النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجٍّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٦٢)
مذهب الجماهير لا ينعقد نذره، ولا يلزمه شيء، وقال أحمد: يلزمه كفارة
یمین.
واختَلَف العلماء في شدّ الرحال، وإعمال المطيّ إلى غير المساجد
الثلاثة، كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة، ونحو ذلك،
فقال الشيخ أبو محمد الجوينيّ من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار
القاضي عياض إلى اختياره، والصحيح عند أصحابنا، وهو الذي اختاره إمام
الحرمين، والمحققون أنه لا يحرم، ولا يكره، قالوا: والمراد أن الفضيلة التامّة
إنما هي في شدّ الرحال إلى هذه الثلاثة خاصّة. انتهى كلام النوويّ تَظُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه أبو محمد الْجُوينيّ،
وتبعه القاضي عياض من تحريم شدّ الرحال إلى غير هذه المساجد هو الحقّ؛
لظاهر هذا الحديث، وسيأتي هذا البحث مستوفّى في أواخر ((كتاب الحج)) - إن
شاء الله تعالى -.
(وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ) يحتمل أن تكون ((لا)) ناهية، الفعل
مجزوم بها، وكُسر؛ لالتقاء الساكنين، ويَحْتَمل أن تكون نافيةً، والفعل مرفوع،
والمراد من النفي النهي الأكيد، كما سبق، والوجه الأول يؤيّده قوله: ((لا
تَشُدُّوا الرحال)) (يَوْمَيْنِ) هذا لا يعارض ما سبق بلفظ ((ثلاثاً))، وكذا الآتي
بلفظ: ((مسيرة يوم وليلة))؛ لأنه مما خرج مخرج جواب السؤال، على ما تقدّم
بيانه (مِنَ الدَّهْرِ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم مِنْهَا) أي: صاحب حرمة بسبب النسب،
أو المصاهرة، أو الرضاع (أَوْ زَوْجُّهَا)))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٦٢/٧١ و٣٢٦٣ و٣٢٦٤ و٣٢٦٥ و٣٢٦٦]
(١) (شرح النوويّ)) ١٠٦/٩.
٣٠٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(١٣٣٨)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (١١٨٨ و١١٩٧) و((الحجّ)) (١٨٦٤)
و((الصوم)) (١٩٩٢ و١٩٩٥)، و(الترمذيّ) في ((الصلاة)) (٣٢٦)، و(ابن ماجه)
في ((الصلاة)) (١٢٤٩)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٧٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في
((مصنّفه)) (٣٧٤/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٧/٣ و٣٤ و٥١ و٥٩ و٧١)،
و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٢/٤ - ١٣)، و(ابن حبّان) في (صحيحه))
(١٦١٧)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٤٧/٢)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٢/
٣٧٧ و٣٩٣)، و(الطحاويّ) في ((مشكل الآثار)) (٢٤٢/١)، و(البيهقيّ) في
((الكبرى)) (٤٥٢/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٥٠)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: تكلّم الدار قطنيّ تَخَّْثُ في إسناد هذا الحديث، فقال في ((العلل)):
(٢٣٠٠) - وسئل عن حديث قَزَعَة بن يحيى، عن أبي سعيد، عن
النبيّ وَله: ((لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ولا تسافر المرأة ... )).
فقال: اختُلِف فيه على قَزَعَة فرواه المغيرة بن عبد الله اليشكريّ،
وعُمارة بن عُمير، وقتادة، وعبد الملك بن عُمير، وقيل: عن عبد الملك بن
ميسرة، ولا يصحّ، عن فَزَعة، عن أبي سعيد.
ورواه يزيد بن أبي مريم، عن قَزَعَة، عن أبي سعيد، واختُلِف عنه، فرواه
سُويد بن عبد العزيز، عن يزيد بن أبي مريم، عن قَزَعة، عن أبي سعيد.
وخالفه صدقة بن خالد، فرواه عن يزيد بن أبي مريم، عن قَزَعة، عن
عبد الله بن عمرو بن العاص.
وقال محمد بن شعيب بن شابور، عن يزيد بن أبي مريم، عن فَزَعة، عن
عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدريّ.
ورواه طلق بن حبيب، عن قَزَعة، عن ابن عمر، واختُلِف عن ابن عيينة،
فرواه الحرب بن سريج، عن ابن عيينة، عن عمرو، عن طَلْق، عن قَزَعة، عن
ابن عمر مرفوعاً، ورواه غيره من أصحاب ابن عيينة موقوفاً.
وكذلك رواه وَرْقاء وغيره عن عمرو موقوفاً، والصحيح قول من قال: عن
قَزَعَة، عن أبي سعيد. انتهى كلام الدار قطنيّ كَذُ(١).
(١) ((العلل الواردة في الأحاديث النبوية)) ٣٠٥/١١ - ٣٠٧.
٣٠٣
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٦٣)
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله الدارقطنيّ كَّثُ أن رواية
الشيخين لهذا الحديث هي الصحيحة، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٦٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ قَزَعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ
الْخُدْرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَرْبَعاً، فَأَعْجَبْتَنِي، وَ آَنَقْتَنِي: نَهَى أَنْ تُسَافِرَ
الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنٍ، إِلَّا وَمَعَهَا زَوْجُهَا، أَوْ ذُو مَحْرَمِ، وَاقْتَصِنَّ بَاقِيَ الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب
[٩] (ت٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور [٧] (ت١٦٠) (ع) تقدّم
في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨١.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَأَعْجَبْنَنِي، وَآَنَقْنَنِي) قال القاضي عياض تَخْذُ: معنى((آنقنني)):
أعجبنني، وإنما كرر المعنى؛ لاختلاف اللفظ، والعرب تفعل ذلك كثيراً للبيان
والتوكيد، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَكَ عَلَنَهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ الآية [البقرة:
١٥٧] والصلاة من الله الرحمة، وقال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِعْتُمْ حَلَلًا طَيِبَأْ﴾ الآية
[الأنفال: ٦٩]، والطيب هنا الحلال، ومنه قول الْحُطيئة [من الطويل]:
وَهْنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ
أَلَا حَبَّذَا مِنْدٌ وَأُرْضٌ بِهَا مِنْدٌ
وقال آخر [من الوافر]:
يَبْكِيكَ نَاءٍ بَعِيدُ الدَّارِ مُغْتَرِبٌ
يَا لَلْكُهُولٍ وَلِلشُّبَّانِ مُغْتَرِبُ
ومثله في حديث ابن مسعود : ((إذا وقعت في آل حاميم وقعت في
روضات أتأنّق فيهنّ))، قال أبو عبيد: أي أتتبع محاسنهنّ، وقال أبو حمزة:
معناه: أستلذّ بقراءتهنّ، والأنَقُ: الفرح والسرور، والشيء الأنيق: العجِبُ،
٣٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
والمونَق المعجَب، ومنه منظرٌ مونقٌ. انتهى(١).
وقوله: (وَاقْتَصَّ بَاقِيَ الْحَدِيثِ) الضمير لشعبة رَّتُهُ.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن عبد الملك بن عُمير هذه ساقها البخاريّ ◌َّتُهُ
في ((صحیحه))، فقال:
(١١٩٧) - حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا شعبة، عن عبد الملك، سمعت قَزَعَة
مولى زياد، قال: سمعت أبا سعيد الخدريّ ◌َُّه يحدِّث بأربع عن النبيّ ◌َّ،
فأعجبنني، وآنقنني، قال: ((لا تسافر المرأة يومين، إلا معها زوجها، أو ذو
محرم، ولا صومَ في يومين: الفطر، والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين: بعد
الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب، ولا تُشَدّ الرحال إلا إلى
ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي)).
وأخرجه أيضاً في ((الحج))، فقال:
(١٨٦٤) - حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن عبد الملك بن
عمير، عن قَزَعة مولى زياد، قال: سمعت أبا سعيد، وقد غزا مع النبيّ وَّل
ثنتي عشرة غزوةً، قال: أربع سمعتهن من رسول الله وَّ ر، أو قال: يُحدّثهن عن
النبيّ ◌َّر: ((فأعجبنني، وآنقنني: أن لا تسافر امرأة مسيرة يومين، ليس معها
زوجها، أو ذو محرم، ولا صومَ يومين: الفطر، والأضحى، ولا صلاة بعد
صلاتين: بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس،
ولا تُشَدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد
الأقصى)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٦٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ،
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ سَهْمِ بْنِ مِنْجَابٍ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ ثَلَاثاً، إِلَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»).
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٤٨/٤ بزيادة من ((نهاية ابن الأثير)) ٧٦/١. قال ابن الأثير تَذفه:
والمحدّثون يروونه: ((أينقنني))، وليس بشيء. انتهى.
٣٠٥
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمِ إِلَى حَجٌّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٦٥)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُغِيرَةُ) بن مِقْسَم الضبّيّ مولاهم، أبو هشام الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ
متقرٌّ، إلا أنه يدلّس، ولا سيّما عن إبراهيم [٦] (ت١٣٦) على الصحيح (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ
يرسل كثيراً [٥] (ت٩٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢.
٣ - (سَهْمُ بْنُ مِنْجَابٍ) بن راشد الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، والعلاء بن الحضرميّ، وقَرْئَع الضبيّ، وقَزَعة بن يحيى.
وروى عنه إبراهيم النخعيّ، وأبو خَلْدة عمرو بن دينار الكوفيّ، وأبو
سنان ضِرَار بن مُرّة الشيبانيّ، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، لكنه فرّق بين الذي يروي عن العلاء، فذكره في التابعين، وبين
الذي يروي عن فَزَعة وقرثع، فذكره في أتباع التابعين، فالله أعلم، ولَمّا ذكر
البخاري في ((تاريخه)) سهم بن مِنجاب الراوي عن العلاء بن الحضرميّ نسبه
سعديّاً، وهذا مما يؤيّد أنه غير الضبيّ، قاله الحافظ تَظُّهُ(١).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في ((الشمائل))، والنسائيّ،
وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب غير هذا الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب، و((جرير)) هو: ابن عبد الحميد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٦٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعاً
عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ أَبُو غَسَّانَ: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
(١) ((تهذيب التهذيب)) ٢٢٩/٤.
٣٠٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ نَِّ قَالَ: ((لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ
لَيَالٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٨/ ١٣٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٥٢)
(ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما
وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تَّقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
ثبتٌ، رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٦.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس،
رأس [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٦٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ، عَنْ سَعِيدٍ،
عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو
البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
٢ - (سَعِيدٌ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
ثقة حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع)
تقدم في ((الإيمان)» ١٢٧/٦.
٣٠٧
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٦٧)
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة هذه لم أر من ساقها،
فليُنظر، وقد ساقها أبو نعيم تَّتُهُ في ((مستخرجه)) (١٣/٤) إلا أنه بلفظ هشام
الدستوائيّ، ودونك نصّه:
(٣١١٦) - حدّثنا محمد بن إبراهيم، أنبأ أحمد بن علي بن المثنى، ثنا
محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زُريع، ثنا سعيد، عن قتادة، عن قَزَعة، عن أبي
سعيد، قال: ((نهى رسول الله ◌َ أن تسافر المرأة فوق ثلاث ليال، إلا مع ذي
محرم)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٦٧] (١٣٣٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ
مُسْلِمَةٍ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ، إِلَّ وَمَعَهَا رَجُلٌ، ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (لَيْثُ) بن سعيد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم قريباً.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] مات
في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦/ ٢٥٠.
٣ - (أَبُوهُ) أبو سعيد كيسان المقبريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢] (ت١٠٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٢/٧٤.
٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ظُبه تقدّم في الباب الماضي.
((وقتيبة)) ذُكر في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ (عَنْ أَبِيهِ) كيسان المقبريّ، وقد
اختلف الرواة في زيادة: ((عن أبيه))، وسيأتي البحث في ذلك في المسألة الثالثة
- إن شاء الله تعالى - (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رَظُبه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا يَحِلُّ
لِمْرَأَةٍ) أي: شابّة، أو عجوز (مُسْلِمَةٍ) وفي الرواية التالية: ((لا يحل لامرأة
٣٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
تؤمن بالله، واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم إلا مع ذي محرم))، ومفهوم هذا أن
النهي المذكور يختّص بالمؤمنات، فتخرج الكافرات، كتابيّة كانت، أو حربيّة،
وقد قال به بعض أهل العلم، وأجيب بأن الإيمان هو الذي يستمرّ للمتّصف به
خطاب الشرع، فينتفع به، وينقاد له، فلذا قيّده به، أو أن الوصف ذُكر لتأكيد
التحريم، ولم يُقْصَد به إخراج ما سواه، أفاده في ((الفتح)) (١).
(تُسَافِرُ) بتقدير ((أن)) المصدريّة؛ أي: أن تسافر، وكذا الروايات التالية،
وحذف ((أن)) ورفعُ الفعل جائز في سعة الكلام، كما في قوله ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ.
يُرِيكُمُ الْبَّقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وأما حذفها، ونصب الفعل فشاذّ إلا في
المواضع المعروفة، كما قال في ((الخلاصة)):
مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى
وَشَذَّ حَذْفُ ((أَنْ)) وَنَصْبٌ فِي سِوَى
ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
أَلَا أَيُّهَا الزَّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى
بنصب «أحضُرَ)).
وفي رواية للبخاريّ: ((لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر)).
(مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ) بنصب ((مسيرةَ)) على الظرفيّة، وهو مصدر ميميّ بمعنى
السير؛ كالمعيشة بمعنى العيش، واختلفت الرواية عن أبي هريرة ◌َظُته في ذكر
المدة، ففي هذه الرواية: ((مسيرة ليلة))، وفي الرواية التالية: ((مسيرة يوم))، وفي
الرواية الرابعة: ((أن تسافر ثلاثاً))، وفي رواية للشيخين: ((مسيرة يوم وليلة))،
وفي رواية لأبي داود: ((بريداً))، وقد تقدم الكلام في ذلك، وأنه ليس المراد
التحديد، بل المدار على ما يُسَمَّى سفراً، والاختلاف إنما وقع لاختلاف
السائل والمواطن، وليس هو من المطلق والمقيد، بل من العام الذي ذُكرت
بعض أفراده، وذا لا يُخَصِّص على الأصح(٢).
(إِلَّ وَمَعَهَا رَجُلٌ، ذُو حُرْمَةٍ مِنْهَا))) وفي رواية: ((إلا مع ذي محرم))، وفي
أخرى: ((إلا مع ذي محرم عليها))، وفي أخرى: ((إلا ومعها رجل ذو محرم
منها))، وكلّها عند المصنّف، وفي رواية للبخاريّ: ((ليس معها حرمة))، هكذا
(١) ((الفتح)) ٣ /٤٦٦ - ٤٦٧.
(٢) ((المرعاة)) ٣٤٠/٨.
٣٠٩
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٦٧)
وقع في الروايات، قيل: والظاهر أن لفظ ((ذو)) مُقْحَمٌ، فإن المحرم للمرأة هو
من لا يَحِلّ له نكاحها، وقيل: المراد ((ذو رَحِم محرم))؛ أي: ذو قرابة مُحَرَّم
تزوجها، قال في ((القاموس)): ورَحِمٌ مُحَرَّمٌ، محرّم تزوّجها .
قال ((صاحب تيسير العلام)): المرأة مظنة الشهوة والطمع، وهي لا تكاد
تقي نفسها؛ لضعفها ونقصها، ولا يغار عليها مثل محارمها الذين يرون أن
النَّيْل منها نَيْلٌ من شرفهم وعرضهم، والرجل الأجنبي حينما يخلو بالأجنبية،
يكون مُعَرَّضاً لفتن الشيطان ووساوسه؛ لهذه المحاذير التي هي وسيلة في وقوع
الفاحشة، وانتهاك الأعراض، حَرَّم الشارع على المرأة أن تسافر إلا ومعها ذو
محرم.
قال: واختلفوا هل المرأة مستطيعة الحجّ بدون المحرم، إذا كانت ذات
مال، أم أن وجود المحرم شرط في الاستطاعة؟ والصحيح أنه لا يحل لها
الخروج بدون محرم لأيّ سفر، فتكون معذورة غير مستطيعة.
قال: واختلفوا في الكبيرة التي لا تميل إليها النفس، هل تسافر بدون
محرم؟ أم لا بد من المحرم؟ والصحيح الأخير؛ لأن الحديث عامّ في كل
امرأة، ولا يخلو الأمر من محذور، فلكل ساقطة لاقطة.
قال: واختلفوا هل يكفي أن تكون مع رفقة أمينة، أو تسافر مع امرأة
مسلمة ثقة أم لا؟ والصحيح أنه لا بُدّ من المحرم؛ لعموم الحديث، ولأن غيرة
المحرم، ونظره مفقودان.
واختلفوا في تحديد السفر تبعاً لاختلاف الأحاديث، والأحوط أن يؤخذ
بأقلها؛ لأنه لا ينافي ما فوقه، ويكون ما فوقه قضايا عين حسب حال السائل،
والله أعلم.
قال: وإذا قارنت حال المسلمين اليوم بهذه النصوص الصحيحة،
والآداب العالية، والغيرة الكريمة، والشهامة النبيلة، والمحافظة على الفروج
والأعراض، وحفظ الأنساب، وجدت كثيراً من المسلمين، قد نبذوا دينهم
وراءهم ظهريّاً، ومَرَقُوا منه، وصار التصوّن والحياء عندهم ضرباً من الرجعية
والجمود، وأما الانحلال الخلقيّ، وخلعُ رداء الحياء والعفاف، فهو التقدّم،
٣١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
والرُّقِيَّ، فإنا لله وإنا إليه راجعون. انتهى، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، وما أحقّه أن
يُكتب بماء الذهب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َ ﴿به هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٦٧/٧١ و ٣٢٦٨ و٣٢٦٩ و٣٢٧٠] (١٣٣٩)،
و(البخاريّ) في ((تقصير الصلاة)) (١٠٨٨)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٧٢٣
و١٧٢٤)، و(الترمذيّ) في ((الرضاع)) (١١٧٠)، و(ابن ماجه) في ((المناسك))
(٢٨٩٩)، و(مالك) في ((الموطًإِ)) (٩٧٩/٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢/ ٢٥٠
و٣٤٠ و٤٢٣ و٤٣٧ و٤٤٥ و٤٩٣ و٥٠٦)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه))
(٢٥٢٣ و٢٥٢٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٣٥/٦ - ٤٣٧)، و(أبو نعيم)
في ((مستخرجه)) (١٤/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٩/٣)، و(البغويّ) في
(«شرح السنّة)) (١٨٤٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قد تكلّم الحفّاظ في حديث أبي هريرة صاحبه هذا:
قال النوويّ كَّلُهُ - بعد إيراده الحديث من رواية يحيى بن يحيى، عن
مالك الآتي بعد حديث - ما نصّه: وقع هذا الحديث في نسخ بلادنا: ((عن
سعيد، عن أبيه))، قال القاضي عياض: وكذا وقع في النسخ عن الْجُلُوديّ،
وأبي العلاء، والكسائيّ، وكذا رواه مسلم في الإسناد السابق قبل هذا عن
قتيبة، عن الليث، عن سعيد، عن أبيه، وكذا رواه البخاريّ ومسلم من رواية
ابن أبي ذئب، عن سعيد، عن أبيه.
قال: واستدرك الدارقطنيّ عليهما إخراجهما هذا عن ابن أبي ذئب،
وعلى مسلم إخراجه إياه عن الليث، عن سعيد، عن أبيه، وقال: الصواب عن
سعيد، عن أبي هريرة، من غير ذكر أبيه، واحتَجَّ بأن مالكاً، ويحيى بن أبي
كثير، وسهيلاً قالوا: عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، ولم يذكروا عن أبيه،
قال: والصحيح عن مسلم في حديثه هذا عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن
٣١١
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٦٧)
سعيد، عن أبي هريرة، من غير ذكر أبيه، وكذا ذكره أبو مسعود الدمشقيّ،
وكذا رواه معظم رواة ((الموطأ)) عن مالك.
قال الدارقطنيّ: ورواه الزهرانيّ والقرويّ عن مالك، فقالا: عن سعيد،
عن أبيه. انتهى كلام القاضي عياض تَظُّهُ(١).
قال النوويّ: وذكر خلف الواسطيّ في ((الأطراف)) أن مسلماً رواه عن
يحيى بن يحيى، عن مالك، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وكذا رواه
أبو داود، في ((كتاب الحج)) من ((سننه))، والترمذيّ في ((النكاح)) عن الحسن بن
عليّ، عن بشر بن عمر، عن مالك، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال
الترمذيّ: حديث حسن صحيحٌ، ورواه أبو داود في ((الحج)) أيضاً عن القعنبيّ،
والعلاء، عن مالك، عن يوسف بن موسى، عن جرير، كلاهما عن سهيل، عن
سعيد، عن أبي هريرة.
فحصل اختلاف ظاهر بين الحفاظ في ذكر أبيه، فلعله سمعه من أبيه،
عن أبي هريرة، ثم سمعه من أبي هريرة نفسه، فرواه تارةً كذا، وتارةً كذا،
وسماعه من أبي هريرة صحيحٌ معروفٌ، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَخْذُهُ(٢).
وقال الإمام البخاريّ تَُّ بعد إخراج الحديث من طريق ابن أبي ذئب،
عن سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة ◌ُه ما نصّه: تابعه يحيى بن أبي
كثير، وسهيلٌ، ومالكٌ، عن المقبريّ، عن أبي هريرة رَظُه. انتهى.
قال في ((الفتح)): قوله: تابعه يحيى بن أبي كثير، وسهيلٌ، ومالكٌ، عن
المقبريّ - يعني سعيداً - عن أبي هريرة - يعني لم يقولوا: عن أبيه - فعلى هذا
فهي متابعة في المتن، لا في الإسناد، على أنه قد اختُلِف على سهيل، وعلى
مالك فيه، وكأن الرواية التي جزم بها المصنّف أرجح عنده عنهم.
ورجح الدارقطنيّ أنه عن سعيد، عن أبي هريرة، ليس فيه ((عن أبيه))،
كما رواه معظم رواه ((الموطأ»، لكن الزيادة من الثقة مقبولةٌ، ولا سيما إذا كان
حافظاً، وقد وافق ابن أبي ذئب على قوله: ((عن أبيه)) الليثُ بنُ سعد، عند أبي
داود، والليثُ، وابنُ أبي ذئب من أثبت الناس في سعيد.
(١) ((إكمال المعلم)) ٤٤٩/٤ - ٤٥٠.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٧/٩ - ١٠٩.
٣١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال: فأما رواية يحيى، فأخرجها أحمد، عن الحسن بن موسى، عن
شيبان النحويّ، عنه، ولم أجد عنه فيه اختلافاً، إلا أن لفظه: ((أن تسافر يوماً
إلا مع ذي محرم))، ويُحْمَل قوله: ((يوماً)) على أن المراد به اليوم بليلته، فيوافق
رواية ابن أبي ذئب.
وأما رواية سهيل، فذكر ابن عبد البر أنه اضطرِب في إسنادها ومتنها،
وأخرجه ابن خزيمة من طريق خالد الواسطيّ، وحماد بن سلمة، وأخرجه أبو
داود، وابن حبان، والحاكم، من طريق جرير، كلاهما عن سهيل بن أبي
صالح، عن سعيد، عن أبي هريرة، كما علَّقه البخاريّ، إلا أن جريراً قال في
روايته: ((بَرِيداً)) بدل ((يوماً))، وقال بشر بن المفضل، عن سهيل، عن أبيه، عن
أبي هريرة، أبدل سعيداً بأبي صالح، وخالف في اللفظ أيضاً، فقال: ((تسافر
ثلاثاً))، أخرجه مسلم.
ويَحْتَمِل أن يكون الحديثان معاً عند سهيل، ومن ثَمَّ صحح ابن حبان
الطريقين عنه، لكن المحفوظ عن أبي صالح، عن أبي سعيد، كما تقدمت
الإشارة إليه.
وأما رواية مالك فهي في ((الموطأ))، كما قال البخاريّ، وأخرجها مسلم،
وأبو داود، وغيرهما، وهو المشهور عنه، ورواها بشر بن عمر الزهرانيّ عنه،
فقال: عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وأبو
عوانة، وابن خزيمة من طريقه، وقال ابن خزيمة: إنه تفرد به عن مالك، وفيه
نظرٌ؛ لأن الدارقطنيّ أخرجه في ((الغرائب)) من رواية إسحاق بن محمد الفرويّ،
عن مالك كذلك، وأخرجه الإسماعيليّ، من طريق الوليد بن مسلم، عن مالك،
والمحفوظ عن مالك ليس فيه قوله: ((عن أبيه))، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله في رواية مالك: ((وأخرجها مسلم)) يقتضي
أن رواية مالك عند مسلم بإسقاط ((عن أبيه))، لكن الموجود في النسخ عندنا
بإثباتها، كما سبق في كلام القاضي عياض، والنوويّ، فتنبّه.
والذي يظهر لي أن هذا الحديث مما سمعه سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن
أبي هريرة، وسمعه أيضاً عن أبي هريرة، فكان يحدّث بالوجهين، قال الإمام
ابن حبّان ◌َّثُ في «صحيحه)): سمع هذا الخبرَ سعيدٌ المقبريّ عن أبي هريرة،
٣١٣
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمِ إِلَى حَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٦٨)
وسمعه من أبيه، عن أبي هريرة ظه، فالطريقان جميعاً محفوظان. انتهى(١).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ تَخْدَثُ: هكذا رواه جماعة الرواة لـ((الموطأ)) عن
مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، ورواه بشر بن عمر،
عن مالك، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وكان سعيد بن
أبي سعيد فيما يقولون: قد سمع من أبي هريرة، وسمع من أبيه، عن أبي
هريرة، كذا قال ابن معين وغيره، فجعلها كلها أحياناً عن أبي هريرة.
(٢)
انتھی
.
والحاصل أن جعْله مما رواه سعيد المقبريّ بالوجهين: عن أبيه، عن أبي
هريرة، وعن أبي هريرة نفسه، أولى من تخطئة رواية مسلم وغيره، فتبصّر، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٦٨] ( ... ) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ
أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ ◌َّ
قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إِلَّا مَعَ ذِي
مَحْرَمٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن
أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت٨
أو ١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) راجع: ((الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان)) ٤٣٨/٦.
(٢) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٥٠/٢١.
٣١٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٦٩] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ:
(لَا يَحِلَّ لِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، إِلَّا مَعَ ذِي
مَحْرَمِ عَلَيْهَا))).
رجال الإسناد: خمسة :
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضاً قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله .
والحديث مضى الكلام فيه في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٧٠] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، يَعْنِي ابْنَ
مُفَضَّلٍ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ أَنْ تُسَافِرَّ ثَلَاثاً، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمَ مِنْهَا)).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠]
(ت٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧.
٢ - (بِشْرُ بْنُ مُفَضَّلٍ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ
عابدٌ [٨] (ت٦ أو ١٧٨) (ع) تقدم في ((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِح) السمّان المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٣٨) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت١٠١) (ع)
تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
٣١٥
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧١ -٣٢٧٢)
و((أبو هريرة (() ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى البحث فيه مستوفى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٧١] (١٣٤٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعاً
عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي
صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ
بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُسَافِرَ سَفَراً يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِداً، إِلَّ وَمَعَهَا أَبُوهَا، أَوْ
ابْنُهَا، أَوْ زَوْجُهَا، أَوْ أَخُوهَا، أَوْ ذُو مَحْرَم مِنْهَا))(١).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةً) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريباً.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ، يدلّس [٥] (ت١٤٧) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
ج١ ص٢٩٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (أَوْ ذُو مَحْرَم مِنْهَا) من عطف العامّ على الخاصّ.
والحديث متّفقٌ عليهُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريباً، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٧٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُ،
قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
(١) كان الأولى للمصنّف نَّهُ إيراد هذا الحديث مع أحاديث أبي سعيد الخدريّ كَّثُ
المذكورة قبل حديث أبي هريرة ظُه، فتأملٌ.
٣١٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ الكوفيّ،
ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت٢٥٧) (ع)، وهو أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة،
تقدم في ((المقدمة)) ١٧/٤.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاحِ بن مَلِيح الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ
عابدٌ، من كبار [٩] (ت٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن الأعمش هذه ساقها ابن ماجه تخذتُ في ((سننه))،
فقال :
(٢٨٨٩) - حدّثنا عليّ بن محمد، حدّثنا وكيعٌ، حدّثنا الأعمش، عن أبي
صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَله: ((لا تسافر المرأة سفراً ثلاثة
أيام فصاعداً، إلا مع أبيها، أو أخيها، أو ابنها، أو زوجها، أو ذي محرم)).
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٧٣] (١٣٤١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ،
عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَخْطُبُ، يَقُولُ:
(لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمِ، وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّ مَعَ ذِي مَحْرَم))،
فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ امْرَأَتِيَ خَرَجَتْ حَاجَّةً، وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةٍ
كَذَا وَكَذَا، قَالَ: ((انْطَلِقْ، فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤]
(ت١٢٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
٣ - (أَبُو مَعْبَدٍ) نافذ - بالذال المعجمة - مولى ابن عبّاس المكيّ، ثقة [٤]
(ت١٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٣٠/٧.
٣١٧
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٣)
٤ - (ابْنُ عَبَّاسِ) ﴿يَا تقدّم قبل باب.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف رَّتُهُ، وله فيه شيخان قرن
بينهما، ثم فصّل؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (منها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، سوى شيخيه أيضاً، فالأول كوفيّ،
والثاني نسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن أبي معبد،
وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من طبقة واحدة.
٥ - (ومنها): أنه فيه ابن عبّاس ظها أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين
السبعة، والمشهورين بالفتوى.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ) - بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وفتح الموحّدة -
اسمه نافذ، قال في ((الفتح)): كذا رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، وابن
عيينة، كلاهما عن عمرو، عن أبي معبد به، ولعمرو بهذا الإسناد حديث آخر،
أخرجه عبد الرزاق وغيره، عن ابن عيينة عنه، عن عكرمة، قال: جاء رجل إلى
المدينة، فقال له رسول الله وَ له: ((أين نزلت؟)) قال: على فلانة، قال: ((أغلقت
عليها بابك؟ - مرتين - لا تحجنّ امرأة إلا ومعها ذو محرم))، ورواه عبد الرزاق
أيضاً عن ابن جريج، عن عمرو، أخبرني عكرمة، أو أبو معبد، عن ابن
عباس، قال الحافظ: والمحفوظ في هذا مرسلُ عكرمة، وفي الآخر رواية أبي
جا . انتھی
(١)
معبد، عن ابن عباس
(قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ ﴿َّا يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَلِ يَخْطُبُ، يَقُولُ:
(١) ((الفتح)) ١٦٤/٥.
٣١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
((لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّ وَمَعَهَا ذُو مَحْرَم) قال النوويّ نَظُّهُ: هذا استثناء
منقطعٌ؛ لأنه متى كان معها محرم لم تبق خَلوةٌ، فتقدير الحديث: لا يقعدنّ
رجل مع امرأة، إلا ومعها محرم. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)): فيه منع الخلوة بالأجنبية، وهو إجماع، لكن اختلفوا
هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا؛ كالنسوة الثقات؟ والصحيح الجواز؛
لضعف التهمة به، وقال القفّال: لا بُدّ من المحرم، وكذا في النسوة الثقات في
سفر الحجّ لا بدّ من أن يكون مع إحداهنّ محرم، ويؤيده نصّ الشافعيّ أنه لا
يجوز للرجل أن يصلي بنساء مفردات، إلا أن تكون إحداهنّ محرماً له. انتهى.
وقال النوويّ تَخُّْ: وقوله وََّ: ((ومعها ذو محرمٌ)) يَحْتَمِل أن يريد محرماً
لها، ويَحْتَمِل أن يريد محرماً لها أو له، وهذا الاحتمال الثاني هو الجاري على
قواعد الفقهاء، فإنه لا فرق بين أن يكون معها محرم لها؛ كابنها، وأخيها،
وأمها، وأختها، أو يكون محرماً له؛ كأخته، وبنته، وعمته، وخالته، فيجوز
القعود معها في هذه الأحوال.
ثم إن الحديث مخصوص أيضاً بالزوج، فإنه لو كان معها زوجها، كان
كالمحرم، وأولى بالجواز، وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث
معهما، فهو حرام بإتفاق العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يُسْتَحَی منه؛
لصغره، كابن سنتين، وثلاث، ونحو ذلك، فإن وجوده كالعدم، وكذا لو
اجتمع رجال بامرأة أجنبية فهو حرام، بخلاف ما لو اجتمع رجل بنسوة
أجانب، فإن الصحيح جوازه.
قال: والمختار أن الخلوة بالأمرد الأجنبي الحسن كالمرأة، فتحرم
الخلوة به، حيث حرمت بالمرأة، إلا اذا كان في جمْع من الرجال المصونين.
قال الجامع عفا الله عنه: تحريم الخلوة بالأمرد الحسن مما لا دليل عليه،
فقد كان في أولاد الصحابة ﴿ه من كان صبيح الوجه، فما نهى النبيّ وَّ عن
الخلوة بهم، وكذا لم يوجد من الخلفاء الراشدين، ولا من غيرهم من الصحابة
النهي عن ذلك، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٩/٩.
٣١٩
(٧١) - بَابُ سَفَرِ الْمَرْأَةِ مَعَ مَحْرَمٍ إِلَى حَجِّ وَغَيْرِهِ - حديث رقم (٣٢٧٣)
قال: قال أصحابنا: ولا فرق في تحريم الخلوة حيث حرمناها بين
الخلوة في صلاة، أو غيرها، ويستثنى من هذا كله مواضع الضرورة، بأن يجد
امرأة أجنبية منقطعة في الطريق، أو نحو ذلك، فيباح له استصحابها، بل يلزمه
ذلك إذا خاف عليها لو تركها، وهذا لا اختلاف فيه، ويدلّ عليه حديث
عائشة ◌ّا في قصة الإفك. انتهى(١).
(وَلَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّ مَعَ ذِي مَحْرَم))) تقدّم شرح هذه الجملة قريباً (فَقَامَ
رَجُلٌ) قال الحافظ تَظُّ: لم أقف على اسم الرجل، ولا امرأته، ولا على تعيين
الغزوة المذكورة (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً) أي: مريدة أداء
الحجّ (وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ) بالبناء للمفعول؛ أي: كَتَبْتُ نفسي في أسماء مَن عُيِّن في
تلك الغزوة، وقال القرطبيّ: أي ألزمت، وأثبتّ نفسي في ديوان ذلك البعث.
انتهى (٢). (فِي غَزْوَةٍ كَذَا وَكَذَا) وفي رواية للبخاريّ: ((فقال رجل: يا رسول الله
إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحجّ))، قال ابن الْمُنَيِّر:
الظاهر أن ذلك كان في حجة الوداع، فيؤخذ منه أن الحجّ على التراخي؛ إذ لو
كان على الفور لما تأخر الرجل مع رفقته الذين عُيِّنوا في تلك الغَزَاة، قال
الحافظ: كذا قال، وليس ما ذكره بلازم؛ لاحتمال أن يكونوا قد حَجُّوا قبل
ذلك مع مَن حجّ في سنة تسع، مع أبي بكر الصديق ظبه، أو أن الجهاد قد
تعيّن على المذكورين بتعيين الإمام، كما لو نزل عدوّ بقوم، فإنه يتعيّن عليهم
الجهاد، ويتأخر الحج اتفاقاً. انتهى.
(قَالَ) وَِّ ((انْطَلِقْ) أي: اذهب (فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ))) قال القرطبيّ ◌َظُّهُ:
هو فسخٌ لِمَا كان التزم من المضيّ للجهاد، ويدل: على تأكّد أمر صيانة النساء
في الأسفار، وعلى أن الزوج أحقّ بالسفر مع زوجته من ذوي رحمها، ألا ترى
أنه ولو لم يسأله هل لها محرم أم لا؟ ولأن الزوج يَطّلع من الزوجة على ما لا
يَطّلع منها ذو المحرم، فكان أولى، فإذاً قوله {وَل18 في الأحاديث: ((إلا ومعها
ذو محرم))؛ إنما خرج خطاباً لمن لا زوج لها، والله تعالى أعلم. انتهى(٣).
(١) ((شرح النوويّ)) ١٠٩/٩.
(٣) ((المفهم)) ٤٥٣/٣.
(٢) ((المفهم)) ٤٥٣/٣.
٣٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وفي رواية البخاريّ: ((فقال: اخرُج معها))، قال في ((الفتح)): قوله:
((اخرج معها)) أخذ بظاهره بعض أهل العلم، فأوجب على الزوج السفر مع
امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد، وهو وجهٌ للشافعية، والمشهور أنه
لا يلزمه؛ كالوليّ في الحج عن المريض، فلو امتَنَع إلا بأجرة لزمها؛ لأنه من
سبيلها، فصار في حقها كالمؤنة.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الإمام أحمد، ومن قال
بقوله، من وجوب سفر الزوج مع امرأته إذا لم يوجد لها محرم غيره هو
الأرجح؛ لظاهر أمره وَّ في هذا الحديث، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال: واستُدِلّ به على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض، وبه
قال أحمد، وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن له منعها؛ لكون الحج
على التراخي.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما قاله الإمام أحمد تَّتُ من أنه
ليس له أن يمنعها عن فرض الحج، هو الأظهر، فتأمل، والله تعالى أعلم.
قال: وأما ما رواه الدارقطنيّ من طريق إبراهيم الصائغ، عن نافع، عن
ابن عمر، مرفوعاً في امرأة لها زوج، ولها مالٌ، ولا يأذن لها في الحج،
فليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها .
فأجيب عنه بأنه محمول على حجّ التطوع عملاً بالحديثين.
ونقل ابن المنذر الإجماع على أن للرجل مَنْع زوجته من الخروج في
الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجباً .
واستنَبْطَ منه ابن حزم جواز سفر المرأة بغير زوج، ولا محرم؛ لكونه وَل
لم يأمر بردّها، ولا عاب سفرها.
وتُعُقّب بأنه لو لم يكن ذلك شرطاً لَمَا أمر زوجها بالسفر معها، وتركه
الغزو الذي كُتب فيه، ولا سيّما وقد رواه سعيد بن منصور، عن حماد بن زيد،
بلفظ: ((فقال رجل: يا رسول الله! إني نذرت أن أخرج في جيش كذا وكذا))،
فلو لم يكن شرطاً ما رخّص له في ترك النذر. انتهى (١)، والله تعالى أعلم
(١) ((الفتح)) ١٦٨/٥ - ١٦٩.