النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ (٦٩) - بَابُ صِحَّةٍ حَجِّ الصَّبِيِّ، وَأَجْرِ مَنْ حَجَّ بِهِ - حديث رقم (٣٢٥٤) وقال الصنعانيّ تَّتُ: قوله: ((لك أجر)) أي: بسبب حملها، وحجّها به، أو بسبب سؤالها عن ذلك الحكم، أو بسبب الأمرين. وقال القاريّ كَّلُ: أي: أجر السببيّة، وهو تعليمه إن كان مميّزاً، أو أجر النيابة في الإحرام، والرمي، والإيقاف، والحمل في الطواف، والسعي، إن لم يكن مميّزاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ها هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عمر كَّتُهُ في كتابه ((التمهيد)»: قد رَوَى هذا الحديث عن إبراهيم بن عقبة جماعةٌ من الأئمة الحفّاظ، فأكثرهم رواه مسنداً، وممن رواه مسنداً معمر، ومحمد بن إسحاق، وسفيان بن عيينة، وموسى بن عقبة، واختُلف فيه على الثوريّ، كما اختُلف على مالك، وكان عند الثوريّ عن إبراهيم، ومحمد ابني عقبة جميعاً، عن كريب. فرواه أبو نُعيم الفضل بن دُكين، عن الثوريّ، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس، عن النبيّ وَِّ مسنداً. ورواه وكيع، عن الثوريّ، عن محمد، وإبراهيم ابني عقبة، عن كريب مرسلاً . ورواه يحيى القطّان، عن الثوريّ، عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب، مرسلاً . وعن الثوريّ، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس، مسنداً . فقطع يحيى القطان عن الثوريّ حدیث إبراهيم، ووصل حديث محمد. ورواه محمد بن كثير، عن الثوريّ، عن محمد بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبّاس، متّصلاً، ومن وصل هذا الحديث، وأسنده، فقوله أولى. والحديث صحيح، مسند، ثابت الاتّصال، لا يضرّه تقصير من قصر به؛ لأن الذين أسندوه حفّاظُ ثقات. انتهى كلام ابن عبد البرّ نَظُّ، وهو تحقيق حسن جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٥٤/٦٩ و٣٢٥٥ و٣٢٥٦ و٣٢٥٧] (١٣٣٦)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٧٣٦)، و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)) (١٢٠/٥ - ١٢١) و((الكبرى)) (٣٢٦/٢ - ٣٢٧)، و(مالك) في ((الموظٍّ)) (٩٦١)، و(الشافعيّ) في («مسنده)) (٢٨٣/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٥٠٤)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٣٧٠٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٩/١ و٢٤٤ و٢٨٨ و٣٤٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٠٤٩)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٣٧٩٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١/٤)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٤١١)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٢١٧٦)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٥٦/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٥/٥)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨٥٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان مشروعيّة الحجّ بالصغير مطلقاً، سواء كان مميّزاً، أم لا، إذا فَعَل عنه وليّه ما يفعل الحاجّ، وإلى هذا ذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق القول فيه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. ٢ - (ومنها): أن الصبيّ يثاب على طاعته، ويكتب له حسناته. ٣ - (ومنها): ثبوت الأجر لوليّه إذا حجّ به. ٤ - (ومنها): مشروعيّة الزيادة في الجواب على السؤال؛ زيادة في الفائدة، وهو من مقاصد البلغاء، ومنه حديث: ((هو الطهور ماؤه، الحلّ ميتته))، فإن السؤال كان عن حكم ماء البحر، فزادهم النبيّ وَّر في الجواب حكم ميتته؛ زيادة في الفائدة، وإنّ السؤال هنا كان عن حكم حج الصبي، فبيّنْه ◌َّ لها، وزادها ثبوت الأجر لها في ذلك، وأما قول كثير من الأصوليين: يجب أن يكون الجواب مطابقاً للسؤال، فليس المراد بالمطابقة عدم الزيادة، بل المراد أن يكون الجواب مفيداً للحكم المسؤول. ٥ - (ومنها): أن من جهل شيئاً عليه أن يسأل أهل العلم؛ قال الله تعالى: ﴿فَسَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. ٦ - (ومنها): أن على النساء أن يسألن عما يجهلنه من الأحكام؛ ٢٦٣ (٦٩) - بَابُ صِحَّةٍ حَجِّ الصَّبِيِّ، وَأَجْرِ مَنْ حَجَّ بِهِ - حديث رقم (٣٢٥٤) كالرجال، وأن يتفقّهن في الدين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم حجّ الصبيّ: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ تَّهُ: أجاز الحجّ بالصبيّ جماعة العلماء بالحجاز، والعراق، والشام، ومصر، وخالفهم في ذلك أهل البدع، فلم يروا الحجّ بهم، وقولهم مهجور عند العلماء؛ لأن النبيّ وَل ◌ّ حجّ بأُغيلمة بني عبد المطلب، وقال في الصبيّ: له حجّ، وللذي يُحِجّه أجر، وحجّ أبو بكر بابن الزبير في خرقة، وقال عمر: تُكتب للصبيّ حسناته، ولا تكتب عليه السيّئات، وحجّ السلف قديماً وحديثاً بالصبيان والأطفال، يُعرّضونهم لرحمة الله، وأخرج أبو داود بإسناد صحيح، عن عبد الملك بن الرَّبيع بن سَبْرة، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله وَله: ((مُرُوا الصبيّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشراً فاضربوه عليها))، فكما تكون له صلاة، وليست علیه، کذلك له حجّ، ولیس علیه. وأكثر أهل العلم يرون الزكاة في أموال اليتامى، ومحالٌ ألا يؤجروا عليها، فالقلم إنما هو مرفوعٌ عنهم فيما أساءوا في أنفسهم، ألا ترى أن ما أتلفوه من الأموال ضمنوه، وكذلك الدماء، عمدُهم فيها خطأ يؤديه عنهم من يؤديه عن الكبار في خطئهم. وأجمع العلماء على أن من حجّ صغيراً قبل البلوغ، أو حُجّ به طفلاً، ثم بلغ، لم يُجزه ذلك عن حجة الإسلام. وقد شذّت فرقة، فأجازوا له حجه بهذا الحديث، وليس عند أهل العلم بشيء؛ لأن الفرض لا يؤدَّى إلا بعد الوجوب، وهذا ابن عبّاس هو الذي روى هذا الحديث عن النبيّ ◌َّ، وهو الذي كان يفتي بالصبيّ يحجّ، ثم يحتلم، قال: يحجّ حجة الإسلام، وفي المملوك يحجّ، ثم يُعتَق، قال: عليه الحجّ، ذكر عبد الرَّزَّاق عن الثوريّ، عن أبي إسحاق، عن أبي السفر، عن ابن عبّاس، وعن ابن عيينة، عن مطرّف، عن ابن عباس مثله، وعن الثوريّ، عن الأعمش، عن أبي ظَبْيان، عن ابن عبّاس مثله. وعلى هذا جماعة علماء الأمصار، إلا داود بن عليّ، فإنه خالف في ٢٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج المملوك، فقال: يجزئه عن حجة الإسلام، ولا يجزىء الصبيّ، وذكر عبد الرزّاق، عن ابن جريج أنه أخبره، عن عطاء، قال: يقضي حجة الصغير عنه، فإذا بلغ فعليه حجة واجبة. قال: وأخبرنا معمرٌ، عن ابن طاوس، عن أبيه مثله. واختلف الفقهاء في المراهق، والعبد يُحرمان بالحجّ، ثم يَحتلم هذا، ويُعتَق هذا قبل الوقوف بعرفة: فقال مالك: لا سبيل إلى رفض الإحرامين لهذين، ولا لأحد، ويتماديان على إحرامهما، ولا يُجزئهما حجّهما ذلك عن حجة الإسلام. وقال الشافعيّ: إذا أحرم الصبيّ، ثم بلغ قبل الوقوف بعرفة، فوقف بها محرماً، أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، ولم يحتج واحد منهما إلى تجديد إحرامه. وقال أبو حنيفة: إذا أحرم الصبيّ، ثم بلغ في حال إحرامه، فإن جدّد إحراماً قبل وقوفه بعرفة أجزأه، وإن لم يُجدّد إحراماً لم يُجزئه، قال: وأما العبد؛ فلا يجزئه عن حجة الإسلام، وإن جدّد إحراماً. وقال مالك: يُحجّ بالصغير، ويجرّد بالإحرام، ويُمنع من الطيب، ومن كلّ ما يُمنع منه الكبير، فإن قوي على الطواف، والسعي، ورمي الجمار، وإلا طيف به محمولاً، ورُمي عنه، وإن أصاب صيداً فُديَ عنه، وإن احتاج إلى ما يحتاج إليه الكبير فُعل به ذلك، وفُدي عنه. وهذا كلّه قول الشافعيّ، وأبي حنيفة، وجماعة الفقهاء؛ إلا أن أبا حنيفة قال: لا جزاء عليه في صيد، ولا فدية عليه في لباس، ولا طيب. انتهى كلام ابن عبد البرّ رَاتُهُ. وقال الإمام أبو محمد بن حزم تَّتُهُ: ونَستَحبّ الحجّ بالصبيّ، وإن كان صغيراً، أو كبيراً، وله حجّ، وأجر، وهو تطوّع، وللذي يَحجّ به أجرٌ، ويجتنب ما يجتنب المحرم، ولا شيء عليه إن واقع من ذلك ما لا يحلّ له، ويُطاف به، ويُرمى عنه الجمار إن لم يطق ذلك، ويجزىء الطائف به طوافُه ذلك عن نفسه، وكذلك ينبغي أن يدرّبوا، ويعلّموا الشرائع، من الصلاة، والصوم، إذا أطاقوا ذلك، ويُجنّبوا الحرام كلّه، والله تعالى يتفضّل بأن يأجرهم، ولا يكتب عليهم ٢٦٥ (٦٩) - بَابُ صِحَّةٍ حَجِّ الصَّبِيِّ، وَأَجْرِ مَنْ حَجَّ بِهِ - حديث رقم (٣٢٥٤) إثماً حتى يبلغوا، قال: والحجّ عملٌ حسنٌ، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]. [فإن قيل]: لا نيّة للصبيّ. [قلنا]: نعم، ولا تلزمه، إنما تلزم النيّة المخاطبَ المأمورَ المكلّف، والصبيّ ليس مخاطباً، ولا مكلّفاً، ولا مأموراً، وإنما أجره تفضّل من الله تعالى، مجرّد عليه كما يتفضّل على الميت بعد موته، ولا نيّة له، ولا عمل بأن يأجره بدعاء ابنه له بعد موته، وبما يعمله غيره عنه، من حجّ، أو صيام، أو صدقة، ولا فرق، ويفعل الله ما يشاء، وإذا كان الصبيّ قد رُفع عنه القلم، فلا جزاء عليه في صيد إن قتله في الحرم، أو في إحرامه، ولا في حلق رأسه لأذى به، ولا عن تمتّعه، ولا لإحصاره؛ لأنه غير مخاطب بشيء من ذلك، ولو لزمه هديٌ للزمه أن يعوّض منه الصيام، وهو في المتعة، وحلق الرأس، وجزاء الصيد، وهم لا يقولون هذا، ولا يفسد حجه بشيء مما ذكرنا، إنما هو ما عَمِلَ، أو عُمل به أُجر، وما لم يعمل، فلا إثم عليه . وقد كان الصبيان يحضرون الصلاة مع رسول الله وَ لجر، صحّت بذلك آثارٌ كثيرة؛ كصلاته بأمامة بنت أبي العاص، وحضور ابن عبّاس معه الصلاة، وسماعه بكاء الصبيّ في الصلاة، وغير ذلك، ويجزي الطائف به طوافه عن نفسه؛ لأنه طائف، وحاملٌ، فهما عملان متغايران، لكلّ منهما حكم كما هو طائفٌ، وراکب، ولا فرق. قال: فإن بلغ الصبيّ في حال إحرامه لزمه أن يجدّد إحراماً، ويَشرع في عمل الحجّ، فإن فاتته عرفة، أو مزدلفة، فقد فاته الحجّ، ولا هدي عليه، ولا شيء، أما تجديده الإحرام؛ فلأنه قد صار مأموراً بالحجّ، وهو قادرٌ عليه، فلزمه أن يبتدئه؛ لأن إحرامه الأوّل كان تطوّعاً، والفرض أولى من التطوّع. انتهى كلام ابن حزم تَخّْتُهُ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله أبو محمد بن حزم تَخَّثُ تحقيق نفيسٌ جدّاً، وحاصله جواز الحجّ بالصبيّ، وأنه يكتب له أجره، وأن من حجّ به يؤجر به أيضاً، وأنه يعمل ما يطيق أن يعمله من أعمال الحجّ، وما لا فليس عليه شيء، بل يعمل له من يحجّ به، مثل الرمي وغيره، ويطوف به ٢٦٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج حاملاً له، ويعتدّ بذلك الطواف لنفسه، وللصبيّ، وأنه يجنَّب فعل محظورات الحجّ، وإن ارتكب شيئاً من ذلك فلا شيء عليه؛ لأنه مرفوعٌ عنه القلمُ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٥٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: رَفَعَت امْرَأَةٌ صَبِيّاً لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلِهَذَا حَجُّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (أَبُو كُرَيْبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قبل باب. ٢ - (أَبُو أُسَامَةُ) حماد بن أسامة، تقدّم قبل بابين. ٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور، من رؤوس [٧] (ت١٦١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، أخو إبراهيم المذكور في السند الماضي، ثقةٌ [٦] (م س ق) تقدم في ((الحج)) ٤٤/ ٣١٠٤. والحديث من أفراد المصنّف تَخْلُ، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٢٥٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ: أَنَّ امْرَأَةَ رَفَعَتْ صَبِيّاً، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلِهَذَا حَجّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ))). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ الزَّمِنُ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٥٢) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ٢٦٧ (٧٠) - بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ - حديث رقم (٣٢٥٨) ثبتُ حافظٌ ناقدٌ [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٨. والباقون ذُكروا قبله، و((سفيان)) هو: الثوريّ. والحديث سبق الكلام فيه فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَذَتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٥٧] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: ستة، وهم المذكورون في الأسانيد الماضية. [تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن محمد بن عقبة هذه ساقها النسائيّ تَُّ في ((المجتبى)) (١٢٠/٥) فقال: (٢٦٤٥) - أخبرنا محمد بن الْمُثَنَّى، قال: حدّثنا يحيى، قال: حدّثنا سُفْيَانُ، عن مُحَمَّدٍ بن عُقْبَةَ، عن كُرَيْبٍ، عن ابن عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةَ رَفَعَتْ صَبِيّاً لها إلى رسول اللهِ وَ﴿، فقالت: يا رَسُولَ اللهِ! أَلِهَذَا حَجّ؟ قال: ((نعم، وَلَكِ أَجْرٌ)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبٌ﴾ . (٧٠) - (بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمُرٍ) وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٥٨] (١٣٣٧) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمِ الْقُرَشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ وَّةِ، فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا))، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثاً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِ: (لَوْ قُلْتُ: نَعَمِّ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ - ثُمَّ قَالَ -: ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا ٢٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةٍ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأَتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ»). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦. ٣ - (الرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِم الْقُرَشِيُّ) الجمحيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت١٦٧) (بخ م د س) تقدمً في ((الإيمان)) ١٠٠/ ٥٢٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) الْجُمَحيّ مولاهم، أبو الحارث المدنيّ، نزيل البصرة، ثقة ثبت، ربما أرسل [٣] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٥٠٠/٩٢. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) ﴿ُله، تقدّم في ((المقدمة)) ٤/٢. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف دَّلُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذي. ٣ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة رُله رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثاً، والله تعالى أعلم. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَبه أنه (قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ وَّ﴾ أي: خطب لنا عام فُرِضَ الحِجُّ، أو ذَكَر لنا أثناء خطبة من خطبه، ثمّ إنه يمتنع أن تكون هذه الخطبة في الحجّ؛ لأنه ◌َ﴿ إنما حجّ في العاشر، وفرض الحجّ كان سابقاً، قيل: سنة خمس، وقيل: ست، وقيل: تسع، إلا أن يكون قاله أيضاً في حجة الوداع، أفاده الأبيّ(١). (١) ((شرح الأبّيّ)) ٤٣٤/٣. ٢٦٩ (٧٠) - بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمُرٍ - حديث رقم (٣٢٥٨) (فَقَالَ) وَ («أَيُّهَا النَّاسُ) بحذف حرف النداء، كما قال الحريريّ في «ملحته)» : وَحَذْفُ (يَا)) يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ ((رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي)) (قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُوا))) بالضمّ، فعل أمر من حجّ، من باب نصر (فَقَالَ رَجُلٌ) هو الأقرع بن حابس التميميّ، كما بيّنه ما أخرجه أصحاب السنن، عن ابن عبّاس ها: ((أن رسول الله وَ ل ﴿ قام، فقال: إن الله تعالى كَتَبَ عليكم الحجّ، فقال الأقرع بن حابس: كلَّ عام يا رسول الله؟ ... )) (أَكُلَّ عَام يَا رَسُولَ اللهِ؟) بنصب ((كلَّ)) على أنه مفعول لفعل مقدّر؛ أي: أنحُجّ كلّ عام، أو نحو ذلك. قال النوويّ كَُّهُ: واختَلَف الأصوليّون في أنّ الأمر هل يقتضي التكرار؟ والصحيح عند أصحابنا لا يقتضيه، والثاني يقتضيه، والثالث يتوقّف فيما زاد على مرّة على البيان، فلا يُحكم باقتضائه، ولا بمنعه، وهذا الحديث قد يستدلّ به من يقول بالتوقّف؛ لأنه سأل، فقال: ((أكلّ عام؟»، ولو كان مطلقه يقتضي التكرار، أو عدمه لم يسأل، ولقال له النبيّ وَله: لا حاجة إلى السؤال، بل مطلقه محمول على كذا . وقد يُجيب الآخرون بأنه سأل استظهاراً واحتياطاً، وقوله: ((ذروني ما تركتكم)) ظاهر في أنه لا يقتضي التكرار. وقال الماورديّ كَّلُهُ: ويَحْتَمِل أنه إنما احتَمَل التكرار عنده من وجه آخر؛ لأن الحجّ في اللغة قصد فيه تكررٌ، فاحتَمَل عنده التكرار من جهة الاشتقاق، لا من مطلق الأمر، قال: وقد تعلّق بما ذكرناه عن أهل اللغة ههنا من قال بإيجاب العمرة، وقال: لَمّا كان قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُ الْبَيْتِ﴾ الآية [آل عمران: ٨٧] يقتضي تكرار قصد البيت بحكم اللغة، والاشتقاق، وقد أجمعوا على أن الحجّ لا يجب إلا مرّة، كانت العودة الأخرى إلى البيت تقتضي كونها عمرة؛ لأنه لا يجب قصده لغير حجّ وعمرة بأصل الشرع. انتهى(١). (١) ((شرح النوويّ)) ١٠٥/٩. ٢٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وقال القاري تخذلهُ: والأظهر أن مبنى السؤال قياسه على سائر الأعمال؛ كالصلاة، والصوم، والزكاة، ولم يدر أن تكراره كلّ عام بالنسبة إلى جميع المكلّفين من المحال، كما لا يخفى. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: قد ذكرت هذه المسألة في ((التحفة المرضيّة))، فقلت : إِنْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِمَرَّةٍ يَبِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ قِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ لَيْسَ يُعْطِي أَوْ ضِدِّهَا أَوْ صِفَةٍ أَوْ شَرْطِ إِذْ هُوَ غَالِبُ النُّصُوصِ فَاعْلَمْ وَأَوَّلاَ رَجَّحَهُ ابْنُ الْقَيِّم (فَسَكَتَ) أي: سكت النبيّ وَّر عن ردّ الجواب عن سؤال الرجل (حَتَّى قَالَهَا) أي: كرّر الرجل هذه الجملة (ثَلَاثاً) أي: ثلاث مرّات. قال التوربشتيّ كَّلُ: إنما سكت النبيّ وَلقر؛ زجراً له عن السؤال الذي كان السكوت عنه أولى؛ لأن الرسول وَل *- إنما بُعث لبيان الشريعة، فلم يكن ليسكت عن بيان أمر عَلِم أن بالأمة حاجةً إلى الكشف عنه، فالسؤال عن مثله تقدُّمُ بين يدي رسول الله وَّهِ، وقد نُّهُوا عنه، بقوله تعالى: ﴿لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، والإقدام عليه ضرب من الجهل، وشرٌّ، فيه احتمال أن يعاقبوا بزيادة التكليف، وإليه أشار ◌ّ* بقوله: («لو قلت: نعم لوجبت». ثم لَمّا رَآهَ وَّ لا ينزجر، ولا يقنع إلا بالجواب الصريح صرّح به (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَطِ: ((لَوْ قُلْتُ) أي: فرضاً وتقديراً (نَعَمْ لَوَجَبَتْ) ولا يبعد أن يكون سكوته وَلهل انتظاراً للوحي. قال النوويّ كَّلُ: فيه دليلٌ للمذهب الصحيح أنه وَ كان له أن يجتهد في الأحكام، ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي، وقيل: يشترط، وهذا القائل يُجيب عن هذا الحديث بأنه لعله أوحي إليه ذلك، والله أعلم. انتهى. وقال الحافظ تَخْذُهُ: استُدِلَّ به على أنّ النبيّ وَ ﴿ كان له أن يجتهد في الأحكام؛ لقوله: ((لو قلت: نعم لوجبت))، ولا يشترط في حكمه أن يكون (١) ((المرقاة)) ٣٧٩/٥. ٢٧١ (٧٠) - بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ - حديث رقم (٣٢٥٨) بوحي، وأجاب من منع باحتمال أن يكون أوحي إليه ذلك في الحال. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: مسألة اجتهاده بَّ ذكرتها في ((التحفة المرضيّة)) بقولي : فَالأَكْثَرُونَ جَوَّزُهُ وَوُجِدْ اخْتَلَفُوا هَلِ الرَّسُولُ يَجْتَهِدْ حَرْبٍ رَأَى وَالْبَعْضُ ذُو تَوَقُّفِ وَبَعْضُهُمْ مَنَعَهُ وَالْبَعْضُ فِي وَالْحَقُّ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ فَقَدْ جَاءَتْ وَقَائِعُ لَهَا قَدِ اجْتَهَدْ وُقُوعُهُ بِلَا تَمَادٍ صَاحَبَا وَالْخُلْفُ فِي خَطَئِهِ وَصُوِّبَا يُنْزِلُ وَحْيَهُ إِزَالَةَ الْخَلَلْ فَاللهُ لَا يُقِرُّهُ عَلَيْهِ بَلْ ثُمَّةَ ذَا الْخُلْفُ لِأَمْرِ نُسِبَا أَمَّا الأُمُورُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَقَدْ لِلدِّينِ لَا غَيْرُ فَخُذْهُ رَاغِبَا اتَّفَقُوا فِي كَوْنِهِ فِيهَا اجْتَهَدْ وقال السنديّ تَّتُهُ: قيل: وهذا بظاهره يقتضي أن امر افتراض الحجّ كلّ عام كان مفوّضاً إليه، حتى لو قال: نعم لحصل، وليس بمستبعد؛ إذ يجوز أن يأمر الله تعالى بالإطلاق، ويفوّض أمر التقييد إلى الذي فوّض إليه البيان، فهو إن أراد أن يبقيه على الإطلاق يبقيه عليه، وإن أراد أن يقيّده بكلّ عام يقيّده به. ثم فيه إشارة إلى كراهة السؤال في النصوص المطلقة، والتفتيش عن قيودها، بل ينبغي العمل بها على إطلاقها، حتى يظهر فيها قيد، وقد جاء القرآن موافقاً لهذه الكراهة - يعني قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ الآية [المائدة: ١٠١]. انتهى. وقوله: (لَوَجَبَتْ) أي: هذه العبادة، أو فريضة الحجّ المدلول عليها بقوله: ((قد فَرَضَ))، أو الحجّة كلّ عام، أو حجج كثيرة على كلّ أحد (وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ)) وفي رواية النسائيّ: ((وَلَوْ وَجَبَتْ، مَا قُمْتُمْ بِهَا)) أي: ما قدرتم كلّكم على القيام بأدائها في كلّ عام، فتقعون بذلك في حرج عظيم. (ثُمَّ قَالَ) بَّرِ ((ذَرُونِي) وفي رواية البخاريّ: ((دَعُوني)) أي: اتركوني من السؤال عن القيود في المطلقات، قال في ((القاموس)): ذَرْه؛ أي: دَعْه، يَذَرُه تركاً، ولا تقل: وَذْراً، وأصله وَذِرَهُ يَذَرُهُ، كوَسِعَه يَسَعُهُ، لكن ما نطقوا بماضيه، ولا بمصدره، ولا باسم الفاعل، أو قيل: وَذِرْتُهُ شاذّاً. انتهى. قال في ((الفتح)) بعد أن ذكر أن مسلماً أخرجه مطوّلاً، ما نصّه: وأخرجه ٢٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج الدارقطنيّ مختصراً، وزاد فيه: ((فنزلت: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ [المائدة: ١٠١]))، وله شاهد عن ابن عبّاس، عند الطبريّ في ((التفسير))، وفيه: ((لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم ... )) الحديث، وفيه فأنزل الله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْشَلُواْ عَنْ أَشْيَآءُ﴾ الآية. انتهى(١). (مَا تَرَكْتُكُمْ) أي: لأني مبعوث لبيان الشرائع، وتبليغ الأحكام، فما كان مشروعاً أبيّنه لكم لا مَحَالَةَ، ولا حاجة إلى السؤال. وقال السنديّ كَّلُ: ((ما)) مصدرية ظرفيّة؛ أي: مدّة تركي إياكم عن التكليف بالقيود فيها، وليس المراد: لا تطلبوا مني العلم ما دام لا أبينُ لكم بنفسي. انتهى(٢) . وقال في ((الفتح)): قوله: ((ما تركتكم)) أي: مدّة تركي إياكم بغير أمر بشيء، ولا نهي عن شيء، وإنما غاير بين اللفظين؛ لأنهم أماتوا الماضي، واسمَ الفاعل منهما، واسمَ مفعولهما، وأثبتوا الفعل المضارع، وهو ((يَذَرُ))، وفعل الأمر، وهو ((ذَرْ))، ومثله (دَعْ))، و((يَدَعُ))، ولكن سُمع ((وَدَعَ))، كما قُرىء به في الشاذّ في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا فَلَى [الضحى: ٣]، قرأ بذلك إبراهيم بن أبي عَبْلَة، وطائفة، وقال الشاعر [من الطويل]: وَنَحْنُ وَدَعْنَا آلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ فَرَائِسَ أَظْرَافِ الْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ ويَحْتَمِل أن يكون ذكر ذلك على سبيل التفّن في العبارة، وإلا لقال: اتركوني . والمراد بهذا الأمر: ترك السؤال عن شيء لم يقع، خشية أن ينزل به وجوبه، أو تحريمه، وعن كثرة السؤال؛ لما فيه غالباً من التعنّت، وخشية أن تقع الإجابة بأمر يُستثقَلُ، فقد يؤدّي لترك الامتثال، فتقع المخالفة. وقال القرطبيّ كَّثهُ: قوله: ((ذروني ما تركتكم)): يعني لا تكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مقيّدَةً بوجهٍ مّا ظاهرٍ، وإن كانت صالحة (١) ((الفتح)) ١٨٨/١٥. (٢) ((شرح السنديّ على النسائيّ)) ١١٠/٥. ٢٧٣ (٧٠) - بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ - حديث رقم (٣٢٥٨) لغيره، وبيانُ ذلك: أن قوله: ((فحُجّوا))، وإن كان صالِحاً للتكرار، فينبغي أن يُكتَفَى بما يصدُق عليه اللفظ، وهو المرّة الواحدة، فإنها مدلولةُ اللّفظ قطعاً، وما زاد عليها يُتغافَل عنه، ولا يُكثَر السؤال فيه؛ لإمكان أن يكثر الجواب المترتّب عليه، فيضاهي ذلك قصّة بقرة بني إسرائيل، التي قيل لهم فيها: اذبحوا بقرة، فلو اقتصروا على ما يصدق عليه اللفظ، وبادروا إلى ذبح بقرة، أيّ بقرة كانت لكانوا ممثلين، لكن لما أكثروا السؤال كثُر عليهم الجواب، فَشَدّدوا، فشُدّد عليهم، فذُمّوا على ذلك، فخاف النبيّ وَِّ مثل هذا على أمته، ولذلك قال: ((فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم))، وعلى هذا يُحْمَل قوله: ((فإذا أمرتكم بشيء، فائتوا منه ما استطعتم))، يعني بشيء مطلق، كما إذا قال: صم، أو صلّ، أو تصدّق، فيكفي من ذلك أقلّ ما ينطلق عليه الاسم، فيصوم يوماً، ويصلّي ركعتين، ويتصدّق بشيء يُتصدّق بمثله، فإن قيّد شيئاً من ذلك بقيود، ووصفه بأوصاف لم يكن بدّ من امتثال أمره على ما فضَّلَ، وقَيَّدَ، وإن كان فيه أشدّ المشقّات، وأشدّ التكاليف، وهذا مما لا يُختَلَف فيه إن شاء الله تعالى أنه المراد بالحديث. انتهى كلام القرطبيّ كَذَتُهُ(١). وقد أخرج البزّار، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة رُه عنه، مرفوعاً: «لو اعتَرَضَ بنو إسرائيل أدنى بقرة، فذبحوها، لكفتهم، ولكن شَدَّدُوا، فشدّد الله عليهم))، وفي السند عبّاد بن منصور، وحديثه من قبيل الحسن، وأورده الطبريّ، عن ابن عبّاس، موقوفاً، وعن أبي العالية، مقطوعاً، ذكره في ((الفتح))(٢). (فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي: من اليهود والنصارى (بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ) كسؤال الرؤية، والكلام، وقضيّة البقرة. ولفظ البخاريّ من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: ((فإنما أهلك من كان قبلكم سُؤَالُهُمْ)). قال في ((الفتح)): قوله: ((فإنما أهلك)) بفتحات(٣)، وقال بعد ذلك: (١) ((المفهم)) ٤٤٧/٣ - ٤٤٨. (٣) في هذا الضبط نظرٌ لا يخفى، فتأمل. (٢) ((الفتح)) ١٨٨/١٥. ٢٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (سؤالهم) بالرفع على أنه فاعل ((أهلك)). وفي رواية غير الكشميهنيّ: ((أُهلك)) بضمّ أوله، وكسر اللام، وقال بعد ذلك: ((بسؤالهم)) أي: بسبب سؤالهم، وقوله: ((واختلافهم)) بالرفع، وبالجرّ على الوجهين. ووقع في غير رواية همام عند أحمد بلفظ: ((فإنما أُهْلِكَ))، وفيه ((بسؤالهم))، ويتعيّن الجرّ في ((واختلافهم))، وفي رواية الزهريّ: ((فإنما هَلَكَ))، وفيه ((سؤالُهم))، ويتعيّن الرفع في ((واختلافهم))، وأما قول النوويّ في ((أربعينه)): و((اختلافهم)) برفع الفاء، لا بكسرها، فإنه باعتبار الرواية التي ذكرها، وهي التي من طريق الزهريّ. انتھی(١). (وَاخْتِلَافِهِمْ) بالجرّ عطفاً على ((كثرة سؤالهم))، لا على ((سؤالهم))، إذ الاختلاف، وإن قلّ يؤدّي إلى الهلاك. ويَحْتَمِل أنه عطف على ((سؤالهم))، فيكون إِخْبَاراً عمن تقدّم بأنه كَثُرَ اختلافهم في الواقع، فأدّاهم إلى الهلاك، وهو لا ينافي أن القليل من الاختلاف مؤدّ إلى الفساد، قاله السنديّ تَذْتُهُ(٢). (عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) يعني أنهم إذا أمرهم الأنبياء بعد السؤال، أو قبله اختلفوا عليهم، فهلكوا، واستحقّوا الإهلاك. قال الأبّيّ دَخَُّهُ: قوله: ((واختلافهم على أنبيائهم)) هو زيادة على ما وقع، فإن الذي وقع إنما هو الإلحاح في السؤال، لا الاختلاف. انتهى. (فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأَتُوا مِنْهُ) أي: افعلوا من ذلك المأمور به (مَا اسْتَطَعْتُمْ) ((ما)) موصولة مفعول ((اتوا))؛ أي: الذي تستطيعون فعله، أو هي مصدريّة؛ أي: افعلوا قدر استطاعتكم. قال النوويّ تَخَذَتُهُ: هذا من قواعد الإسلام المهمّة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها وَّ، ويدخل فيه ما لا يُحصَى من الأحكام؛ كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض أركانها، أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء، أو الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من (١) ((الفتح)) ١٨٩/١٥. (٢) ((شرح السنديّ على النسائيّ) ١١٠/٥ - ١١١. ٢٧٥ (٧٠) - بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ - حديث رقم (٣٢٥٨) الماء لطهارته، أو لغسل النجاسة، فَعل الممكن، وإذا وجبت إزالة منكرات، أو فطرة جماعة من تلزمه نفقتهم، أو نحو ذلك، وأمكنه البعض فعل الممكن، وإذا وجد ما يستر بعض عورته، أو حَفِظَ بعض الفاتحة أتى بالممكن، وأشباه هذا غير منحصرة، وهي مشهورة في كتب الفقه، والمقصود التنبيه على أصل ذلك. انتهى كلام النوويّ تَُّهُ(١). وقال غيره: فيه أنّ من عجز عن بعض الأمور لا يسقط عنه المقدور، وعبّر عنه بعض الفقهاء بأنّ الميسور لا يسقط بالمعسور، كما لا يسقط ما قدر عليه من أركان الصلاة بالعجز عن غيره، وتصحّ توبة الأعمى عن النظر المحرّم، والمجبوب عن الزنا؛ لأن الأعمى، والمجبوب قادران على الندم، فلا يسقط عنهما بعجزهما عن العزم على عدم العود؛ إذ لا يُتصوّر منهما العود عادة، فلا معنى للعزم على عدمه. انتهى(٢) . . وقال النوويّ كَّتُهُ: وهذا الحديث موافق لقول الله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وأما قوله تعالى: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ففيها مذهبان: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾. والثاني : - وهو الصحيح، أو الصواب -، وبه جزم المحققون أنها ليس منسوخةً، بل قوله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مفسّرة لها، ومبيّنة للمراد بها. قالوا: وحقّ تقاته، هو امتثال أمره، واجتناب نهيه، ولم يأمر الله سبحانه وتعالى إلا بالمستطاع، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحجّ: ٧٨]، والله تعالى أعلم. انتهى (٣). وقال في ((الفتح)): وزعم بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ نَسَخَ قولَهُ تعالى: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾، والصحيح أن لا نسخ، بل المراد ب﴿حَقَّ تُقَائِهِ﴾ امتثال أمره، واجتناب نهيه مع القدرة، لا مع العجز. انتهى(٤). (١) ((شرح النوويّ)) ١٠٦/٩. (٣) ((شرح النوويّ)) ١٠٦/٩. (٢) ((الفتح)) ١٩٠/١٥. (٤) ((الفتح)) ١٥/ ١٩١. ٢٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ) أي: من المحرّمات (فَدَعُوهُ)) أي: اتركوه كلّه، وفي رواية: ((فاجتنبوه)). قال القرطبيّ تَخْثُهُ: يعني أن النهي على نقيض الأمر، وذلك أنه لا يكون مُمْتَثَلاً بمقتضى النهي حتى لا يفعل واحداً من آحاد ما يتناوله النهي، ومن فعل واحداً فقد خالف، وعصى، فليس في النهي إلا ترك ما نُهي عنه مطلقاً دائماً، وحينئذ يكون ممتثلاً لترك ما أمر بتركه، بخلاف الأمر على ما تقدّم. وهذا الأصل إذا فُهِم هو ومسألة مطلق الأمر؛ هل يُحمّل على الفور، أو التراخي، أو على المرّة الواحدة، أو على التكرار؟ وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه لا تخفى. انتهى كلام القرطبيّ تَخَذفهُ(١). وقال النوويّ كَُّ: وأما قوله: ((وإذا نهيتكم عن شيء فدَعُوه)) فهو على إطلاقه، فإن وُجد عذرٌ يبيحه؛ كأكل الميتة عند الضرورة، وشرب الخمر عند الإكراه، أو التلفّظ بكلمة الكفر إذا أُكره، ونحو ذلك، فهذا ليس منهيّاً عنه في هذا الحال. انتهى كلام النوويّ كَذَتُهُ(٢). وقال في ((الفتح)): ثم إن هذا النهي عامّ في جميع المناهي، ويُستثنى من ذلك ما يُكره المكلّف على فعله؛ كشرب الخمر، وهذا على رأي الجمهور. وخالف قوم، فتمسّكوا بالعموم، فقالوا: الإكراه على ارتكاب المعصية لا يُبيحها، والصحيح عدم المؤاخذة إذا وُجد صورة الإكراه المعتبرة، واستثنى بعض الشافعيّة من ذلك الزنا، فقال: لا يُتصوّر الإكراه عليه، وكأنه أراد التمادي فيه، وإلا فلا مانع أن يَنْعَظَ (٣) الرجل بغير سبب، فيكره على الإيلاج حينئذ، فيولج في الأجنبيّة، فإن مثل ذلك ليس بمحال، ولو فعله مختاراً لكان زانياً، فتصوّر الإكراه على الزنا. وقال في موضع آخر: وقال ابن فرج في ((شرح الأربعين)): قوله: ((فاجتنبوه)) هو على إطلاقه حتى يوجد ما يُبيحه، كأكل الميتة عند الضرورة، (١) ((المفهم)) ٤٤٨/٣. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٠٦/٩. (٣) يقال: نَعَظَ ذكره نَعْظاً، ويُحرّك، ونُعُوظاً: قام. انتهى. ((القاموس). ٢٧٧ (٧٠) - بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمُرٍ - حديث رقم (٣٢٥٨) وشرب الخمر عند الإكراه، والأصل في ذلك جواز التلفّظ بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئناً بالإيمان، كما نطق به القرآن. انتهى. والتحقيق أن المكلّف في ذلك كلّه ليس منهيّاً عنه في تلك الحال. وأجاب الماورديّ بأن الكفّ عن المعاصي ترك، وهو سهلٌ، وعمل الطاعة فعلٌ، وهو يشقّ، فلذلك لم يُبَح ارتكاب المعصية، ولو مع العذر؛ لأنه ترك، والترك لا يعجز المعذور عنه، وأباح ترك العمل بالعذر؛ لأن العمل قد یعجز المعذور عنه. وادّعى بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أُسْتَطَعْتُمْ﴾ يتناول امتثال المأمور، واجتناب المنهيّ عنه، وقد قيّد بالاستطاعة، واستويا، فحينئذ يكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر دون النهي أن العجز يكثر تصوّره في الأمر، بخلاف النهي، فإن تصوّر العجز فيه محصور في الاضطرار. انتهى ما في ((الفتح)) وهو بحث نفيس جدّاً (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة به هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٥٨/٧٠] (١٣٣٧)، وسيأتي في ((الفضائل)) عقب حديث رقم (٢٣٥٧)، و(البخاريّ) في ((كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة)) (٧٢٨٨)، و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)) (٢٦١٩) وفي ((الكبرى)) (٣٥٩٨)، و(الترمذيّ) في (العلم)) (٢٦٧٩)، و(ابن ماجه) في ((المقدّمة)) (١ و٢)، و(أحمد) في («مسنده» (٢/ ٤٤٧ و٤٥٦ و٤٦٧ و٥٠٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٥٠٨)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٨ و٣٧٠٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٣٥/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١١/٤)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢٨١/٢)، و(البيهقيّ) في («الكبرى» (٣٢٥/٤ و١٠٣/٧) و((الصغرى)) (٤٩١/٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((الفتح)) ١٨٩/١٥ - ١٩١. ٢٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان وجوب الحجّ. ٢ - (ومنها): أن الحجّ لا يتكرّر وجوبه، بل هو مرّة في العمر. قال الخطّابيّ نَّثُهُ: لا خلاف في أن الحجّ لا يتكرّر وجوبه، إلا أن هذا الإجماع إنما حصل بدليل، أما نفس اللفظ فقد يوهم التكرار، ولذا سأل السائل، فإن الحجّ في اللغة قصدٌ فيه تكرار. انتهى(١). ٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أن المسلم إذا حجّ مرّة، ثم ارتدّ عن الإسلام - والعياذ بالله - ثم أسلم أنه لا يلزمه إعادة الحجّ، وهذا مذهب الشافعي ◌َُّهُ، وذهب أبو حنيفة، وأصحابه، ومالك ــ رحمهم الله تعالى - إلى أن المرتدّ لو عاد إلى الإسلام لا تعود إليه حسنات أعماله، ولكن لا يلزمه إعادة ما أدّاه منها قبل الرّة، إلا الحجّ، فيلزمه إعادته؛ لأن وقته العمر، فلما أحبط حجه بالردّة، ثم أدرك وقته مسلماً لزمه، وكذا يلزمه إعادة فرض أدّاه، فارتدّ، ثم أسلم في الوقت(٢). ٤ - (ومنها): أن جميع الأشياء على الإباحة حتى يثبت دليل المنع من قبل الشارع. ٥ - (ومنها): أنه استدلّ به من قال: إن النبيّ وَلّ كان يجتهد في الأحكام؛ لقوله: ((ولو قلت: نعم، لوجبت))، وأجاب من منع ذلك باحتمال أن يكون أوحي إليه ذلك في الحال، والقول بثبوت الاجتهاد له وَ لو هو الأرجح، كما أسلفته قريباً، والله تعالى أعلم. ٦ - (ومنها): أن من أمر بشيء، فعجز عن بعضه، ففعل المقدور أنه يسقط عنه ما عجز عنه، وبذلك استدلّ المزنيّ كَّلُهُ على أنّ ما وجب أداؤه لا يجب قضاؤه، ومن ثمّ كان الصحيح أن القضاء بأمر جديد. قال الجامع عفا الله عنه: القول بأن القضاء بالأمر هو الأرجح، كما بيّنته في ((التحفة المرضيّة))، و((شرحها)). (١) ((معالم السنن)) ٢٧٥/٢. (٢) راجع: ((المنهل العذب المورود)) ٢٥٧/١٠ - ٢٥٨. ٢٧٩ (٧٠) - بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ مَرَّةً فِي الْعُمُرِ - حديث رقم (٣٢٥٨) ٧ - (ومنها): أن اعتناء الشارع بالمنهيّات فوق اعتنائه بالمأمورات؛ لأنه أطلق الاجتناب في المنهيّات، ولو مع المشقّة في الترك، وقيّد في المأمورات بقدر الطاقة، وهذا منقول عن الإمام أحمد كَذَتُهُ . [فإن قيل]: إن الاستطاعة معتبرة في النهي أيضاً؛ إذ ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾ [البقرة: ٢٨٦]. [أجيب]: بأن الاستطاعة تُطلق باعتبارين، قال الحافظ: كذا قيل، والذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة لا يدلّ على المدّعَى من الاعتناء به، بل هو من جهة الكفّ، إذ كلّ أحد قادر على الكفّ، لولا داعية الشهوة مثلاً، فلا يُتصوّر عدم الاستطاعة عن الكفّ، بل كلّ مكلّف قادرٌ على الترك، بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثمّ قُيّد في الأمر بحسب الاستطاعة، دون النهي. وعبّر الطوفيّ في هذا الموضع بأن ترك المنهيّ عنه عبارة عن استصحاب حال عدمه، أو الاستمرار على عدمه، وفعل المأمور به عبارة عن إخراجه من العدم إلى الوجود، وقد نوزع بأن القدرة على استصحاب عدم المنهيّ عنه قد تتخلّف. واستُدِلّ له بجواز أكل المضطرّ الميتة. وأجيب بأن النهي في هذا عارضه الإذن بالتناول في تلك الحالة. ٨ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن المكروه يجب اجتنابه؛ لعموم الأمر باجتناب المنهيّ عنه، فشمل الواجب والمندوب. وأجيب بأن قوله: ((فاجتنبوه)) يُعمل به في الإيجاب والندب بالاعتبارين، ويجيء مثل هذا السؤال وجوابه في الجانب الآخر، وهو الأمر. وقال الفاكهانيّ: النهي يكون تارة مع المانع من النقيض، وهو المحرّم، وتارة لا معه، وهو المكروه، وظاهر الحديث يتناولهما . ٩ - (ومنها): أنه استدلّ به على أن المباح ليس مأموراً به؛ لأن التأكيد في الفعل إنما يناسب الواجب والمندوب، وكذا عكسه. وأجيب: بأن من قال: المباح مأمور به، لم يُرد الأمر بمعنى الطلب، وإنما أراد بالمعنى الأعمّ، وهو الإذن. ٢٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ١٠ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الأمر لا يقتضي التكرار، ولا عدمه، وقيل: يقتضيه، وقيل: بل يُتوقّف فيما زاد على مرّة، وحديث الباب يتمسّك به لذلك؛ لما في سببه أن السائل قال في الحجّ: ((أكلّ عام؟))، فلو كان مطلقه يقتضي التكرار، أو عدمه لم يحسُن السؤال، ولا العناية بالجواب، وقد يقال: إنما سأل استظهاراً واحتياطاً. وقال المازريّ: يَحْتَمِل أن يقال: إن التكرار إنما احتمل من جهة أن الحجّ في اللغة قصد فيه تكرارٌ، فاحتمل عند السائل التكرار من جهة اللغة، لا من صيغة الأمر. وقد تمسّك به من قال بإيجاب العمرة؛ لأن الأمر بالحجّ إذا كان معناه تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق، وقد ثبت في الإجماع أن الحجّ لا يجب إلا مرّة، فيكون العود إليه مرّة أخرى دالاً على وجوب العمرة. ١١ - (ومنها): أنه استُدلّ به على النهي عن كثرة المسائل، والتعمّق في ذلك. قال البغويّ تَخْتُ في ((شرح السنّة)): المسائل على وجهين: ((أحدهما)): ما كان على وجه التعليم لما يُحتاج إليه من أمر الدين، فهو جائز، بل مأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الآية [النحل: ٤٣]، وعلى ذلك تتنزّل أسئلة الصحابة ﴿ عن الأنفال، والكلالة، وغيرهما. ((ثانيهما)): ما كان على وجه التعنّت والتكلّف، وهو المراد في هذا الحديث، والله أعلم. ويؤيّده ورود الزجر في الحديث عن ذلك، وذمّ السلف، فعند أحمد من حديث معاوية: ((أن النبيّ وَّهُ نَهَى عن الأغلوطات))، قال الأوزاعيّ: هي شداد المسائل، وقال الأوزاعيّ أيضاً: إن الله إذا أراد أن يَحْرِمَ عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقلّ الناس علماً. وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل. وقال ابن العربيّ: كان النهي عن السؤال في العهد النبويّ خشية أن ينزل ما يشقّ عليهم، فأما بعده فقد أُمِن ذلك، لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة