النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
(٦٨) - بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْعَاجِزِ؛ لِزَمَانَةٍ، وَهَرَمٍ، وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لِلْمَوْتِ - حديث رقم (٣٢٥٢)
البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت١٦٤) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١١٨/٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء هذه ساقها ابن
ماجه تَخْتُ في ((سننه))، فقال:
(٢٩٤٦) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبيد الله بن موسى، حدّثنا
شيبان، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة قالت:
سألت رسول الله وَله عن الْحِجْر، فقال: ((هو من البيت))، قلت: ما منعهم أن
يُدخِلوه فيه؟ فقال: ((عَجَزَت بهم النفقة))، قلت: فما شأن بابه مرتفعاً، لا يُصْعَد
إليه إلا بِسُلَّم؟ قال: ((ذلك فِعْلُ قومك؛ ليدخلوه من شاءوا، ويمنعوه من
شاءوا، ولولا أن قومك حديثُ عهدٍ بكفر مَخَافةَ أن تَنْفِر قلوبهم، لنظرت هل
◌ُغَيِّره، فأُدخل فيه ما انتقص منه، وجعلت بابه بالأرض)). انتهى، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٦٨) - (بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْعَاجِزِ؛ لِزَمَانَةٍ، وَهَرَم، وَنَحْوِهِمَا،
أَوْ لِلْمَوْتِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٥٢] (١٣٣٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَن
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ
الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ وَ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ
الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى
الشِّقِّ الْآخَرِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الهِ! إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ
أَبِي شَيْخاً كَبِيراً، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُ عَنْهُ؟ قَالَ: (نَعَمْ))،
وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ).

٢٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ المدنيّ، ثقةٌ فاضل فقيهٌ مشهورٌ، من كبار
[٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٨٩.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وفيما قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ◌َّلهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه سليمان بن يسار أحد الفقهاء السبعة المشهورين
بالمدينة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) وفي الرواية التالية: ((حدّثنا سليمان بن يسار)) (عَنْ
عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رَّ، وفي رواية للبخاريّ، من طريق شعيب، عن ابن
شهاب، أخبرني سليمان، أخبرني عبد الله بن عباس.
ثم إن هذه الرواية صريحة في أن هذا الحديث من مسند عبد الله بن
عبّاس ﴿ه، وهكذا رواه مالك هنا، وابن عيينة، وصالح بن كيسان كلهم عن
الزهريّ، وكذا هو عند أكثر الرواة، عن الزهريّ، عن سليمان، عند الشيخين،
وغيرهما .
وخالفهم ابن جريج، عن الزهريّ في الرواية التالية: فقال: عن ابن
عبّاس، عن الفضل، أن امرأة من خثعم، فذكره، فجعله من مسند الفضل،
وتابعه معمر.
وروى ابن ماجه من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عبّاس،
أخبرني حصين بن عوف الخثعميّ، قال: قلت: يا رسول الله! إن أبي أدركه
الحجّ، ولا يستطيع أن يحجّ ... الحديث، قال الترمذيّ: سألت محمداً - يعني
البخاريّ - عن هذا؟ فقال: أصحّ شيء فيه ما رُوي عن ابن عبّاس، عن

٢٤٣
(٦٨) - بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْعَاجِزِ؛ لِزَمَانَةٍ، وَهَرَمِ، وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لِلْمَوْتِ - حديث رقم (٣٢٥٢)
الفضل، قال: فيحتمل أن يكون ابن عبّاس سمعه من الفضل، ومن غيره، ثم
رواه بغير واسطة. انتهى.
قال الحافظ تَخّْتُهُ: وإنما رجّح البخاريّ الرواية عن الفضل؛ لأنه كان
رِذْف النبيّ ◌َ﴿ حينئذ، وكان عبد الله بن عبّاس قد تقدّم من المزدلفة إلى منى
مع الضَّعَفَة.
وأخرج الشيخان من طريق عطاء، عن ابن عبّاس ظه: أن النبيّ وَليقول
أردف الفضل، فأخبر الفضل أنه لم يزل يُلبّي حتى رمى الجمرة، فكأنّ الفضل
حدّث أخاه بما شاهده في تلك الحالة.
ويَحْتَمِل أن يكون سؤال الخثعميّة وقع بعد رمي جمرة العقبة، فحضره ابن
عبّاس، فنقله تارةً عن أخيه؛ لكونه صاحب القصّة، وتارة عما شاهده، ويؤيّد
ذلك ما وقع عند الترمذيّ، وأحمد، وابنه عبد الله، والطبريّ، من حديث عليّ
ما يدلّ على أن السؤال المذكور وقع عند الْمَنْحَر بعد الفراغ من الرمي، وأن
العبّاس كان شاهداً، ولفظ أحمد عندهم، من طريق عبيد الله بن أبي رافع، عن
عليّ نَظُبه قال: وقف رسول الله وَليل بعرفة، فقال: ((هذا الموقف، وعرفة كلها
موقف ... ))، فذكر الحديث، وفيه: ثم أتى الْمَنْحَر، فقال: ((هذا المنحر،
ومنى كلّها منحر))، قال: واستفتته، وفي رواية ابنه عبد الله: ثم جاءته امرأة
شابّةٌ، من خثعم، فقالت: إن أبي شيخ كبيرٌ، قد أفند، وقد أدركته فريضة الله
في الحجّ، أفيجزىء عنه أن أؤدّي عنه؟ قال: ((نعم، فأدّي عن أبيك))، قال:
ولَوَى عنق الفضل، فقال العبّاس: يا رسول الله! لِمَ لويت عنق ابن عمّك؟
قال: ((رأيت شابّاً، وشابةً، فلم آمن عليهما الشيطان)).
وظاهر هذا أن العبّاس كان حاضراً لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله
أيضاً كان معه. انتهى كلام الحافظ رَّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الحديث صحيح من مسند
عبد الله بن عباس، ومن مسند الفضل بن عباس عه، لكن كونه من مسند
الفضل أرجح كما قال البخاريّ رَّتُهُ؛ لأنه صاحب القصّة، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ١٥١/٥.

٢٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) أي: راكباً
(أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ).
خلفه (فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ) قال الحافظ: لم تسمّ (مِنْ خَثْعَمَ) قال القسطلّانيّ: بفتح
الخاء المعجمة، وسكون المثلّثة، وفتح العين المهملة، غير مصروف للعلميّة
والتأنيث باعتبار القبيلة، لا العلميّة، ووزن الفعل، وهي قبيلة مشهورة؛ أي:
من اليمن، وقال السنديّ: غير منصرف للعلميّة ووزن الفعل(١)، أو التأنيث؛
لكونه اسم قبيلة.
وقال القاري: أبو قبيلة من اليمن، سُمّوا به، ويجوز صرفه، ومنعه،
وقال الزرقانيّ: قبيلة مشهورة، سميت باسم جدّها، واسمه: أفتل بن أنمار،
قال الكلبيّ: إنما سُمِّي خثعم بجمل، يقال له: خثعم، ويقال: إنه لما تحالف
ولد أفتل على إخوته نحروا بعيراً، ثم تخثعموا بدمه؛ أي: تلطّخوا به بلغتهم.
(٢)
انتھی(٢).
(تَسْتَفْتِيهِ) أي: تطلب منه الفتيا .
[تنبيه]: اتفقت الروايات كلها، عن ابن شهاب على أن السائلة، كانت
امرأة، وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان،
فاتفقت الرواة عنه على أن السائل رجل، ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه:
أما إسناده، فقال هشيم عنه: ((عن سليمان، عن عبد الله بن عباس)).
وقال محمد بن سيرين عنه: ((عن سليمان، عن الفضل)). أخرجهما النسائيّ،
وقال ابن عليّة عنه: ((عن سليمان، حدّثني أحد ابني العبّاس: إما الفضل، وإما
عبد الله))، أخرجه أحمد.
وأما المتن، فقال هشيم: ((أن رجلاً سأل، فقال: إن أبي مات))، وقال
ابن سيرين: ((فجاء رجلٌ، فقال: إن أمي عجوز كبيرة))، وقال ابن عُليّة: ((فجاء
رجلٌ، فقال: إن أبي وأمي))،
وخالف الجميع معمرٌ، عن يحيى بن أبي إسحاق، فقال في روايته: ((إن
امرأة سألت عن أمّها)).
(١) وهكذا في شرح السيوطيّ على النسائيّ، لكن الظاهر أن منعه للعلميّة والتأنيث.
(٢) ((شرح الزرقاني على الموطأ)) ٢٩١/٢.

٢٤٥
(٦٨) - بَابُ الْحَجُّ عَنِ الْعَاجِزِ؛ لِزَمَانَةٍ، وَهَرَمِ، وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لِلْمَوْتِ - حديث رقم (٣٢٥٢)
قال الحافظ تَّلهُ: وهذا الاختلاف كلّه عن سليمان بن يسار، فأحببنا أن
ننظر في سياق غيره، فإذا كريب قد رواه عن ابن عبّاس، عن حُصين بن عوف
الخثعميّ، قال: ((قلت: يا رسول الله إن أبي أدركه الحجّ))، وإذا عطاء
الخراسانيّ، قد روى عن أبي الغوث بن حصين الخثعميّ: ((أنه استفتى النبيّ وَّه
عن حجة كانت على أبيه))، أخرجهما ابن ماجه، والرواية الأولى أقوى إسناداً،
وهذا يوافق رواية هشيم في أن السائل عن ذلك رجل سأل عن أبيه، ويوافقه ما
روى الطبرانيّ من طريق عبد الله بن شدّاد، عن الفضل بن عباس: ((أن رجلاً
قال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير))، ويوافقهما مرسل الحسن، عند ابن
خزيمة، فإنه أخرجه من طريق عوف، عن الحسن، قال: ((بلغني أن
رسول الله* أتاه رجل، فقال: إن أبي شيخ كبيرٌ، أدرك الإسلام، لم
يُحُجّ ... )) الحديث، ثم ساقه من طريق عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي
هريرة رعُته، قال مثله، إلا أنه قال: إن السائل سأل عن أمّه، وهذا يوافق
رواية ابن سيرين أيضاً عن يحيى بن أبي إسحاق، كما تقدّم.
قال الحافظ: والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجلٌ،
وكانت ابنته معه، فسألت أيضاً، والمسؤول عنه أبو الرجل، وأمه جميعاً.
ويقرب من ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قويّ من طريق سعيد بن جبير،
عن ابن عبّاس، عن الفضل بن عبّاس، قال: ((كنت ردف النبيّ وَّ، وأعرابيّ
معه بنت حسناء، فجعل الأعرابيّ يَعرِضها لرسول الله وَله رجاء أن يتزوّجها،
وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبيّ وَلّ برأسي، فيلويه، فكان يلبّي حتى رمى
جمرة العقبة)).
فعلى هذا فقول الشابّة: إن أبي، لعلّها أرادت به جدّها؛ لأن أباها كان
معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبيّ وَّ ر ليسمع كلامها، ويراها رجاء أن
يتزوّجها، فلما لم يرضها، سأل أبوها، عن أبيه، ولا مانع أن يسأل أيضاً عن
أبويه.
وتحصّل من هذه الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعميّ.
وأما ما وقع في الرواية الأخرى أنه أبو الغوث بن حصين فإن إسنادها
ضعيف، ولعلّه كان فيه عن أبي الغوث حصين، فزيد في الرواية ((ابن))، أو أن

٢٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
أبا الغوث أيضاً كان مع أبيه حصين، فسأل كما سأل أبوه وأخته، والله أعلم.
انتھی(١).
وقيل: الأحسن في الجمع بين ذلك أن يقال: إن البنت المذكورة في
رواية أبي يعلى كانت مع عمّ لها، لا مع أبيها، فإن التجوّز في رواية أبي يعلى
من لفظ: ((معه بنت)) أهون من التجوّز في جميع الروايات المختلفة الواردة
بلفظ: ((إن أبي شيخ كبير))، فالابنة سألت عن أبيها، والعمّ سأل عن أبيه،
وأيضاً - على ما أفاد الحافظ - لم يبق الحاجة إلى سؤاله عن أبيه، بعدما سألت
هي عنه. انتهى(٢).
وذهب الحافظ العراقيّ ◌َّتُهُ إلى أن الأَولى في الجمع أن يُحمَل على
تعدّد القضيّة، قال: إن السؤال وقع مرّات، مرّة من امرأة عن أبيها، ومرّة من
امرأة عن أمها، ومرّة من رجل عن أبيه، ومرّة في السؤال عن الشيخ الكبير،
ومرّة في الحجّ عن الميت. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي جمع به الحافظ العراقيّ تَّثُ
هو أقرب أوجه الجمع عندي، وأبعدها عن التكلّف، والله تعالى أعلم.
ووقع السؤال عن هذه المسألة من شخص آخر، وهو أبو رَزِين الْعُقَيليّ،
وهي قصّة أخرى. قال الحافظ: ومن وحّد بينها وبين حديث الخثعميّة، فقد
أبعد، وتكلّف. انتهى كلام الحافظ بتصرّف(٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن في جعل الروايات المختلفة على
يحيى بن أبي إسحاق مفسّرة للروايات المختلفة على الزهريّ عندي نظر؛ لأن
روايات يحيى أسانيدها فيها كلامٌ؛ إذ هي مضطربة سنداً ومتناً، كما سبق بيان
ذلك، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم.
وفي رواية النسائيّ: ((سألت النبيّ ◌َّ غداة جمع)).
(فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَصْرِفُ وَجْهَ
الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ) وفي رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: ((فأخذ
(١) ((الفتح)) ١٥٣/٥ - ١٥٤.
(٣) راجع: ((الفتح)) ١٥٤/٥.
(٢) راجع: ((المرعاة)) ٣٢١/٩.

٢٤٧
(٦٨) - بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْعَاجِزِ؛ لِزَمَانَةٍ، وَهَرَمِ، وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لِلْمَوْتِ - حديث رقم (٣٢٥٢)
الفضل بن عبّاس يلتفت إليها، وكانت امرأة حسناء، وأخذ رسول الله ولايه
الفضل، فحوّل وجهه من الشقّ الآخر))، وفي رواية: ((فجاءت امرأة من خثعم،
فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل النبيّ وَ﴿ يصرف وجه الفضل إلى
الشقّ الآخر))، وفي رواية: ((وكان الفضل رجلاً وضيئاً، وأقبلت امرأة من خثعم
وضيئة، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها))، وفي رواية: ((فالتفت
النبيّ وَّ، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل، فدفع وجهه
عن النظر إليها))، ووقع في رواية الطبريّ في حديث عليّ: ((وكان الفضل غلاماً
جميلاً، فإذا جاءت الجارية من هذا الشقّ صرف رسول الله وَّر وجه الفضل
إلى الشقّ الآخر، فإذا جاءت إلى الشقّ الآخر، صرف وجهه عنه)) - وقال في
آخره -: «رأيتُ غلاماً وجاريةً، فخشيت أن يدخل بينهما الشيطان)).
(قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ) متعلّقٌ بـ((فريضة))، أو
بحال مقدّر (فِي الْحَجِّ) أي: في أمره، وشأنه، ويمكن أن تكون ((في)) بمعنى
(من)) البيانيّة. قاله القاري. وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق، عن سليمان: ((إن
أبي أدركه الحجّ)) (أَدْرَكَتْ أَبِي) لم يسمّ أيضاً، وهو مفعول ((أدركت))، وقوله:
(شَيْخاً) منصوب على الحال، أو بدلٌ من ((أبي))، وقوله: (كَبِيراً) نعتٌ له، وفي
الرواية التالية: ((إن أبي شيخٌ كبيرٌ، عليه فريضة الله في الحجّ)).
قال السنديّ كَّثُ: قوله: ((أدركت أبي شيخاً كبيراً)) يفيد أن افتراض
الحجّ لا يشترط له القدرة على السفر، وقد قرّر ﴿ ذلك، فهو يؤيّد أن
الاستطاعة المعتبرة في افتراض الحجّ ليست بالبدن، وإنما هي بالزاد والراحلة،
والله تعالى أعلم. انتهى، وسيأتي تحقيق القول في هذا قريباً، إن شاء الله
تعالی.
(لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ) تعني أنه لا يثبت على الدّابّة، ولا
يستقرّ؛ لكبر سنّه، والجملة نعت لقوله: ((شيخاً))، ويَحْتَمِل أن يكون حالاً
أيضاً، فيكون من الأحوال المتداخلة، أو المترادفة.
وفي الرواية التالية: ((وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره))، وفي
رواية النسائيّ: (لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّحْلِ))، وفي رواية يحيى بن أبي إسحاق،
عن سليمان عنده: ((لا يثبت على راحلته، فإن شددته خشيت أن يموت))، وفي

٢٤٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رواية صالح بن كيسان، عن ابن شهاب: ((لا يستوي على الراحلة))، وفي
حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة: ((وإن شددته بالحبل على الراحلة، خشيت
أن أقتله)).
والمراد أنه وجب عليه الحجّ، بأن أسلم، وهو بهذه الصفة.
قال الحافظ: وهذا يفهم منه أنّ من قدر على غير هذين الأمرين، من
الثبوت على الراحلة، أو الأمن عليه من الأذى لو رُبط لم يُرخّص له في الحجّ
عنه، كمن يقدر على محلّ مُوَطّإ؛ كالمِحَفّة (١). انتهى.
(أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟) أي: أيجوز لي أن أنوب عنه فأحجّ عنه؛ لأن ما بعد الفاء
الداخلة عليها الهمزة معطوف على مقدّر، وقيل: لا حاجة إلى التقدير، بل
الهمزة مقدّمة من تأخير، والأصل ((فأأحجّ عنه))، فقدّمت؛ لأن لها صدر
الكلام.
وفي رواية عبد العزيز، وشعيب: ((فهل يقضي عنه))، وفي حديث عليّ:
«هل يُجزئ عنه)).
(قَالَ) بَ (نَعَمْ)) وفي حديث أبي هريرة تَظُه: ((احججي عن أبيك)).
وقوله: (وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) يعني أن هذه القصّة وقعت في عام حجة
الوداع، وفي رواية للبخاريّ من طريق شعيب، عن الزهريّ: ((يوم النحر))،
وللنسائيّ، من طريق ابن عيينة، عن ابن شهاب: ((غداة جمع))، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌ِ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٥٢/٦٨] (١٣٣٤)، و(البخاريّ) في ((الحجّ))
(١٥١٣) و((جزاء الصيد)) (١٨٥٤ و١٨٥٥) و((المغازي)) (٤٣٩٩) و((الاستئذان))
(٦٢٢٨)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٨٠٩)، و(الترمذيّ) في ((الحج))
(١) بكسر الميم: مركب من مراكب النساء، كالهودج. اهـ. ((المصباح)).

٢٤٩
(٦٨) - بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْعَاجِزِ؛ لِزَمَانَةٍ، وَهَرَمِ، وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لِلْمَوْتِ - حديث رقم (٣٢٥٢)
(٩٢٨)، و(النسائيّ) في ((مناسك الحجّ)) (١١٧/٥ و١١٩ و٢٢٨/٨) و((الكبرى))
(٣٣٢/٢ و٣٢٥ و٤٧٠/٣ و٤٧١)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٩٠٧
و٢٩٠٩)، و(مالك) في ((الموظّإ)) (٨٠٦)، و(الشافعيّ) في ((المسند)) (١/
٩٩٣)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٩/١ و٢٥١ و٣٢٩ و٣٤٦ و٣٥٩)،
و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٣٣)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٣٠٣١ و٣٠٣٢
و٣٠٣٦ و٣٠٤٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٩٨٩)، و(الطبرانيّ) في
(الكبير)) (٧٢٢/١٨ و٧٢٣) و((الأوسط)) (١٢١/١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه))
(١٠/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٨/٤ و٣٢٩ و١٧٩/٥)، و((المعرفة))
(٤٧٢/٣ و٤٧٣)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨٥٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الحج عن الحيّ الذي لا يستمسك على الرحل؛
لزمانته، أو هَرَمه.
٢ - (ومنها): بيان جواز ركوب شخصين، فأكثر على دابّة، وهذا مما لا
خلاف فيه إذا أطاقت الدّابّة ذلك.
٣ - (ومنها): بيان إباحة الارتداف مع الأكابر، قال الحافظ ابن
عبد البرّ تَخْلُهُ: وذلك من التواضع، وأفعالُ رسول الله وَّ كلها سننٌ مرغوبٌ
فيها، يحسن التأسّي بها على كلّ حال، وجميل الارتداف(١) بالجليل من
الرجال.
٤ - (ومنها): بيان تواضع النبيّ ◌َلعمال .
·灣
عند النبيّ
٥ - (ومنها): بيان منزلة الفضل بن عبّاس
٦ - (ومنها): بيان منع النظر إلى الأجنبيّات، وغضّ البصر، قال القاضي
عياض ◌َخُّْ: وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة، قال: وعندي أن
فعله ◌َّ* إذ غطّى وجه الفضل أبلغ من القول، ثم قال: لعلّ الفضل لم ينظر نظراً
ينكر، بل خشي عليه أن يؤول إلى ذلك، أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب.
(١) هكذا نسخة: ((الاستذكار)) ٥٦/١٢، ولعلّ الأولى: ((ويَجْمُلُ الارتداف ... إلخ))،
فليُتأمل.

٢٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقال ابن بطال تَخْذَتُهُ: في الحديث الأمر بغض البصر خشية الفتنة،
ومقتضاه أنه إذا أُمنت الفتنة لم يمتنع، قال: ويؤيده أنه يَّر لم يحوّل وجه
الفضل حتى أدمن النظر إليها؛ لإعجابه بها، فخشي الفتنة عليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قول من قيّد بخشية الفتنة هو الظاهر من هذا
الحديث؛ لأن الصحابة الآخرين لم ينهاهم النبيّ وَّ عن النظر إليها حينما
تسأل، فقد كان العبّاس ◌َظُه، وغيره حاضرين ذلك السؤال، فتأمله حقّ
التأمل، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): ما قيل: إن فيه دليلاً على أن نساء المؤمنين ليس عليهنّ من
الحجاب ما يلزم أزواج النبيّ وَ ر؛ إذ لو لزم ذلك جميع النساء لأمر النبيّ وَل
الخثعمية بالاستتار، ولَمَا صَرَف وجه الفضل، قاله ابن بطَّال ◌َّتُهُ .
٨ - (ومنها): قال ابن بطال أيضاً: وفيه دليل على أن ستر المرأة وجهها
ليس فرضاً؛ لاجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة، ولو رآه
الغرباء، وأن قوله: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] على
الوجوب في غير الوجه. انتهى.
وتعقّبه الحافظ: بأن في استدلاله بقصة الخثعمية لِمَا ادّعاه نظر؛ لأنها
كانت محرمة. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: وفي تعقّب الحافظ بما قاله نظر؛ إذ كون
الخثعميّة في ذلك الوقت محرمة غير محقّق؛ لأن ذلك كما سبق كان في
المنحر، بعد أن رجع النبيّ ◌َّ من رمي الجمار، فيحتمل أنها تحلّلت،
فليُتأمل، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أنه يؤخذ منه التفريق بين الرجال والنساء في خشية الفتنة،
حيث إنه ◌َّر شدّد في الفضل، ولم يشدّد في المرأة.
١٠ - (ومنها): بيان ما ركّب في الآدميين من شهوات النساء في الرجال،
والرجال في النساء، وما يُخاف من النظر إليهنّ، وكان الفضل من أجمل
الشبان في زمانه.
(١) ((الفتح)) ١٣٩/١٤ - ١٤٠.

٢٥١
(٦٨) - بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْعَاجِزِ؛ لِزَمَانَةٍ، وَهَرَم، وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لِلْمَوْتِ - حديث رقم (٣٢٥٢)
وقال ابن بطّال تَخْلُهُ: وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم، وضعفه عما
رُكِّب فيه من الميل إلى النساء، والإعجاب بهنّ. انتهى.
١١ - (ومنها): أن فيه الردّ على من زعم أن صوت المرأة عورة، فيجوز
سماع صوت المرأة الأجنبيّة للأجانب، والاستماع إلى كلامها في الاستفتاء عن
العلم، وإفتائها لمن سألها، وعلى هذا جرى الأمر من لدن العهد النبويّ،
فكان الصحابة ﴿ه يستفتون أمهات المؤمنين - رضي الله عنهنّ - ويسألونهنَّ عن
أحاديث رسول الله وَله، وكذلك يسألون الصحابيّات، كما كانوا يسألون فاطمة
بنت قيس في قصّة المطلّقة، وأسماء بنت عميس في شأن الهجرة، وغير ذلك
مما هو في ((الصحيحين))، وغيرهما، وكذلك كانت النساء تترافع في الحكم إلى
القضاة، ويستفتين العلماء، ويقع لهنّ التعامل بالبيع والشراء، ونحو ذلك، ولم
يُنقل في ذلك إنكار عن أحد ممن يُعتبر قوله، فالقول بأن صوت المرأة عورة
قول مخالف للأدلّة الشرعيّة. فليتنبّه، والله تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): أن على العالم، والإمام أن يغيّر من المنكر كلّ ما يمكنه
بحسب ما يقدر عليه إذا رآه، وليس عليه ذلك فيما غاب عنه.
١٣ - (ومنها): أنه يجب على الإمام أن يَحُول بين الرجال والنساء
اللواتي لا يؤمن عليهنّ، ولا منهنّ الفتنة، ومن الخروج، والمشي منهنّ في
الحواضر والأسواق، وحيث ينظرن إلى الرجال، وينظر إليهنّ، قال
رسول الله ◌َ﴾: ((ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء))، متّفقٌ
عليه .
١٤ - (ومنها): ما قيل: إن فيه دليلاً على أن إحرام المرأة في وجهها،
فتكشفه في الإحرام، ورَوَى أحمد، وابن خزيمة من وجه آخر عن ابن
عبّاس ﴿ه؛ أنّ النبيّ وَّ قال للفضل حين غطّى وجهه يوم عرفة: ((هذا يوم من
مَلَكَ فيه سمعه، وبصره، ولسانه غُفر له)).
١٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر رَّقُ: وقد زعم بعض أصحابنا
أن في هذا الحديث دليلاً على أن للمرأة أن تحجّ، وإن لم يكن معها ذو
محرم؛ لأن رسول الله وَلي قال للمرأة الخثعميّة: ((حجي عن أبيك))، ولم يقل:
إن كان معك ذو محرم، قال: وهذا ليس بالقويّ من الدليل؛ لأن العلم ما نُطِقَ

٢٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
به، لا ما سُكِت عنه، وقد قال رسول الله وَ له: ((لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله،
واليوم الآخر تسافر، إلا مع ذي محرم، أو زوج))، متّفقٌ عليه، واللفظ لمسلم.
١٦ - (ومنها): أن فيه برّ الوالدين، والاعتناء بأمرهما، والقيام
بمصالحهما، من قضاء دَين، وخدمة، ونفقة، وغير ذلك من أمور الدِّين
والدنيا .
١٧ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على عدم وجوب العمرة؛ لأن المرأة
الخثعميّة لم تذكرها .
وتعُقّب بأن مجرّد ترك السؤال لا يدلّ على عدم الوجوب؛ لاستفادة ذلك
من حكم الحجّ، ولاحتمال أن يكون أبوها قد اعتمر قبل الحجّ، على أن
السؤال عن الحجّ والعمرة قد وقع في حديث أبي رَزين الْعُقَيليّ
١٨ - (ومنها): ما قاله ابن العربيّ تَّثُ: إن حديث الخثعمّية أصل متّفق
على صحّته في الحجّ، خارجٌ عن القاعدة المستقرّة في الشريعة، من أنه ليس
للإنسان إلا ما سعى؛ رفقاً من الله تعالى في استدراك ما فرّط فيه المرء بولده،
وماله.
وتُعُقّب بأنه يمكن أن يدخل في عموم السعي، وبأن عموم السعي في
الآية مخصوص اتفاقاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز الحجّ عن الغير:
قال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى ما حاصله: اختلفوا في حجّ المرء
عمن لا يطيق الحجّ من الأحياء، فذهب جماعة منهم إلى أن هذا الحديث
مخصوص به أبو الخثعميّة، لا يجوز أن يُتَعدّى به إلى غيره، بدليل قول الله رأيك:
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولم يكن أبو
الخثعميّة ممن يلزمه الحجّ لَمّا لم يستطع إليه سبيلاً؛ فخصّ بأن يُقضى عنه،
وينفعه ذلك، وخُصّت ابنته أيضاً أن تحجّ عن أبيها، وهو حيٍّ.
وممن قال بذلك مالكٌ، وأصحابه، قالوا: خُصّ أبو الخثعميّة، والخثعميّةُ
بذلك، كما خُصّ سالم مولى أبي حذيفة برضاعه في حال الكبر، وهذا مما
يقول به المخالف، فيلزمه، ورُوي معنى قول مالك عن عبد الله بن الزبير،
وعكرمة، وعطاء، والضحّاك، قال ابن الزبير: الاستطاعة: القوّة، وقال

٢٥٣
(٦٨) - بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْعَاجِزِ؛ لِزَمَانَةٍ، وَهَرَم، وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لِلْمَوْتِ - حديث رقم (٣٢٥٢)
عكرمة: الاستطاعة: الصحّة، وقال أشهب: قيل لمالك: الاستطاعة: الزاد
والراحلة؟ قال: لا والله، وما ذاك إلا على قدر طاقة الناس، فربّ رجل يجد
زاداً وراحلةً، ولا يقدر على المسير، وآخر يقوى يمشي على راحلته، وإنما هو
كما قال الله: ﴿مَنِ أُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ .
وذهب آخرون إلى أن الاستطاعة تكون في البدن والقدرة، وتكون أيضاً
بالمال لمن لم يستطع ببدنه، واستدلّوا بهذا الحديث، وما كان مثله.
وممن قال بذلك الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق،
ورُوِي ذلك عن عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن عبّاس، وسعيد بن جبير،
والحسن، وعمرو بن دينار، والسدّيّ، وجماعة سواهم، كلهم يقولون:
السبيل: الزاد والراحلة، وهذا يدلّ على أن فرض الحجّ على البدن والمال.
وروي عن النبيّ وَّ ر أنه قال: ((السبيل: الزاد والراحلة))، من وجوه، منها
مرسلة، ومنها ضعيفة. انتهى كلام ابن عبد البرّ تَخْذِفُهُ(١).
وقال في ((الفتح)): وفي هذا الحديث من الفوائد جواز الحجّ عن الغير،
واستدلّ الكوفيّون بعمومه على جواز صحّة حج من لم يحجّ نيابةً عن غيره،
وخالفهم الجمهور، فخصّوه بمن حجّ عن نفسه، واستدلّوا بما في ((السنن))،
وصححه ابن خُزيمة، وغيره، من حديث ابن عبّاس ﴿ها أيضاً: أن النبيّ وَله
رأى رجلاً يُلبّ عن شُبْرُمة، فقال: ((أحججت عن نفسك؟))، فقال: لا، قال:
((هذه عن نفسك، ثم احجج عن شُبْرُمة))(٢).
واستدلّ به أيضاً على أنّ الاستطاعة تكون بالغير، كما تكون بالنفس،
وعكس بعض المالكيّة، فقال: من لم يستطع بنفسه لم يلاقه الوجوب، وأجابوا
عن حديث الباب بأنّ ذلك وقع من السائل على جهة التبرّع، وليس في شيء
من طرقه تصريح بالوجوب، وبأنها عبادة بدنيّة، فلا تصحّ النيابة فيها كالصلاة،
وقد نقل الطبريّ وغيره الإجماع على أن النيابة لا تدخل في الصلاة، قالوا:
ولأن العبادات فُرضت على جهة الابتلاء، وهو لا يوجد في العبادات البدنيّة،
(١) ((الاستذكار)) ١٢/ ٦٢.
(٢) حديث صحيح، رواه أبو داود برقم (١٨١١)، وابن ماجه برقم (٢٩٠٣).

٢٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
إلا بإتعاب البدن، فبه يظهر الانقياد، أو النفور، بخلاف الزكاة، فإن الابتلاء
فيها بنقص المال، وهو حاصلٌ بالنفس، وبالغير.
وأُجيب بأن قياس الحجّ على الصلاة لا يصحّ؛ لأن عبادة الحجّ ماليّة
بدنيّة معاً، فلا يترجّح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة، ولهذا قال
المازريّ: من غَلَّبَ حكم البَدَن في الحجّ ألحقه بالصلاة، ومن غَلَّبَ حكم
المال ألحقه بالصدقة، وقد أجاز المالكيّة الحجّ عن الغير إذا أوصى به، ولم
يجيزوا ذلك في الصلاة.
وبأن حصر الابتلاء في المباشرة ممنوع؛ لأنه يوجد في الآمر مِنْ بَذْلِهِ
المالَ في الأجرة.
وقال القاضي عياض: لا حُجّة للمخالف في حديث الباب؛ لأن قوله:
((إن فريضة الله على عباده إلخ)) معناه: إن إلزام الله عباده بالحجّ الذي وقع
بشرط الاستطاعة صادف أبي بصفة من لا يستطيع، فهل أحجّ عنه؟ أي: هل
يجوز لي ذلك، أو هل فيه أجرٌ ومنفعة؟ فقال: ((نعم)).
وتُعُقّب بأن في بعض طرقه التصريح بالسؤال عن الإجزاء، فيتمّ
الاستدلال، وتقدّم في بعض طرق مسلم: ((إن أبي عليه فريضة الله في الحجّ)).
ولأحمد في رواية: ((والحجّ مكتوب عليه)).
وادّعَى بعضهم أن هذه القصّة مختصّة بالخثعميّة، كما اختصّ سالم مولى
أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير. حكاه ابن عبد البرّ.
وتُعُقّب بأن الأصل عدم الخصوصيّة، واحتجّ بعضهم لذلك بما رواه
عبد الملك بن حبيب صاحب ((الواضحة)) بإسنادين مرسلين، فزاد في الحديث:
(حُجّ عنه، وليس لأحد بعده))، ولا حجة فيه لضعف الإسنادين، مع إرسالهما،
وقد عارضه قوله في حديث الجهنيّة الماضي: ((اقضُوا الله، فالله أحقّ بالوفاء)).
وادّعَى آخرون منهم أن ذلك خاصّ بالابن يحجّ عن أبيه. ولا يخفى أنه
جمود .
وقال القرطبيّ: رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعميّة مخالف لظاهر
القرآن، فرجّح ظاهر القرآن، ولا شكّ في ترجيحه من جهة تواتره، ومن جهة
أن القول المذكور قول امرأة ظنّت ظنّاً، قال: ولا يقال: قد أجابها النبيّ وَل

٢٥٥
(٦٨) - بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْعَاجِزِ؛ لِزَمَانَةٍ، وَهَرَم، وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لِلْمَوْتِ-حديث رقم (٣٢٥٢)
على سؤالها، ولو كان ظنّها غلطاً لبّنه لها؛ لأنا نقول: إنما أجابها عن قولها :
((أفأحُجّ عنه؟ قال: حجّي عنه))؛ لِمَا رأى من حرصها على إيصال الخير
والثواب لأبيها. انتهى.
وتُعُقّب بأنّ في تقرير النبيّ وَّ لها على ذلك حجة ظاهرة.
وأما ما رواه عبد الرزّاق من حديث ابن عبّاس، فزاد في الحديث: ((حجّ
عن أبيك، فإن لم يزده خيراً، لم يزده شرّاً))، فقد جزم الحفّاظ بأنها رواية
شاذّة، وعلى تقدير صحّتها فلا حجّة فيها للمخالف. انتهى ما في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن ما ذهب إليه من أجاز
الحجّ عن الغير عند الضرورة أرجح؛ الأحاديث الصحيحة به؛ كحديث
الخثعميّة، وغيرها، وكلّ ما اعترضوا به، فقد علمت جوابه فيما سبق، فتبصّر
بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال في ((الفتح)): ومن فروع المسألة أن لا فرق بين من استقرّ
الوجوب في ذمّته قبل العضب(٢)، أو طرأ عليه، خلافاً للحنفيّة، وللجمهور
ظاهر قصّة الخثعميّة، وأن من حجّ عن غيره وقع الحجّ عن المستنيب، خلافاً
لمحمد بن الحسن، فقال: يقع عن المباشر، وللمحجوج عنه أجر النفقة.
واختلفوا فيما إذا عُوفِي المعضوب، فقال الجمهور: لا يجزئه؛ لأنه تبيّن
أنه لم يكن میؤوساً منه، وقال أحمد، وإسحاق: لا تلزمه الإعادة؛ لئلا يفضي
إلى إيجاب حجتين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمامان: أحمد وإسحاق من عدم
لزوم الإعادة هو الأرجح عندي؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم.
واتّفَق من أجاز النيابة في الحجّ على أنها لا تجزىء في الفرض إلا عن
موت، أو عضب، فلا يدخل المريض لأنه يُرجى برؤه، ولا المجنون؛ لأنه
(١) ((الفتح)) ١٥٤/٥ - ١٥٦.
(٢) ((الْمَعْضُوبُ)): هو الضعيف، والزَّمِنُ، لا حَرَاكَ به، قاله في ((القاموس))، وفي
((المصباح)): عَضَبَهُ عَضْباً، من باب ضَرَبَ: قطعه، ورجلٌ معضوبٌ: زَمِنٌ لا حَرَاكَ
به، كأنّ الزَّمَانة عَضَبَته، ومنعته الحرکة. انتهى.

٢٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
يرجى إفاقته، ولا المحبوس؛ لأنه يرجى خلاصه، ولا الفقير؛ لأنه يمكن
استغناؤه. انتهى ما في ((الفتح)) (١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٥٣] (١٣٣٥) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم، أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَن ابْنِ
جُرَيْجِ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ أَبْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ؛ أَنَّ
امْرَأَةً مِنْ خَفْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ، عَلَيْهِ فَرِيضَةُ اللهِ فِي
الْحَجِّ، وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرِهِ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َِّ: ((فَحُجّي عَنْهُ)).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم) بوزن جعفر المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠]
(ت٢٥٧) أو بعدها، وقد قارِّب المائة (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٢٥/٤.
٢ - (عِيسَى) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام
مرابطاً، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت١٨٧) وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم في الباب
الماضي.
٤ - (الْفَضْلُ) بن عبّاس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، ابن عمّ
فيّ (ع) تقدم في
النبيّ وَّ، وأكبر أولاد العبّاس، استُشهِد في خلافة عمر
((الصيام)) ٢٥٨٩/١٣.
والباقون ذُكروا قبله، وشرح الحديث يُعلم مما مضى.
[تنبيه]: هذا الحديث مما انتقده الدارقطنيّ تَظُّ على الشيخين، فقال في
((التتبّع)) (١٠٣): وأخرج حديث ابن جريج، عن الزهريّ، عن سليمان بن
يسار، عن ابن عباس، عن الفضل، وقال الحجاج عن ابن جريج: حُدِّثتُ عن
الزهريّ، فإن كان ضبط، فقد أفسد.
(١) ((الفتح)) ١٥٦/٥.

٢٥٧
(٦٨) - بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْعَاجِزِ؛ لِزَمَانَةٍ، وَهَرَم، وَنَحْوِ هِمَا، أَوْ لِلْمَوْتِ - حديث رقم (٣٢٥٣)
وقال في (١٦٥): واتّفقا أيضاً، فأخرجا حديث ابن جريج، عن الزهريّ،
عن سليمان بن يسار، عن ابن عبّاس، عن أخيه الفضل حديث الخثعميّة،
البخاريّ عن أبي عاصم، ومسلم عن عليّ بن خَشْرَم، عن عيسى، عن ابن
جريج، قالا جميعاً: عن الزهريّ، وقد أوقفه معمرٌ، والأوزاعيّ، فلم يُخرجاه
عنهما، فأما الحديث الذي أخرجاه عن ابن جريج، فإن حجّاجاً قال فيه: عن
ابن جريج: حُدِّثتُ عن الزهريّ، وأما مالك، ومن تابعه، فلا يذكرون عن
الفضل، إنما قالوا: كان الفضل رديف النبيّ وَّر، فصارت روايتهم من مسند
عبد الله بن عبّاس، حدّثناه النيسابوريّ، عن ابن رجاء، عن حجّاج، عن ابن
جُريج، حُدِّثتُ عن الزهريّ. انتهى.
قال الحافظ تَّتُهُ: الحديث مُخَرَّج عندهما من رواية مالك وغيره عن
الزهريّ، فليس الاعتماد فيه على ابن جريج وحده، مع أن حجّاجاً لم يتابع
على هذا السياق، إلا أنه حافظ، وابن جريج مدلِّسٌ، فَتُعْتَمَد رواية حجاج إلى
أن يوجد من رواية غيره عن ابن جريج مُصَرَّحاً فيه بالسماع من الزهريّ، فإني
لم أره من حديثه إلا معنعناً، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ تَخْذّتُهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه الحافظ تَخْتُ من الجواب
أن الحديث صحيح من مسند ابن عبّاس ظًا، كما رواه مالك وغيره،
فالاعتماد على هذا الوجه، وأما رواية ابن جريج، فليس الاعتماد عليها؛ لِما
ذكره الدار قطنيّ، فإن وُجد طريق صرّح فيها ابن جريج بالسماع عن الزهريّ،
فذاك، وإلا فلا اعتماد عليها، والله تعالى أعلم بالصواب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث الفضل بن عبّاس ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٥٣/٦٨] (١٣٣٥)، و(البخاريّ) في ((الحجّ))
(١٨٥٣ و١٨٥٤) و((الاستئذان)) (٦٢٢٨)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٩٢٨)،
(١) «هدي الساري)) ص ٥٢٠.

٢٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
و(النسائيّ) في ((كتاب آداب القضاة)) (٢٢٧/٨)، و(ابن ماجه) في ((المناسك))
(٢٩٠٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٢/١ و٢١٣)، و(ابن خزيمة) في
(صحيحه)) (٣٠٣٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (١٠/٤)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوَفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾.
.
(٦٩) - (بَابُ صِحَّةٍ حَجِّ الصَّبِيِّ، وَأَجْرٍ مَنْ حَجَّ بِهِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٥٤] (١٣٣٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ،
وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِّ
لَقِيَ رَكْباً بِالرَّوْحَاءِ، فَقَالَ: ((مَن الْقَوْمُ؟» قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: ((رَسُولُ اللهِ)، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيّاً، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجُّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ،
وَلَكِ أَجْرٌ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً) تقدّم قبل باب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، تقدّم أيضاً
قبل بابين.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ) تقدّم أيضاً قبل بابين.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، أخو
موسى، ثقةٌ [٦] (م د س ق) تقدم في ((الحج)) ٣١٠٢/٤٤.
٦ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو: ابن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو
رِشْدين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (٩٨) (ع) تقدم في ((الحيض)) ٦٨٨/٢.

٢٥٩
(٦٩) - بَابُ صِحَّةٍ حَجِّ الصَّبِيِّ، وَأَجْرِ مَنْ حَجَّ بِهِ - حديث رقم (٣٢٥٤)
٧ - (ابْنُ عَبَّاسِ) ﴿ّا ذُكر قبله.
شرح الحديث:
(عَنِ النَِّّ ◌ََّ) أنه (لَقِيَ) بكسر القاف (رَكْباً) بفتح،
(عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ)
فسكون: جمع راكب؛ كصاحب وصَحْبٍ، ويُجمع أيضاً على رُكبان، والمراد
به الجماعة الراكبة (بِالرَّوْحَاءِ) ولأبي داود: ((كان رسول الله وَّ بالروحاء،
فلقي ركباً، فسلّم عليهم ... )).
و ((الرَّوْحاء)) - بفتح الراء، وسكون الواو، بعدها حاء مهملة، ممدوداً على
وزن حمراء -: اسم موضع بين مكة والمدينة على ثلاثين، أو أربعين ميلاً من
المدينة، أفاده في (القاموس))، و((المصباح))، وقال القاضي عياض نَظُّهُ في
((المشارق)): هي من أعمال الفُرْع، بينها وبين المدينة نحو أربعين ميلاً، وفي
(صحيح مسلم)) في ((كتاب الأذان)): أن الرَّوحاء ستة وثلاثون ميلاً، وفي (كتاب
ابن أبي شيبة)»: ثلاثون ميلاً.
وقد ثبت أن ذلك كان في حجة الوداع، فقد أخرج البيهقيّ أيضاً من
طريق محمد بن سُوقة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله
،
قال: رَفَعَت امرأة صبيّاً لها إلى النبيّ وَّ في حجته، فقالت: يا رسول الله!
ألهذا حجّ؟ قال: ((نعم، ولك أجر)).
وفي رواية النسائيّ من طريق الثوريّ، عن محمد بن عقبة، عن كريب،
عن ابن عبّاس ◌ِّ قال: ((صَدَرَ رسول الله وَّر، فلما كان بالروحاء لقي
قوماً ... )).
وهذه الرواية تدلّ على أن هؤلاء القوم لَقُوا النبيّ ◌َّ في رجوعه من
الحجّ، لا في ذهابه له، ومثله رواية البيهقيّ من طريق الشافعيّ، عن ابن عيينة:
((أن النبيّ وَّهُ قَفَلَ، فلما كان بالروحاء لقي ركباً ... )) الحديث، وفي رواية له
من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن أبيه: ((بينما رسول الله وَله يسير
بطريق مكة كلّمته امرأة ... )) الحديث، وجزم به ابن القيّم في ((الهدي))، حيث
قال: ثم ارتحل ◌َ﴿ راجعاً إلى المدينة، فلمّا كان بالروحاء لقي ركباً، فذكر
قصّة الصبيّ.

٢٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقيل: وقعت هذه القصّة في مقدمه إلى بيت الله، والمراد بالصدور،
والقفول صدوره من المدينة للحجّ، ولا يخفى ما فيه(١).
(فَقَالَ) وَّرِ ((مَن الْقَوْمُ؟») وفي رواية النسائيّ: ((من أنتم؟)) (قَالُوا:
الْمُسْلِمُونَ) خبر لمحذوف؛ أي: نحن المسلمون (فَقَالُوا) أي: القوم (مَنْ
أَنْتَ؟) كذا بالإفراد، وفي رواية النسائيّ: ((من أنتم)).
قال القاضي عياض تَُّ: يَحْتَمِل أن يكون هذا اللقاء كان ليلاً، فلم
يعرفوهُ وَّهَ، ويَحْتَمِل كونه نهاراً، لكنّهم لم يروه بَّر قبل ذلك، لعدم هجرتهم،
فأسلموا في بلدانهم، ولم يهاجروا قبل ذلك. انتهى.
(قَالَ) وَِّ (رَسُولُ اللهِ))) أي: أنا رسول الله (فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيّاً) لا
تُعرَف من هي ولا الصبيّ(٢)، وفي رواية للنسائيّ: ((فأخرجت امرأة صبيّاً من
الْمِحَفّة، فقالت ... ))، وفي رواية أحمد، وأبي داود: ((ففَزِعت امرأة، فأخذت
بعضد صبيّ، فأخرجته من مِحَفّتها)).
و((المحفّة)) - بكسر الميم، وتشديد الفاء -: مركب للنساء، كالهودج، إلا
أنها لا تُقبّب كما تقبّب الهوادج.
(فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجّ؟) وفي الرواية الآتية: ((فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلِهَذَا
حَجّ؟))؛ أي: أيحصل لهذا الصبيّ ثواب حجّ، فقوله: ((حجّ)) فاعل بالجارّ
والمجرور؛ لاعتماده على الاستفهام، ويجوز أن يكون مبتدأ مؤخّراً خبره الجارّ
والمجرور قبله، وفي رواية لأحمد: ((هل لهذا حجّ؟)).
(قَالَ) وَ (نَعَمْ) أي: له حجّ، وقوله: (وَلَكِ أَجْرٌ))) زاده بٍَّ على
سؤالها؛ ترغيباً لها .
قال عياض كَخُّ: وأجرها فيما تكلّفته في أمره في ذلك، وتعليمه،
وتجنيبه ما يجتنبه المحرم.
وقال النوويّ كَّلُ: معناه بسبب حملها، وتجنيبها إياه ما يجتنبه المحرم،
وفعل ما يفعله المحرم.
(١) وراجع: ((القرى لقاصد أم القرى)) ص٤٩ - ٥٠، و((المرعاة)) ٣٠٩/٨.
(٢) ((تنبيه المعلم)» ص٢٢٨.