النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
(٧٣) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِ الْحَجّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٩)
فقال: تائبين عابدين إلى آخره، وهو غير مناسب أيضاً لما فيه من تزكية النفس،
وإظهار الأعمال. انتهى(١).
وقوله: (عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ) جمع ساجد، وأصله الخضوع والتذلّل، ومنه
قول الشاعر:
تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّداً لِلْحَوَافِرٍ
أي: متذلّلةً خاضعةً، قاله القرطبيّ كَُّمُ(٢) .
(لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) كلُّھا رَفْعٌ بتقدير ((نحن))، والجارّ والمجرور متعلق
بـ((حامدون))، أو بـ(ساجدون))، أو بهما، أو بالصفات الخمسة على طريق
التنازع.
وقال وليّ الدين كثّثُهُ: قوله: ((ساجدون)) بعد قوله: ((عابدون) مِن ذكْر
الخاصّ بعد العامّ، وقوله: ((لربنا)) يَحْتَمِل تعلقه بقوله: ((ساجدون)) أي: نسجد
له، لا لغيره من الأصنام وغيرها، ويَحْتَمِل أن يكون معمولاً مقدماً لقوله:
((حامدون)) أي: نحمده دون غيره؛ لرؤيتنا النعمة منه؛ إذ هو المنعم بها، لا
رب سواه. انتهى.
(صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ) أي: فيما وعد به من إظهار دينه في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ
مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ الآية [الفتح: ٢٠]، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ لَيَسْتَظْلِفَنَّهُمْ فِ اَلْأَرْضِ﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن
يَنصُرُهُ؟﴾ [الحجّ: ٤٠]، وهذا في سفر الغزو، والمناسب لسفر الحجّ والعمرة قوله
تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ مَامِنِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧] (وَنَصَرَ
عَبْدَهُ) يريد ◌َّ* نفسه الكريمة (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ») أي: من غير فعل أحد
من الآدميين، واختُلِف في المراد بالأحزاب هنا، فقيل: هم كفار قريش، ومن
وافقهم من العرب، واليهود الذين تحزّبوا؛ أي: تجمعوا في غزوة الخندق،
ونزلت في شأنهم ((سورة الأحزاب))، وقيل: المراد أعمّ من ذلك؛ أي: أحزاب
الكفار في جميع الأيام والمواطن، قال النوويّ: والمشهور الأول.
وقيل: فيه نظر؛ لأنه يتوقف على أن هذا الذكر إنما شُرع من بعد الخندق.
(١) ((طرح التثريب)) ١٨٦/٥.
(٢) ((المفهم)) ٤٥٦/٣.

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وأجيب: بأن غزوات النبيّ وَلّ التي خرج فيها بنفسه محصورة، والمطابق
منها لذلك غزوة الخندق؛ لظاهر قوله تعالى في ((سورة الأحزاب)): ﴿وَرَدَّ اللَّهُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِمْ لَمَّ يَنَالُواْ خَيْ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اٌلْقِتَالَّ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٥]،
وفيها قبل ذلك: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيْحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَأْ﴾ الآية
[الأحزاب: ٩].
والأصل في الأحزاب أنه جمع حِزْب، وهو القطعة المجتمعة من الناس،
فاللام إما جنسيّة؛ أي: كل من تحزب من الكفار، وإما عهديّة، والمراد من
تقدّم، وهو الأقرب، وقال القرطبيّ كَُّ: ويَحْتَمِل أن يكون هذا الخبر بمعنى
الدعاء، كأنه قال: اللهم افعل ذلك وحدك، والأول أظهر، قاله الحافظ(١).
وقال القاري تَّثُ: قوله: ((وهزم الأحزاب)) أي: القبائل المجتمعة من
الكفار لحرب النبيّ ◌َ*، وكانوا اثني عشر ألفاً توجهوا من مكة إلى المدينة،
واجتمعوا حولها، سوى من انضم إليهم من اليهود، ومضى عليهم قريب من
شهر، لم يقع بينهم حرب، إلا الترامي بالنبل والحجارة؛ زعماً منهم أن
المؤمنين لم يطيقوا مقابلتهم، فلا بُدّ أنهم يهربون، فأرسل الله عليهم ريحاً في
ليلة شاتية، سَفّت التراب على وجوههم، وأطفأت نيرانهم، وقلعت أوتادهم،
وأكفأت قدورهم، وأرسل الله ألفاً من الملائكة، فكَبّرت في ذوائب عسكرهم،
فهاصت الخيل وقذف في قلوبهم الرعب، فانهزموا، ونزل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّها
الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَهُنُودًا لَّمْ
تَرَوَّهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٩]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر
هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٧٩/٧٣ و٣٢٨٠] (١٣٤٤)، و(البخاريّ) في
(١) ((الفتح)) ١٤/ ٤٢٧.

٣٤٣
(٧٣) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٩)
((العمرة)) (١٧٩٧) و((الجهاد)) (٢٩٩٥ و٣٠٨٤) و((المغازي)) (٤١١٦)
و((الدعوات)) (٦٣٨٥)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٧٧٠)، و(الترمذيّ) في
(الحجّ)) (٩٥٠)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٧٧/٢ و٢٣٦/٥ و١٣٨/٦)
و((عمل اليوم والليلة)) (٥٣٩ و٥٤٠)، و(مالك) في ((الموظّأ)) (٩٨٠/٢)،
و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٩٢٣٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٦١/١٠
و٥١٩/١٢)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٨٦/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/
٥ و١٠ و١٥ و٢١ و٣٨ و٦٣ و١٠٥)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٧٦/٢)،
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٠٧)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٠٧/١٢
و٣٦٩)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٩٨/٢ و٣٩٩)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (١٧/٤ - ١٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٩/٥)، و((المعرفة))
(٢٦٩/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الإتيان بهذا الذكر في القفول من سفر الغزو،
والحج، والعمرة، وهل يختصّ ذلك بهذه الأسفار، أو يتعدّى إلى كل سفر
طاعة؛ كالرباط، وطلب العلم، وصلة الرحم، أو يتعدى إلى السفر المباح
أيضاً؛ كالنزهة، أو يستمر في كل سفر، ولو كان مُحَرَّماً يَحْتَمِل أوجهاً:
[أحدها]: الاختصاص، وذلك لأن هذا ذكر مخصوص شُرع بأثر هذه
العبادات المخصوصة، فلا يتعدى إلى غيرها؛ كالذكر عقب الصلاة من
التسبيح، والتحميد، والتكبير على الهيئة المخصوصة، فإنه لا يتعدى إلى غيرها
من العبادات؛ كالصيام ونحوه، والأذكار المخصوصة متعبَّد بها في لفظها،
ومحلها، ومكانها، وزمانها .
[الثاني]: أنه يتعدى إلى سائر أسفار الطاعة؛ لكونها في معناها في
التقرب بها .
[الثالث]: أنه يَتَعدَّى إلى الأسفار المباحة أيضاً، وعلى هذين الاحتمالين
فالتقييد في الحديث إنما هو لكونه * لم يكن يسافر بغير المقاصد الثلاثة،
فقیده بحسب الواقع، لا لاختصاص الحکم به.

٣٤٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
[الرابع]: تعدّيه إلى الأسفار المحرَّمة؛ لأن مرتكب الحرام أحوج إلى
الذكر من غيره؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.
وقال الحافظ العراقيّ تَظْلُ في ((شرح الترمذيّ)): سواء فيه السفر لحجّ،
أو عمرة، أو غزو، كما في الحديث، أو لغير ذلك، من طلب علم، وتجارة،
وغيرهما. انتهى.
قال ولده وليّ الدين تَّلُ: فمثّل بطلب العلم، وهو من الطاعات،
وبالتجارة، وهي من المباحات، ولم يمثل المحرّم، لكنه مندرج في إطلاقه.
انتھی(١).
٢ - (ومنها): أن الحديث صريح في اختصاص التكبير ثلاثاً بحالة كونه
على المكان المرتفع، وأما قوله: ((ثم يقول: لا إله إلا الله ... )) إلى آخره،
فيَحْتَمِل الإتيان به، وهو على المكان المرتفع، ويَحْتَمِل ألا يتقيد بذلك، بل إن
كان المكان المرتفع واسعاً قاله فيه، وإن كان ضيّقاً كمّل بقية الذكر بعد
انهباطه، ولا يستمرّ واقفاً في المكان المرتفع لتكميله، قاله وليّ الدين تَخْذَلُهُ
أيضاً.
٣ - (ومنها): ما قال الحافظ العراقيّ تَُّ في ((شرح الترمذيّ)): مناسبة
التكبير على المكان المرتفع، أن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس، وفيه
ظهورٌ وغلبةٌ على من هو دونه في المكان، فينبغي لمن تلبّس به أن يذكر عند
ذلك كبرياءَ الله تعالى، وأنه أكبر من كل شيء، ويشكر له ذلك، يستمطر بذلك
المزيد مما مَنّ به عليه.
وقال أبو العباس القرطبيّ تَّلُهُ: توحيده لله تعالى هناك إشعار بانفراده
تعالى بإيجاد جميع الموجودات، وبأنه المألوه؛ أي: المعبود في كل الأماكن
من الأرضين والسموات.
ورَوَى ابن السنيّ في ((عمل اليوم والليلة)) عن أنس ◌َ به قال: ((كان
النبيّ وَ﴿ إذا علا نشزاً من الأرض، قال: اللهم لك الشرف على كل شرف،
ولك الحمد علی کل حال)).
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٨٤/٥ - ١٨٥.

٣٤٥
(٧٣) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٩)
قال وليّ الدين كَّلُهُ: ويَحْتَمِل أن سبب ذلك إظهار ذكر الله تعالى،
وتوحيده، ومنّته على أهل دينه، وذلك في الأماكن العالية أظهر منه في الأماكن
المنخفضة، وفي (صحيح البخاريّ)) عن جابر ◌َ﴿به قال: ((كنا إذا صَعِدنا كبّرنا،
وإذا نزلنا سبَّحنا))، وفي ((سنن أبي داود))، من حديث ابن عمر ظًا: ((وكان
النبيّ وَ﴿ وجيوشه إذا عَلَوُا الثنايا كبّروا، وإذا هَبَطُوا سبَّحُوا، فوُضِعت الصلاة
على ذلك)).
ويَحْتَمِل أن يكون سبب التسبيح في الانهباط، أن الانخفاض محل
الضيق، والتسبيح سبب للفرج، ومنه قوله تعالى في حق يونس: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ
(٢)﴾ [الصافات: ١٤٣، ١٤٤]،
كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌ (١٤) لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
وكانت مقالته في بطن الحوت: ﴿سُبْحَنَكَ إِّ كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
(١).
.
انتھی
٤ - (ومنها): ما قال الحافظ العراقيّ كَّلهُ: وجه مناسبة قوله: ((صدق الله
وعده)) إن كان سفر حجّ، أو عمرة، تذكيره بذلك وعد الله تعالى لنبيّه وَله بقوله
تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وإن كان
رجوعاً من غَزَاة تذكيره قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ
لَيَسْتَفْلِفَنَّهُمْ فِ اْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ الآية [النور: ٥٥]، وقوله
تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠]، قال: وفي حديث
أنس نظُبه عند مسلم: ((أقبلنا مع رسول الله وَل قر أنا وأبو طلحة، وصفية رديفته
على ناقته، حتى إذا كان بظهر المدينة قال: آيبون، تائبون ... )) الحديث، فهذا
كان مَقْفَله من خيبر، وكانت متصلة بقصة الأحزاب: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ
فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ: إِلَّا غُرُورًا (﴾﴾ [الأحزاب: ١٢]، فردّ النبيّ وَّل
ذلك عليهم. انتهى (٢).
٥ - (ومنها): أن مجموع هذا الذكر إنما كان * يأتي به عند القفول،
وكان يأتي بصدره في الخروج أيضاً كما تقدّم في الباب الماضي: ((أنه وَّ كان
إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبّر ثلاثاً، ثم قال: سبحان الذي سخّر
(١) ((طرح التثريب)) ١٨٥/٥ - ١٨٦.
(٢) ((طرح التثريب)) ١٨٧/٥.

٣٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
لنا هذا ... الحديث، وفي آخره: ((وإذا رجع قالهنّ، وزاد فيهنّ: آيبون،
تائبون، عابدون لربنا حامدون))، وتقدم حديث البخاريّ: ((كنا إذا صعدنا كبّرنا،
وإذا نزلنا سبّحنا))، وحديث أبي داود: ((كان النبيّ وَّ وجيوشه إذا عَلَوا الثنايا
كبّروا، وإذا هبطوا سبّحوا))، وقال ◌َّه ــ للرجل الذي قال له: أوصني، لمّا
أراد سفراً -: ((عليك بتقوى الله، والتكبير على كل شَرَف)) رواه الترمذيّ، وهو
حديث حسنٌّ، ولم يخصّ ذلك بالرجعة من سفره(١).
٦ - (ومنها): ما قاله الزرقانيّ كَُّ: في الحديث جواز السجع في
الدعاء، والكلام بلا تكلف، وإنما يُنْهَى عن التكلف؛ لأنه يشغل عن
الإخلاص، ويقدح في النية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٨٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، يَعْنِي ابْنَ
عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَذَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكِ (ح) وَحَدَّثَنَا
ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكِ، أَخْبَرَنَا الضَّخَّكُ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ،
عَنِ النَّبِيَّ وَّهِ بِمِثْلِهِ، إِلَّ حَدِيثَ أَيُّوبَ، فَإِنَّ فِيهِ التَّكْبِيرَ مَرَّتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَيُّوبَ) بن أبي تميمة كيسان، تقدّم قريباً.
٢ - (مَعْنُ) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى المدنيّ
القزّاز، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠]
(ت١٩٨) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٧/ ٥٦٣.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله.
[تنبيه]: رواية أيوب السختيانيّ، عن نافع هذه ساقها الترمذيّ نَّلُهُ،
فقال :
(١) راجع: ((طرح التثريب)) ١٨٧/٥.

٣٤٧
(٧٣) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٨١)
(٨٧٣) - حدّثنا عليّ بن حُجْر، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب،
عن نافع، عن ابن عمر، قال: ((كان النبيّ بَّهِ إذا قفل من غزوة، أو حجّ، أو
عمرة، فَعَلا فَدْفَداً من الأرض، أو شَرَفاً كبّر ثلاثاً، ثم قال: لا إله إلا الله
وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون،
تائبون، عابدون، سائحون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده،
وهَزم الأحزاب وحده)). انتهى.
وأما رواية مالك بن أنس، عن نافع، فقد ساقها البخاريّ كَّلُهُ، في
((صحيحه))، فقال:
(١٦٧٠) - حدّثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع، عن
عبد الله بن عمر ظها: أن رسول الله بَّه كان إذا قَفَل من غزو، أو حجّ، أو
عمرة، يكبّر على كل شَرَف من الأرض، ثلاث تكبيرات، ثم يقول: ((لا إله
إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ،
آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر
عبده، وهزم الأحزاب وحده)). انتهى.
وأما رواية الضحّاك بن عثمان، عن نافع، فقد ساقها أبو عوانة في
((مسنده)) (٣٩٩/٢) فقال:
(٣٥٨٢) - حدّثنا أحمد بن الفرج الحمصيّ، نا ابن أبي فُديك، قال:
حدّثني الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله وَل* كان إذا
قَفَل من الغزو، أو الحجّ، أو العمرة، يكبّر على كل شَرَف ثلاث تكبيرات، ثم
يقول: ((لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي
ويميت، وهو على كل شيء قديرٌ، آيبون، تائبون، عابدون، سائحون، لربنا
حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)). انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٨١] (١٣٤٥) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ،
عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َِِّ أَنَا
٠

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وَأَبُو طَلْحَةَ، وَصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ عَلَى نَاقَتِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: ((آيِبُونَ،
تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ))، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ) الحضرميّ مولاهم البصريّ النحويّ، صدوقٌ
ربما أخطأ [٥] (ت١٣٦) (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٥٨٦/٢.
٢ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الخادم الشهير،
مات نظر اته سنة (٢ أو٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
والباقیان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَّلهُ؛ كالأسانيد الثلاثة التالية،
وهو (٢٠٥) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه أيضاً، فنسائيّ، ثم
بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أنساً رَُّه.
خادم رسول الله وعمل لا خدمه عشر سنين،
وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة ﴿ بالبصرة، وكان
معمّراً، قد جاوز المائة.
شرح الحديث:
(عَنْ يَحْيَى بْنٍ أَبِي إِسْحَاقَ) أنه (قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَبُهُ (أَقْبَلْنَا مَعَ
النَّبِيِّ وَّةَ﴾ أي: من غزوة خيبر، فقالها مختصرة، عند المصنّف، وقد ساقها
البخاريّ كَّلُهُ مطوّلة، من طريق عبد الوارث بن سعيد، قال: حدّثني يحيى بن
أبي إسحاق، عن أنس بن مالك ه قال: كنا مع النبيّ وَّ مَقْفَله من
عُسْفان(١) ورسول الله ◌َّ﴾له على راحلته، وقد أردف صفية بنت حُيَيّ، فَعَثَرت
(١) هكذا الرواية، قيل: هذا وَهَمٌ؛ لأن غزوة عُسفان كانت سنة ستّ، وإرداف صفية ◌ُوَشَّا =

٣٤٩
(٧٣) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٨١)
ناقته، فصُرِعا جميعاً، فاقتحم أبو طلحة، فقال: يا رسول الله جعلني الله فداءك،
قال: ((عليك المرأة))، فقَلَب ثوباً على وجهه، وأتاها، فألقاه عليها، وأصلح لهما
مركبهما، فركبا، واكتنفنا رسولَ الله وَله، فلما أشرفنا على المدينة قال: ((آيبون،
تائبون، عابدون، لربنا حامدون))، فلم يزل يقول ذلك حتى دخل المدينة.
وقوله: (أَنَا) أتى به توكيداً للضمير المرفوع المتّصل، حتى يعطف عليه ما
بعده، وليس لازماً؛ لوجود الفصل بالظرف، وإلى هذا أشار في ((الخلاصة))
حيث قال:
عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرٍ رَفْعِ مُتَّصِلْ
فِي النَّظْمِ نَاشِياً وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ
وقوله: (وَأَبُو طَلْحَةَ) مرفوع بالعطف على الفاعل، وهو أبو طلحة
الأنصاريّ، زيد بن سَهْل بن الأسود بن حَرَام الخزرجيّ، مشهور بكنيته، من
كبار الصحابة ﴿، شَهِدَ بدراً وما بعدها، مات سنة (٣٤)، وقيل غير ذلك،
وتقدّمت ترجمته في ((الحيض)) ٧/ ٧٢٠. (وصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ) أي: راكبة خلفه وَِّ،
والجملة في محلّ نصب على الحال.
وهي أم المؤمنين صفيّة بنت حُيي بن أخطب الإسرائيليّة، تزوّجها النبيّ وَط *
بعد خيبر، وماتت سنة (٣٦)، وقيل: في خلافة معاوية خًا، وهو الصحيح،
تقدّمت ترجمتها في ((الحج)) ٣٢٢٣/٦٥.
(عَلَى نَاقَتِهِ) متعلّق بـ((رديفته)) (حَتَّى إِذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ) أي: بظاهرها
(قَالَ: ((آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ))) تقدّم شرح هذه الكلمات في
الحديث الماضي (فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ) أي: الذكر المذكور، ففيه استحباب
تكرار هذا الذكر (حَتَّى قَدِمْنَا) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ) النبويّة زادها الله تعالى
شرفاً وعِزّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
كان في غزوة خيبر، فالصواب مقفله من خيبر، وقيل: لعله في طريق خيبر مكان
=
يسمّى عُسفان، وقيل: أضافه لتقارب الغزوتين، وهذا هو ما مال إليه الحافظ تَذَلهُ،
راجع: ((الفتح)) ٣٣٨/٧ - ٣٣٩ ((كتاب الجهاد والسير)) رقم (٣٠٨٦).

٣٥٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظ به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٨١/٧٣ و٣٢٨٢] (١٣٤٥)، و(البخاريّ) في
((الجهاد)) (٣٠٨٥ و٣٠٨٦) و(اللباس)) (٥٩٦٨) و((الأدب)) (٦١٨٥)، و(النسائيّ)
في ((عمل اليوم والليلة)) (٥٥١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٨٣/٦
و٥٣٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٨٧/٣ و١٨٩)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)
(١٨/٤)، و(ابن الجعد) في ((مسنده) (١٠٨/١)، و(تمّام الرازي) في ((فوائده))
(٩٠/١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (١):
١ - (منها): بيان ما يُسحبّ أن يقال عند الرجوع من السفر.
٢ - (ومنها): بيان جواز إرداف المرأة خلف الرجل.
٣ - (ومنها): بيان مشروعيّة ستر المرأة عن الناس، وستر من لا تجوز
رؤيته، وستر الوجه عنه.
٤ - (ومنها): استحباب خدمة الإمام والعالم، وخدمة أهل الفضل.
٥ - (ومنها): استحباب اكتناف الإمام، والاجتماع حوله عند دخول
المدن .
٦ - (ومنها): استحباب حمد الله تعالى للمسافر عند إتيانه سالماً إلى
أهله، وسؤاله الله التوبة.
٧ - (ومنها): وجوب احتجاب أمهات المؤمنين - رضي الله عنهنّ - وإن
کنّ کالأمهات.
٨ - (ومنها): جواز تدارك المرأة الأجنبيّة إذا سقطت، أو كادت تسقط،
فيعينها على التخلّص مما يُخشى عليها، كما فعل أبو طلحة نظريته، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) المراد فوائد الحديث برواياته المختلفة، فيشمل ما ذُكر في الشرح أيضاً، وليس
خصوص سياق المصنّف فقط، فتنبّه.

٣٥١
(٧٣) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٨٢)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٨٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ،
حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك، عَنِ النَِّّ ◌َِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ) بن المبارك السّاميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ
[١٠] (ت٢٤٤) (م ٤) تقدم في ((الجمعة)) ٦/ ١٩٧٢.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق البصريّ، تقدّم قبل باب.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف رَّثُ، كسابقه، ولا حقيه،
وهو (٢٠٦) من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه آخر]: رواية بشر بن المفضّل، عن يحيى بن أبي إسحاق هذه
ساقها البخاريّ، فقال :
(٣٠٨٦) - حدّثنا عليٍّ، حدّثنا بشر بن المُفَضّل، حدّثنا يحيى بن أبي
إسحاق، عن أنس بن مالك به أنه أقبل هو وأبو طلحة، مع النبيّ وَّرُ ومع
النبيّ وَلّ صفية مردفها على راحلته، فلما كانوا ببعض الطريق عَثَرَت الناقة،
فصُرِع النبيّ وَل﴿ والمرأة، وإن أبا طلحة - قال: أحسب قال : - اقتحم عن
بعيره، فأتى رسول الله وَّر فقال: يا نبي الله جعلني الله فداءك، هل أصابك من
شيء؟ قال: ((لا، ولكن عليك بالمرأة)»، فألقى أبو طلحة ثوبه على وجهه،
فقصد قصدها، فألقى ثوبه عليها، فقامت المرأة، فشدّ لهما على راحلتهما،
فركبا، فساروا، حتى إذا كانوا بظهر المدينة، أو قال: أشرفوا على المدينة قال
النبيّ وَّل : ((آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون))، فلم يزل يقولها حتى
دخل المدينة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُثْبُ﴾ .

٣٥٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(٧٤) - (بَابُ التَّعْرِيسِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالصَّلَاةِ بِهَا،
إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٨٣] (١٢٥٧ (١)) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ،
عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنٍ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي
الْحُلَيْفَةِ، فَصَلَّى بِهَا، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة، وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، كسابقيه، ولا حقه،
وهو (٢٠٧) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) ﴿ه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ أَنَاخَ) بالنون، والخاء
المعجمة؛ أي: أبرك بعيره، والمراد أنه نزل بها (بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ)
وتُسَمَّى الْمُعَرَّس أيضاً، وهي بضم الميم، وفتح العين، والراء المهملتين، مع
تشديد الراء، وآخره سين مهملة، وأصل الْمُعَرَّس موضع النزول مطلقاً، أو في
آخر الليل، قال أبو زيد: عَرَّس القوم في المنزل: إذا نزلوا به أيَّ وقت كان
من ليل أو نهار، وقال الخليل، والأصمعيّ: التعريس النزول آخر الليل، وصار
هذا اللفظ عَلَماً بالغلبة على موضع معيّن، وهو على ستة أميال من المدينة،
كما حكاه أبو داود في ((سننه)) عن محمد بن إسحاق المدينيّ، وجزم به في
((المشارق))(٢) .
(فَصَلَّى بِهَا) قال في ((الفتح)): يَحْتَمِل أن تكون هذه الصلاة للإحرام،
ويَحْتَمِل أن تكون للفريضة، وقد ثبت من حديث أنس بنظُه أنه وَّه صلى العصر
(١) هذا الرقم مكرر.
(٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٨٠/٥.

٣٥٣
(٧٤) - بَابُ التَّعْرِيسِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالصَّلَاةِ بِهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٢٨٣)
بذي الحليفة ركعتين، ثم إن هذا النزول يَحْتَمِل أن يكون في الذهاب، وهو
الظاهر من تصرّف البخاريّ، ويَحْتَمِل أن يكون في الرجوع، ويؤيده حديث ابن
عمر ◌ًا عند البخاريّ بلفظ: ((وإذا رجع صلى بذي الحليفة، ببطن الوادي،
وبات حتى أصبح))، ويمكن الجمع بأنه كان يفعل الأمرين ذهاباً وإياباً. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: كونه في الرجوع هو الأظهر، كما يدلّ عليه
قوله: ((كان إذا صدر من الحجّ أو العمرة أناخ بالبطحاء))، وأصرح منه رواية
البخاريّ عن عبد الله بن عمر ظها؛ أن رسول الله ◌َ و كان يخرج من طريق
الشجرة، ويدخل من طريق الْمُعَرَّس، وأن رسول الله وَلّ كان إذا خرج إلى مكة
يصلي في مسجد الشجرة، وإذا رجع صلى بذي الحليفة، ببطن الوادي، وبات
حتى يصبح. انتهى، والله تعالى أعلم.
(يَفْعَلُ ذَلِكَ) اقتداء برسول الله ◌َّ، كما
(وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ)
حثّ الله ◌َلَ عليه بقوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا
[الأنبياء: ٣٣].
اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا
وقال القاضي عياض ◌َّلهُ: والنزول بالبطحاء بذي الحليفة في رجوع
الحاجّ ليس من مناسك الحج، وإنما فَعله من فَعله من أهل المدينة؛ تبركاً بآثار
النبيّ ◌َ﴿، ولأنها بطحاء مباركةٌ، قال: واستَحَبّ مالك النزول، والصلاة فيه،
وأن لا يُجَاوَزَ حتی یُصَلَّی فیه، وإن كان في غیر وقت صلاة مَگث حتى يدخل
وقت الصلاة، فيصلي، قال: وقيل: إنما نزل به 3 18 في رجوعه حتى يُصبح؛
لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلاً، كما نَهَى عنه صريحاً في الأحاديث المشهورة.
انتهى، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر ﴿يا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٨٣/٧٤ و٣٢٨٤ و٣٢٨٥] (١٢٥٧)،

٣٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
و(البخاريّ) في ((الحجّ)) (١٥٣٢)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (٢٠٤٤)،
و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)) (١٢٧/٥) و((الكبرى)) (٣٣٠/٢ و٤٧٧)،
و(مالك) في ((الموطأ)) (٤٠٥/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨/٢ و١١٢
و١٣٨)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٢٣٦/٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٩/٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٨٧/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥/
٢٤٤ - ٢٤٥) و((المعرفة)) (٥٤٠/٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الصلاة في بطحاء ذي الحليفة، وقال
إسماعيل القاضي: إنه ◌َ﴿ إنما كان يصلي فيه نافلةً، لكن من ضرورة المبيت به
أنه يصلي فيه فريضة، وسيأتي قول مالك: لا ينبغي لأحد مجاوزته، حتى
يصلي فيه، وكذا استحباب الشافعي له، وقول أبي حنيفة: إن أحبّ أن يُعَرِّس
به حتى يصلي فَعَلَ.
٢ - (ومنها): أنه لو مر به في وقت كراهة الصلاة استُحبّ له الانتظار
حتى يدخل وقت جواز الصلاة، وسيأتي قول مالك تَّتُهُ: مَن مَرَ به في غير
وقت صلاة، فليُقِم حتى تَحِلّ الصلاة، ثم يصلي ما بدا له.
٣ - (ومنها): في رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع زيادة المبيت بها إلى
الصباح، والأخذ بالزيادة لازم، قال وليّ الدين تَخّْثُ: ومقتضى ما قالوه في
مبيت المزدلفة حصول القصد بالمبيت بها نصف الليل، لكن إن كان المعنى أن
لا يَطْرُق أهله ليلاً اقتَضَى ذلك الاستمرارَ إلى الصباح؛ لئلا يقع في هذا
المحذور، ويدل لذلك قوله: ((وبات حتى يصبح)).
٤ - (ومنها): أنه قد يقال: مقتضى قوله في رواية موسى بن عقبة الآتية:
((إذا صدر عن الحجّ، أو العمرة)) التقييد بذلك، ومقتضى المعنى عدم التقييد،
واستحباب الصلاة بها، والمبيت لكل مارّ بها، وإن لم يكن صادراً من حجّ، ولا
عمرة، قال وليّ الدين: وعدم التقييد هو الصواب، قال: ويدلّ له ما صحّ من
شرف البقعة، وأنها مباركة، وأما التقييد في تلك الرواية، فإنما هو لفعل ابن
عمر، ولم يكن ابن عمر يمرّ عليها إلا في حجّ، أو عمرة، ولم يبق بعد الفتح
غزو من تلك الجهة؛ لأنها صارت كلها دار سلام. انتهى كلام وليّ الدين دَّثُ .

٣٥٥
(٧٤) - بَابُ التَّعْرِيسِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالصَّلَاةِ بِهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٢٨٣)
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن التقييد بمن صدر من حجّ،
أو عمرة هو الأقرب؛ اتّباعاً لما ثبت عنه وَّر؛ إذ لم يثبت عنه في غير ذلك،
فينبغي التقيّد بما ثبت عنه، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في نزول النبيّ ◌َّ ببطحاء ذي
الحليفة :
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال:
[أحدها]: أن ذلك جَرَى اتّفاقاً، لا عن قصد، فهو كبقية منازل الحجّ،
وهو ظاهر ما حكاه ابن عبد البرّ عن محمد بن الحسن، أنه قال: إنما هو مثل
المنازل التي نزل بها رسول الله ( * من منازل طريق مكة، وبلغنا أن ابن
عمر ◌ًا كان يتبع آثاره تلك، فينزل بها، فكذلك قيل مثل ذلك بالْمُعَرَّس،
وذكر محمد هذا توجيهاً لقول أبي حنيفة: مَن مَرّ بالمعرَّس من ذي الحليفة
راجعاً من مكة، فإن أحب أن يُعَرِّس به حتى يصلي فَعَلَ، وليس ذلك عليه.
[ثانيها]: أنه قَصَد النزول به، لكن لا لمعنى فيه، حَكَى القاضي عياض
عن بعضهم أنه وَل ﴿ إنما نزل به في رجوعه حتى يُصبح؛ لئلا يفجأ الناسُ
أهاليهم ليلاً، كما نَهَى عنه صريحاً في الأحاديث المشهورة.
[ثالثها]: أنه نزل به قصداً؛ لمعنى فيه، وهو التبرك به، ويدل له أنه وَله
أُتي به، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة، ويدل له أيضاً صلاته وَّل به، وما فُهِم
من لفظ الحديث من مواظبته على النزول به، لكنه ليس من مناسك الحجّ، بل
هو سنة مستقلّة، وبهذا قال الجمهور، قال مالك في ((الموطا)): لا ينبغي لأحد
أن يَجاوز الْمُعَرَّس إذا قَفَل حتى يصلي فيه، وأنه مَن مَرّ به في غير وقت
صلاة، فليُقِم حتى تَحِلّ الصلاة، ثم يصلي ما بدا له؛ لأنه بلغني أن
رسول الله ﴿ عَرَّس به، وأن عبد الله بن عمر ظها أناخ به، قال ابن عبد البرّ:
واستحبه الشافعيّ، ولم يأمر به، وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: ليس
نزوله ٣ بالمعَرَّس كسائر منازل طريق مكة؛ لأنه كان يصلي الفريضة حيث
أمكنه، والمعرَّس إنما كان يصلي فيه نافلة، ولا وجه لتزهيد الناس في الخير،
ولو كان المعرَّس كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخّره عنه، وذكر

٣٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
حديث موسى بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر سبقه إلى المعرَّس، فأبطأ عليه،
فقال: ما حبسك؟ فذكر عذراً، فقال: ظننت أنك أخذت الطريق، ولو فعلتَ
لأوجعتك ضرباً .
[رابعها]: أنه من مناسك الحجّ، وهذا شيء اقتضت عبارة ابن عبد البرّ
في ((التمهيد)) حكايته عن ابن عمر ◌ًا، فإنه قال: وليس ذلك من سنن الحج،
ومناسكه التي يجب على تاركها فديةٌ، أو دمٌ، عند أهل العلم، ولكنه حَسَنٌ
عند جميعهم، إلا ابن عمر، فإنه جعله سنةً. انتهى.
قال وليّ الدين كَّلُ: فإن كانت هذه العبارة ليست صريحةً في إيجاب
ابن عمر فديةً بتركه، فهي صريحة في أن ابن عمر زاد على غيره من أهل العلم
في استحبابه، زيادة لم يقولوا بها، فَيُعَدّ حينئذ مذهباً غير ما تقدم. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الجمهور من
استحباب النزول في بطحاء ذي الحليفة، هو الحقّ؛ اقتداء بالنبيّ وَّ، ولكنه
ليس من مناسك الحجّ الذي يلزم بتركه فدية، فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٨٤] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا
اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثْنَا قُتَيْبَةُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ
عُمَرَ يُنِيخُ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يُّنِيخُ بِهَا، وَيُصَلِّي
بِهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ) تقدّم قريباً.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قبل بابين.
٣ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم أيضاً قبل بابين.
(١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٨١/٥ - ١٨٢.

٣٥٧
(٧٤) - بَابُ التَّعْرِيسِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالصَّلَاةِ بِهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٢٨٥)
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف نَّلهُ؛ كالأسانيد الثلاثة
الماضية، وهو (٢٠٨) من رباعيّات الكتاب.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٨٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسٌ، يَعْنِي
أَبَا ضَمْرَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ إِذَا صَدَرَ مِنَ
الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ، أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتِي كَانَ يُنِيُ بِهَا
رَسُولُ اللهِ إِ).
رجال هذا الإسناد خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُسَيَّبِيُّ) هو: محمد بن إسحاق بن محمد بن
عبد الرحمن الْمُسَيَّبِيّ، من ولد الْمُسَيَّب بن عابد المخزوميّ المدنيّ، صدوقٌ
[١٠] (ت٢٣٦) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
٢ - (أَنَسُ) بن عياض بن ضمرة، أَبوُ ضَمْرَةَ الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ [٨]
(ت٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ،
إمام في المغازي [٥] (ت١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٣٣/٨١.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كَانَ إِذَا صَدَرَ مِنَ الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ) أي: رجع من أحدهما، قال
الفيّومِيّ تَقْتُهُ: صَدَرَ صُدُوراً، من باب قَعَدَ، وأصدرته بالألف، وأصله
الانصراف، يقال: صَدَرَ القومُ، وأصدرناهم: إذا صرفتهم، وصَدَرتُ عن
الموضع صَدْراً، من باب قَتَل: رجعتُ، قال الشاعر [من البسيط]:
وَلَيْلَةٍ قَدْ جَعَلْتُ الصُّبْحَ مَوْعِدَهَا صَدْرَ الْمَطِيَّةِ حَتَّى تَعْرِفَ السَّدَفَا

٣٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
فـ(صَدْرَ)) مصدر، والاسم الصَّدَرُ بفتحتين. انتهى (١).
قال الحافظ وليّ الدين كَُّهُ :
[فإن قلت]: فلم خَصّ ذلك بصدوره ورجوعه من الحجّ أو العمرة، ولم
كان لا يفعل ذلك في المضيّ إليهما؟
[قلت]: لأنه في المضيّ إليهما لا يمرّ من تلك الطريق، وإنما كان يخرج
من طريق الشجرة؛ للاتباع كما تقدّم، وينبغي أن يقال: لو مَرّ بالْمُعَرَّس في
ذهابه إلى مكة استُحِبّ له الصلاة به، والله أعلم. انتهى(٢).
[تنبيه]: هذا الحديث مختصر عند المصنّف دَّثُ، وقد ساقه البخاريّ ◌َّشُ
مطوّلاً، فقال:
(١٧٦٧) - حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أبو ضمرة، حدّثنا موسى بن
عقبة، عن نافع؛ أن ابن عمر ﴿ما كان يبيت بذي طُوى بين الثنيتين، ثم يدخل
من الثنية التي بأعلى مكة، وكان إذا قَدِم مكة حاجّاً أو معتمراً لم يُنِخْ ناقته إلا
عند باب المسجد، ثم يدخل، فيأتي الركن الأسود، فيبدأ به، ثم يطوف سبعاً،
ثلاثاً سعياً، وأربعاً مشياً، ثم ينصرف، فيصلي ركعتين، ثم ينطلق قبل أن يرجع
إلى منزله، فيطوف بين الصفا والمروة، وكان إذا صدر عن الحجّ أو العمرة،
أناخ بالبطحاء التي بذي الحليفة، التي كان النبيّ وَّه يُنيخ بها. انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٨٦] (١٣٤٦) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، وَهُوَ ابْنُ
إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُوسَى، وَهُوَ ابْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ إِلَلول
أُنِيَ فِي مُعَرَّسِهِ، بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْجَاءَ مُبَارَكَةٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرِقَان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِمُ [١٠]
(ت٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في ((المقدمة)) ١٩/٤.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٣٥/١.
(٢) ((طرح التثريب)) ١٨٣/٥.

٣٥٩
(٧٤) - بَابُ التَّعْرِيسِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالصَّلَاةِ بِهَا ... إلخ - حديث رقم (٣٢٨٧)
٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ
الأصل، صدوقٌ يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في
((الصلاة)) ١٠٨٦/٤٢.
٣ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا قبله، الحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يأتي في الحديث
التالي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَغُّْهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٨٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ،
وَاللَّفْظُ لِسُرَيْج، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ
سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَتِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ، مِنْ ذِي
الْحُلَّيْفَةِ، فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. قَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا
سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ
رَسُولِ اللهِ وَّهِ، وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ
وَسَطاً مِنْ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ) الهاشميّ مولاهم، أبو عبد الله البغداديّ
الرُّصَافيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٨) وله (٩٣) سنةً (مد) تقدم في ((الإيمان) ٢٢٨/٣٠.
٢ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) البغداديّ، تقدّم قريباً.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق
القارىء المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمُ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن
:(أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ أَتِيَ) بالبناء للمفعول؛ أي: أتاه ملك من ربه، وهو
الخطّاب

٣٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
جبريل؛ في منامه، وفي رواية البخاريّ: ((أنه أُري وهو في مُعَرَّسٍ بذي
الحليفة)) (وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال من النائب عن
الفاعل.
و((الْمُعَرَّسُ)) - بضمّ الميم، وفتح العين المهملة، وتشديد الراء المفتوحة،
ثم سين مهملة - بصيغة اسم المفعول: موضع نزول المسافر للاستراحة، وهو
هنا موضع تعريس رسول الله 8﴿ بذي الحليفة، قال السيوطيّ تَّثُ في ((شرحه
على النسائيّ)): هو على ستة أميال من المدينة. انتهى.
والمراد بـ((المعرّس)) هو وادي العقيق المذكور فيما أخرجه
البخاريّ تَخْلُ، عن عمر ظلبه، قال: سمعت رسول الله ◌َّ هُ بوادي العقيق
يقول: ((أتاني الليلة آتٍ من ربّي، فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك،
وقُلْ: عمرةٌ في حجة)).
قال في ((الفتح)): هو بقرب المدينة، بينه وبين المدينة أربعة أميال، روى
الزبير بن بكّار في ((أخبار المدينة)) أنّ تُبّعاً لَمّا رجع من المدينة انحدر في
مكان، فقال: هذا عقيق الأرض، فسمّي العقيق. انتهى(١).
وقوله: (مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ) بيان لـ((المعرّس))، فهو متعلّق بحال مقدّر؛ أي:
حال كونه كائناً من ذي الحليفة، وقوله: (فِي بَطْنِ الْوَادِي) متعلّق أيضاً بحال
مقدّر؛ أي: حال كونه كائناً في بطن الوادي (فَقِيلَ) أي: قال له الملك الآتي
(إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ) ((البطحاء)» تأنيث الأبطح، وهو مَسِيلٌ واسعٌ فيه دُقاق
الحصى، أفاده في ((القاموس)).
وفي حديث عمر ظُّه المذكور: ((فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك،
وقل: عمرة في حجة)).
وفي الحديث فضلُ العقيق، كفضل المدينة، وفضل الصلاة فيه، وفيه
استحباب نزول الحاجّ في منزلة قريبة من البلد، ومبيتهم بها؛ ليجتمع إليهم من
تأخر عنهم ممن أراد مرافقتهم، وليستدرك حاجته من نسيها مثلاً، فيرجع إليها
(٢)
.
من قريب. انتهى
(١) ((الفتح)) ٤٠٧/٤.
(٢) ((الفتح)) ٤ /٤٠٨.