النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ (٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٣) بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ًَّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٧٣/٧١ و٣٢٧٤ و٣٢٧٥] (١٣٤١)، و(البخاريّ) في ((جزاء الصيد)) (١٨٦٢) و((الجهاد)) (٣٠٠٦ و٣٠٦١) و((النكاح)) (٥٢٣٣)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٩٦٨/٢)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٢٨٦/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٢٢١/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١/ ٢٢٢ و٣٤٦)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٥/٤)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (١٣٧/٤)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٧٣١ و٣٧٥٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٢٤/١١ -٢٢٥)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤/ ٢٧٩)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (١١٢/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٦/٥) و((المعرفة)) (٢٥١/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨٤٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): النهي عن سفر المرأة بدون محرم لحجّ، أو غيره. ٢ - (ومنها): تحريم الخلوة بالأجنبيّة. ٣ - (ومنها): جواز الخلوة بالمرأة إذا كان معها زوج، أو محرم. ٤ - (ومنها): أن فيه تقديم الأهم، فالأهم، من الأمور المتعارضة، فإنه لَمّا عَرَضَ له الغزو والحج رَجَّح الحجّ؛ لأن امرأته لا يقوم غيره مقامه في السفر معها، بخلاف الغزو، والله أعلم. ٥ - (ومنها): أن الحج في حقّ مثله أفضل من الجهاد؛ لأنه اجتمع له مع حج التطوع في حقّه تحصيل حجّ الفرض لامرأته، وكان اجتماع ذلك له أفضل من مجرّد الجهاد الذي يحصل المقصود منه بغيره(١). (١) ((الفتح)) ٢٥٩/٧ (كتاب الجهاد)) رقم (٣٠٠٦). ٣٢٢ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٦ - (ومنها): مشروعيّة كتابة الجيش. ٧ - (ومنها): نظر الإمام لرعيّته بالمصلحة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٢٧٤] ( .. ) (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ عَمْرٍو، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ). رجال هذا الإسناد: ثلاثة : ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ، تقدّم قريباً. ٢ - (حَمَّاهُ) بن زيد، تقدّم أيضاً قريباً. و((عمرو)) هو: ابن دينار المذكور قبله. [تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ ◌َُّهُ في ((صحيحه))، فقال: (١٨٦٢) - حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن أبي معبد مولى ابن عباس، عن ابن عباس ◌ًّا قال: قال النبيّ ◌َلو: ((لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم))، فقال رجل: يا رسول الله إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحجّ، فقال: ((اخرُج معها)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٥] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، عَن ابْنِ جُرَيْج، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم))). رجال هذا الإسناد: ثلاثة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب. ٣٢٣ (٧٢) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٦) ٢ - (هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ) المكيّ، مقبول [٨] (خت م ق) تقدم في ((الحج)) ٢٩٨٩/٢٣. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل بابين. وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) لم يتقدّم لابن جريج ذكرٌ في السند الماضي، فكان الأولى للمصنّف كَّلُهُ، كما جرت به عادته أن يذكر هنا شيخَ ابن جريج، وهو عمرو بن دينار، حتى تكون الإحالة واضحةً، فتنبّه، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ نَظُّ في ((صحيحه))، فقال: (٣٠٦١) - حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد، عن ابن عباس ◌ّ قال: جاء رجل إلى النبيّ وَّ، فقال: يا رسول الله! إني كُتِبت في غزوة كذا وكذا، وامرأتي حاجّة، قال: (ارجع، فمُجّ مع امرأتك)). انتهى. [تنبيه آخر]: هذا الحديث آخر الفَوَات الذي لم يسمعه أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان: من الإمام مسلم تَخُّْ، وقد سبق بيان أوله عند أحاديث: ((رحم الله المحلِّقين والمقصرين))، رقم [٣١٤٥/٥٢] (١٣٠١)، فعدة ما فاته سماعه من الأحاديث (١٢٨) حديثاً . ومن هنا قال أبو إسحاق: حدّثنا مسلم بن الحجاج، قال: وحدّثني هارون بن عبد الله، قال: حدّثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير ... الحديث، وهو أول الباب الذي يُذكر متصلاً بهذا، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٧٢) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٦] (١٣٤٢) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَلِيّاً الْأَزْدَِّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ٣٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج عَلَّمَهُمْ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهَ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ، خَارِجاً إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ وَإِنَّا إِلَى رَيْنَ ثَلَاثاً، ثُمَّ قَالَ: ((﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (٣) لَمُنْقَلِبُونَ ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْألُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوٍ عَنَّا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْتَاءِ السَّفَرِ، وَكَابَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ))، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: ((آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّال الْبَزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤. ٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور الْمصّيصيّ، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثمّ المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩٤/٦. ٣ - (ابْنُ جُرَيْج) تقدّم في السند الماضي. ٤ - (أَبُو الزُّبَيَّرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت٢٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٩/٤. ٥ - (عَلِيِّ الْأَزْدِيُّ) هو: عليّ بن عبد الله الأزديّ، أبو عبد الله بن أبي الوليد البارقيّ، صدوقٌ(١) [٣]. رَوَى عن ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعُبيد بن عُمير، وأرسل عن زيد بن حارثة. وروى عنه مجاهد بن جبر، وهو من أقرانه، ويعلى بن عطاء العامريّ، وأبو الزبير، وقتادة، وعثمان بن أبي سليمان، وأبو بشر جعفر بن أبي وحشية، وغيرهم. (١) قال في ((التقريب)): صدوقٌ ربّما أخطأ. انتهى. قوله: ربما أخطأ: هذه الزيادة فيها نظر؛ لأنه لم يصفه أحد بها، راجع: ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ٣١٣/٧. ٣٢٥ (٧٢) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهٍ - حديث رقم (٣٢٧٦) قال ابن عديّ: ليس عنده كثير حديث، وهو عندي لا بأس به، ونقل ابن خلفون، عن العجليّ أنه وَثَّقه، وقال منصور، عن مجاهد: كان علي الأزديّ يختم القرآن في رمضان كل ليلة. أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحدیث. ٦ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله بن عمر الخطّاب ﴿هَا، تقدّم في الباب الماضي. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وعليّ الأزديّ، كما أسلفتهُ آنفاً . ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، فانتفت تهمة التدليس من ابن جريج، وأبي الزبير. ٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ﴿ها، وقد سبق القول فيه قريباً . شرح الحديث: عن أبي الزبير المكيّ (أَنَّ عَلِيّاً الْأَزْدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) ◌ِّهَا (عَلَّمَهُمْ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ) أي: استقرّ على ظهر مركوبه (خَارِجاً) أي: من البلد، مائلاً أو منتهياً (إِلَى سَفَرٍ، كَبَّرَ ثَلَاثاً) لعل الحكمة أن الْمَقام مقام علو، وفيه نوع عظمة، فاستحضر عظمة خالقه، ويؤيده أن المسافر إذا صَعِد عالياً كبّر، وإذا نزل سبّح، ويمكن أن يكون التكبير للتعجب من التسخير. (ثُمَّ قَالَ) أي: قرأ، أي قال بنيّة القراءة؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْقُلْكِ وَالْأَنْعَمِ مَا تَكَبُونَ (٨٣) لِتَسْتَوُاْ عَى ظُهُورِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (٣) لَمُنْقَلِیُونَ [الزخرف: ١٢ - ١٤ ]. ((﴿سُبْحَنَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾) أي: ذلل لنا هذا المركوب، فانقاد لنا، لا ضعفاً، بل لتسخير الله تعالى إياه لنا (﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾) أي: مطيقين وَإِنَّ إِلَى رَيْنَ ٣٢٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج قبل ذلك، أو المعنى: لولا تسخيره ما كنا جميعاً مقتدرين على ركوبه، مِن أقرن له: إذا أطاقه، وقَوِي عليه، وهو اعتراف بعجزه، وأن تمكنه من الركوب عليه إنما هو بإقدار الله تعالى وتسخيره له. وقال القرطبيّ تَظُّ: قوله: ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مُطيقين، قاله ابن عباس. قال الشاعر [من الوافر ]: لَقَدْ عَلِمَ القَبَائلُ مَا عَقِيلٌ لَنَا فِي النَّائِبَاتِ بِمُقْرِنِينَا أي: بمطيقين، وقال الأخفش: ضابطين، وقال قتادة: مماثلين، من الْقِرْن في القتال، وهو المِثل، ويَحْتَمِل أن يكون من المقارنة؛ أي: الملازمة. (١) انتهى(١). (﴿وَإِنََّ إِلَى رَبِنَ﴾) أي: لا إلى غيره (﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾﴾ أي: راجعون، وهذا تنبيهٌ على المطالبة بالشكر على ما أنعم، وعلى العدل فيما سخر، وقيل: معنى ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أي: لصائرون إليه بعد مماتنا، وإليه سيرنا الأكبر، واللام للتأكيد، وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبّه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَّ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَرِشَّاً وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، قال البيضاوي تَخَّتُهُ: اتصال قوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾﴾ بما قبله؛ لأن الركوب للنقل، والنُّقلة العظمى هو الانقلاب إلى الله تعالى، فينبغي للراكب أن لا يغفل عنه، ويستعدّ للقاء الله، يعني مِن شكر هذه النعمة أن يذكر عاقبة أمره، ويعلم أن استواءه على مركب الحياة كاستوائه على ظهر ما سَخَّر له ما لم يكن في المبدأ مطيقاً له، ولا يجد في المنتهى بُدّاً من النزول عنه، كذا في ((اللمعات)). وقال الطيبيّ: الانقلاب إليه تعالى هو السفر الأعظم، فينبغي أن يتزوّد له. انتهى. وهذا الدعاء يُسَنّ عند ركوب أيّ دابة كانت، لسفر أو غيره، فقوله تعالى: ﴿مِّنَ الْفُلَكِ وَالْأَنْعَمِ﴾ المراد به الإبل؛ لغالب الواقع في بلاد العرب، (١) ((المفهم)) ٣/ ٤٥٣ - ٤٥٤. ٣٢٧ (٧٢) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٦) وقول الراوي: ((خارجاً إلى سفر)) حكاية للحال، ودلالة على ضبط المقال(١). (اللَّهُمَّ) وفي رواية أحمد(٢)، والترمذيّ: ((ثم يقول: اللهم)) (إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ) أي: العمل الصالح، والخلُق الحسن (وَالتَّقْوَى) أي: الخوف الحامل على التحرّز من المعاصي والمكروه، أو المراد من البرّ: الإحسان إلى الناس، أو من الله إلينا، ومن التقوى امتثال الأوامر، واجتناب النواهي (وَمِنَ الْعَمَلِ) أي: جنسه (مَا تَرْضَى) به عنّا (اللَّهُمَّ هَوِّنْ) أمرٌ من التهوين؛ أي: يسِّر (عَلَيْنَا سَفَرَنَا) منصوب على المفعوليّة لـ«هَوِّنْ))، وقوله: (هَذَا) عطف بيان، أو بدل من ((سفرنا))، وفي رواية الترمذيّ: ((اللهم هوِّن علينا المسير)) (وَاطْوٍ) أمرٌ من طَوَى يَطوِي طَيّاً، من باب رمى يرمي رَمْياً (عَنَّا بُعْدَهُ) وفي رواية: ((لنا بُعده)) أي: قَرِّب لنا بُعْدَ هذا السفر، قيل: هو عبارة عن تيسير السير بإعطاء القوّة له، ولمركوبه، وقيل: معناه: اظْوٍ لنا بُعْدَه حقيقةً، أو المراد: خَفِّف مشاقه. والأظهر حمله على حقيقته؛ إذ لا مانع من ذلك، ففي رواية أبي داود: (اللهم اطو لنا البعد))، وأخرج الترمذيّ، وحسنه، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان أنه وَ له قال لرجل: ((اللهم اطو له الأرض، وهوّن عليه السفر))، فقد دعا بطيّ الأرض، والله تعالى يفعل ما يشاء، يطوي المكان، ويطوي الزمان، والمعنى: ارفع عنا مشقة السفر بتقريب المسافة البعيدة لنا حسّاً، والله تعالى أعلم. اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ) أي: الحافظ والمعين، يعني أنك أنت الصاحب الذي تصحبنا بحفظك ورعايتك، والصاحب في الأصل الملازِم، وأراد بذلك مصاحبة الله إياه بالعناية والحفظ، وذلك أن الإنسان أكثر ما يبغي الصحبة في السفر، يبتغيها للاستيناس بذلك، والاستظهار به، والدفاع لما ينوبه من النوائب، فنبّه بهذا القول على حسن الاعتماد عليه، وكمال الاكتفاء عن صاحب سواه، قال البغويّ كَّلُهُ: قوله: ((أنت الصاحب في السفر)) أي: الحافظ، يقال: صَحِبك الله؛ أي: حَفِظك، وقوله ◌َالَ: ﴿وَلَا هُم مِّنَّا (١) راجع: المرقاة)) ٣٣٢/٥. (٢) ((المسند)) ١٤٥/٢. ٣٢٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٣] أي: لا يُجارون، ومن صَحِبه الله لم يضرّه شيء. انتھی. (وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ) أي: الذي يخلفنا في أهلينا بإصلاح أحوالهم، بعد مغيبنا، وانقطاع نظرنا عنهم. و((الخليفة)): من ينوب عن المستخلِف فيما يستخلفه فيه، يعني الذي يقوم مقام أحد في إصلاح أمره، والمعنى هنا: أنت الذي أرجوه، وأعتمد عليه في غيبتي عن أهلي أن يَلُمّ شعثهم، ويُثَقِّف أَوَدَهم، ويداوي سَقَمهم، ويحفظ علیهم دینهم، وأمانتهم. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ) أي: أستجير، وأتحصّن (بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ) - بفتح الواو، وإسكان العين المهملة، وبالثاء المثلثة، وبالمد - أي: شدّته، ومشقّته، وتعبه، وأصله من الْوَعْث، وهو الرمل، والمشي فيه يشتدّ على صاحبه، ويشُقّ، ويقال: رملٌ أوعث، ورملة وعثاء؛ أي: لمّا يشتد فيه السير لِلِينه، ثم قيل للشدة والمشقة: وعثاء على التمثيل، وقال التوربشتيّ: وعثاء السفر: مشقته، أُخِذ من الوَعْث، وهو المكان السهل الكثير الدهس الذي يُتْعِب الماشي فیه، ويشقّ عليه. (وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ) قال الجزريّ تَُّ: المنظر هو ما ينظر إليه من أهله، وماله، وحاله، والكآبة - بفتح الكاف، وبالمد - هي تغير النفس بالانكسار من شدّة الهمّ والحزن، يقال: كَئِب كآبةً، واكتئب، فهو مكتئب، و کئیب. انتهى. وقال الشوكانيّ كَّلُ: الكآبة بالمد: التغير والانكسار، من مشقّة السفر، وما يحصل على المسافر من الاهتمام بأموره. انتهى، والمنظر - بفتح الظاء المعجمة - مصدر ميميّ؛ أي: مِنْ تغيّر الوجه بنحو مرض، والنفس بالانكسار مما يَعْرِض لها فيما يحبه، مما يورث الهمّ والحزن، وقيل: المراد منه الاستعاذة من كل منظر يُعقِب الكآبةَ عند النظر إليه. (وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ) - بفتح اللام - مصدر ميميّ؛ أي: سوء الرجوع (فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ))) أي: من سوء الانقلاب إلى أهله، وماله، وذلك بأن يرجع منقوصاً، مهموماً بما يسوءه، وقيل: أي من أن يعود إلى وطنه، فيرى في أهله وماله ما يسوءه، مثل أن يصيب ماله آفةٌ، أو يجد أهله مرضى، أو فُقِد ٣٢٩ (٧٢) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٦) بعضهم، وقيل: أي من أن يَطْمَع ظالم، أو فاجر في المال والأهل. (وَإِذَا رَجَعَ) النبيّ وَِّ من سفره إلى أهله (قَالَهُنَّ) أي: الكلمات، أو الْجُمَلِ المذكورة، وهي: ((اللهم إنا نسألك ... إلخ)) (وَزَادَ فِيهِنَّ) أي: في جملتهنّ بأن قال بعدهنّ («آيِبُونَ) بهمزة ممدودة، بعدها همزة مكسورة: اسم فاعل من آب يئوب: إذا رجع، ومن تكلم به بالياء بعد الهمزة الممدودة فقد أخطأ، كذا قيل؛ أي: نحن راجعون من السفر بالسلامة إلى الوطن (تَائِبُونَ) أي: من المعصية إلى الطاعة. وقال القرطبيّ: ((آيبون)): جمع آيب، وهو الراجع بالخير هنا، و((تائبون)): جمع تائب من الذنب، وأصل التوبة الرجوع، وكذلك حدّها بعض أئمتنا بأن قال: التوبة هي الرجوع عمَّا هو مذموم شرعاً إلى ما هو محمود شرعاً. (١) انتھی(١). (عَابِدُونَ) خاضعون متذلّلون (لِرَبِّنَا حَامِدُونَ))) مثنون عليه تعالى بصفات كماله وجلاله، وشاكرون عوارف أَفْضاله، قاله القرطبيّ وَُّ(٢). وقال الطيبيّ كَّلُ: ((لربّنا)) يجوز أن يتعلق بقوله: ((عابدون))؛ لأن عَمَل اسم الفاعل ضعيف، فيقوى به، أو بـ((حامدون))؛ ليفيد التخصيص؛ أي: نحمد ربنا، لا نحمد غيره، وهذا أولى؛ لأنه كالخاتمة للدعاء، ومثله في التعليق قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِهِ هُدَّى﴾ [البقرة: ٢] يجوز أن يقف على ﴿لَّا رَيْبَ﴾، فيكون ﴿فِيهِ هُدَى﴾ مبتدأ وخبره، فيقدّر خبر ﴿لَا رَيْبَ﴾ مثله، ويجوز أن يتعلق ب﴿لَا رَيْبَ﴾، ويقدّر مبتدأ ل﴿هَدَى﴾. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ها هذا من أفراد المصنّف تَخّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((المفهم)) ٤٥٤/٣. (٣) («الكاشف عن حقائق السنن)) ١٨٩٣/٦. (٢) («المفهم)) ٤٥٤/٣. ٣٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٧٦/٧٢] (١٣٤٢)، و(أبو داود) في ((الجهاد)) (٢٥٩٩)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٤٤٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤/ ٤٦٠ و٢٤٨/٥ - ٢٤٩) و((عمل اليوم والليلة)) (٥٤٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٤٤/٢ و١٥٠)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٥٤٢)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٢٦٩٥ و٢٦٩٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٥/٢)، و(الحاكم) في (مستدركه)) (٢٥٤/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٦/٤ - ١٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب التكبير ثلاثاً إذا خرج إلى السفر. ٢ - (ومنها): ما قال النوويّ تَخّْثُ: وفي الحديث استحباب هذا الذكر عند ابتداء الأسفار كلها، وقد جاءت فيه أذكار كثيرة جمعتها في ((كتاب الأذكار))(١). ٣ - (ومنها): أنه ينبغي للعبد أن يكون دائم الالتجاء إلى ربّه سفراً وحضراً؛ ليكون في حفظه وكلاءته. ٤ - (ومنها): جواز إطلاق ((الصاحب))، و(الخليفة)) على الله ◌ُعَلَ، وأما قول القرطبيّ: ولا يسمّى الله تعالى بالصاحب، ولا بالخليفة؛ لعدم الإذن، وعدم تكرارهما في الشريعة، ففيه نظر لا يخفى، فما هو الإذن الذي يريده؟ وهل من شرط تسمية الله تعالى تكراره في النصوص؟ هذا مما لا دليل عليه. والحاصل أن ما صحّ في الأحاديث الصحيحة إطلاقه على الله ◌ُعَلَ، كهذا الحديث، فلنا إطلاقه عليه تعالى على المعنى اللائق به تعالى، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ٥ - (ومنها): بيان عظم نعم الله ◌ُعَلَ على عباده حيث سخّر لهم هذه الدوابّ العظيمة الجسم، والشديدة القوى من الإبل وغيرها حتى انقادت لهم، وخضعت وذلّت، وسَهُل عليهم ركوبها دون مشقّة، وعناء، وتبلِّغهم حيث شاءوا حاملة إياهم، وما يشاءون من أحمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأُ (١) ((شرح النوويّ)) ١١١/٩، و((المرعاة)) ١٦٨/٨ - ١٦٩. ٣٣١ (٧٢) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٧) وَلَكُمْ فِهَا جَمَالُ حِينَ تُرِبِحُونَ وَحِينَ ٥ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَنْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسَِّ إِنَّ رَبَّكُمْ ٨ وَالْخَيَّلَ وَاَلْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٧ لَرُوفٌ رَّحِیهٌ [النحل: ٥ - ٨] سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٢٧٧] (١٣٤٣) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَاصِمِ الْأَحْوَلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنَّ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) ابن إبراهيم بن مقسم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٨] (ت١٩٣) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٣ - (عَاصِمُ الْأَحْوَلُ) ابن سليمان، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة ٢٧/٥. ٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَرْجِسَ) الْمُزنيّ، حليف بني مخزوم، صحابيّ سكن البصرة (م ٤) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٦٥١/١٠. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْلَتُهُ، وهو (٤٠٢) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ. ٤ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب ٣٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج السّة إلا نحو سبعة أحاديث، راجع: ((تحفة الأشراف))(١). شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ) ◌َظُبه - بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وكسر الجيم - (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ) أي: يتحصّن، ويلتجأ إلى الله رَك (مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ) وفي الرواية التالية: ((اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر))، و((الوَعْثاء)) - بفتح الواو، وإسكان العين المهملة، وبالثاء المثلثة، وبالمدّ ـ: هي المشقّة والشدّة. (وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ) ((الكآبة)) - بفتح الكاف، وبالمدّ ـ: هي تغيّر النفس من حُزْن ونحوه، و((الْمُنْقَلب)) - بفتح اللام -: المرجع، قاله النوويّ. وقال في ((المرعاة)): بفتح الكاف، وهمزة ممدودة، أو ساكنة، كرَأُفة ورآفة، قال في ((القاموس)): الكَأُبُ والْكَأْبة، والكآبة: الغمّ، وسوء الحال، والانكسار من حزن، و(المنقلب)) - بفتح اللام -: مصدرٌ بمعنى الانقلاب، أو اسم مكان، والإضافة ظرفية، قال الخطابيّ: معناه أن ينقلب إلى أهله كئيباً حزيناً؛ لعدم قضاء حاجته، أو إصابة آفة له، أو يجدهم مرضى، أو مات منهم بعضهم. انتهى(٢). (وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ) قال النوويّ تَخْلُ: هكذا هو في معظم النسخ من ((صحيح مسلم)) ((بعد الكون)) بالنون، بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون، وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في ((صحيح مسلم))، قال القاضي: وهكذا رواه الفارسيّ وغيره من رواة ((صحيح مسلم))، قال: ورواه العذريّ: ((بعد الكور)» بالراء، قال: والمعروف في رواية عاصم الذي رواه مسلم عنه بالنون، قال القاضي: قال إبراهيم الحربيّ: يقال: إن عاصماً وَهِمَ فيه، وإن صوابه ((الْكَوْرُ)) بالراء، قلت: وليس كما قال الحربيّ، بل كلاهما روايتان، وممن ذكر الروايتين جميعاً الترمذيّ في ((جامعه))، وخلائق من المحدثين، وذكرهما أبو عبيد، وخلائق من أهل اللغة، وغريب الحديث، قال الترمذيّ بعد أن رواه (١) ((تحفة الأشراف)) ٢٣٩/٤ - ٢٤٢. (٢) ((المرعاة)) ١٧٠/٨. ٣٣٣ (٧٢) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٧) بالنون: ويروى بالراء أيضاً، ثم قال: وكلاهما له وجه، قال: ويقال: هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، ومعناه: الرجوع من شيء إلى شيء من الشرّ، هذا كلام الترمذيّ، وكذا قال غيره من العلماء: معناه بالراء والنون جميعاً: الرجوع من الاستقامة، أو الزيادة إلى النقص، قالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة، وهو لَفُّها، وجمْعها، ورواية النون مأخوذة من الْكَوْن مصدرٍ كان يكون كوناً: إذا وُجِدَ واستَقَرّ. وقال المازريّ: في رواية الراء قيل أيضاً: إن معناه أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا فيها، يقال: كار عمامته: إذا لَفّها، وحارها: إذا نقضها، وقيل: نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها، كفساد العمامة بعد استقامتها على الرأس، وعلى رواية النون قال أبو عبيد: سئل عاصم عن معناه، فقال: ألم تسمع قولهم: حار بعدما كان؟ أي: إنه كان على حالة جميلة، فرجع عنها، والله أعلم. انتهى(١). وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((الحور بعد الكور)) بالراء، هكذا رواية العذريّ وابن الحذاء، ومعناه: الزيادة والنقصان، وقيل: الخروج من الجماعة بعد أن كان فيها، يقال: كار عمامته: أي: لفَّها، وحارها؛ أي: نقضها، وقيل: الفساد بعد الصلاح، وقيل: القلَّة بعد الكثرة، وقيل: الرّجوع من الجميل إلى القبيح. ورواه الفارسيّ وابن سعيد - وهو المعروف من رواية عاصم الأحول -: (بعد الكون)) بالنون، قال أبو عبيد: سئل عاصم عن معناه، فقال: ألم تسمع إلى قولهم: حار بعدما كانَ؟ يقول: إنه كان على حالة جميلة فحار عن ذلك؛ أي: رجع، قال أبو إسحاق الحربي: يُقال: إن عاصماً وَهِمَ فيه، وصوابه: ((الكور)) بالراء، والله أعلم. انتهى(٢). وقال في ((المرعاة)»: قوله: ((من الحور بعد الكون)) بالنون مصدر كان يكون كوناً، من كان التامة، دون الناقصة، يعني من النقصان والتغير بعد الثبات والاستقرار، وقيل: معناه الرجوع عن الحالة المستحسنة بعد أن كان عليها، (١) ((شرح النوويّ)) ١١١/٩ - ١١٢. (٢) ((المفهم)) ٤٥٥/٣. ٣٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وفي كلامهم: حار بعدما كان، يريد كان على حالة جميلة فحار عن ذلك؛ أي: رجع، قال الله تعالى: ﴿إِنَُّ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ ﴿٨) بَ﴾ [الانشقاق: ١٤، ١٥] أي: لن يرجع. انتهى(١). (وَدَعْوَةِ الْمَظْلُوم) أي: وأعوذ بك من أن يدعو عليّ أحدٌ ظلمته، وإنما استعاذ من دعوة المظلوم؛ لأنها مستجابة، ففي حديث خزيمة بن ثابت مرفوعاً: ((اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تُحْمَل على الغمام، يقول الله: وعزتي، وجلالي، لأنصرنّك ولو بعد حين))(٢). وقال النوويّ كَّلُ: قوله: ((ودعوة المظلوم)) أي: أعوذ بك من الظلم، فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، ففيه التحذير من الظلم، ومن التعرض لأسبابه. انتهى(٣). (وَسُوءِ الْمَنْظَرِ) بالظاء المعجمة؛ أي: المرأى، وهو كلُّ منظر يُعقب النظر إليه سُوءاً (فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ) أراد به أن لا يرى في أهله وماله مكروهاً يسوؤه، وهذا بمعنى ما سبق: ((وسوء المنقلب في المال والأهل))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عبد الله بن سَرْجِسَ عَلُه هذا من أفراد المصنّف نَذْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٧٧/٧٢ و٣٢٧٨] (١٣٤٣)، و(الترمذيّ) في ((الدعوات)) (٣٤٣٩)، و(النسائيّ) في ((الاستعاذة)) (٢٧٢/٨ - ٢٧٣) و((الكبرى)) (٤٥٩/٤) و((عمل اليوم والليلة)) (٤٩٩)، و(ابن ماجه) في ((الجهاد)) (٣٨٨٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (١٥٤/٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٦/ (١) ((المرعاة)) ١٧٠/٨. (٢) رواه الطبرانيّ في ((المعجم الصغير))، والضياء في ((المختارة))، وصححه الشيخ الألبانيّ في ((صحيح الجامع الصغير)). (٣) ((شرح النوويّ)) ١١٢/٩. ٣٣٥ (٧٢) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَكِبَ إِلَى سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٨) ٧٨)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (١٦٣/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٨٢/٥ - ٨٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٧٣/٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٥٣٣)، و(عبد بن حُميد) في ((مسنده)) (١٨٢/١ - ١٨٣)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (١٦/٤ -١٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٥٠/٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعاً عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَاصِمِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْوَاحِدِ: ((فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ))، وَفِّي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ خَازِمٍ قَالَ: يَبْدَأُ بِالْأَهْلِ إِذَا رَجَعَ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا جَمِيعاً: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بَِكَ مِنْ وَعْتَّاءِ السَّفَرِ)). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفيّ البكراويّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٣) (خ م) تقدم في ((الطهارة)) ٦٤٩/٢٦. ٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبْديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٧٦) أو بعدها (ع) تقدم في ((الطهارة)) ١١/ ٥٨٤. والباقون ذُكروا في الباب وفيما قبله. وقوله: (وَفِي رِوَايَةٍ مُحَمَّدِ بْنِ خَازِم) هو أبو معاوية الضرير. [تنبيه]: رواية أبي معاوية، عنّ عاصم الأحول لم أجد من ساقها، فليُنظر . وأما رواية عبد الواحد بن زياد، عن عاصم، فقد ساقها البيهقيّ دَّثُ في ((الكبرى)) (٢٥٠/٥) فقال: (١٠٠٨٣) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا حامد بن عمر البكراويّ، وأحمد بن عبدة الضبيّ، عن ٣٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج عبد الواحد بن زياد، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سَرْجِس، قال: كان النبيّ وَّه إذا سافر قال: ((اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم اصحبنا في سفرنا، واخلُفنا في أهلنا، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، ومن الْحَوْر بعد الْكَوْر، ومن دعوة المظلومين، ومن سوء المنظر في الأهل والمال)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٧٣) - (بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٧٩] (١٣٤٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا بَحْيَى، وَهُوَ اَلْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا قَفَلَ مِنَ الْجُيُوشِ، أَو السَّرَايًّا، أَو الْحَجِّ، أَوْ الْعُمْرَةِ، إِذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ، أَوْ فَدْفَدٍ، كَبَّرَ ثَلَاثاً، ثُمَّ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السَّرَخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سُنّيّ [١٠] (ت٢٤١) (خ م س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦. والباقون كلّهم تقدّموا قبل باب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف لَُّ، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل. ٣٣٧ (٧٣) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٩) ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني انفرد به هو، والبخاريّ، والنسائيّ. ٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ﴿ًا، تقدّم الكلام فيه قريباً . شرح الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) عًِّا أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذَا قَفَلَ) - بقاف، ثم فاء - أي: رجع وزناً ومعنى، ومنه تسمى القافلة، قال في ((النهاية)): قَفَل أي: عاد من سفره، وقد يقال للسفر: قُقُول في الذهاب والمجيء، وأكثر ما يُستعمل في الرجوع. انتهى (١). قال وليّ الدين تَخُّْ: القفول: الرجوع من السفر، ويقال في المضارع: يَقْفُل بالضم، ولا يُستعمل القفول في ابتداء السفر، وإنما سُمِّي المسافرون قافلةً؛ تفاؤلاً لهم بالقفول والسلامة، على أن الجوهريّ قال: إن القافلة هي الرُّفْقة الراجعة من السفر، وقال القتبيّ: لا يقال لهم في مبدئهم: قافلة. انتھی . وقال الفيّوميّ كَُّهُ: قَفَلَ من سفره قُفُولاً، من باب قَعَدَ: رجع، والاسم قَفَلٌ - بفتحتين - ويَتَعَدَّى بالهمزة، فيقال: أقفلته، والفاعل من الثلاثيّ: قافل، والجمع قافلةٌ، وجمع القافلة قَوَافلُ، وتُطلَق القافلة على الرُّفْقَة، واقتَصَر عليه الفارابيّ، قال في ((مجمع البحرين)): ومَن قال: القافلة: الراجعةُ من السفر فقط، فقد غَلِطَ، بل يقال للمبتدئة بالسفر أيضاً؛ تفاؤلاً لها بالرجوع، وقال الأزهريّ مثله، قال: والعرب تُسمِّي الناهضين للغزو قافلةً؛ تفاؤلاً بقفولها، وهو شائع. انتھی. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما حقّقه الفيّوميّ تَُّ أن القافلة تُطلق على المبتدئة للسفر، والراجعة منه، فما تقدّم فيما ذكره وليّ الدين من أنه لا يقال لهم ذلك، غير صحيح، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) ((النهاية)) ٩٢/٤ - ٩٣. ٣٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (مِنَ الْجُيُوشِ) بالضمّ: جمع جيش، وهو العسكر العظيم(١)، وقال المجد تَخْتُ: ((الجيش)) هو: الجند، أو السائرون لحرب، أو غيرها. انتهى(٢). (أَو السَّرَايَا) بالفتح: جمع سَرِيّة، وهي قطعة من الجيش، فَعِيلة بمعنى فاعلة؛ لأنها تسري في خُفية، وتُجمع أيضاً على سَرِيّات، مثلُ عطيّة وعطيّات(٣)، وقال ◌َله: ((خير الصحابة أربعةٌ، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا تهزم اثنا عشر ألفاً من قلة)) (٤). (أَو الْحَجِّ، أَو الْعُمْرَةِ) كأنه قصد استيعاب أنواع سفره وَلّهِ ببيان أنه لا يخرج عن هذه الثلاثة، هي الغزو، والحجّ، والعمرة، وإلا فظاهره اختصاص ذلك بهذه الأمور، وليس الحكم كذلك عند الجمهور، بل يُشرَع قول ذلك في كل سفر، إذا كان سفر طاعة، كصِلَة الرحم، وطلب العلم؛ لما يشمل الجميع من اسم الطاعة، وقيل: يتعدى أيضاً إلى المباح؛ لأن المسافر فيه لا ثواب له، فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب، وقيل: يشرع في سفر المعصية أيضاً؛ لأن مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره، وهذا التعليل مُتَعَقَّبٌ؛ لأن الذي يخصه بسفر الطاعة، لا يمنع من سافر في مباح، ولا في معصية من الإكثار من ذكر الله، وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص، فذهب قوم إلى الاختصاص؛ لكونها عبادات مخصوصة، شُرِع لها ذكر مخصوص، فتختص به؛ كالذكر المأثور عقب الأذان، وعقب الصلاة، وإنما اقتصر الصحابيّ على الثلاث؛ لانحصار سفر النبيّ وَلّ فيها(٥). (إِذَا أَوْفَى) أي: ارتفع، أو أقبل وأطلّ (عَلَى ثَنِيَّةٍ) بمثلّثة، ثم نون، ثم تحتانيّة ثقيلة: هي العقبة، وقال القرطبيّ: ((الثنيّة)) هي: الهضبة، وهي الكوم دون الجبل(٦). (أَوْ فَدْفَدٍ) - بفتح الفاء، بعدها دال مهملة، ثم فاء، ثمّ دالٌ. (١) ((المفهم)) ٤٥٦/٣. (٢) ((القاموس المحيط)) ٢٦٦/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٢٧٥/١. (٤) حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٢٦١١)، والترمذيّ (١٥٥٥)، وابن ماجه (٢٧٢٨). (٥) راجع: ((الفتح)) ٤٢٦/١٤ ((كتاب الدعوات)) رقم (٦٣٨٥). (٦) ((المفهم)) ٤٥٦/٣. ٣٣٩ (٧٣) - بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٩) والأشهر تفسيره بالمكان المرتفع، وقيل: هو الأرض المستوية، وقيل: الفلاة الخالية من شجر وغيره، وقيل: غليظ الأودية ذات الحصى، وقيل: الجَلْد من الأرض في ارتفاع، وجمعه فدافد. وقال القرطبيّ: ((الفدفد)): ما غَلُظ من الأرض، وارتفع، وجمعه: فدافد، قال: وتكبيره وي﴿ في هذه المواضع المرتفعة إشعار بأن أكبرية كل كبير إنما هي منه، وأنها محتقرة بالنسبة إلى أكبريته تعالى وعظمته، وتوحيدُه الله تعالى هناك: إشعار بانفراده ريك بإيجاد جميع الموجودات، وبأنه المألوه؛ أي: المعبود في كل الأماكن من الأرضين والسموات، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى فِ السَّمَاءِ إِلَهُ وَفِى الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]. انتهى (١). وفي رواية البخاريّ: ((يُكبّر على كلّ شَرَف)) - بفتح الشين المعجمة، والراء، بعدها فاءٌ - هو المكان العالي. (كَبَّرَ ثَلَاثاً) قال الطيبيّ ◌َخْذُ: وجه التكبير على الأماكن العالية، هو استحباب الذكر عند تجدد الأحوال والتقلبات، وكان ◌ّ﴾ يراعي ذلك في الزمان والمكان؛ لأن اختلاف أحوال العبد في الصباح والمساء، والصعود والهبوط، وما أشبه ذلك، مما ينبغي أن لا ينسى ربه عند ذلك، فإنه هو المتصرف في الأشياء بقدرته المدبر لها قبل صنعه. انتهى. وقال الزين العراقيّ تَُّ: مناسبة التكبير على المرتفع أن الاستعلاء محبوب للنفس، وفيه ظهور وغلبة، فينبغي للمتلبس به أن يذكر عنده أن الله أكبر من كل شيء، ويشكر له ذلك، ويستمطر منه المزيد. انتهى. (ثُمَّ قَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْلُكُ) قال القرطبيّ: الملك أصله الشدّ والرّبط، والْمُلك بالضم يتضمّن الملك بالكسر، ولا ينعكس. انتهى (٢). (وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال الحافظ تَّتُهُ: يَحْتَمِل أنه كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير، وهو على المكان المرتفع، ويَحْتَمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع، وما بعده إن كان متسعاً أكمل الذكر المذكور فيه، وإلا فإذا هبط سبَّح، كما في حديث جابر نظُه عند (١) ((المفهم)) ٤٥٦/٣. (٢) («المفهم)) ٣٥٦/٣. ٣٤٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج البخاريّ: ((قال: كنّا إذا صَعِدنا كبّرنا، وإذا نزلنا سَبّحنا))، ويَحْتَمِل أن يكمل الذكر مطلقاً عقب التكبير، ثم يأتي بالتسبيح إذا هبط. قال القرطبيّ تَخْلُهُ: وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد بإيجاد جميع الموجودات، وأنه المعبود في جميع الأماكن. (آيِبُونَ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: نحن آئبون، أي راجعون، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع، فإنه تحصيل الحاصل، بل الرجوع في حالة مخصوصة، وهي تلبُّسهم بالعبادة المخصوصة، والاتصاف بالأوصاف المذكورة. وقال وليّ الدين ◌َّثُ: [فإن قلت]: ما فائدة الإخبار بالأَوْب، وهو الرجوع من السفر كما تقدم، وذلك ظاهر من حالهم، وما تحت الإخبار بذلك من الفائدة؟ [قلت]: قد يراد أَوْبٌ مخصوصٌ، وهو الرجوع عن المخالفة إلى الطاعة، أو التفاؤل بذلك، أو الإعلام بأن السفر المقصود قد انقضى، فهو استبشار بكمال العبادة، والفراغ منها، وحصول المقصود والظفر به. انتهى(١). (تَائِبُونَ) أي: إلى ربنا، من التوبة وهي الرجوع عما هو مذموم إلى ما هو محمود شرعاً، وفيه إشارة إلى التقصير في العبادة، قاله وَيهر على سبيل التواضع، أو تعليماً لأمته، أو المراد أمته، وقد تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة، فيكون المراد أن لا يقع منهم ذنب. وقال وليّ الدين نَّثُهُ: وقوله: ((تائبون)) يَحْتَمِل أن يكون إشعاراً بحصول التقصير في العبادة، فيتوب من ذلك، وهو تواضع، وهضم للنفس، أو تعليم لمن يقع ذلك منه في سفر الطاعات، فيَخْلِطه بما لا يجوز فعله، ويَحْتَمِل الإشارة بذلك إلى أن ما كان فيه من طاعة الحجّ، أو العمرة، أو الغزو قد كَفَّر ما مضى، فيسأل التوبة فيما بعده، وقد تُسْتَعمل التوبة في العصمة، فيَسأل أن لا يقع منه بعده ما يحتاج إلى تكفير، وهذا اللفظ وإن كان خبراً، فهو في معنى الدعاء، ولو كان إشعاراً بأنهم رحبوا بهذه الأوصاف؛ لَنَصَبها على الحال، (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٨٦/٥.