) في ((الحج)) (٩٣٣)، و(النسائيّ) في ((مناسك
الحجّ)) (١١٢/٥ و١١٥) و((الكبرى)) (٣٢٢/٢)، و(ابن ماجه) في ((المناسك))
(٢٨٨٨)، و(مالك) في ((الموطأ)) (٧٧٦)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٤/٥)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٣١٨/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٢٠/٣)،
و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٦/٢ و٤٦١ و٤٦٢)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(١٧٩٥)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٥١٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٢٧/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٧٨/١ و٣٢٩/٥ و٩٤/٧)، و(أبو
يعلى) في ((مسنده)) (١١/١٢)، و(الضياء) في ((المختارة)) (١٩٥/٨)، و(البيهقيّ)
(١) ((شرح السندي على النسائيّ)) ١١٢/٥.

٣٨٧
(٧٦) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٣٢٩٠)
في ((الكبرى)) (٣٤٣/٤ و٢٦١/٥) و((المعرفة)) (٤٩٧/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): وهو بيان فضل الحجّ المبرور.
٢ - (ومنها): بيان فضل المتابعة بين العمرتين.
٣ - (ومنها): مشروعية الاستكثار من الاعتمار؛ خلافاً لقول من قال:
يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرّة؛ كالمالكيّة، ولمن قال: مرّة في الشهر،
من غيرهم، وسيأتي الكلام عليه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى جواز الاعتمار قبل الحجّ، وقد ترجم
الإمام البخاريّ تَخْتُهُ على ذلك، فقال: ((باب من اعتمر قبل الحجّ))، ثم أورد
في الباب حديث أن عكرمة بن خالد سأل ابن عمر ◌ًّا عن العمرة قبل الحجّ؟
فقال: لا بأس، اعتمر النبيّ قبل أن يحجّ. انتهى.
وأخرج الإمام أحمد، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق
قال: حدثنا عكرمة بن خالد بن العاصي المخزوميّ، قال: قَدِمت المدينة في
نَفَر من أهل مكة، فلقيت عبد الله بن عمر، فقلت: إنا لم نَحُجّ قط، أفنعتمر
من المدينة؟ قال: نعم، وما يمنعكم من ذلك؟ فقد اعتمر رسول الله وَالهل عُمَره
کلها قبل حجه، قال: فاعتمرنا .
قال ابن بطال كَخَّتُهُ: هذا يدلّ على أن فرض الحجّ كان قد نزل على
النبيّ وَ﴿ قبل اعتماره، ويتفرّع عليه، هل الحج على الفور أو التراخي؟ وهذا
يدلّ على أنه على التراخي، قال: وكذلك أمْر النبيّ وَّل م أصحابه بفسخ الحجّ
إلى العمرة دالّ على ذلك. انتهى.
قال الحافظ: وقد نوزع في ذلك؛ إذ لا يلزم من صحة تقديم أحد
النسكين على الآخر نفي الفورية فيه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا التعقّب نظر لا يخفى؛ إذ ما ذكره ابن
بطّال ◌َّتُ من الاستدلال بما ذُكر على عدم الفوريّة واضح لا خفاء فيه، فتأمله
بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن جعل العمرة مكفّرةً، والحجّ جزاءه الجنّة يقتضي أن
الحجّ أكمل من العمرة.

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٦ - (ومنها): ما قاله الإمام ابن القيّم كَثّثهُ: في الحديث دليل على
التفريق بين الحجّ والعمرة في التكرار، إذ لو كانت العمرة كالحجّ لا يُفعَل في
السنة إلا مرّة لسوّى بينهما، ولم يفرّق. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم العمرة:
وقال النوويّ تَخْتُ: اختلف العلماء في وجوب العمرة، فمذهب
الشافعيّ، والجمهور أنها واجبة، وممن قال به: عمر، وابن عمر، وابن
عباس، وطاوس، وعطاء، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصريّ،
ومسروق، وابن سيرين، والشعبيّ، وأبو بردة بن أبي موسى، وعبد الله بن
شداد، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وداود.
وقال مالك، وأبو حنيفة، وأبو ثور: هي سنةٌ، وليست واجبة، وحُكِي
أيضاً عن النخعيّ. انتهى(١).
وقال الإمام البخاريّ تَّثُ في ((صحيحه)): ((باب وجوب العمرة،
وفضلها)).
قال في ((الفتح)): وجزم المصنف بوجوب العمرة، وهو متابعٌ في ذلك
للمشهور عن الشافعيّ، وأحمد، وغيرهما، من أهل الأثر، والمشهور عن
المالكية أن العمرة تطوّعٌ، وهو قول الحنفية.
واستدلوا بما رواه الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن
جابر ظُه: أَتَّى أعرابيّ النبيّ وَّه، فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة،
أواجبة هي؟ فقال: ((لا، وأَن تعتمر خير لك))، أخرجه الترمذيّ، والحجاج
ضعيف .
وقد رَوَى ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر، مرفوعاً: ((الحج والعمرة
فريضتان))، أخرجه ابن عديّ، وابن لهيعة ضعيف، ولا يثبت في هذا الباب عن
جابر شيء، بل رَوَى ابن الجهم المالكيّ بإسناد حسن عن جابر نظراته: ((ليس
مسلم إلا عليه عمرة))، موقوفٌ على جابر
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٨/٩.

٣٨٩
(٧٦) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٣٢٩٠)
واستدَلّ الأولون بما ذُكِر في هذا الباب، ويقول صُبَيّ بن مَعْبد
لعمر نظبه: ((رأيت الحج والعمرة مكتوبين عليّ، فأهللت بهما، فقال له:
هُدِيت لسنة نبيك))، أخرجه أبو داود، وروى ابن خزيمة وغيره في حديث عمر،
سؤال جبريل عن الإيمان، والإسلام، فوقع فيه: ((وأن تحجّ، وتعتمر))، وإسناده
قد أخرجه مسلم، لكن لم يسق لفظه.
وبأحاديث أُخَر غير ما ذُكِر، وبقوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الَْجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:
١٩٦]؛ أي: أقيموهما، وزعم الطحاويّ أن معنى قول ابن عمر: ((العمرة
واجبة))؛ أي: وجوب كفاية، ولا يخفى بُعده مع اللفظ الوارد عن ابن عمر.
وذهب ابن عباس، وعطاء، وأحمد إلى أن العمرة لا تجب على أهل
مكة، وإن وجبت على غيرهم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من ذِكر هذه الأقوال، وأدلّتها أن ما
ذهب إليه الأولون من كون العمرة واجبة مطلقاً، سواء كان الشخص مكيّاً، أو
آفاقيّاً هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته، كما سبق آنفاً، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مشروعيّة تكرار العمرة:
ذهب الجمهور إلى استحباب تكرار العمرة في السنة الواحدة مراراً، وهو
المذهب الصحيح؛ الأحاديث الصحيحة الكثيرة في الترغيب في الاستكثار
منها، کحدیث الباب.
وذهب مالك، وأصحابه إلى أنه يُكره أن يعتمر في السنة أكثر من عمرة.
وقال آخرون: لا يعتمر في شهر أكثر من عمرة.
قال الحافظ: واستدلّ لهم بأنه * لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة،
وأفعاله على الوجوب أو الندب.
وتُعُقّب بأن المندوب لم ينحصر في أفعاله، فقد كان يترك الشيء، وهو
يستحبّ فعله لرفع المشقّة عن أمّته، وقد ندب إلى ذلك بلفظه، فثبت
الاستحباب من غیر تقیید. انتهى(٢).
(١) ((الفتح)) ٥/٥ - ٦.
(٢) ((الفتح)) ٧/٥.

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقد حقّق المسألة الإمام ابن حزم ◌َّتُهُ وردّ على القائلين بكراهة التكرار
في كتابه ((المحلّی))، ودونك عبارته:
[مسألة]: والحجّ لا يجوز إلا مرّة في السنة، وأما العمرة فنُحبّ الإكثار
منها؛ لما ذكرنا من فضلها، فأما الحجّ فلا خلاف فيه، وأما العمرة، فإننا
روينا من طريق مجاهد، قال عليّ بن أبي طالب: في كلّ شهر عمرة، وعن
القاسم بن محمد أنه كره عمرتين في شهر واحد. وعن عائشة أم المؤمنين أنها
اعتمرت ثلاث مرّات في عام واحد، وعن سعيد بن جبير، والحسن البصريّ،
ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النخعيّ كراهة العمرة أكثر من مرّة في السنة، وهو
قول مالك، وروينا عن طاوس: إذا مضت أيام التشريق، فاعتَمِر متى شئت.
وعن عكرمة: اعتَمِرْ متى أمكنك الموسَى، وعن عطاء إجازة العمرة مرّتين في
الشهر، وعن ابن عمر أنه اعتمر مرّتين في عام واحد مرّة في رجب، ومرّةً في
شوّال، وعن أنس بن مالك أنه أقام مدّة بمكّة، فكلما جمّ رأسه خرج فاعتمر،
وهو قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وأبي سليمان - يعني داود الظاهريّ - وبه
نأخذ؛ لأن رسول الله وَ ل قد أعمر عائشة مرّتين في الشهر الواحد، ولم
يكره ◌َ﴿ ذلك، بل حضّ عليها، وأخبر أنها تكفّر ما بينها، وبين العمرة الثانية
فالإكثار منها أفضل، وبالله تعالى التوفيق.
واحتجّ من كره ذلك بأن رسول الله وَّ لم يعتمر في عام إلا مرّة واحدة.
قلنا: لا حجة في هذا؛ لأنه إنما يُكره ما حَضَّ على تركه، وهو ظلَّلا لم
يحجّ مذ هاجر إلا حجة واحدة، ولا اعتمر مذ هاجر إلا ثلاث عُمَر، فيلزمكم
أن تكرهوا الحجّ إلا مرّة في العمر، وأن تكرهوا العُمَر إلا ثلاث مرّات في
الدهر، وهذا خلاف قولكم، وقد صحّ أنه كان ظلَّلا يترك العمل، وهو يحبّ
أن يعمل به، مخافة أن يشقّ على أمته، أو أن يُفْرَضَ عليهم.
والعجب أنهم يستحبّون أن يصوم المرء أكثر من نصف الدهر، وأن يقوم
أكثر من ثلث الليل، وقد صحّ أن رسول الله وَّي لم يصم قط شهراً كاملاً، ولا
أكثر من نصف الدهر، ولا قام بأكثر من ثلاث عشرة ركعة، ولا أكثر من ثلث
الليل، فلم يروا فعله معظلَّ ههنا حجة في كراهة ما زاد على صحّة نهيه عن
الزيادة في الصوم، ومقدار ما يقام من الليل على أكثر من ذلك، وجعلوا

٣٩١
(٧٦) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٣٢٩٠)
فعله علّ في أنه لم يعتمر في العام إلا مرّة مع حضّه على العمرة، والإكثار
منها حجة في كراهة الزيادة على عمرة من العام، وهذا عجبٌ جدّاً. انتهى
كلام ابن حزم كَّلُهُ، وهو بَحْثٌ نفيسٌ جدّاً.
والحاصل أن الحقّ قول من قال بمشروعيّة تكرار العمرة؛ لوضوح
حجته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في أقوال أهل العلم في وقت العمرة:
قال النوويّ وَّ: واعلم أن جميع السنة وقت للعمرة، فتصحّ في كلّ
وقت منها، إلا في حقّ من هو متلبّسُ بالحجّ، فلا يصحّ اعتماره حتى يفرغ من
الحجّ، ولا تكره عندنا لغير الحاجّ في يوم عرفة، والأضحى، والتشريق،
وسائر السنة، وبهذا قال مالك، وأحمد، وجماهير العلماء.
وقال أبو حنيفة: تُكره في خمسة أيام: يوم عرفة، والنحر، وأيام
التشريق، وقال أبو يوسف: تكره في أربعة أيام: وهي عرفة، والتشريق. انتهى
كلام النوويّ ◌َّهُ(١) .
وقال الحافظ تَخْذَتُهُ: واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن
متلبّساً بأعمال الحجّ، إلا ما نُقل عن الحنفيّة أنه يكره في يوم عرفة، ويوم
النحر، وأيّام التشريق، ونقل الأثرم عن أحمد: إذا اعتَمَر فلا بدّ أن يحلق، أو
يقصّر، فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام؛ ليتمكّن من حلق الرأس فيها، قال
ابن قدامة: هذا يدلّ على كراهة الاعتمار عنده في دون عشرة أيام. انتهى كلام
الحافظ تَخَذْتُهُ(٢) .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي في استثناء الأيام التي ذكروا أن
العمرة تُكره فيها نَظَرٌ، فالذي يظهر أنها تجوز في كلّ أيام السنة؛ إذ لا نصّ،
ولا إجماع في استثناء بعض الأيام المذكورة، حتى نعتمد عليه في كراهتها فيه،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٨/٩.
(٢) ((الفتح)) ٧/٥.

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٩١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهِ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ سُهَيْلٍ (ح)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا
وَكِيعُ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ، كُلُّ
هَؤُلَاءِ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ
مَالِكِ).
رجال هذا الإسناد: تسعة عشر:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) تقدّم قبل بابين.
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو عمرو بن محمد بن بكير البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ
[١٠] (ت٢٣٢) (خ م د س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤.
٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٥ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريباً.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأُمَوِيُّ) هو: محمد بن عبد الملك بن أبي
الشوارب الأمويّ البصريّ، صدوقٌ، من كبار [١٠] (ت٢٤٤) (م ت س ق)
تقدم في ((الإيمان)) ٥١٦/٩٦.
٧ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ) الدبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين،
ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٤/ ١٦٧٤.
٨ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، تقدّم قريباً.
٩ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضاً قريباً.
١٠ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نمير، تقدّم أيضاً قريباً .
١١ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمريّ، تقدّم قبل بابين.
١٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريباً.

(٧٦) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٣٢٩١)
٣٩٣
١٣ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضاً قريباً.
١٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم أيضاً قريباً.
١٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم أيضاً قريباً.
١٦ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (جَمِيعاً عَنْ سُفْيَانَ) أي: أن كلّاً من وكيع وعبد الرحمن بن
مهدي رويا عن سفيان الثوريّ.
وقوله: (كُلَّ هَؤُلَاءِ عَنْ سُمَيٍّ) الإشارة إلى كلّ من ابن عيينة، وسهيل بن
أبي صالح، وعبيد الله العمريّ، وسفيان الثوريّ، روى أربعتهم عن سُميّ.
[تنبيه]: أما رواية سفيان بن عيينة، عن سُميّ، فساقها ابن أبي شيبة تَخْشُ
في ((مصنّفه)) (١٢٠/٣) فقال:
(١٢٦٣٩) - حدّثنا أبو بكر (١)، قال: حدثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن سُمَيٍّ، عن
أبي صَالِح، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول اللهِ وَ ال ◌َ: ((الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ
كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ ليس له جَزَاءٌ إِلَّ الْجَنَّةُ)). انتهى.
وأما رواية عبيد الله العمريّ، عن سُميّ، فساقها ابن خزيمة تَظُّ في
((صحیحه)) (٣٥٩/٤) فقال:
(٣٠٧٢) - ثنا عليّ بن المنذر، ثنا ابن نمير(٢)، عن عبيد الله، عن سُميّ،
عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله وَ له قال: ((العمرة إلى العمرة
كفارة لِما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة)). انتهى.
وأما رواية سفيان الثوريّ، عن سُميّ، فساقها الترمذيّ في ((جامعه)) (٤/
١١) فقال :
(٨٥٥) - حدّثنا أبو كريب، حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن سُميّ، عن أبي
صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَتليفون: ((العمرة إلى العمرة تكفّر ما
بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة))، قال الترمذيّ: هذا حديث
حسن صحيح. انتھی.
(١) هو ابن أبي شيبة.
(٢) هو عبد الله والد محمد.

٣٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وأما رواية سهيل بن أبي صالح، عن سُميّ، فلم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٩٢] (١٣٥٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ
يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُتْ، وَلَمْ يَفْسُقْ،
رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»).
رجال الإسناد: سبعة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريباً.
٢ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ
[٦] (ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٣ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢.
والباقون ذُكروا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج
له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه الإخبارَ والتحديثَ والعنعنة، وكلها من صيغ
الإتصال على الأصح في ((عن)) من غير المدلس، وفيه أبو هريرة ظُله أحفظ
من روى الحديث في دهره، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): صرّح منصور بسماعه له عن أبي حازم في
رواية شعبة، فانتفى بذلك تعليل من أعلّه بالاختلاف على منصور؛ لأن البيهقيّ
أورده من طريق إبراهيم بن طهمان، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبي
حازم، زاد فيه رجلاً، فإن كان إبراهيم حفظه، فلعلّه حمله منصور عن هلال،

٣٩٥
(٧٦) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٣٢٩٢)
ثمّ لقي أبا حازم، فسمعه منه، فحدّث به على الوجهين، وصرّح أبو حازم
بسماعه له من أبي هريرة عند البخاريّ من طريق شعبة. انتهى. والله تعالى
أعلم.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َله، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (مَنْ أَتَى هَذَا
الْبَيْتَ) وفي رواية للبخاريّ من طريق الثوريّ، عن منصور: ((مَنْ حَجَّ هَذَا
الْبَيْتَ)) في رواية له من طريق سيّار، عن أبي حازم: ((من حجّ الله))؛ أي:
لابتغاء وجه الله تعالى، والمراد به الإخلاص.
ورواية مسلم هذه بلفظ: ((من أتى هذا البيت))، تشمل الحجّ والعمرة،
وقد أخرجه الدارقطنيّ من طريق الأعمش، عن أبي حازم، بلفظ: ((من حجّ،
أو اعتمر))، لكن في الإسناد إلى الأعمش ضعف، قاله في ((الفتح)).
وقال في موضع آخر: ويَجوز حمل لفظ ((حجّ)) على ما هو أعمّ من الحجّ
والعمرة، فتساوي رواية ((من أتى)) من حيث إن الغالب أن إتيانه إنما هو للحجّ،
أو العمرة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه لا تَساوي بين الحجّ
والعمرة في هذا الفضل، فالأولى حمل رواية ((من أتى)) على رواية ((من حجّ))،
فيكون المعنى: من أتى هذا البيت للحجّ، والدليل على ذلك التفريق الذي تقدّم
في حديث: ((العمرةُ إلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحجّ المبرور ليس له جزاء
إلا الجنّة))، فهذا التفريق يرشد إلى زيادة فضل الحجّ على العمرة، فتأمّل، والله
تعالى أعلم.
(فَلَمْ يَرْفُثْ) بتثليث الفاء في الماضي، والضمّ، والفتح في المضارع،
والرفث: الجماع، ويُطلق على التعريض به، وعلى الفحش من القول، وقال
الأزهريّ: الرفث اسم جامع لكلّ ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عمر
يخصّه بما خوطب به النساء، وقال عياض: هذا من قول الله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ
وَلَا فُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، والجمهور على أن المراد به في الآية الجماع.
انتهى .

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد به في الحديث ما هو أعمّ من ذلك،
وإليه نحا القرطبيّ، وهو المراد بقوله في ((الصيام)): ((فإذا كان صوم أحدكم،
(١)
فلا يرفث)). انتھی"
وفي ((المصباح)): رَفَث في منطقه رَفْئاً، من باب طلب، ويَرْفِث بالكسر
لغة: أفحش فيه، أو صرّح بما يُكْنَى عنه من ذكر النكاح، وأرفث بالألف لغة،
والرفث: النكاح، فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَهُ﴾ [البقرة: ١٨٦]
المراد الجماع، وقوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ﴾ قيل: فلا جماع، وقيل: فلا فُحش
من القول، وقيل: الرفث يكون في الفرج بالجماع، وفي العين بالغمز للجماع،
وفي اللسان للمواعدة به. انتهى(٢).
وفي ((القاموس)): الرفَتُ محرّكةً: الجماع، والفحش، كالرُّفُوث، وكلام
النساء في الجماع، أو ما وُوجِهِنَ به من الفحش، وقد رَفُث، كنَصَر، وفَرِحَ،
وگرُم، وأرفث. انتهى(٣).
فيستفاد من عبارة ((القاموس)) أن ماضيه مثلث العين، ومضارعه فيه
الضّ، والفتح فقط. فقول الحافظ في ((الفتح)): فاء الرفث مثلّثة في الماضي
والمضارع، والأفصح الفتح في الماضي، والضمّ في المستقبل، ففيه نظر،
فتأمل، والله تعالى أعلم.
(وَلَمْ يَفْسُقْ) أي: لم يأت بسيّئة، ولا معصية، وأغرب ابن الأعرابيّ،
فقال: إن لفظ الفسق لم يُسمع في الجاهليّة، ولا في أشعارهم، وإنما هو
إسلاميّ، وتُعُقّب بأنه كثُر استعماله في القرآن، وحكايته عمّن قبل الإسلام،
وقال غيره: أصله: انفسقت الرُّطَبَة: إذا خرجت، فسمّي الخارج عن الطاعة
فاسقاً، قاله في ((الفتح)) (٤).
وقال في ((القاموس)): الفِسْق بالكسر: الترك لأمر الله تعالى، والعصيان،
والخروج عن طريق الحقّ، أو الفجور؛ كالفسوق، فَسُق، كنصر، وضرب،
وكرم، فِسقاً، وفسوقاً، وإنه لفسق: خروج عن الحقّ، وفَسَقَ عن أمر ربّه:
(١) ((الفتح)) ٣٩٠/٤.
(٣) ((القاموس المحيط)) ١٦٧/١.
(٢) ((المصباح المنير)) ٢٣٢/١.
(٤) ((الفتح)) ٣٩١/٤.

٣٩٧
(٧٦) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٣٢٩٢)
جار، والرُّطَبَة عن قشرها: خرجت، كانفسقت، قيل: ومنه الفاسق؛ لانسلاخه
عن الخير، والفويسقة: الفأرة؛ لخروجها من جُحْرها على الناس. انتهى(١).
وقال الطيبيّ تَخْشُهُ: الرفث التصريح بذكر الجماع، والإعراب به، وقال
الأزهريّ: هو كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، وقال سعيد بن
جبير في قوله تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَيْ﴾ [البقرة: ١٩٧]:
الرفث إتيان النساء، والفسوقُ السباب، والجدال المراء، يعني مع الرفقاء،
والخَدَمِ والْمُكَارِين، وإنما لم يُذكر الجدال في الحديث؛ اعتماداً على الآية،
والفاء في ((فلم يرفث)) معطوف على الشرط، وجوابه ((رجع))؛ أي: صار،
والجارّ والمجرور خبرٌ، ويجوز أن يكون حالاً؛ أي: رجع مشابهاً لنفسه في
البراءة من الذنوب في يوم ولدته أمه. انتهى كلام الطيبيّ كَذُ(٢).
وإنما صرّح بنفي الفسق في الحجّ، مع كونه ممنوعاً في كلّ حال، وفي
كلّ حين؛ لزيادة التقبيح، والتشنيع، ولزيادة تأكيد النهي عنه في الحجّ، وللتنبيه
على أن الحجّ أبعد الأعمال عن الفسق، والله تعالى أعلم.
(رَجَعَ) أي: صار، أو رجع من ذنوبه، أو حجته، أو فرغ من أعمال
الحجّ، وحَملُهُ على معنى رجع إلى بيته بعيد، قاله السنديّ ◌َّتُ (كَمَا وَلَدَتْهُ
أُمُّهُ))) ((ما)» مصدريّة، فيكون المعنى على حذف مضاف؛ أي: كحال ولادة أمه
له، يعني أنه لا شيء عليه من الذنوب، وفي رواية البخاريّ: ((رجع كيوم ولدته
أمه))، وفي رواية أحمد، والدارقطنيّ: ((رجع كهيئته يوم ولدته أمه))؛ أي: بغير
ذنب مشابهاً لنفسه يوم ولدته أمه، إذ لا معنى لتشبيه الشخص باليوم، أفاده
السنديّ.
وظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر، والتَّبِعَات، وهو من أقوى
الشواهد لحديث العبّاس بن مِرْداس ظُه المصرّح بذلك، وله شاهد من حديث
ابن عمر في ((تفسير الطبريّ))، وإليه ذهب القرطبيّ، وعياضٌ، لكن قال
الطبريّ: هو محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب، وعجز عن وفائها .
(١) ((القاموس المحيط)) ٢٧٦/٣.
(٢) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ١٩٣٨/٦ - ١٩٣٩.

٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقوله: ((فلم يرفث))، والواو في قوله: ((ولم يفسق)) عطف على الشرط
في قوله: ((من أتى))، وجوابه ((رجع))، والجارّ والمجرور خبر له، ويَحْتَمِل أن
يكون حالاً؛ أي: صار مشابهاً لنفسه في البراءة عن الذنوب في يوم ولدته أمه.
وقوله: ((كيوم ولدته)) يجوز بناء ((يومَ)) على الفتح؛ لإضافته إلى جملة،
ويجوز إعرابه، فيكون مجروراً بالكسرة، كما قال ابن مالك في ((خلاصته)):
وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوٌّ فِعْلٍ بُنِيَا
وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَ((إِذْ)) قَدْ أُجْرِيَا
أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا
قال الحافظ تَخُّهُ: وذكر لنا بعض الناس أن الطيبيّ(١) أفاد أن الحديث
إنما لم يُذكر فيه الجدال كما ذُكر في الآية على طريقة الاكتفاء بذكر البعض،
وترك ما دلّ عليه ما ذُكر، ويَحْتَمِل أن يقال: إن ذلك يختلف بالقصد؛ لأن
وجوده لا يؤثّر في ترك مغفرة ذنوب الحاجّ إذا كان المراد به المجادلة في
أحكام الحجّ فيما يظهر من الأدلّة، أو المجادلة بطريق التعميم، فلا يؤثّر
أيضاً، فإن الفاحش منها داخل في عموم الرفث، والحسن منها ظاهر في عدم
التأثير، والمستوي الطرفين لا يؤثّر أيضاً. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تظبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٩٢/٧٦ و٣٢٩٣ و٣٢٩٤] (١٣٥٠)،
و(البخاريّ) في ((الحجّ)) (١٥٢١) و((المحصر)) (١٨١٩ و١٨٢٠)، و(الترمذيّ)
في ((الحجّ)) (٨١١)، و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)) (١١٤/٥) و((الكبرى)) (٢/
٣٢١)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٨٨٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٨٨٠٠)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٥١٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده))
(١) تقدّم قريباً نقل كلام الطيبيّ، فلا تنس.
(٢) ((الفتح)) ٣٩١/٤.

٣٩٩
(٧٦) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٣٢٩٣)
(١٠٠٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٢٠/٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٤٨٤ و٤٩٤)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٧٩٦)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه))
(٢٥١٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٦٩٤)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(٢٩/٤)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٣٨/١ و٢٥٧)، و(ابن الجعد) في
(مسنده)) (٩٢٦ و١٨٠٩ و١٩١٠)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٣٧٢٤)،
و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٨٤/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٦٢/٥)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨٤١) و((التفسير)) (١٧٣/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الحجّ.
٢ - (ومنها): بيان أن الحجّ المستوفي للشروط المذكورة في هذا الحديث
مكفّرٌ للذنوب، كبائرها، وصغائرها.
٣ - (ومنها): أن الفسوق، وإن كانت ممنوعة في جميع حالات العبد،
إلا أن ذلك يتأكّد في حالة الحجّ.
٤ - (ومنها): أن فيه الحثّ على عناية الحاجّ في تخليص حجه عما يشينه
من هذه الأمور المذكورة.
٥ - (ومنها): بيان شؤم الذنوب والمعاصي حيث إنها تنقص الأعمال
الصالحة، وتجعلها قليلة الفائدة، بل ربما أبطلتها، فينبغي العناية بالابتعاد
عنها، وإن بدرت بادرة بادر إلى التوبة منها، والرجوع واللجوء إلى الله تُعَ ل،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٩٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، وَأَبِي
الْأَخْوَصِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ، وَسُفْيَانَ
(ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ
مَنْصُورٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعاً: ((مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ
يَفْسُقْ))).

٤٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ الْبَزّاز، ثقةٌ ثبتٌ
[٧] (ت٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٢ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّم بن سُليم الْحَنَفيّ الكوفيّ، ثقة متقنٌ صاحب
حديث [٧] (١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤.
٣ - (مِسْعَرُ) بن كِدام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
فاضلٌ [٧] (ت٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣١/٥.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد الله البصريّ، تقدّم قريباً.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم أيضاً قريباً .
والباقون ذكروا قبله.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ مَنْصُورٍ) يعني أن كلّ من أبي عوانة، وأبي
الأحوص، ومسعر، وسفيان الثوريّ، وشعبة، كلّ هؤلاء الخمسة رووا هذا
الحديث عن منصور بن المعتمر.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة، وأبي الأحوص كليهما عن منصور، لم أجد
من ساقها، فليُنظر.
وأما رواية وكيع عن مسعر، وسفيان فقد ساقها أبو بكر بن أبي شيبة ◌َُّ
في ((مصنّفه)) (١٢٠/٣) فقال:
(١٢٦٤٠) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا وَكِيعٌ، قال: حدّثنا مِسْعَرٌ،
وَسُفْيَانُ، عن مَنْصُورٍ، عن أبي حَازِمِ، عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسول الله وَله :
((من حج، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع کما ولدته أمه)). انتهى.
وأما رواية شعبة، عن منصور، فقد ساقها الإمام أحمد بن حنبل تَُّهُ في
«مسنده)) (٤١٠/٢) فقال:
(٩٣٠٢) - حدّثنا عبد اللهِ، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جَعْفَرٍ، قال: ثنا
شُعْبَةُ، عن سَيَّارٍ، عن أبي حَازِمِ، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول اللهِ وَلَّه:
((من حَجَّ هذا الْبَيْتَ، فلم يَرْفُتْ، ولم يَفْسُقْ، رَجَعَ كما وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)). انتهى،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.