النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٦) يصح حتى يطوف خارجاً من جميع الْحِجْر، وهذا هو الصحيح، وهو الذي نصّ عليه الشافعيّ، وقطع به جماهير أصحابنا العراقيين، ورجحه جمهور الأصحاب، وبه قال جميع علماء المسلمين، سوى أبي حنيفة، فإنه قال: إن طاف في الحجر، وبقي في مكة أعاده، وإن رجع من مكة بلا إعادة، أراق دماً، وأجزأه طوافه، واحتج الجمهور بأن النبيّ ◌َّ طاف من وراء الحجر، وقال: ((لتأخذوا عني مناسككم))، ثم أطبق المسلمون عليه من زمنه ◌َله إلى الآن، وسواء كان كله من البيت، أم بعضه، فالطواف يكون من ورائه، كما فعل النبيّ ◌َّ، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه النوويّ تَخْتُ من عدم جواز الطواف إلا وراء الحجر كلّه، سيأتي ترجيح خلافه قريباً - إن شاء الله تعالى -. (وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَاباً يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَاباً يَخْرُجُونَ مِنْهُ))، قَالَ) ابن يا (فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ) أي: لتمكّن الإيمان الزبير في قلوبهم (قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُع) تقدّم أن الأرجح أنه ستة أذرع (مِنَ الْحِجْرِ، حَتَّى أَبْدَى) أي: أظهر بالحفرَّ (أُسّاً) - بضمّ الهمزة، وتشديد السين المهملة - قال الفيّوميّ كَُّهُ: أُسُّ الحائط بالضمّ: أصله، وجمعه آساسٌ، مثلُ قُفْلِ وأَقفال، وربّما قيل: إِساسٌ، مثلُ عُسّ وعِسَاسٍ، والأَسَاسُ مثله، وجمعه: أُسُسٌ، مثلُ عَنَاقٍ وعُنُقٍ (٢)، وأَسَّسته تأسيساً: جعلتُ له أَسَاساً. انتهى(٣). (نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ) إلى ذلك الأُسّ، ففي رواية البخاريّ من طريق جرير بن حازم، عن يزيد بن رُومان، قال: ((وشهدت ابن الزبير حين هدمه، وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل، قال جرير: فقلت له: أين موضعه؟ قال: أُريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: ها هنا، قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع، أو نحوها)). (١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٩١. (٢) قيل: الأولى تمثيله بنحو قَذَالٍ وقُذُل؛ لأن جمع عَنَاق على عُنُق لم يُسمع، وإنما هو أعناق، فتنبّه. (٣) ((المصباح المنير)) ١٤/١ - ١٥. ٢٢٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج قال في ((الفتح)): قوله: ((ستة أذرع أو نحوها)) قد ورد ذلك مرفوعاً إلى النبيّ ◌َ﴿ كما تقدم في الطريق الثانية، وأنها أرجح الروايات، وأن الجمع بين المختلف منها ممكن، كما تقدم، وهو أولى من دعوى الاضطراب، والطعن في الروايات المقيّدة؛ لأجل الاضطراب، كما جنح إليه ابن الصلاح، وتبعه النوويّ؛ لأن شرط الاضطراب أن تتساوى الوجوه بحيث يتعذر الترجيح، أو الجمع، ولم يتعذر ذلك هنا، فيتعيّن حمل المطلق على المقيّد، كما هي قاعدة مذهبهما، ويؤيده أن الأحاديث المطلقة والمقيّدة متواردة على سبب واحد، وهو أن قريشاً قَصّروا عن بناء إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - وأن ابن الزبير أعاده على بناء إبراهيم، وأن الحَجاج أعاده على بناء قريش، ولم تأت رواية قط صريحة أن جميع الحِجر من بناء إبراهيم في البيت. انتهى(١). (فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعاً) وروي أن طولها كان عشرين ذراعاً، ولعل راويه جبر الكسر، وجزم الأزرقيّ بأن الزيادة تسعة أذرع، فلعلّ عطاء جبر الكسر أيضاً، قاله في ((الفتح))(٢). وذكر السهيليّ أن طول الكعبة كان من عهد إسماعيل تسعة أذرع، فلما بَنَتْها قريش قبل الإسلام بخمس سنين زادوا في طولها تسعة أذرع، فلما بناها ابن الزبير زاد في طولها تسعة أذرع أيضاً، فكانت سبعة وعشرين، وعلى ذلك هي الآن، ذكره الأبيّ (٣). (فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ) أي: عِدّه قصيراً (فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُع، وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنٍ: أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ) وفي رواية للبخاريّ عن الأسود بن يزيد: ((ففعله عبد الله بن الزبير))، وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند الإسماعيليّ: ((فنقضه عبد الله بن الزبير، فجعل له بابين في الأرض))، ونحوه للترمذيّ من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، وللفاكهي من طريق أبي أويس، عن موسى بن ميسرة: ((أنه دخل الكعبة بعدما بناها ابن الزبير، فكان الناس لا يزدحمون فيها، يدخلون من باب، ويخرجون من آخر)). (١) ((الفتح)) ٤ /٤٩٥. (٣) ((شرح الأبيّ)) ٤٢٨/٣. (٢) ((الفتح)) ٤٩٥/٤. ٢٢٣ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٦) قال الحافظ تَخْثُهُ: جميع الروايات التي جمعتها هذه القصة متفقة على أن ابن الزبير جعل الباب بالأرض، ومقتضاه أن يكون الباب الذي زاده على سَمْته، وقد ذكر الأزرقيّ أن جملة ما غَيَّره الحَجاج الجدار الذي من جهة الحجر، والباب المسدود الذي في الجانب الغربيّ عن يمين الركن اليمانيّ، وما تحت عتبة الباب الأصليّ، وهو أربعة أذرع وشبر، وهذا موافق لما في الروايات المذكورة، لكن المشاهد الآن في ظهر الكعبة باب مسدود، يقابل الباب الأصليّ، وهو في الارتفاع مثله، ومقتضاه أن يكون الباب الذي كان على عهد ابن الزبير لم يكن لاصقاً بالأرض، فَيَحْتَمِل أن يكون لاصقاً كما صرحت به الروايات، لكن الحَجاج لما غيّره رفعه، ورفع الباب الذي يقابله أيضاً، ثم بدا له فسدّ الباب المجدد، قال: لكن لم أر النقل بذلك صريحاً. وذكر الفاكهيّ في أخبار مكة أنه شاهد هذا الباب المسدود من داخل الكعبة في سنة ثلاث وستين ومائتين، فإذا هو مقابل باب الكعبة، وهو بقدره في الطول والعرض، وإذا في أعلاه كلاليب ثلاثة، كما في الباب الموجود سواء، فالله أعلم. انتهى(١). (فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) أي: في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين من الهجرة، وتقدّم أنه كان بويع له، ولم يتخلّف عن بيعته إلا أهل الشام؛ لبيعتهم مروان، وابنه عبد الملك، وكان عبد الملك ولَّى الحجاج ولايتين، الأولى ولاه فيه الحجاز، والثانية ولاه العراق، ففي ولايته الأولى حاصر فيها ابن الزبير بمكة، وقاتله، حتى قُتل(٢). (كَتَبَ الْحَجَّاجُ) بن يوسف بن عقيل الثقفيّ الأمير المشهور الظالم المبير، وقع ذكره وكلامه في ((الصحيحين)) وغيرهما، وليس بأهل أن يُروى عنه، ولي إمرة العراق عشرين سنة، ومات سنة خمس وتسعين(٣). (إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ، أبي الوليد المدنيّ، ثمّ الدمشقيّ، كان طالب علم قبل الخلافة، ثم اشتغل بها، فتغيّر حاله، مُلّك ثلاث عشرة سنةً استقلالاً، وقبلها منازعاً لابن الزبير تسع (١) ((الفتح)) ٤ /٤٩٤ - ٤٩٥. (٣) ((تقريب التهذيب)) ص٦٥. (٢) (شرح الأبيّ)) ٤٢٨/٣. ٢٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج سنين، ومات سنة ست وثمانين في شوّال، وقد جاوز الستّين(١). (يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ) أي: بما فعله ابن الزبير في الكعبة، فقوله بعده: ((وَيُخْبِرُهُ)) من عطف التفسير له (وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسرٍّ، نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ) من إضافة المصدر إلى الفاعل: أي لسنا مما صدر من ابن الزبير من المعايب في شيء، أفاده الأبيّ ◌َّتُهُ(٢). وقال النوويّ كَّلُهُ: يريد بذلك سبّه، وعيبه، يقال: لطّخته: أي رميته بأمر قبيح. انتهى(٣). وقال القرطبيّ تَخَُّهُ: التلطيخ: التلويث، والتقذير، يقال: لطّخت فلاناً بأمر قبيح: إذا رميته به، ورجلٌ لَطِيخٌ: أي: قَذِرٌ، أراد بذلك العيب لفعله، وهو المعاب. وقال أيضاً: وما فعله عبد الله بن الزبير رضيًا في البيت كان صواباً وحقّاً، وقبّح الله الحجّاج، وعبد الملك، لقد جهلا سنّة رسول الله وَّة، واجترءا على بيت الله، وعلى أوليائه. انتهى (٤). (أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ) بقطع الهمزة، وتشديد الراء، من الإقرار؛ أي: ثبِّته، ولا تغيّره (وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ) قال بعضهم: هذا من خطأ عبد الملك، بل الأولى والأهمّ العكس؛ لأن الطواف إنما هو من وراء الحجر، وكثيراً ما يغلط الطائفون، فيطوفون في الحجر، فالاحتياط عما يؤدي إلى الوقوع في ذلك آكد، ويَحْتَمل أن يجاب بأنه إنما فرّق بأن التغيير بإضافة الحجر أبْين، وعبد الملك لا يريد أن يبقى لابن الزبير أثرٌ، ولا ذِكْرُ فعل بحال. انتهى(٥) (وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ) يعني البناء الأول المتقدّم على بناء ابن الزبير، وهو الذي عليه الآن، وقد كان الرشيد أراد أن (١) (تقريب التهذيب)) ص٢٢٠. (٣) ((شرح النوويّ)) ٩٤/٩. (٥) (شرح الأبيّ)) ٤٢٩/٣. (٢) ((شرح الأبيّ)) ٤٢٩/٣. (٤) ((المفهم)) ٤٣٧/٣ - ٤٣٨. ٢٢٥ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٦) يردّه على ما بناه ابن الزبير، فقال له مالك: نشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل هذا البيت ملعبةً للملوك، لا يشاء أحدٌ إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس، فترك ما همّ به، واستحسن الناس هذا من مالك، وعَمِلوا عليه، فصار هذا كالإجماع على أنه لا يجوز التعرّض له بهذّ، أو تغيير، قاله القرطبيّ كَُّهُ(١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ظّا هذا تقدّم أنه متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وأما بسياق القصّة هذه، فمن أفراد المصنّف رَّتُهُ. (المسألة الثانية): قال في ((الفتح)): قال المحبّ الطبريّ في ((شرح التنبيه)) له: والأصح أن القدر الذي في الحِجر من البيت قدر سبعة أذرع، والرواية التي جاء فيها أن الحِجر من البيت مطلقةً، فيُحْمَل المطلق على المقيّد فإن إطلاق اسم الكل على البعض سائغٌ مجازاً، وإنما قال النوويّ ذلك نصرةً لما رجّحه من أن جميع الحجر من البيت، وعمدته في ذلك أن الشافعيّ نصّ على إيجاب الطواف خارج الحجر، ونقل ابن عبد البرّ الاتفاق عليه، ونقل غيره أنه لا يُعرَف في الأحاديث المرفوعة، ولا عن أحد من الصحابة ومن بعدهم، أنه طاف من داخل الحجر، وكان عملاً مستمرّاً، ومقتضاه أن يكون جميع الحجر من البيت. وهذا متعقَّبٌ، فإنه لا يلزم من إيجاب الطواف من ورائه أن يكون كله من البيت، فقد نصّ الشافعي أيضاً كما ذكره البيهقيّ في ((المعرفة)) أن الذي في الحجر من البيت نحو من ستة أذرع، ونقله عن عِدّة من أهل العلم، من قريش لَقِيَهُمْ، كما تقدم، فعلى هذا فلعله رأى إيجاب الطواف من وراء الحجر احتياطاً، وأما العمل فلا حجة فيه على الإيجاب، فلعل النبيّ ◌َّ ومن بعده فعلوه استحباباً للراحة من تسوّر الحجر، لا سيما والرجال والنساء يطوفون (١) ((المفهم)) ٤٣٨/٣ - ٤٣٩. ٢٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج جميعاً، فلا يؤمَن من المرأة التكشف، فلعلهم أرادوا حسم هذه المادة. وأما ما نقله المهلَّب عن ابن أبي زيد أن حائط الحجر لم يكن مبنيّاً في زمن النبيّ وَّر وأبي بكر، حتى كان عمر فبناه، ووسّعه قطعاً للشك، وأن الطواف قبل ذلك كان حول البيت، ففيه نظرٌ، وقد أشار المهلب إلى أن عمدته في ذلك ما جاء بلفظ: لم يكن حول البيت حائطٌ، كانوا يصلّون حول البيت، حتى كان عمر، فبنى حوله حائطاً جُدره قصيرة، فبناه ابن الزبير. انتهى. وهذا إنما هو في حائط المسجد، لا في الحجر، فدخل الوهم على قائله من هنا، ولم يزل الحجر موجوداً في عهد النبيّ وَّر كما صرّح به في كثير من الأحاديث الصحيحة. نعم في الحكم بفساد طواف مَن دخل الحجر، وخَلَّى بينه وبين البيت سبعة أذرع نظرٌ، وقد قال بصحته جماعة من الشافعية، كإمام الحرمين، ومن المالكية كأبي الحسن اللخميّ. وذكر الأزرقيّ أن عرض ما بين الميزاب ومنتهى الحجر سبعة عشر ذراعاً وثلث ذراع، منها عرض جدار الحجر ذراعان وثلث، وفي بطن الحجر خمسة عشر ذراعاً فعلى هذا فنصف الحجر ليس من البيت، فلا يفسد طواف من طاف دونه، والله أعلم. وأما قول المهلّب: إن الفضاء لا يسمى بيتاً، وإنما البيت البنيان؛ لأن شخصاً لو حلف لا يدخل بيتاً، فانهدم ذلك البيت فلا يحنث بدخوله، فليس بواضح؛ فإن المشروع من الطواف ما شُرع للخليل بالاتفاق، فعلينا أن نطوف حيث طاف، ولا يسقط ذلك بانهدام حرم البيت؛ لأن العبادات لا يسقط المقدور عليه منها بفوات المعجوز عنه، فحرمة البقعة ثابتة، ولو فقد الجدار، وأما اليمين فمتعلقة بالعُرف، ويؤيده ما قلناه أنه لو انهدم مسجد، فنُقلت حجارته إلى موضع آخر بقيت حرمة المسجد بالبقعة التي كان بها، ولا حرمة لتلك الحجارة المنقولة إلى غير مسجد، فدل على أن البقعة أصل للجدار، بخلاف العكس، أشار إلى ذلك ابن الْمُنَيِّر في ((الحاشية))، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثالثة): حَكَى ابن عبد البرّ، وتبعه عياض وغيره عن الرشيد، ٢٢٧ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٦) أو المهديّ، أو المنصور أنه أراد أن يعيد الكعبة على ما فعله ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك فتركه. قال الحافظ: وهذا بعينه خشية جدّهم الأعلى عبد الله بن عباس ﴿ها، فأشار على ابن الزبير لَمّا أراد أن يهدم الكعبة، ويجدد بناءها بأن يَرُمّ ما وَهَى منها، ولا يتعرض لها بزيادة ولا نقص، وقال له: لا آمن أن يجيء مِن بعدك أمير، فيغيّر الذي صنعت. أخرجه الفاكهيّ من طريق عطاء عنه. وذكر الأزرقيّ أن سليمان بن عبد الملك هَمَّ بنقض ما فعله الحَجاج، ثم ترك ذلك لمّا ظهر له أنه فعله بأمر أبيه عبد الملك. قال: ولم أقف في شيء من التواريخ على أن أحداً من الخلفاء، ولا من دونهم غَيَّر من الكعبة شيئاً مما صنعه الحجاج إلى الآن، إلا في الميزاب، والباب، وعتبته، وكذا وقع الترميم في جدارها غير مرة، وفي سقفها، وفي سُلَّم سطحها، وجدد فيها الرخام، فذكر الأزرقيّ عن ابن جريج أن أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، ووقع في جدارها الشاميّ ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في شهور سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثم في سنة ثمانين وستمائة، ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة، وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنتين وعشرين أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم، فاهتم بذلك سلطان الإسلام الملك المؤيد، وأرجو من الله تعالى أن يسهل له ذلك، ثم حججت سنة أربع وعشرين، وتأملت المكان الذي قيل عنه، فلم أجده في تلك البشاعة، وقد رُمِّم ما تشعّث من الحرم في أثناء سنة خمس وعشرين إلى أن نقض سقفها في سنة سبع وعشرين على يدي بعض الجند، فجدد لها سقفاً، ورخم السطح، فلما كان في سنة ثلاث وأربعين صار المطر إذا نزل ينزل إلى داخل الكعبة أشدّ مما كان أولاً فأدّاه رأيه الفاسد إلى نقض السقف مرة أخرى، وسدّ ما كان في السطح من الطاقات التي كان يدخل منها الضوء إلى الكعبة، ولزم من ذلك امتهان الكعبة، بل صار العمال يصعدون فيها بغير أدب، فغار بعض المجاورين، فكتب إلى القاهرة يشكو ذلك، فبلغ السلطان الظاهر، فأنكر أن يكون أمر بذلك، وجهز بعض الجند لكشف ذلك، فتعصب للأول بعض من ٢٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج جاور، واجتمع الباقون رغبة ورهبة، فكتبوا محضراً بأنه ما فعل شيئاً إلا عن ملأ منهم، وأن كل ما فعله مصلحة، فسكن غضب السلطان، وغطى عنه الأمر. وقد جاء عن عياش بن أبي ربيعة المخزوميّ، وهو بالتحتانية قبل الألف وبعدها معجمة، عن النبيّ وَّ قال: ((إن هذه الأمة لا تزال بخير ما عظموا هذه الحرمة - يعني الكعبة - حق تعظيمها، فإذا ضيعوا ذلك هلكوا))، أخرجه أحمد، وابن ماجه، وعمر بن شَبّة في ((كتاب مكة))، وسنده حسن، فنسأل الله تعالى الأمن من الفتن بحلمه وكرمه. قال: ومما يُتعجب منه أنه لم يتفق الاحتياج في الكعبة إلى الإصلاح إلا فيما صنعه الحَجاج، إما من الجدار الذي بناه في الجهة الشامية، وإما في السلّم الذي جدده للسطح والعتبة، وما عدا ذلك مما وقع، فإنما هو لزيادة محضة؛ كالرخام، أو لتحسين كالباب والميزاب، وكذا ما حكاه الفاكهيّ عن الحسن بن مكرم، عن عبد الله بن بكر السهميّ، عن أبيه، قال: جاورت بمكة فعابت - أي: بالعين المهملة، وبالباء الموحدة - أسطوانة من أساطين البيت، فأُخرجت، وجيء بأخرى ليدخلوها مكانها فطالت عن الموضع، وأدركهم الليل، والكعبة لا تفتح ليلاً، فتركوها ليعودوا من غد؛ ليصلحوها، فجاؤوا من غد فأصابوها أقدم من قِدْح؛ أي: بكسر القاف، وهو السهم، وهذا إسناد قويّ، رجاله ثقات، وبكر هو ابن حبيب من كبار أتباع التابعين، وكأن القصة كانت في أوائل دولة بني العباس، وكانت الأسطوانة من خشب، والله تعالت أعلم. انتهى كلام الحافظ تَُّ، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّثُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٢٤٧] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَالْوَلِيدَ بْنَ عَطَاءٍ، يُحَدِّثَانِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدٍ: وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ ٢٢٩ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٧) عَبْدِ اللهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلَافَتِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ - يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ - سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا، قَالَ الْحَارِثُ: بَلَى أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا، قَالَ: سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَالَ: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ، أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ، فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ))، فَأَرَاهَا قَرِيباً مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعِ. هَذَا حَدِيثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدٍ، وَزَادَ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءٍ: قَالَ النَّبِيُّ نَّهِ: ((وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنٍ فِي الْأَرْضِ: شَرْقِيّاً، وَغَرْبِيّاً. وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟))، قَالَتْ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: ((تَعَزُّزاً أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّ مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي، حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ، فَسَقَطَ)). قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِلْحَارِثِ: أَنْتَ سَمِعْتَهَا (١) تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ، ثُمَّ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُهُ، وَمَا تَحَمَّلَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ) - بتصغير الاسمين - ابن قتادة بن سعد بن عامر بن ◌ُنْدَع بن ليث الليثيّ، ثم الْجُنْدَعيّ، أبو هاشم المكيّ، ثقةٌ [٣]. رَوَى عن أبيه، وقيل: لم يسمع منه، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وأم كلثوم امرأة منهم، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وغيرهم. وروى عنه جرير بن حازم، وإسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى الأمويان، وبُديل بن ميسرة، وابن جريج، والأوزاعيّ، وعكرمة بن عمار، وغيرهم. قال أبو زرعة: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ يحتج بحديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: كان مستجاب الدعوة، وقال داود العطار: كان من أفصح أهل مكة، وقال محمد بن عمر: كان ثقةً (١) وفي نسخة: ((آنت سمعتها؟)). ٢٣٠ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج صالحاً، له أحاديث، وقال العجليّ: تابعيّ مكيّ ثقةٌ، وقال ابن حزم في ((المحلى)): لم يسمع من عائشة، وقال البخاريّ في ((التاريخ الأوسط)): لم يسمع من أبيه شيئاً، ولا يذكره. قال عمرو بن عليّ: مات سنة ثلاث عشر ومائة، وقال إسحاق القراب: قُتِل بالشام في الغزوة سنة ثلاث عشرة ومائة. روى له مسلم والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءٍ) بن خَبّاب - بمعجمة، وموحّدتين - الحجازيّ، مقبول [٦]. روى عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، عن عائشة، في قصة بناء البيت، وروى عنه ابن جريج، وقرنه بعبد الله بن عُبيد بن عُمير، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الذهبيّ في ((الميزان)): لا يُعرَف. انفرد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٣ - (الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةً) ويقال: ابن عيّاش بن أبي ربيعة، عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم الأمير المخزوميّ المعروف بالقُبَاعِ - بضمّ القاف، وتخفيف الموحّدة - صدوقٌ [٢]. رَوَى عن النبيّ وَّر مرسلاً، وعن عمر، ومعاوية، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة . وروى عنه سعيد بن جبير، والشعبيّ، وعبد الرحمن بن سابط، وأبو قَزَعَة، ومجاهد بن جبر، والزهريّ، وغيرهم. قال الزبير بن بكار: استعمله ابن الزبير على البصرة، فرأى مكيالاً، فقال: إن مكيالكم هذا لقُبَاعِ، فلَقَّبوه به، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، رَوَى عن عمر، وروى البخاريّ في ((تاريخه)) عن الشعبيّ أن الحارث ماتت أمه، وهي نصرانية، فشيّعها أصحاب رسول الله وَّر، قال سفيان: خرج عليهم، فقال: إن لها أهل دين غيركم، فقال معاوية: لقد ساد هذا، وقال ابن سعد: كانت ولايته على البصرة سنةً، واستَعمل ابن الزبير بعده أخاه مصعباً. وذكره بعض من ألَّف في الصحابة، وذكره ابن معين في تابعي أهل مكة. ٢٣١ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٧) وقال المبرّد: الْقُبَاع بالتخفيف: الذي يُخفي ما فيه، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. أخرج له المصنّف، وأبو داود في ((المراسيل))، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٣٣٣)، وحديث حفصة ؤُها مرفوعاً (٢٨٨٣): ((سيعوذ بهذا البيت - يعني الكعبة - قوم ليست لهم مَنَعَة ... )). والباقون ذُكروا في الباب، وقبله. وقوله: (وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلَافَتِهِ) قال النوويّ تَخْلُهُ: هكذا هو في جميع النسخ: ((الحارث بن عبد الله))، وليس في شيء منها خلاف، ونُسخ بلادنا هي رواية عبد الغافر بن محمد الفارسيّ، وادَّعَى القاضي عياض أنه وقع هكذا لجميع الرواة، سوى الفارسيّ، فإن في روايته: الحارث بن عبد الأعلى، قال: وهو خطأً، بل الصواب: الحارث بن عبد الله، وهذا الذي نقله عن رواية الفارسيّ غير مقبول، بل الصواب أنها كرواية غيره: الحارث بن عبد الله، ولعله وقع للقاضي نسخة عن الفارسيّ فيها هذه اللفظة مصحفة على الفارسيّ، لا من الفارسيّ، والله أعلم. انتهى (١). وقوله: (مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ) بضمّ الخاء المعجمة، مصغّراً، كنية ابن الزبير، وله كنيتان، هذا، وأبو بكر، والمشهورة هي الأولى. وقوله: (فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِك ... إلخ) أي: ظهر لهم ما لم يظهر أوّلاً . وقوله: (فَهَلُمِّي) أي: فتعالي، و((هَلُمّ)) كلمة بمعنى الدعاء إلى الشيء، كما يقال: تَعَالَ، قال الخليل رَّتُ: أصله: لُمَّ من الضمّ والجمع، ومنه: لَمّ اللهُ شَعَثَهُ، وكأن المنادي أراد: لُمّ نفسك إلينا، و((ها)) للتنبيه، وحذفت الألف تخفيفاً؛ لكثرة الاستعمال، وجُعِلا اسماً واحداً، وقيل: أصلها: هَلْ أُمَّ: أي قُصِد، فنقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، ثم جُعلا كلمة واحدة للدعاء. أهل الحجاز يُنادُون بها بلفظ واحد للمذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالْقَيِلِينَ لِإِخْوَنِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. وفي لغة نجد تَلْحقها الضمائر، وتُطابَق، فيقال: هُلُمِّي، وهَلُمَّا، وهَلُمُّوا، وهَلْمُمْنَ؛ (١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٩٤. ٢٣٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج لأنهم يجعلونها فعلاً، فيلحقونها الضمائر، كما يلحقونها قُمْ، وقُوما، وقوموا، وقُمْنَ. وقال أبو زيد: استعمالها بلفظ واحد للجميع من لغة عُقيل، وعليه قَيْسٌ بعدُ، وإلحاق الضمائر من لغة بني تميم، وعليه أكثر العرب، وتستعمل لازمةً، نحو: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنًا﴾ [الأحزاب: ١٨]: أي أقبِل، ومتعديةً، نحو: ﴿هَلُمَ شُهَدَآءَكُمُ﴾ [الأنعام: ١٥٠]: أي أحضروهم. انتهى(١). وقوله: (تَعَزُّزاً) معنى ((تعزّزاً)) أي: تكبّراً، وتشدّداً على الناس، قال ابن الأثير تَخْتُ: وقد جاء في بعض نسخ مسلم(٢): ((تعزّراً)) براء بعد زاي، من التعزير؛ أي: التوقير، فإما أن يريد توقير البيت وتعظيمه، أو تعظيم أنفسهم، وتكبّرهم على الناس. انتهى (٣). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول يُبعده السياق، فالمعنى الثاني هو الأقرب، والله تعالى أعلم. وقوله: (يَدَعُونَهُ) بفتح أوله، وثانيه؛ أي: يتركونه (يرتقي))؛ أي: يصعد إلى الباب. وقوله: (حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ) قال النوويّ ◌َّتُهُ: هكذا هو في النسخ كلِّها: ((كاد أن يدخل))، وفيه حجةٌ لجواز دخول ((أَنْ)) بعد ((كاد))، وقد كثُر ذلك، وهي لغة فصيحة، ولكن الأشهر عدمه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: أشار النوويّ رَّتُهُ إلى قول ابن مالك تَُّ في (الخلاصة)» : كـ(كَانَ» «كَادَ)) وَاعَسَى)) لَكِنْ نَدَرْ غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ وَكَوْنُهُ بِدُونِ ((أَنْ)) بَعَدَ ((عَسَى)) نَزْرٌ وَ(كَادَ)) الأُمْرُ فِيهِ عُكِسَا وقوله: (فَتَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ) أي: بَحَثَ بطرفها في الأرض، وهذه عادة من يُفكّر في أمر مُهِمّ. وقوله: (وَدِدْتُ) بكسر الدال، من باب تعب، على الأشهر، وجوّز (١) ((المصباح المنير)) ٦٣٩/٢ - ٦٤٠. (٢) هذه النسخة لم أر من أشار إليها من الشرّاح، فليُنظر. (٣) ((النهاية)) ٢٢٨/٣. ٢٣٣ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٨) الكسائيّ: وَدَدَتُ أَوَدّ بفتحتين، وأنكرها البصريون، قال الزجّاج: لم يقل الكسائيّ إلا ما سمِع، ولكنه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. انتهى(١). وقوله: (وَمَا تَحَمَّلَ) الواو عاطفة، أو هي واو المعيّة؛ أي: مع ما تحمّله. والحديث تقدّم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَن ابْنِ جُرَيْجِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ) هو: محمد بن عمرو بن عبّاد بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد الْعَتِكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (٢٣٤) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٣٤٨/٦٣. ٢ - (أَبُو عَاصِم) الضحّاك بن مخلد الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي. ٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الحميريّ مولاهم، أبو الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت٢١١) (ع) ((تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. و((ابنُ جُریج)) ذُكر قبله. [تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن ابن جُريج هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر . وأما رواية عبد الرزّاق، عن ابن جُريج، فقد ساقها عبد الرزّاق في (مصنّفه)) (١٢٧/٥) فقال: (١) راجع: ((المصباح المنير)) ٦٥٣/٢. ٢٣٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (٩١٥٠) - عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: سمعت عبد الله بن عبيد بن عُمير، قال: وَقَد الحارث بن عبد الله، على عبد الملك في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال: وكان الحارث مُصَدَّقاً لا يُكَذَّب، قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: سمعتها تقول: قال رسول الله وَله: ((إن قومك استقصروا من بنيان البيت، وإني لولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت فيه ما تركوا منه، فإن بدا لقومك أن يبنوه من بعدي، فهَلُمّ لأريك ما تركوا منه))، فأراها قريباً من سبعة أذرع. هذا حديث عبد الله بن عبيد، وزاد عليه الوليد بن عطاء، قال: قال النبيّ وَله: ((وجعلت له بابين موضوعين في الأرض، شرقيّاً وغربيّاً، وهل تدرين لِمَ كان قومك رفعوا بابها؟)) قالت: لا، قال: «تعزّزاً؛ لأن لا يُدخلوها إلا من أرادوا، فإن الرجل إذا كَرِهوا أن يدخلها يَدَعُونه، حتى يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط))، قال عبد الملك للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم، فنكت بعصاه ساعةً، ثم قال: وَدِدت أني تركته، وما تحمّل. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٤٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرِ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ أَبِي قَزَعَةً؛ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، إِذْ قَالَ: قَاتَلَ اللهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، يَقُولُ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (يَا عَائِشَةُ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ، حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ ، فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرُوا فِي الْبِنَاءِ»، فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هَذَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا سَمِعْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُحَدِّثُ هَذَا، قَالَ: لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ لَتَرَكْتُهُ عَلَى مَا بَنَى ابْنُ الزُّبَيْرِ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرِ السَّهْمِيُّ) هو: عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي ٢٣٥ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٩) الباهليّ، أبو وهب البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حافظٌ، امتَنَع عن القضاء [٩]. رَوَى عن حميد الطويل، وحاتم بن أبي صغيرة، ومهدي بن ميمون، وهشام بن حسان، وأبي المقدام هشام بن زياد، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم. وروى عنه أحمد بن حنبل، وعلي ابن المدينيّ، وإسحاق بن منصور الكوسج، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن حاتم بن ميمون، ومحمود بن غیلان، وغيرهم. قال أحمد، وابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال ابن معين أيضاً، وأبو حاتم: صالحٌ، وقال أبو عمرو الطائيّ: عَرَضَ سَوّار على عبد الله بن بكر قضاء الأُبُلّة فأبى، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ مأمونٌ، وقال ابن قانع: ثقةٌ. وقال ابن سعد: السهميّ بطن من باهلة، وكان ثقةً، صدوقاً، نزل بغداد على سعيد بن سَلْم، ولم يزل بها حتى مات في المحرم سنة (٢٠٨). أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٢ - (حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ) هو ابن مسلم، أبو يونس القشيريّ، وقيل: الباهليّ مولاهم البصريّ، وأبو صغيرة أبو أمه، وقيل: زوج أمه، ثقةٌ [٦] رَوَى عن عطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي مليكة، وسماك بن حرب، والنعمان بن سالم، وأبي قَزَعة، وغيرهم. وروى عنه شعبة، وابن المبارك، وابن أبي عديّ، والقطان، ورَوْح بن عُبادة، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، زاد أبو حاتم: صالح الحديث، وقال مسلم عن أحمد: ثقةٌ ثقةٌ، وقال العجليّ، والبزار في ((مسنده)): ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال هاشم بن مَرْثَد، عن ابن معين: لم يسمع من عكرمة شيئاً، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث، برقم (١٣٣٣) و(١٦٨٠) و(٢٠٨٥) و(٢٧٤٥) و(٢٨٥٩) و(٢٨٧٦). ٣ - (أَبُو قَزَعَةَ) سُويد بن حُجير الباهليّ البصريّ، ثقة [٤] (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦. ٢٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج والباقون ذُكروا في الباب. وقوله: (قَاتَلَ اللهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ) قال ابن الأثير تَخْذُهُ: ((قاتل الله اليهود))؛ أي: قتلهم الله، وقيل: لعنهم، وقيل: عاداهم، وقد تكرّرت في الحديث، ولا تخرُج عن أحد هذه المعاني، وقد تَرِد بمعنى التعجّب من الشيء؛ كقولهم: تربت يداه، وقد تَرِدُ ولا يراد بها وقوع الأمر، ومنه حديث عمر بنظُه: ((قاتل الله سمرة)). انتهى(١). وقوله: (فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هَذَا، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ) هذا فيه انتصار للمظلوم، وردّ الغيبة، وتصديق الصادق إذا كذّبه إنسان، والحارث هذا هو المذكور في السند الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٢٥٠] ( ... ) _(٢) (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْئَاءِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ لَّهِ عَنِ الْجَدْرِ، أَمِنْ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: ((إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ»، قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعاً؟ قَالَ: ((فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ»). (١) ((النهاية)) ١٢/٤ - ١٣. (٢) كتب بعض الشّرّاح هنا ترجمة: ((باب جَدْر الكعبة، وبابها))، وحذفته؛ لأن الحديثين من جملة أحاديث الباب الماضي، وهذا هو الذي فعله الأبيّ، والسنوسيّ في ((شرحيهما))، والقرطبيّ في (المفهم))، وأبو نعيم في ((المستخرج))، فكلّهم أدخلوا الحديثين في جملة أحاديث الباب الماضي، وهو الأظهر، فتأمل، والله تعالى وليّ التوفيق. ٢٣٧ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٥٠) رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الْخُراسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٨/٦١. ٢ - (أَبُو الْأَخْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ [٧] (ت١٧٩) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٥/٤. ٣ - (أَشْعَثُ بْنُ أَبِي الشَّعْشَاءِ) سليم بن الأسود المحاربيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ت١٢٥) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٣/١١. ٤ - (الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيد) بن قيس بن عبد الله النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ مخضرمٌ ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٢] (ت٤ أ٧٥) (ع) ((تقدم في ((الطهارة)) ٣٢ /٦٧٤. و((عائشة ﴿)) ذُكرت قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف بَّلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة. ٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخه، فخراسانيّ، ثم مكيّ، وعائشة غيرنا، فمدنيّة، وفيه عائشة ﴿ّا سبق الكلام عليها قريباً. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) ﴿َّا أنها (قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ عَنِ الْجَدْرِ) بفتح الجيم، وإسكان الدال المهملة: هو الحِجر، قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، وكذا هو في ((مسند مسدّد)) شيخ البخاريّ فيه، وفي رواية المستملي: ((الجدار)) قال الخليل: الْجَدْرُ لغة في الجدار. انتهى. وَوَهِم من ضبطه بضمها؛ لأن المراد الْحِجْرُ، ولأبي داود الطيالسيّ في ((مسنده)) عن أبي الأحوص شيخ مسدّد فيه: ((الْجَدْر، أو الحجر)) بالشك، ولأبي عوانة من طريق شيبان، عن الأشعث: ((الْحِجْر)) بغير شك. انتهى. (أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ) بَرِ (نَعَمْ))) أي: هو من جملة البيت، قال في ٢٣٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ((الفتح)): هذا ظاهره أن الحجر كله من البيت، وكذا قوله في الطريق الثانية(١): ((أَن أُدخل الجدر في البيت))، وبذلك كان يفتي ابن عباس ﴿ه، كما رواه عبد الرزاق، عن أبيه، عن مَرْثَد بن شُرَحبيل، قال: سمعت ابن عباس يقول: لو وَلِيتُ من البيت ما وَلِيَ ابن الزبير، لأدخلت الحجر كله في البيت، فَلِمَ یطاف به إن لم يكن من البيت؟ ورَوَى الترمذيّ، والنسائيّ من طريق علقمة، عن أمه، عن عائشة قالت: كنت أُحِبّ أن أصلي في البيت، فأخذ رسول الله وَ ﴿ بيدي، فأدخلني الْحِجْر، فقال: ((صلّي فيه، فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استقصروه حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت))، ونحوه لأبي داود، من طريق صفية بنت شيبة، عن عائشة، ولأبي عوانة من طريق قتادة، عن عروة، عن عائشة، ولأحمد من طريق سعيد بن جبير، عن عائشة، وفيه: ((أنها أرسلت إلى شيبة الْحَجَبِيّ ليفتح لها البيت بالليل، فقال: ما فتحناه في جاهلية ولا إسلام بليل)). وهذه الروايات كلها مطلقة، وقد جاءت روايات أصحّ منها مقيَّدةٌ: منها لمسلم من طريق أبي قَزَعَة، عن الحارث بن عبد الله، عن عائشة، في حديث الباب: ((حتى أزيد فيه من الْحِجر))، وله من وجه آخر، عن الحارث، عنها: «فإن بدا لقومك أن يبنوه بعدي، فَهَلُمِّي لأريك ما تركوا منه، فأراها قريباً من سبعة أذرع))، وله من طريق سعيد بن مٍيناء، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، في هذا الحديث: ((وزدت فيها من الْحِجْر ستة أذرع)). وعند البخاريّ في آخر بعض طرق الحديث أن يزيد بن رومان الذي رواه عن عروة أراه لجرير بن حازم، فحَزَره جرير ستة أذرع، أو نحوها . ولسفيان بن عيينة في ((جامعه)) عن داود بن شابور، عن مجاهد: أن ابن الزبير زاد فيها ستة أذرع مما يلي الحجر، وله عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن الزبير: ستة أذرع وشبر، وهكذا ذكر الشافعيّ عن عدد لقيهم من أهل العلم، من قريش، كما أخرجه البيهقيّ في ((المعرفة)) عنه. وهذه الروايات كلها تجتمع على أنها فوق الستة ودون السبعة، وأما (١) أي عند البخاريّ. ٢٣٩ (٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٥٠) رواية عطاء عند مسلم، عن عائشة مرفوعاً: ((لكنت أُدخل فيها من الحجر خمسة أذرع))، فهي شاذّة، والرواية السابقة أرجح؛ لِما فيها من الزيادة عن الثقات الحفاظ، قال: ثم ظهر لي لرواية عطاء وجه، وهو أنه أريدَ بها ما عدا الفرجة التي بين الركن والحجر، فتجتمع مع الروايات الأخرى، فإن الذي عدا الفرجة أربعة أذرع وشيء، ولهذا وقع عند الفاكهيّ من حديث أبي عمرو بن عديّ بن الحمراء: أن النبيّ وَّر قال لعائشة في هذه القصة: ((ولأدخلت فيها من الحجر أربعة أذرع))، فيُحْمَل هذا على إلغاء الكسر، ورواية عطاء على جبره، ويُجْمَع بين الروايات كلها بذلك. قال: ولم أر من سبقني إلى ذلك. انتهى كلام الحافظ تخذثه(١). قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت أن كون رواية عطاء بلفظ: ((خمسة أذرع)) شاذّةً هو الظاهر، فلا تنس نصيبك، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: ((إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ))) - بتشديد الصاد - أي: النفقة الطيبة التي أخرجوها لذلك، كما جزم به الأزرقيّ وغيره، ويوضحه ما ذكر ابن إسحاق في ((السيرة)) عن عبد الله بن أبي نَجِيح أنه أخبر عن عبد الله بن صفوان بن أمية، أن أبا وهب بن عابد بن عمران بن مخزوم، وهو جدّ جَعْدة بن هُبيرة بن أبي وهب المخزوميّ قال لقريش: لا تُدخلوا فيه من كسبكم إلا الطيب، ولا تدخلوا فيه مَهْرَ بَغِيّ، ولا بيع رِباً، ولا مظلمة أحد من الناس. ورَوَى سفيان بن عيينة في ((جامعه)) عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، أنه شهد عمر بن الخطاب أرسل إلى شيخ من بني زُهْرة أدرك ذلك، فسأله عمر عن بناء الكعبة، فقال: إن قريشاً تقربت لبناء الكعبة؛ أي: بالنفقة الطيبة، فعجزت، فتركوا بعض البيت في الحجر، فقال عمر: صدقت. انتهى. (قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعاً؟) زاد في رواية شيبان التالية: ((لا يُصعَد إليه إلا بسلّم)) (قَالَ: ((فَعَلَى ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا) (١) ((الفتح)) ٤٨٩/٤. ٢٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وجاء من رواية الحارث بن عبد الله، عن عائشة: ((فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يَدَعُونه يرتقي، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط)). (وَلَوْلًا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ) بتنوين ((حديثٌ))، ورفع ((عهدهم)) على الفاعليّة له، كما سبق. (فِي الْجَاهِلِيَّةِ) قال النوويّ تَخْتُهُ: هكذا هو في جميع النسخ: ((في الجاهليّة))، وهو بمعنى ((بالجاهليّة))، كما في سائر الروايات. انتهى(١)، ولفظ البخاريّ: ((بجاهليّة)) (فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ) وفي رواية شيبان، عن أشعث التالية: ((مخافة أن تَنْفِر قلوبهم)) بالفاء بدل الكاف، ونقل ابن بطال عن بعض علمائهم أن النَّفْرة التي خشيها وَلّ أن ينسبوه إلى الانفراد بالفخر دونهم. انتهى (٢). (لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وَأَنْ أَلْزِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ))) أي: ليتمكّن كلّ من أراد دخول البيت من الدخول فيه دون أن يلحقة مشقّة، مع أنه الموافق لما .1 فعله إبراهيم والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٥١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ - يَعْنِي ابْنَ مُوسَى - حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْنَاءِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ وَلَ عَنِ الْحِجْرِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثٍ أَبِي الْأَخْوَصِ، وَقَالَ فِيهِ: فَقُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعاً، لَا يُصْعَدُ إِلَيْهِ إِلَّا بِسُلَّم؟ وَقَالَ: ((مَخَافَةَ أَنْ تَنْفِرَ قُلُوبُهُمْ))). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ كان يتشيّع [٩] (ت٢١٣) على الصحيح (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤. ٢ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم، أبو معاوية النحويّ (١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٩٧. (٢) راجع: ((الفتح)) ٤٩٠/٤.