النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (٧٤) - بَابُ التَّعْرِيسِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالصَّلَاةِ بِهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٢٨٧) (قَالَ مُوسَى) بن عقبة (وَقَدْ أَنَاخَ) أي: أبرك ناقته (بِنَا سَالِمٌ) أي: ابن عبد الله بن عمرِ (بِالْمُنَاخِ) بضمّ الميم: موضع الإناخة؛ أي: محلّ تبريك الإبل (مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (يُنِيخُ بِهِ) وفي رواية البخاريّ: ((وقد أناخ بنا سالمٌ يتوخّى بالمناخ الذي كان عبد الله يُنيخ))، ومعنى يتوخّى بالخاء المعجمة؛ أي: يقصد. وقوله: (يَتَحَرَّى) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: حال كونه متحرّياً، وطالباً (مُعَرَّسَ رَسُولِ اللهِ وَّهُ) أي: المحلّ الذي نزل فيه وَّ (وَهُوَ أَسْفَلُ) بالرفع على الخبريّة (مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي) أي: وادي العقيق، وفيه إشارة إلى أن هناك مسجداً بُني في ذلك الزمان، وليس هو معرّسه وَّهِ (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَسَطاً مِنْ ذَلِكَ) بنصب وسطاً؛ أي: حال كونه متوسّطاً بين بطن الوادي، وبين القبلة. وقال الكرمانيّ: فإن قلت: ما فائدة قوله: ((وسطاً))، وهو معلوم من قوله: ((بينه وبين الطريق)»؟ قلت: بيان أنه في حَلَق الواسط، لا قُرب له إلى أحد الجانبين، كما هو المشهور من الفرق بين الوَسَط بتحريك السين، والْوَسْط بسكونها(١). وفي رواية البخاريّ: ((وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي، وبينهم وبين الطريق وسطّ من ذلك)). قال في ((الفتح)): قوله: ((وهو أسفلُ)) بالنصب(٢)، ويجوز الرفع، والمراد بالمسجد الذي كان هناك في ذلك الزمان، وقوله: ((بينه)) أي: بين المعرَّس، وفي رواية الحمويّ: ((بينهم)) أي: بين النازلين، وبين الطريق، وقوله: ((وَسَطٌ من ذلك)) بفتح المهملة؛ أي: متوسط بين بطن الوادي وبين الطريق، وعند أبي ذرّ: ((وسطاً من ذلك)) بالنصب. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. (١) ((عمدة القاري)) ١٤٩/٩. (٢) قوله: ((بالنصب)) فيه نظر لا يخفى، بل الذي يظهر أنه بالرفع فقط، فتأمله. ٣٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﴿ّ هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٨٦/٧٤ و٣٢٨٧] (١٣٤٦)، و(البخاريّ) في ((الحجّ)) (١٥٣٥) و((الحرث والمزارعة)) (٢٣٣٦) و((الاعتصام بالكتاب والسنّة)) (٧٣٤٥)، و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)) (١٢٦/٥) و((الكبرى)) (٣٣٠/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٧/٢ و٩٠ و١٠٤ و١٣٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٦١٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٤٢٦/٢)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٩/٤ - ٢٠)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٥٢/٨) و((الكبير)) (٢٩٩/١٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٥٠/٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٥/٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (٧٥) - (بَابُ لَا يَحُجُّ الْبَيْتَ مُشْرِكْ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَبَيَانُ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٢٨٨] (١٣٤٧) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِيِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونسُ؛ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ وَّهِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُونَ فِي النَّاسِ، يَوْمَ النَّحْرِ: ((لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكُ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ))، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ). ٣٦٣ (٧٥) - بَابُ لَا يَحُجُّ الْبَيْتَ مُشْرِك، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٨٨) رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، تقدّم قريباً. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى التُّجِبِيُّ) تقدّم أيضاً قريباً. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ، ثقة عابد [٩] (ت١٩٧) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٤ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. ٥ - (يُونسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريباً. ٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضاً قريباً. ٧ - (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت١٠٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُله تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني مسلسل بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ. ٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة ظه، رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَ﴿به أنه (قَالَ: بَعَثَنِي) أي: أرسلني (أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) قال الطحاويّ كَّتُهُ في ((مشكل الآثار)): هذا مشكلٌ؛ لأن الأخبار في هذه القصّة تدلّ على أن النبيّ وَ لو كان بعث أبا بكر به بذلك، ثم أتبعه عليّاً رَظ ◌ُه، فأمره أن يؤذّن، فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة، ومن معه بالتأذين، مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى عليّ؟ ٣٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ثم أجاب بما حاصله: إن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف، وكان عليّ هو المأمور بالتأذين، وكأن عليّاً لم يُطِق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى من يُعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة، وغيره ليساعدوه على ذلك، ثم ساق من طريق المحرّر بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: (كنت مع عليّ حين بعثه النبيّ وَّه ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي معه بذلك حتى يَصْحَل صوتي(١)، وكان هو ينادي قبلي حتى يَعْيَى)). فالحاصل أن مباشرة أبي هريرة لذلك كانت بأمر أبي بكر، وكان ينادي بما يُلقيه إليه عليّ مما أُمر بتبليغه. ذكره في ((الفتح))(٢). (فِي الْحَجَّةِ) بالفتح المرة من الحج، وهو متعلّق بـ(بعثني)) (الَّتِي أَمَّرَهُ) بتشديد الميم؛ أي: جعله أميراً (عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ﴿ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) وذلك سنة تسع من الهجرة، قال السهيليّ: كان رسول الله وَلفر حين قدم من تبوك أراد الحجّ، فذكر مخالطة المشركين للناس في حجهم، وتلبيتهم بالشرك، وطوافهم عراة بالبيت، وكانوا يقصدون بذلك أن يطوفوا كما وُلدوا بغير الثياب التي أذنبوا فيها، وظلموا، فأمسك ◌َ له عن الحج في ذلك العام، وبعث أبا بكر رهـ مضُوعَيْه بسورة براءة؛ لينبذ إلى كلّ ذي عهد من المشركين عهده، إلا بعض بني بكر الذين كان لهم عهد إلى أجل خاصّ(٣). (فِي رَهْطٍ) بفتح، فسكون؛ أي: في جملة جماعة، والرهط من الرجال ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهُط، وأرهاط، وأراهط جمعُ الجمع. قال الحافظ: وقد وَقَفْتُ ممن سُمّي، ممن كان مع أبي بكر في تلك الحجة على أسماء جماعة، منهم سعد بن أبي وقّاص، فيما أخرجه الطبريّ، من طريق الحكم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: بعث رسول الله، وَلاه أبا بكر، فلما انتهينا إلى ضَجْنَان أتبعه عليّاً، ومنهم جابر. روى الطبريّ من (١) أي تذهب حدّته. (٢) ((الفتح)) ١٦٥/١٠ ((كتاب التفسير)) رقم (٤٦٥٦). (٣) راجع: ((عمدة القاري)) ١١٢/٨. ٣٦٥ (٧٥) - بَابُ لَا يَحُجُّ الْبَيْتَ مُشْرِك، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ .... إلخ - حديث رقم (٣٢٨٨) طريق عبد الله بن خُثيم، عن أبي الزبير، عن جابر ظُه؛ أن النبيّ وَّ بعث أبا بكر على الحجّ، فأقبلنا معه. انتهى(١). (يُؤَذِّئُونَ فِي النَّاسِ) من التأذين، أو الإيذان، وهو الإعلام، وهو اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَأَذَنْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾﴾ الآية [التوبة: ٣] أي: إعلام، قاله في ((الفتح)). وفي رواية للبخاريّ: ((يؤذن في الناس)) بالإفراد، قال في ((العمدة)): الضمير فيه راجع إلى الرهط، باعتبار اللفظ، ويجوز أن يكون لأبي هريرة على (٢) الالتفات. انتهى (٢). (يَوْمَ النَّحْرِ) ظرف لـ((يؤذّنون)) ((لَا يَحُجُ) وفي رواية للبخاريّ: ((أن لا يحجّ))، وفي لفظ: ((أن لا يحجّنّ))، وفي رواية النسائيّ: ((ألا لا يحجّنّ))، و((أَلَا)) بفتح الهمزة، واللام المخففة، تأتي على أوجه، ولكن هنا للتنبيه، فتدلّ على تحقق ما بعدها (بَعْدَ الْعَامِ) أي: بعد الزمان الذي فيه الإعلام (مُشْرِك) بالرفع فاعل ((يحجّ))، قال النوويّ تَخْذُ: هذا موافقٌ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، والمراد بالمسجد الحرام ها هنا الحرم كله، فلا يُمَكَّن مشرك من دخول الحرم بحال، حتى لو جاء في رسالة، أو أمر مُهِمٍّ لا يمكّن من الدخول، بل يَخرُج إليه من يقضي الأمر المتعلق به، ولو دَخَل خفية، ومَرِضَ ومات نُبِش، وأُخرِج من الحرم. انتهى(٣). قال في ((الفتح)): قوله: ((وأن لا يحج بعد العام مشرك)) هو منتزع من قوله تعالى: ﴿فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، والآية صريحة في منعهم دخول المسجد الحرام، ولو لم يقصدوا الحجّ، ولكن لما كان الحج هو المقصود الأعظم صَرَّح لهم بالمنع منه، فيكون ما وراءه أولى بالمنع، والمراد بالمسجد الحرام هنا الحرم كله. انتهى. (وَلَا يَطُوفُ) يَحْتَمِل أن يكون مرفوعاً، و((لا)) نافية، ويجوز أن يُقرأ بفتح (١) ((الفتح)) ١٦٥/١٠. (٣) ((شرح النوويّ)) ١١٦/٩. (٢) ((عمدة القاري)) ١١٣/٨. ٣٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج الطاء، وتشديد الواو، مجزوماً بالعطف على محل ((يحجّ)) (بِالْبَيْتِ) متعلق بـ((يطوف)) (عُرْيَانٌ))) بالرفع على الفاعلية لـ((يطوف)). قال النوويّ كَُّ: هذا إبطال لما كانت الجاهلية عليه، من الطواف بالبيت عُرَاةً، واستَدَلَّ به أصحابنا وغيرهم على أن الطواف يُشترط له ستر العورة، والله أعلم. انتهى(١). (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، مِنْ أَجْلِ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ) قال النوويّ: معناه إن الله تعالى قال: ﴿وَذَنْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، فَفَعَلَ أبو بكر، وعليّ وأبو هريرة، وغيرهم، من الصحابة هذا الأذان يوم النحر، بإذن النبيّ وَّ ﴿ في أصل الأذان، والظاهر أنه عَيَّن لهم يوم النحر، فتعيّن أنه يوم الحج الأكبر، ولأن معظم المناسك فيه. وقد اختَلَفَ العلماء في المراد بيوم الحج الأكبر، فقيل: يوم عرفة، وقال مالك، والشافعيّ، والجمهور: هو يوم النحر، ونقل القاضي عياض عن الشافعيّ أنه يوم عرفة، وهذا خلاف المعروف من مذهب الشافعيّ. قال العلماء: وقيل: الحج الأكبر؛ للاحتراز من الحج الأصغر، وهو العمرة، واحتج من قال: هو يوم عرفة بالحديث المشهور: ((الحج عرفةُ))، والله أعلم. انتھی(٢). وقال في ((الفتح)): استنبطه حميد من قوله تعالى: ﴿وَأَذَنُّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ﴾، ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر، فدل على أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر، قال: واختُلِف في المراد بالحج الأصغر، فالجمهور على أنه العمرة، وَصَلَ ذلك عبد الرزاق من طريق عبد الله بن شداد، أحد كبار التابعين، ووصله الطبريّ عن جماعة، منهم: عطاءٌ، والشعبيّ، وعن مجاهد: الحج الأكبر القِرَان، والأصغر الإفراد، وقيل: يوم الحج الأصغر يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر يوم النحر؛ لأن فيه تتكمل بقية المناسك، وعن الثوريّ: أيام الحج تُسَمَّى يوم الحج الأكبر، كما (١) ((شرح النوويّ)) ١١٦/٩. (٢) (شرح مسلم)) ١١٦/٩. ٣٦٧ (٧٥) - بَابُ لَا يَحُجُّ الْبَيْتَ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٨٨) يقال: يوم الفتح، وأيده السُّهَيليّ بأن عليّاً أمر بذلك في الأيام كلها، وقيل: لأن أهل الجاهلية كانوا يَقِفُون بعرفة، وكانت قريش تقف بالمزدلفة، فإذا كان صبيحة النحر وقف الجميع بالمزدلفة، فقيل له: الأكبر؛ لاجتماع الكل فيه، وعن الحسن: سُمِّي بذلك؛ لاتفاق حج جميع الملل فيه، وروى الطبريّ من طريق أبي جُحيفة وغيره: أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، ومن طريق سعيد بن جبير: أنه النحر، واحتَجَّ بأن يوم التاسع، وهو يوم عرفة إذا انسلخ قبل الوقوف، لم يفت الحجّ، بخلاف العاشر، فإن الليل إذا انسلخ قبل الوقوف فات، وفي رواية الترمذيّ من حديث عليّ مرفوعاً وموقوفاً: ((يومُ الحج الأكبر يومُ النحر))، وَرَجَّح الموقوف. انتهى (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا مُتَّفَقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٨٨/٧٥] (١٣٤٧)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٣٦٩) و((الحج)) (١٦٢٢) و((الجزية والموادعة)) (٤٦٥٦ و٤٦٥٧) و((المغازي)) (٤٣٦٣) و((التفسير)) (٤٦٥٥ و٤٦٥٦ و٤٦٥٧)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٩٤٦)، و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)) (٢٩٥٨ و٢٩٥٩) و((الكبرى)) (٣٩٤٨ و٣٩٤٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٧٩/٢ و١٨٤/٤)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٤٤٧/١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٤٣٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٧٠٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٨٢٠)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٢٣٣/٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٨٧/٥ -٨٨)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٩١٢) وفي ((التفسير)) (٢٦٨/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان أنه لا يجوز أن يحجّ البيت مشرك، ولا يطوف به عريان. (١) ((الفتح)) ١٦٩/١٠ - ١٧٠ ((كتاب التفسير)) تفسير ((سورة براءة)) رقم (٤٦٥٧). ٣٦٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٢ - (ومنها): بيان وجوب ستر العورة في الطواف. ٣ - (ومنها): بيان تحريم دخول مكة على المشركين. م، حيث ٤ - (ومنها): بيان فضل أبي بكر ◌ُبه على بقية الصحابة قدّمه وَّ ليحجّ بالناس في تلك السنة. ٥ - (ومنها): إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من الضلالات، والجهل، والسفاهة، حيث إنهم كانوا يعتقدون أن كشف العورة أمام بيت الله، وأمام الجمع العظيم قربة مما يقرّبهم إلى الله تعالى، فما أشدّ جهلهم، وما أكثر انحرافهم. ٦ - (ومنها): ما استنبطه حميد بن عبد الرحمن الراوي له عن أبي هريرة ◌َُّه من أن يوم الحجّ الأكبر هو يوم النحر، حيث إن تبليغ هذه الأمور وقع فيه، وهو استنباط حسنٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [تنبيه]: أخرج الإمام البخاريّ كَُّ حديث أبي هريرة ◌َظُه هذا في ((صحيحه))، أتمّ من رواية المصنّف، فقال في ((كتاب التفسير)): (٤٦٥٦) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا الليث، حدّثني عُقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني حميد بن عبد الرحمن؛ أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر ظه في تلك الحجة في المؤذنين بعثهم يوم النحر، يؤذّنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد: ثم أردف النبيّ وَّ﴿ بعليّ بن أبي طالب، فأمره أن يؤذّن ببراءة، قال أبو هريرة: فأَذَّن معنا عليّ في أهل منى يوم النحر ببراءة، وأن لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت ◌ُزْيان. وقال أيضاً: (٤٦٥٧) - حدّثنا إسحاق، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب؛ أن حميد بن عبد الرحمن أخبره؛ أن أبا هريرة أخبره؛ أن أبا بكر ظُبه بعثه في الحجة التي أَمَّره رسول الله وَ لّ عليها قبل حجة الوداع، في رهط يؤذّنون في الناس، أن لا يحجنّ بعد العام مشرك، ولا يطوف ٣٦٩ (٧٥) - بَابُ لَا يَحُجُّ الْبَيْتَ مُشْرِك، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٨٨) بالبيت عريان، فكان حميد يقول: يومُ النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث هريرة. انتهى. بي قوله: ((بعثني أبو بكر ... إلخ)): قال الطحاويّ في ((مشكل الآثار)): هذا مشكل؛ لأن الأخبار في هذه القصة تدلّ على أن النبيّ وَلو كان بعث أبا بكر بذلك، ثم أتبعه عليّاً، فأمره أن يؤذن، فكيف يبعث أبو بكر أبا هريرة ومن معه بالتأذين، مع صرف الأمر عنه في ذلك إلى عليّ؟ ثم أجاب بما حاصله أن أبا بكر كان الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خلاف، وكان عليّ هو المأمور بالتأذين بذلك، وكأنّ عليّاً لم يطق التأذين بذلك وحده، واحتاج إلى من يُعينه على ذلك، فأرسل معه أبو بكر أبا هريرة وغيره؛ ليساعدوه على ذلك، ثم ساق من طريق المحرَّر بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: كنت مع عليّ حين بعثه النبيّ وَّه ببراءة إلى أهل مكة، فكنت أنادي معه بذلك حتى يَصْحَلَ صوتي(١)، وكان هو ينادي قبلي حتى يَعْيَ. وأخرجه أحمد أيضاً وغيره، من طريق مُحَرَّر بن أبي هريرة. فالحاصل أن مباشرة أبي هريرة لذلك، كانت بأمر أبي بكر، وكان ينادي بما يُلقيه إليه عليّ مما أُمر بتبليغه. وقوله: ((قال حميد)) هو ابن عبد الرحمن بن عوف: ثم أردف رسول الله وَ ﴿ بعليّ، وأمره أن يؤذّن ببراءة. هذا القدر من الحديث مرسلٌ؛ لأن حميداً لم يُدرك ذلك، ولا صَرَّح بسماعه له من أبي هريرة، لكن قد ثبت إرسال عليّ من عدّة طرق، فروى الطبريّ من طريق أبي صالح، عن عليّ قال: بعث رسول الله * أبا بكر ببراءة إلى أهل مكة، وبعثه على الموسم، ثم بعثني في أثره، فأدركته فأخذتها منه، فقال أبو بكر: ما لي؟ قال: ((خيرٌ، أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض، غير أنه لا يُبَلِّغ عني غيري، أو رجل مني)). ومن طريق عمرو بن عطية، عن أبيه، عن أبي سعيد مثله. ومن طريق العُمَريّ، عن نافع، عن ابن عمر كذلك. (١) أي حتى تذهب حدّته. ٣٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ورَوَى الترمذيّ من حديث مِقْسَم، عن ابن عباس مثله مطوَّلاً، وعند الطبرانيّ من حديث أبي رافع نحوه، لكن قال: ((فأتاه جبريل، فقال: إنه لن يؤديها عنك إلا أنت، أو رجل منك)). ورَوَى الترمذيّ، وحسنه، وأحمد من حديث أنس ◌َُّّه قال: بعث النبيّ وَّه براءة مع أبي بكر، ثم دعا عليّاً فأعطاها إياه، وقال: ((لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي))، وهذا يوضح قوله في الحديث الآخر: ((لا يبلغ عني))، ويُعْرَف منه أن المراد خصوص القصة المذكورة، لا مطلق التبليغ. ورَوَى سعيد بن منصور، والترمذيّ، والنسائيّ، والطبريّ من طريق أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيع، قال: سألت عليّاً: بأيّ شيء بُعِثت؟ قال: بـ(أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم مع مشرك في الحج بعد عامهم هذا، ومن كان له عهدٌ فعهده إلى مُدَّته، ومن لم يكن له عهدٌ فأربعة أشهر)». واستُدِلّ بهذا الكلام الأخير على أن قوله تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةً أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، يَختصّ بمن لم يكن له عهد مؤقت، أو لم يكن له عهد أصلاً، وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته، فروى الطبريّ من طريق ابن إسحاق قال: هم صنفان: صنفٌ كان له عهد دون أربعة أشهر، فأُمهل إلى تمام أربعة أشهر، وصنفٌ كانت له مدة عهده بغير أجل، فقُصِرت على أربعة أشهر. وروى أيضاً من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، أن الأربعة الأشهر أجلُ من كان له عهدٌ مؤقت بقدرها، أو يزيد عليها، وأما من ليس له عهد فانقضاؤه إلى سلخ المحرم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ومن طريق عَبِيدة بن سلمان، سمعت الضحاك؛ أن رسول الله * عاهد ناساً من المشركين من أهل مكة وغيرهم، فنزلت براءة، فنَبَذَ إلى كل أحد عهده، وأجَّلهم أربعة أشهر، ومن لا عهد له، فأجله انقضاء الأشهر الحرم، ومن طريق السُّدّيّ نحوه، ومن طريق معمر، عن الزهريّ قال: كان أول الأربعة أشهر عند نزول براءة في شوال، فكان آخرها آخر المحرم، فبذلك يُجْمَع بين ذكر الأربعة أشهر، وبين قوله: ﴿فَإِذَا أُنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْئُلُواْ اَلْمُشْرِكِينَ﴾ . ٣٧١ (٧٥) - بَابُ لَا يَحُجُّ الْبَيْتَ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٨٨) واستبعد الطبري ذلك من حيث إن بلوغهم الخبر إنما كان عندما وقع النداء به في ذي الحجة، فكيف يقال لهم: سيحوا أربعة أشهر، ولم يبق منها إلا دون الشهرين؟ ثم أسند عن السُّدّيّ وغير واحد التصريح بأن تمام الأربعة الأشهر في ربيع الآخر(١). وقوله: ((أن يؤذّن ببراءة)) يجوز فيه التنوين بالرفع على الحكاية، وبالجر، ويجوز أن يكون علامة الجر فتحة، وهو الثابت في الروايات. وقوله: ((فأذّن معنا عليٍّ في أهل منى يوم النحر إلخ)) قال الكرمانيّ تَخْذَلُ: فيه إشكالٌ؛ لأن عليّاً كان مأموراً بأن يؤذن بـ((براءة))، فكيف يؤذن بـ((أن لا يحج بعد العام مشرك)»؟ ثم أجاب بأنه أَذَّن ببراءة، ومن جملة ما اشتَمَلت عليه ((أن لا يحج بعد العام مشرك))، من قولِه تعالى فيها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. ويَحْتَمِل أن يكون أُمِر أن يؤذّن بـ((براءة))، وبما أُمر أبو بكر أن يؤذن به أيضاً. قال الحافظ تَّتُهُ: وفي قوله: ((يؤذن ببراءة)) تَجَوُّزٌ؛ لأنه أُمر أن يؤذن ببضع وثلاثين آية، منتهاها عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٩]، فروى الطبريّ من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب وغيره، قال: بَعَثَ رسول الله * أبا بكر أميراً على الحج سنة تسع، وبعث عليّاً بثلاثين، أو أربعين آيةً من ((براءة)) . ورَوَى الطبري من طريق أبي الصَّهْباء، قال: سألت عليّاً عن يوم الحج الأكبر، فقال: إن رسول الله وَلليه بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من («براءة)» حتى أَتَى عرفة، فخَطَب، ثم التفت إليّ، فقال: يا عليّ قم، فأدِّ رسالة رسول الله وَله، فقمت، فقرأت أربعين آية من أول براءة، ثم صدرنا حتى رَمَيت الجمرة، فطفقت أتتبع بها الفساطيط، أقرؤها عليهم؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة. (١) ((الفتح)) ١٦٦/١٠ - ١٦٧. ٣٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وأما ما وقع في حديث جابر، فيما أخرجه الطبريّ، وإسحاق في ((مسنده))، والنسائيّ، والدارميّ كلاهما عنه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، من طريق ابن جريج، حدّثني عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن أبي الزبير، عن جابر ظه؛ أن النبيّ وَ﴿ حين رجع من عمرة الجعرانة بَعَث أبا بكر على الحجّ، فأقبلنا معه، حتى إذا كنا بالْعَرْجِ ثُوِّب بالصبح، فسمع رَغْوة ناقة النبيّ وَّ، فإذا عليّ عليها، فقال له: أميرٌ، أو رسولٌ؟ فقال: بل أرسلني رسول الله ﴿﴿ بـ((براءة))، أقرؤها على الناس، فقدمنا مكة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم، قام أبو بكر، فخطب الناس بمناسكهم، حتى إذا فرغ قام عليّ، فقرأ على الناس ((براءة))، حتى ختمها، ثم كان يوم النحر كذلك، ثم يوم النفر کذلك. فيُجْمَع بأن عليّاً قرأها كلها في المواطن الثلاثة، وأما في سائر الأوقات فكان يُؤَذِّن بالأمور المذكورة ((أن لا يحج بعد العام مشرك إلخ))، وكان يستعين بأبي هريرة وغيره في الأذان بذلك. وقد وقع في حديث مِقْسَم عن ابن عباس، عند الترمذيّ أن النبيّ وَل بَعَث أبا بكر ... الحديث، وفيه: فقام عليّ أيام التشريق، فنادى: ((ذمة الله، وذمة رسوله بريئة من كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجنّ بعد العام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عُريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن))، فكان عليّ ينادي بها، فإذا بَحّ(١) قام أبو هريرة فنادى بها . وأخرج أحمد بسند حسن، عن أنس ◌َظُه أن النبيّ وَّهِ بَعَث بـ((براءة)) مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال: ((لا يبلّغها إلا أنا، أو رجل من أهل بيتي))، فبعث بها مع عليّ، قال الترمذيّ: حسن غريب. ووقع في حديث عليّ رَظُله عند أحمد: لَمّا نزلت عشر آيات من ((براءة)) بعث بها النبيّ وَ ﴿ مع أبي بكر؛ ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني، فقال: ((أدرك أبا بكر، فحيثما لقيته، فخذ منه الكتاب))، فرجع أبو بكر، فقال: (١) من باب تعِب: أخذته بُحّة، وهي خشونة، وغلظة في الصوت. ٣٧٣ (٧٥) - بَابُ لَا يَحُجُّ الْبَيْتَ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْبَانٌ ... إلخ- حديث رقم (٣٢٨٨) يا رسول الله، نزل فيّ شيء؟ فقال: ((لا، إلا أنه لن يؤدي))، أو («لكن جبريل قال: لا يؤدي عنك إلا أنت، أو رجل منك)). قال العماد بن كثير: ليس المراد أن أبا بكر رجع من فوره، بل المراد رجع من حجته . قال الحافظ: ولا مانع من حمله على ظاهره؛ لقرب المسافة، وأما قوله: عشر آيات، فالمراد أولها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨](١). [تنبيه]: وقع في رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريّ قوله: ((فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام، فلم يحج عام حجة الوداع التي حج فيها النبيّ ◌َّ﴾ مشرك)). انتهى. قال الحافظ: وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو بكر، وليس كذلك، فقد تضافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به هو ومن معه مِن قِبَل أبي بكر شيئان: منع حج المشركين، ومنع طواف العريان، وأن عليّاً أيضاً كان ينادي بهما، وكان يزيد: ((من كان له عهد فعهده إلى مدّته، وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم))، وكأن هذه الأخيرة كالتوطئة؛ لأن لا يحج البيت مشرك، وأما التي قبلها فهي التي اختَصَّ عليّ بتبليغها، ولهذا قال العلماء: إن الحكمة في إرسال عليّ بعد أبي بكر أن عادة العرب جَرَت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده، أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال: ((لا يبلّغ عني إلا أنا، أو رجل من أهل بيتي)). وروى أحمد، والنسائيّ من طريق مُحَرّر بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: كنت مع عليّ حين بعثه رسول الله * إلى مكة ببراءة))، فكنا ننادي: ((أن لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﴿ عهد، فأجله أربعة أشهر، فإذا مضت فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج بعد العام مشرك))، فكنت أنادي حتى صَحِلَ صوتي. [تنبيه آخر]: اتفقت الروايات على أن حجة أبي بكر كانت سنة تسع، ووقع في حديث لعبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، (١) ((الفتح)) ١٦٨/١٠ - ١٦٩. ٣٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج عن أبي هريرة، في قوله: ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ﴾﴾ [التوبة: ١] قال: لما كان زمن خيبر اعتَمَر رسول الله وَ﴿ من الجعرانة، ثم أَمَّر أبا بكر الصديق على تلك الحجة، قال الزهريّ: وكان أبو هريرة يحدِّث أن أبا بكر أَمَره أن يؤذّن ب(براءة))، ثم أتبع النبيّ وَّه عليّاً ... الحديث. قال الشيخ عماد الدين ابن كثير: هذا فيه غرابة من جهة أن الأمير في سنة عمرة الجعرانة، كان عَتّاب بن أَسِيد، وأما حجة أبي بكر فكانت سنة تسع. قال الحافظ: يمكن رفع الإشكال بأن المراد بقوله: ((ثم أمر أبا بكر)) يعني بعد أن رجع إلى المدينة، وطَوَى ذكر مَن وَلِيَ الحج سنة ثمان، فإن النبيّ ◌َّ﴿ لَمّا رجع من العمرة إلى الجعرانة، فأصبح بها توجه هو ومن معه إلى المدينة، إلى أن جاء أوان الحج، فأمَّر أبا بكر، وذلك سنة تسع، وليس المراد أنه أمّر أبا بكر أن يحج في السنة التي كانت فيها عمرة الجعرانة، وقوله: ((على تلك الحجة)) يريد الآتية بعد رجوعهم إلى المدينة. انتهى ملخّصاً من الفتح))(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ . (٧٦) - (بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٢٨٩] (١٣٤٨) - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ، يَقُولُ: عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ قَالَ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدأً مِنَ النَّارِ، مِنْ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءٍ؟)). (١) ((الفتح)) ١٧٠/١٠ - ١٧١ ((كتاب التفسير)) تفسير ((سورة براءة)) رقم (٤٦٦ و٤٦٧). ٣٧٥ (٧٦) - بَابُ بَيَانِ فَضْلٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٣٢٨٩) رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، يُعرف بابن التَّسْتُريّ، صدوقٌ، تُكُلّم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت٢٤٣) (خ م ي ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٤/٨. ٢ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ) تقدّم قريباً. ٣ - (أَبُوهُ) بكير بن عبد الله بن الأشجّ المدنيّ، نزيل مصر، تقدّم قريباً. ٤ - (يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ) بن حِمَاس - بكسر المهملة، وتخفيف الميم، وآخره مهملة - ابن عمرو الليثيّ المدنيّ. وقيل: يوسف بن يونس بن حِمَاس، ثقة عابد [٦]. روى عن عمّه، وسعيد بن المسيّب، وسُليمان بن يسار، وعطاء بن يسار. وروى عنه ابن جُريج، ويُكير بن الأشجّ، وعبد الله بن عبد الله الأمويّ، ومالك، والدراورديّ. قال أبو حاتم: محلّه الصدق، لا بأس به، وقال النسائيّ: ثقة، وقال البزّار: صالح الحديث، وذكره ابن حبّان في ((الثقات)) فيمن اسمه يوسف، وقال: وهو الذي يُخطىء فيه عبد الله بن يوسف التِّنِّيسيّ عن مالك، فيقول: يونس بن يوسف، وكان من عُبّاد أهل المدينة، لَمَح يوماً امرأة، فدعا الله تعالى، فأذهب عينيه، ثم دعا، فردّ عليه بصره. أخرج له المصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حدیثان فقط، هذا برقم (١٣٤٨)، وحديث (١٩٠٥): ((إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجلٌ ... )). ٥ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) سعيد المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت، من كبار [٣] (ت٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦. ٦ - (عَائِشَةُ) ضًُّا، تقدّمت قريباً. والباقيان تقدّما في السند الماضي. ٣٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج لطائف هذا الإسناد : ١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف دَّثُ، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحادهما في كيفيّة التحمّل، والأداء. ٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، وابن وهب، فمصریون. (ومنها): أن رواية بكير عن يونس من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن بكيراً من الطبقة الخامسة، ويونس من السادسة، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَن ابْنِ الْمُسَيَّبِ) أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) ﴿َا (إِنَّ رَسُولَ اللهِوَهِ قَالَ: ((مَا مِنْ يَوْمِ أَكْثَرَ) قال أبو العباس القرطبيّ تَُّ: رَوَينا ((أكثر)) رفعاً، ونصباً، فرفعه على التميميّة، ونصبه على الحجازيّة، وهو في الحالين خبر، لا وصفٌ، والمجروران بعده مبيّنان، فـ((من يوم عرفة)) يبيّن الأكثرية، مما هي؟ ومن ((أن يُعتق)) يبيّن المميّز، وتقدير الكلام: ما يومٌ أكثر من يوم عرفة عتيقاً من النار. انتھی. قال الجامع عفا الله عنه: أشار القرطبيّ تَُّ إلى قول الحريريّ ◌َُّ في مُلحته : وَ((مَا)) الَّتِي تَنْفِي كَ(لَيْسَ)) النَّاصِبَهْ فِي قَوْلِ سُكَّانِ الْحِجَازِ قَاطَبَهْ وقول ابن مالك رَغُّْ في ((خلاصته)): إِعْمَالَ (لَيْسَ)) أُعْمِلَتْ ((مَا)) دُونَ ((إِنْ)) مَعَ بَقَا النَّفِيٍ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ وقال في ((المرعاة)): قوله: ((ما من يوم)) ((من)) زائدة ((أكثر)) بالنصب، وقيل: بالرفع ((من)) زائدة أيضاً. وقال السنديّ في ((حاشية النسائيّ)): قوله: ((أكثر من أن يعتق)) أي: أكثر من جهة الإعتاق، وبملاحظته فليست هذه ((من)) التفضيلية، وإنما التفضيلية هي ((من)) التي في قوله: ((من يوم عرفة)). وقال الطيبي: ((ما)) بمعنى ((ليس))، واسمها ((يوم))، و((مِنْ)) زائدة. انتهى، ٣٧٧ (٧٦) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٣٢٨٩) قال القاري: فتقديره: ما من يوم أكثر إعتاقاً فيه اللهُ عبداً من النار من يوم عرفة. انتهى. وقال السنديّ في ((حاشية ابن ماجه)): ((أكثر)) جاء بالنصب على أنه خبر ((ما)) العاملة على لغة الحجاز، وبالرفع على إبطال عمل ((ما)) على وجهين، و ((أن يُعْتِقِ)) فاعل اسم التفضيل، ويَحْتَمِل على تقدير الرفع أن يجعل ((أن يُعتق)) مبتدأ خبره ((أكثر))، والجملة خبر ((ما))، وتجويز فتح ((أكثر)) على أنه صفة (يوم)) محمول على لفظه، إلا أنه ◌ُرّ بالفتحة؛ لكونه غير منصرف، وتجويز رفعه على أنه صفة له حملٌ له على محله، أو على أنه خبر لما بعده، والجملة صفة، فذاك يُحوج إلی تقدیر خبر مثل موجود بلا حاجة إليه. انتهى. وقال الأبيّ: ((ما)) نافية، وتدخل على المبتدأ والخبر، وللعرب فيها مذهبان، فالحجازيون يرفعون بها المبتدأ الاسم، وينصبون الخبر، والتميميون يرفعون بها الاسمين. وقال النوويّ: رَوَينا الحديث بنصب ((أكثر)) على أن ((ما)) حجازية، وبرفعه على أنها تميمية، و((من)) زائدة، والتقدير: ((ما يوم أكثر))، والمجروران بعده مُبَيِّنان، فـ((مِن يوم عرفة))، مُبَيِّنٌ للأكثرية، مما هي؟ و((من أن يعتق)) مُبَيِّن للمبيَّن. انتھی(١). (مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ) بضم أوله، من الإعتاق رباعيّاً (فِيهِ عَبْداً) زاد في رواية النسائيّ: ((أو أمةً)) (مِنَ النَّارِ) متعلّق بـ«يُعتق)) (مِنْ يَوْم عَرَفَةَ) متعلّق بـ((أكثر)) (وَإِنَّهُ لَيَدْنُو) من الدنوّ، وهو القرب. قال القرطبيّ: قوله: ((وإنه ليدنو)) هذا الضمير عائدٌ إلى الله تعالى، والدنوّ دنوّ إفضال وإكرام، لا دنوّ انتقال ومكان؛ إذ يتعالى عنه، ويتقدّس. انتهى. وقال النوويّ: قال القاضي عياض: قال المازريّ: معنى ((يدنو)) في هذا الحديث؛ أي: تدنو رحمته وكرامته، لا دنوّ مسافة ومماسّة، قال القاضي: يتأول فيه ما سبق في حديث النزول إلى السماء الدنيا، كما جاء في الحديث الآخر من غيظ الشيطان يوم عرفة؛ لما يرى من تنزّل الرحمة، قال القاضي: (١) راجع: ((المرعاة)) ١٣٥/٩ - ١٣٦. ٣٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وقد يريد دنو الملائكة إلى الأرض، أو إلى السماء بما ينزل معهم من الرحمة، ومباهاة الملائكة بهم عن أمره الله. انتهى ما ذكره النوويّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكروه من تأويل هذا الحديث غير صحيح، والصواب إثبات صفة الدنوّ لله قلل حقيقة، على ما يليق بجلاله، وإنما أدّاهم إلى هذا التأويل السخيف قياسهم الغائب بالشاهد، فظنوا أنهم لو أثبتوا ذلك له لزم تشبيهه بخلقه، وهذا زعم باطل، فالله وال له الصفات العلى، لا تشبه الصفات، كما أن له ذات لا تشبه الذوات، فالمخلوق له ذاته، وصفاته الخاصّة به، والخالق له ذاته، وصفاته اللائقة بجلاله، ولا يلزم من هذا الإثبات تشبيه أصلاً، وقد ذكرنا غير مرّة أن مذهب السلف قاطبة في مثل هذا الحديث أن يؤمنوا به كما جاء، ويفوّضون الكيفية إلى الله تعالى، فيؤمنون بأن الله تعالى دنوّاً حقيقيّاً، على ما يليق بجلاله، وكذلك له نزول كل ليلة إلى السماء الدنيا، وأن له استواءً على العرش كما يليق به، وغير ذلك مما أثبته ◌َالنَ لنفسه من الصفات، أو أثبته له رسوله ◌َ ﴿ فيما صحّ عنه من الروايات، وأن الدنوّ، والنزول، والاستواء معان معلومة لكلّ من يعرف كلام العرب، فهي ثابتة له تعالى، وإنما المجهول كيفيتها . فالحقّ أن الله نج له الدنوّ، والنزول، والاستواء، وغيرها من الصفات الثابتة له حقيقةً، لا مجازاً، على كيفية يعلمها هو، لا نعلمها، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ) أي: يفاخرهم بهم، وقال القرطبيّ: أي يُثني عليهم عندهم، ويعظّمهم بحضرتهم، كما في الحديث الآخر: ((يقول للملائكة: انظروا إلى عبادي جاءوني شُعْئاً غُبْراً، أُشهدكم أني قد غفرت لهم))، قال: وكأن هذا - والله أعلم - تذكير للملائكة بقولهم: ﴿أَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] وإظهار لتحقيق قوله تعالى: ﴿إِنّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١). (١) ((المفهم)) ٣/ ٤٦٠. ٣٧٩ (٧٦) - بَابُ بَيَانِ فَضْلِ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ - حديث رقم (٣٢٨٩) وقال في ((المرعاة)): ((ثم يباهي بهم)) أي: بالحجاج ((الملائكة)) قال بعضهم: أي يُظهر على الملائكة فضل الحجاج وشرفهم. وقال التوربشتيّ: المباهاة هو المفاخرة، وهي موضوعة للمخلوقين فيما يترفعون به على أكفاءهم، وتعالى الله الملك الحقّ عن التعزز بما اخترعه ثم تعبّده، وإنما هو من باب المجاز، أي: يُحِلّهم من قربه وكرامته بين أولئك الملأ مَحَلّ الشيء المباهى به، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك في الحقيقة راجعاً إلى أهل عرفة، أي: يُنزلهم من الكرامة منه منزلة يقتضي المباهاة بينهم، وبين الملائكة، وإنما أضاف العمل إلى نفسه تحقيقاً لكون ذلك عن موهبته، والله أعلم. انتهى كلام التوربشتيّ. قال الجامع عفا الله عنه: دعواه المجاز في المباهاة هو نظير ما سبق في تأويلهم الدنوّ، فالحقّ أن المباهاة على ظاهرها، وقد أجاد صاحب المرعاة تَخْشُهُ حيث عقّب على كلام التوربشتيّ هذا، فقال: قلت: الحديث محمول على ظاهره، من غير تأويل، وتكييف، كما هو مذهب السلف الصالح في النزول، والعلوّ، وغيرهما من الصفات، من إمرارها على ظاهرها، وتفويض الكيفية إلى علمه علّ، فالدنوّ، والمباهاة، معناهما معلوم، والكيفية مجهولة، فنقول: إنه تعالى يدنو من عباده عشية عرفة بعرفات، ويباهي بهم الملائكة كيف يشاء، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ انتهى كلامه تَخْذُهُ(١)، وهو تعقّب حسنٌ جدّاً، فتمسّك به، ولا تَمِل إلى مذهب هؤلاء المأوّلين، فإنه خطأ مبين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (وَيَقُولُ) وَ (مَا أَرَادَ هَؤُلَاءٍ؟))) ((ما)) استفهامية، والاستفهام هنا للتعجّب، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الآية [الفرقان: ٤٥]. قال القرطبيّ تَخّْثُ: أي إنما حملهم على ذلك حتى خرجوا من أوطانهم، وفارقوا أهاليهم، ولذّاتهم، ابتغاء مرضاتي، وامتثال أمري. انتهى (٢) وقال القاري: قوله: (مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟) أَيْ: أَيّ شيء أراد هؤلاء حيث تركوا أهلهم، وأوطانهم، وصرفوا أموالهم، وأتعبوا أبدانهم، أي: ما أرادوا (١) ((المرعاة)) ١٣٦/٩. (٢) («المفهم)) ٤٦١/٣. ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج إلا المغفرة، والرضا، والقرب، واللقاء، ومن جاء هذا الباب لا يَخشى الرد، أو التقدير: ما أراد هؤلاء فهو حاصل لهم، ودرجاتهم على قدر مراداتهم ونيّاتهم، أو: أي شيء أراد هؤلاء؟ أي شيئاً سهلاً يسيراً عندنا؛ إذ مغفرة الذنوب الكثيرة مثل التراب، لا يتعاظم عند رب الأرباب. انتهى(١). وقال القاضي عياض: وقد وقع الحديث في ((صحيح مسلم)) مختصراً، وذكره عبد الرزاق في ((مسنده)) من رواية ابن عمر ظها: ((إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، يقول: هؤلاء عبادي، جاءوني شُعْئاً، غُبْراً، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني، فكيف لو رأوني ... )) وذكر باقي الحديث. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لعل القاضي أراد بالاختصار كونه بمعناه، وإلا فلا معنى لدعوى اختصار حديث صحابيّ عن حديث صحابيّ آخر الاختصار المشهور عند المحدثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة رضيها هذا من أفراد المصنّف رَُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٨٩/٧٦] (١٣٤٨)، و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)) (٢٥١/٥) و((الكبرى)) (٤٢٠/٢)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٣٠١٤)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٧٣/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٢٧/٤)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٣٠١/٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان فضل يوم عرفة، قال النوويّ تَخّْثُهُ: هذا الحديث ظاهر الدلالة في فضل يوم عرفة، وهو كذلك، ولو قال رجل: امرأتي طالق في أفضل الأيام، فلأصحابنا وجهان: أحدهما: تطلق يوم الجمعة؛ لقوله اليه: (١) راجع: ((المرقاة)) ٥١١/٥.