النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣٤)
وقوله: (ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ) فاعل ((ذَكَرَ)) ضمير سفيان بن
عيينة .
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أيوب هذه ساقها الإمام أحمد ◌َّتُهُ
في ((مسنده)) (١٥/٦) فقال:
(٢٣٩٦٨) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا سفيان، عن أيوب، عن
نافع، عن ابن عمر، دخل رسول الله وَّ﴿ يوم الفتح، وهو على ناقة لأسامة بن
زيد، فأناخ - يعني بالكعبة - ثم دعا عثمان بن طلحة بالمفتاح، فذهب يأتيه به،
فأبت أمه أن تعطيه، فقال: لتعطينه، أو يخرج بالسيف من صلبي، فدفعته إليه،
ففتح الباب فدخل، ومعه بلال، وعثمان، وأسامة، فأجافوا الباب عليهم مَلِيّاً،
قال ابن عمر: وکنت رجلاً شاباً قوياً، فبادرت الناس، فبدرتهم، فوجدت بلالاً
قائماً على الباب، فقلت: أين صلى رسول الله ◌َ﴾؟ فقال: بين العمودين
المقدَّمين، ونسيت أن أسأله كم صلى؟ انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٣٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّنُ (ح)
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ
لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ وَهُ
الْبَيْتَ، وَمَعَهُ أُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بَّنُ طَلْحَةَ، فَأَجَافُوا عَلَيْهِمِ الْبَابَ طَوِيلاً، ثُمَّ
فُتِحَ، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ، فَلَقِيتُ بِلَالاً، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللهِّ ◌َِِّ؟
فَقَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ، فَتَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ◌ِ؟).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ
م د س ق) ((تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (يَحْيَى) بن سعيد الْقَطَّانُ، أبو سعيد البصريّ، الإمام الحجة الثبت
الناقد، من كبار [٩] (ت١٩٨) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٨٥.

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان الواسطيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١٠] (ت٢٣٥) (خ م د
س ق) ((تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبت، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) ((تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥١.
٥ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظ
فاضلٌ [١٠] (ت٢٣٤) (ع) ((تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
٦ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨]
(ت١٨٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٩/٦١.
٧ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
العُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع)
تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٢/٢٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَأَجَافُوا عَلَيْهِم الْبَابَ) أي: أغلقوا، يقال: أجفتُ الباب: إذا
رددتَهُ، قال الشاعر [من الطويل]:
وَإِنْ تَقْعُدَا بِالْخَلْفِ فَالْخَلْفُ وَاسِعُ (١)
فَجِثْنَا مِنَ الْبَابِ الْمُجَافِ تَوَاتُراً
(بَيْنَ الْعَمُودَّيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ) وفي الرواية الآتية: ((صلى بين العمودين
اليمانيين))، و((الْعَمُود)) - بفتح العين، وضمّ الميم -: الخشبة التي يقوم عليها
البيت، جمعه: أَعْمِدَةٌ، وعُمُدٌ - بضمتين -، وعَمَدٌ - بفتحتين -، ويقال له:
العماد أيضاً، قاله في ((اللسان))، و((المصباح)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّقُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٣٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ
الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى
(١) ((لسان العرب)) ٣٥/٩.

١٨٣
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣٥)
الْكَعْبَةِ، وَقَدْ دَخَلَهَا النَّبِيُّ وَّهِ، وَبِلَالٌ، وَأُسَامَةُ، وَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ
الْبَابَ، قَالَ: فَمَكَثُوا فِيهِ مَلِيّاً، ثُمَّ فُتِحَ الْبَابُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ وَّهِ، وَرَقِيتُ الدَّرَجَةَ،
فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ ◌َِّ؟ قَالُوا: هَا هُنَا، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ
أَسْأَلَهُمْ كَمْ صَلَّى؟).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ) بن المبارك الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ
[١٠] (ت٢٤٤) (م ٤) تقدم في ((الجمعة)) ٦/ ١٩٧٢.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٦) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٣/٣٥.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ) بن أرطبان، أبو عون البصري، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ
[٥] (ت١٥٠) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٠٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَرَقِيتُ الدَّرَجَةَ) بكسر القاف، يقال: رَقِيتُ في السلّم وغيره
أَرْقَى، من باب تَعِب رُقِيّاً على فُعُولٍ، وَرَقَياً، مثل فَلْسٍ أيضاً، وارتقيتُ،
وترقّيتُ مثله، ورَقِيتُ السطحَ والجبلَ: علَوْتُهُ، يتعدّى بنفسه، قاله
الفيّوميّ ◌َذُهُ(١).
وقوله: (قَالُوا: هَا هُنَا، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُمْ كَمْ صَلَّى؟) قال
النوويّ تَخْتُ: هكذا وقعت هذه الرواية هنا، وظاهره أن ابن عمر سأل بلالاً
وأسامة، وعثمان جميعهم، قال القاضي عياض: ولكن أهل الحديث وَهَّنُوا هذه
الرواية، فقال الدارقطنيّ: وَهِمَ ابن عون هنا، وخالفه غيره، فأسندوه عن بلال
وحده، قال القاضي: وهذا هو الذي ذكره مسلم في باقي الطرق: ((فسألت
بلالاً، فقال))، إلا أنه وقع في رواية حرملة، عن ابن وهب: ((فأخبرني بلال،
وعثمان بن طلحة، أن رسول الله وَله( صلى في جوف الكعبة)). هكذا هو عند
عامة شيوخنا، وفي بعض النسخ: وعثمان بن أبي طلحة، قال: وهذا يعضد
(١) ((المصباح المنير)) ٢٣٦/١.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رواية ابن عون، والمشهور انفراد بلال برواية ذلك، والله أعلم. انتهى (١).
ونصّ الدارقطنيّ كَُّ: وأخرج مسلم عن حُميد بن مسعدة، عن خالد،
عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، عن أسامة وبلال، وعثمان: فسألتهم،
وهذا وَهِمَ فيه ابن عون، خالفه أيوب، وعبيد الله، ومالك، وغيرهم، فأسنده،
عن بلال وحده. انتهى كلام الدار قطنيّ كَّتُ(٢).
وقد ذكر الدارقطنيّ نَّهُ ممن خالف ابن عون في هذا: أيوب
السختيانيّ، وعبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، وكلهم عند مسلم، وأشار
بقوله: ((وغيرهم)) إلى أن هناك من خالفه أيضاً، فمنهم: فُليح بن سليمان، عند
البخاريّ في ((المغازي))(٣)، ويونس بن يزيد الأيليّ عند البخاريّ في ((المغازي))
أيضاً(٤)، كلّ هؤلاء عن نافع، فكلهم خالف ابن عون، فذكر سؤال بلال فقط.
فتبيّن بهذا أن ما ذهب إليه الدارقطنيّ من توهيم ابن عون في قوله:
((فسألتهم)) هو الظاهر.
والحاصل أن المحفوظ سؤال ابن عمر بلالاً ، فتكون رواية ابن عون
بلفظ: ((فقالوا:)) ((فسألتهم)) شاذّة، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٣٦] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ
رُمْحِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ
رَسُولُ اللهِ نَّةِ الْبَيْتَ هُوَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا
عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ فِي أَوَّلِ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلَالاً، فَسَأَلْتُهُ، هَلْ صَلَّى فِيهِ
رَسُولُ اللهِ وَلِ؟ قَالَ: نَعَمْ صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ).
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٦/٩.
(٢) راجع: ((بين الإمامين: مسلم، والدارقطنيّ)) للشيخ ربيع المدخليّ ص ٢٤٢ - ٢٤٧.
(٣) ((صحيح البخاري)) ((كتاب المغازي)) رقم (٤٢٨٩).
(٤) ((صحيح البخاري)) ((كتاب المغازي)) رقم (٤٤٠٠).

١٨٥
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣٦)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ رُمْح) هو: محمد بن رُمْح بن مهاجر التُّجِيبيّ مولاهم المصريّ،
ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٢) (م ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٨/١٦.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث
المصريّ، ثقة ثبتٌ إمام فقيه حجة [٧] (ت١٧٥) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة))
جـ٢ ص٤١٢.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة
الفقيه المشهور، من كبار [٤] (ت١٢٥) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٣٤٨.
٤ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العدويّ، أبو عمر، أو أبو
عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ مشهور [٣] (ت١٠٦) (ع) تقدم في
((الإيمان)) ١٤/ ١٦٢.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (وَلَجَ) بفتح الواو واللام، يقال: وَلَجَ الشيء في غيرِه يَلِجُ، من
باب وَعَد وُلُوجاً، وأولجته إيلاجاً: أدخلته(١).
وقوله: (بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ) تثنية يمان، نسبة إلى اليمن البلد
المعروف، على غير قياس؛ إذ القياس: يَمَنِيُّ، وفي ياءِ يَمَانٍ مذهبان:
[أحدهما]: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم يُنكر
التثقيل، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء؛ لتكون عوضاً عن التثقيل، فلا
يُثَقَّل؛ لئلا يجمع بين العِوَض، والْمُعَوَّض عنه.
[والثاني]: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدالّ
على النسبة تنبيهاً على جواز حذفها، قاله الفيّوميّ دَّتُهُ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الباب،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) ((المصباح المنير)) ٦٧١/٢.

١٨٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٣٧] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَِّ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَلَمْ
يَدْخُلْهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ أُغْلِقَتْ عَلَيْهِمْ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: فَأَخْبَرَنِي بِلَالٌ، أَوْ
عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ صَلَّى فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ
الْيَمَانِيَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) (م س ق) ((تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد الصريّ، ثقةٌ
حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت١٩٧) (ع) ((تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت١٥٩) (ع)
((تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ) هذه الرواية تردّ على رواية النسائيّ
المتقدّمة بأن الفضل بن عبّاس ﴿ما كان معهم، وقد تقدّم أنها رواية شاذّة،
فتنبّه .
وقوله: (فَأَخْبَرَنِي بِلَالٌ، أَوْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ) هكذا في هذه الرواية بالشكّ
فيمن أخبر ابن عمر، قال في ((الفتح)): ووقع في رواية يونس، عن ابن شهاب،
عند مسلم: ((فأخبرني بلالٌ، أو عثمان بن طلحة)) على الشكّ، والمحفوظ أنه
سأل بلالاً، كما في رواية الجمهور. انتهى(١).
فتبيّن بهذا أن رواية يونس هذه بالشك شاذّة، كرواية ابن عون الماضية،
(١) ((الفتح)) ٥٢٤/٤.

١٨٧
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣٨)
والمحفوظ أن السؤال لبلال فقط، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٣٨] (١٣٣٠) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً
عَنْ ابْنِ بَكْرٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: قُلْتُ
لِعَطَاءٍ: أَسَمِعْتَ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ: إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالطَّوَافِ، وَلَمْ تُؤْمِّرُوا بِدُخُولِهِ؟
قَالَ: لَمْ يَكُنْ يَنْهَى عَنْ دُخُولِهِ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَنَّ
النَّبِيَّ وَ﴿ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلُّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ فِهِ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا
خَرَجَ رَكَعَ فِي قُبُلِ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنٍ، وَقَالَ: ((هَذِهِ الْقِبْلَةُ))، قُلْتُ لَهُ: مَا نَوَاحِيهَا؟
أَفِي زَوَايَاهَا؟ قَالَ: بَلْ فِي كُلِّ قِبْلَةٍ مِنَ الْبَيْتِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنْظليّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيه إمام حجة مشهور [١٠] (٢٣٨) (خ م د ت س) ((تقدم في ((المقدمة)) ٢٨/٥.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر الكسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد،
ثقةٌ حافظ [١١] (ت٢٤٩) (خت م ت) تقدم في ((الإيمان)) ٧/ ١٣١.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسَانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ
[٩] (ت٢٠٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٩/٦٥.
٤ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم،
أبو خالد، وأبو الوليِّد المكيّ، ثقةٌ فقيه فاضل، يدلّس ويُرسل [٦] (ت١٥٠)
(ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ
ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت١١٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ظه، مات سنة (٥٨) تقدم في
((الإيمان)) ١٢٤/٦.
٧ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) بن حارثة الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ها، مات سنة
(٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨٤/٤٣.

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف كَُّ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم فرق بينهما؛ لاختلافهما في ذلك.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين من ابن جريج.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ
شرح الحديث:
عن ابن جريج أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ) أي: ابن أبي رباح (أَسَمِعْتَ ابْنَ
(يَقُولُ: إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالطَّوَافِ) أي: بالبيت (وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِدُخُولِهِ؟)
عَبّاس)
يعني أن دخول البيت ليس من النسك، وإنما النسك هو الطواف به، وفي
((مصنّف ابن أبي شيبة)): قال ابن عباس ◌ًا: ((يا أيها الناس إن دخولكم البيت
ليس من حجكم في شيء))، وسنده صحيح، قاله في ((العمدة))(١). (قَالَ) عطاء
(لَمْ يَكُنْ) أي: ابن عبّاس ◌ِ﴿ّه (يَنْهَى عَنْ دُخُولِهِ) أي: دخول البيت؛ لأنه وَله
دخله، ولكنه لا يراه من جملة النسك (وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ
زَيْدٍ) حبّ رسول الله وَّهُو، وابن حبّه ,
[تنبيه]: رواية المصنّف ◌َلَثُ هذه صريحة في أن ابن عبّاس ◌َّ رواه عن
أسامة، وفي رواية البخاريّ في ((الصلاة))، قال: حدّثنا إسحاق بن نصر، قال:
حدّثنا عبد الرزّاق، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: سمعت ابن عبّاس
قال: لَمَّا دخل النبيّ وَّ البيت دعا في نواحيه كلّها، ولم يُصلِّ حتى خرج منه،
فلمّا خرج ركع ركعتين في قُبُل الكعبة، وقال: ((هذه القبلة)). انتهى.
فجعله من حديث ابن عبّاس طه نفسه، دون واسطة أسامة ظُبه، وقد
رجّح في ((الفتح) رواية المصنّف، ونصّه: وأخرجه الإسماعيليّ، وأبو نعيم في
(مستخرجيهما))، من طريق إسحاق ابن راهويه، عن عبد الرزّاق، شيخ إسحاق بن
نصر فيه بإسناده هذا فجعله من رواية ابن عبّاس، عن أسامة بن زيد، وكذلك
(١) ((عمدة القاري)) ٢٤٦/٩.

١٨٩
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣٨)
رواه مسلم من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريج، وهو الأرجح. انتهى (١).
والذي يظهر أن رواية البخاريّ فيها إرسال، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم
بالصواب.
(أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ) أي: الكعبة؛ لأنه المراد عند الإطلاق،
فهو علَم عليه بالغلبة؛ لأن ((أل)) هنا للغلبة، كما قال في ((الخلاصة)):
وَقَدْ يَصِيرُ عَلَماً بِالْغَلَبَهْ مُضَافٌ أَوْ مَصْحُوبُ ((أَلْ)) كَـ((الْعَقَبَه))
أَوْجِبْ وَفِي غَيْرِهِمَا قَدْ تَنْحَذِفْ
وَحَذْفَ (أَلْ)» ذِي إِنْ تُنَادِ أَوْ تُضِفْ
(دَعَا) أي: طلب من الله ◌َك حاجته (فِي نَوَاحِيهِ) جمع ناحية؛ أي:
جوانب البيت، وسُمّيت الناحية؛ لأنك تنحوها؛ أي: تقصدها (كُلُّهَا) بالجرّ
توكيد لما قبله، وفي رواية النسائيّ: ((دخل رسول الله وَليل الكعبة، فسبّح في
نواحيها، وكبّر، ولم يُصلّ)). (وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ) أي: في داخل البيت، قد تقدّم
في المسألة السابعة من المسائل المذكورة في شرح حديث ابن عمر ظ
المذكور أول الباب الجمع بين نفي أسامة صلاته و 18 في الكعبة هنا، وبين
رَظُه لها هناك، فراجعه تستفد علماً جَمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
إثبات بلال
(حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ) أي: صلّى، أي: أطلق الجزء، وأراد الكلّ (فِي
قُبُلِ الْبَيْتِ) - بضم القاف، والموحدة، وقد تسكّن: أي مقابلها، أو ما استقبلك
منها، وهو وجهها (رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: ((هَذِهِ الْقِبْلَةُ))) الإشارة إلى ((الكعبة))، قيل:
المراد بذلك تقرير حكم الانتقال عن بيت المقدس، وقيل: المراد أن حكم من
شاهد البيت وجوب مواجهة عينه جزماً، بخلاف الغائب، وقيل: المراد أن
الذي أُمرتم باستقباله ليس هو الحرم كله، ولا مكة، ولا المسجد الذي حول
الكعبة، بل الكعبة نفسها، أو الإشارة إلى وجه الكعبة؛ أي: هذا موقف
الإمام، ويؤيده ما رواه البزار من حديث عبد الله بن حُبْشِيّ الْخَثْعَميّ، قال:
رأيت رسول الله ويقي يصلي إلى باب الكعبة، وهو يقول: ((أيها الناس إن الباب
قبلة))، قاله في ((الفتح))(٢) .
(١) ((الفتح)) ١٢٠/٢ ((الصلاة)) رقم (٣٩٨).
(٢) ((الفتح)) ١٢١/٢.

١٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقال النوويّ: قال الخطّابيّ: معناه أن أمر القبلة قد استقرّ على استقبال
هذا البيت، فلا يُنسخ بعد اليوم، فصلّوا إليه أبداً، قال: ويَحْتَمِل أنه علّمهم
سنّة موقف الإمام، وأنه يقف في وجهها دون أركانها، وجوانبها، وإن كانت
الصلاة في جميع جهاتها مجزئة. انتهى.
قال النوويّ: ويَحْتَمِل معنى ثالثاً، وهو أن معناه: هذه الكعبة هي
المسجد الحرام الذي أُمرتم باستقباله، لا كلّ الحرم، ولا مكة، ولا كلّ
المسجد الذي حول الكعبة، بل الكعبة نفسها فقط. انتهى(١).
وقال السنديّ: الإشارة إلى الكعبة المشرّفة، أو جهتها، وعلى الثاني
الحصر واضح، وعلى الأول باعتبار من كان داخل المسجد، أو من كان
بمكة. انتهى.
قال ابن جريج: (قُلْتُ لَهُ) أي: لعطاء (مَا نَوَاحِيهَا؟ أَفِي زَوَايَاهَا؟)
بالفتح: جمع زاوية، وزاوية البيت اسم فاعل من زويت الشيء أزويه: إذا
جمعته، وسُمّيت بذلك لأنها جمعت قُظْراً منه(٢). (قَالَ: بَلْ فِي كُلِّ قِبْلَةٍ مِنَ
الْبَيْتِ)؛ أي: في كلّ جهة منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسامة بن زيد ظه هذا من أفراد
المصنّف تَخْذَهُ، وأخرجه البخاريّ من حديث ابن عبّاس ﴿ّ في ((الصلاة))
(٣٩٨) كما أسلفت بيانه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٣٨/٦٦] (١٣٣٠)، و(النسائيّ) في ((مناسك
الحجّ)) (٢٢٠/٥ - ٢٢١) و((الكبرى)) (٣٩٤/٢ - ٣٩٥)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (٧٨/٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٥٢/٥)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٢٠١/٥ و٢٠٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٤٣٢ و٣٠٠٣)،
-
(١) ((شرح النوويّ)) ٩/ ٨٧.
(٢) راجع: ((المصباح المنير)) ٢٦٠/١.

١٩١
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجٌ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣٩)
و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٢٠٨)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٥/٤)
و(الضياء) في ((المختارة)) (١٠٤/٤ و١٢١ و١٢٢)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط))
(١٥٨/٥)، و((الكبير)) (٣٠٣/١١ و٢٠/١٢)، و(الدارقطنيّ) في ((سننه)) (٢/
٥٢)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٦٥٣/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢/
٣٢٨) و((الصغرى)) (١٨٣/١) و((المعرفة)) (٤٨٤/١ و١٦١/٢ و٤٣٠/٧)،
و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٤٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٣٩] (١٣٣١) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ،
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، وَفِيهَا سِتُّ سَوَارٍ، فَقَامَ عِنْدَ سَارِيَةٍ،
فَدَهَا، وَلَمْ يُصَّلِّ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ،
ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت٥ أو٢٣٦) وله بضع و(٩٠) سنةً (م د س)
تقدم في ((الإيمان)» ١٥٧/١٢.
٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر
البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) ((تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف نَظّثهُ، كلاحقه، وهو (٢٠١) من
رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفاً.
شرح الحديث:
﴿ه (أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ دَخَلَ الْكَعْبَةَ، وَفِيهَا سِتُّ سَوَارٍ)
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
بالفتح: جمع سارية، كجارية، وجوارٍ، وهي الأسطوانة (١). (فَقَّامَ عِنْدَ سَارِيَةٍ،
فَدَهَا، وَلَمْ يُصَلِّ) قال الشوكانيّ كَُّ: هذا يعارضه ما تقدّم عن ابن عمر .
أنه سأل بلالاً: هل صلى النبيّ وَّه في الكعبة؟ فأخبره بأنه صلى فيها، قال:
ويقدّم عليه بأنه مُثبت، وهو أولى من النافي، ومن تأوّل حديث بلال بأنه أراد
بالصلاة الدعاء فخروج عن الظاهر.
[فإن قيل]: يُرتَكَب للجمع بين الأحاديث.
[قيل]: تأويلٌ ينفيه الصريح، وهو ما في البخاريّ عن ابن عمر ﴿يا قال:
فسألت بلالاً: صلى النبيّ و ◌َله في الكعبة؟ قال: نعم ركعتين بين الساريتين على
يساره، إذا دخلتَ، ثم خرج، فصلى في وجه الكعبة ركعتين.
قال: لكنه معارَضٌ بما في ((الصحيحين)) من قول ابن عمر: ونسيت أن
أسأله كم صلى؟
قال: وما قد يقال: عدم سؤاله لا يستلزم عدم إخباره: ليس بشيء لمن
تأمل السياق، فالأولى أن يُجمَع بينهما بأنه وََّ دخلها يوم النحر، فلم يصلّ،
ودخلها من الغد فصلى، وذلك في حجة الوداع، وهو مرويّ عن ابن عمر ظّ
بإسناد حسن، أخرجه الدار قطنيّ، فيُحْمَل حديث ابن عباس ظًّا عليه. انتهى
كلام الشوكانيّ ◌َّتُهُ(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: بإسناد حسن، هذا قاله قبله السهيليّ في
((الروض الأنف))، كما عزاه إليه الزيلعيّ، لكن في تحسينه نظر؛ لأن في إسناده
محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال عنه في ((التقريب)): صدوقٌ سيّىء
الحفظ جدّاً، فتفرّده بمثل هذا الحديث مما يُحتَمَل، فالحديث ضعيف، فتنبّه،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ها هذا من أفراد المصنّف ◌َّهُ.
(١) ((المصباح المنير)) ٢٧٦/١.
(٢) ((فتح القدير)) ٢/ ١٥١.

١٩٣
(٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجٌ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٤٠)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٣٩/٦٦] (١٣٣١)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٢٣٧/١ و٣١١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٨٢/٧)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٥/٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٤٠] (١٣٣٢) - (وَحَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنِي هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، صَاحِبٍ رَسُولِ اللهِ وَّ:
أَدَخَلَ النَّبِيُّ ◌َِّ الْبَيْتَ فِي عُمْرَتِهِ؟ قَالَ: لَا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ
الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت٢٣٥) (خ م س) تقدم في ((الإيمان)) ٢٠٩/٢٥.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي
خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (١٨٣) (ع)
((تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ مولاهم، أبو عبد الله
الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٩.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ
الصحابيّ، مات رَ ته (٨٧) (ع) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٧٢/٤١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، كسابقه، وهو (٢٠٢) من
رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفاً.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والقول.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة ﴿ه، شَهِدَ الْحُديبية،
وعُمِّر بعد النبيّ وَّيّ دهراً، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة
.

١٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
شرح الحديث:
عن إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ؛ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى) واسم
أبيه خالد بن علقمة بن الحارث (صَاحِبٍ رَسُولِ اللهِ وَّ هِ: أَدَخَلَ النَّبِيُّ ◌َهُ
الْبَيْتَ) أي: الكعبة؛ لما سبق أنه علم بالغلبة عليها (فِي عُمْرَتِهِ؟) المراد بها
عمرة القضاء التي كانت سنة سبع من الهجرة قبل فتح مكة.
ولفظ البخاريّ: اعتمر رسول الله وَلقول، فطاف بالبيت، وصلى خلف
المقام ركعتين، ومعه مَن يَستُره من الناس، فقال له رجل: أدخل رسول الله وَليه
الكعبة؟ قال: لا .
(قَالَ: لَا) قال النوويّ كَثُ: هذا مما اتفقوا عليه، قال العلماء: وسبب
عدم دخوله وَّ ما كان في البيت من الأصنام والصُّوَر، ولم يكن المشركون
يتركونه لتغييرها، فلما فتح الله تعالى عليه مكة دخل البيت، وصلى فيه، وأزال
الصُّوَر قبل دخوله. انتهى(١).
يعني ثم دخلها، فقد أخرج البخاريّ عن ابن عباس ﴿هًا قال: إن
رسول الله ◌َ﴿ لَمّا قَدِمَ أبى أن يدخل البيت، وفيه الآلهة، فأمر بها، فأُخرجت،
فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام، فقال رسول الله وكلمته:
((قاتلهم الله، أما والله لقد عَلِمُوا أنهما لم يستقسما بها قط))، فدخل البيت،
فکېّر في نواحیه، ولم يصلّ فیه.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون دخول البيت لم يقع في الشرط - أي:
شرط صلح الحديبية - فلو أراد دخوله لمنعوه، كما منعوه من الإقامة بمكة زيادة
على الثلاث، فلم يقصد دخوله؛ لئلا يمنعوه، وفي ((السيرة)) عن عليّ رَظُه أنه
دخلها قبل الهجرة، فأزال شيئاً من الأصنام، وفي ((الطبقات)) عن عثمان بن
طلحة نحو ذلك، فإن ثبت ذلك لم يُشكل على الوجه الأول؛ لأن ذلك الدخول
كان لإزالة شيء من المنكرات، لا لقصد العبادة، والإزالة في الهدنة كانت غير
ممكنة، بخلاف يوم الفتح.
[تنبيه]: استدل المحبّ الطبريّ بهذا الحديث على أنه وَّ دخل الكعبة
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٨/٩.

١٩٥
(٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤١)
في حجته، وفي فتح مكة، ولا دلالة فيه على ذلك؛ لأنه لا يلزم من نفي كونه
دخلها في عمرته أنه دخلها في جميع أسفاره، قاله في ((الفتح)) (١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن أبي أوفى ظبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٤٠/٦٦] (١٣٣٢)، (والبخاريّ) في ((الحجّ))
(١٦٠٠)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٩٠٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤/
٣٥٥)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٦/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنة)) (٧/
١٣١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٦٧) - (بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٢٤١] (١٣٣٣) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِنَّ: ((لَوْلَا حَدَاثَةُ
عَهْدِ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَجَعَلْتُهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّ قُرَيْشاً
حِينَ بَنَتِ الْبَيْتَ اسْتَقْصَرَتْ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفً))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس
لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت١٩٥) (ع) تقدم
في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
(١) (الفتح)) ٥٢٨/٤ - ٥٢٩.

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربما دلّس
[٥] (ت٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ
مشهور [٣] (ت٩٤) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ٢ ص٤٠٧.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿ّا، ماتت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في ((شرح
المقدّمة)) ج١ ص٣١٥.
وقوله: (اسْتَقْصَرَتْ) أي: اقتصرت على هذا القدر في البناء؛ لقصور
النفقة عن تمامه، وفي الأخرى: ((اقتصروا عن قواعد إبراهيم)، وفي الأخرى:
((فإن قريشاً اقتصرتها))، وفي الأخرى: ((استقصروا من بنيان البيت))، وفي
الأخرى: ((قصروا في البناء))، وفي الأخرى: ((قصرت بهم النفقة))، قال
العلماء: هذه الروايات كلها بمعنى واحد، ومعنى ((استقصرت)): قَصَرَت عن
تمام بنائها، واقتصرت على هذا القدر؛ لقصور النفقة بهم عن تمامها، ذكره
النوويّ ◌َخْذَلُهُ(١).
وقوله: (وَلَجَعَلْتُ لَهَا خَلْفاً) - بفتح الخاء المعجمة، وإسكان اللام،
وبالفاء، هذا الصحيح المشهور، والمراد به باباً من خَلْفها، وقد جاء مفسّراً في
الرواية الأخرى: ((ولجعلت لها باباً شرقيّاً، وباباً غربيّاً))، وفي ((صحيح
البخاريّ)): قال هشام: ((خَلْفاً)) يعني باباً، وفي الرواية الأخرى لمسلم: ((بابين:
أحدهما يُدْخَل منه، والآخر يُخْرَج منه))، وفي رواية البخاريّ: ((ولجعلت لها
خَلْفين))، قال القاضي: وقد ذكر الحربيّ هذا الحديث هكذا، وضبطه ((خِلْفَين))
بكسر الخاء، وقال: الخالفة عَمُود في مُؤَخَّر البيت، وقال الهرويّ: ((خَلْفين))
بفتح الخاء، قال القاضي: وكذا ضبطناه على شيخنا أبي الحسين، قال: وذكر
الهرويّ، عن ابن الأعرابيّ أن الخلف الظهرُ، وهذا يفسر أن المراد الباب،
كما فسّرته الأحاديث الباقية، والله أعلم. انتهى(٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يأتي فيما بعده، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه
(١) ((شرح النوويّ)) ٨٨/٩ - ٨٩.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٨٩/٩ - ٩٠.

١٩٧
(٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٢ - ٣٢٤٣)
أتمّ مما هنا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تََّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٤٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، أحد مشايخ
الجماعة دون واسطة [١٠] (ت٢٤٧) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من
كبار [٩] (ت١٩٩) (ع) ((تقدم في ((المقدمة)) ٥/٢.
و ((هشام)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية ابن نمير، عن هشام بن عروة هذه ساقها الإمام أحمد تَخْتُهُ
في ((مسنده)) مقروناً بأبي أسامة (٥٧/٦) فقال:
(٢٤٣٤٢) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا ابن نُمَير، ثنا هشام
وأبو أسامة، قال: أنا هشام المعنى، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال
رسول الله قال: ((لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة، ثم جعلتها
على أسّ إبراهيم علّ*، فإن قريشاً يوم بَنَتْها استَقْصَرت، ولجعلتُ لها خَلْفاً))،
قال أبو أسامة: ((خِلْفاً)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٤٣] ( ... ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَن
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ،
أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((أَلَمْ
تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا

١٩٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَوْلَا حِدْثَانُ
قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ)). فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّهِ، مَا أُرَى رَسُولَ اللهِ وَّهِ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ،
إِلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم أيضاً في الباب الماضي.
٣ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب، تقدّم أيضاً في الباب
الماضي .
٤ - (عَبْدُ اللهُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ) التيميّ المدنيّ، أخو
القاسم، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عائشة في قصة بناء الكعبة، وعنه سالم بن عبد الله بن عمر،
ونافع مولى ابن عمر، قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ورَوَى
أبو داود في ((الطهارة)) من حديث أبي حَزْرَة يعقوب بن مجاهد: ثنا عبد الله بن
محمد، أبو عتيق أخو القاسم بن محمد، قال: كنا عند عائشة، فذكر حديث:
((لا صلاة بحضرة طعام))، كذا في روايته، والحديث قد رواه مسلم من حديث
أبي حَزْرة، عن عبد الله بن أبي عتيق، وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن
أبي بكر الصديق، وهو المحفوظ، وأبو عتيق هو محمد والد هذا، وابن عم
القاسم بن محمد وأخيه، وقال مصعب الزبيريّ: أمه أم ولد، قُتِل بالحرّة،
وكانت الحرّة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم
إلا هذا الحديث، وأعاده هنا بعده.
والباقيان ذُكر قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف رَّتُهُ.

١٩٩
(٦٧) - بَابُ نَقْضِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا - حديث رقم (٣٢٤٣)
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو
داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض: ابن
شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن محمد، ورواية الأخيرين من رواية
الأقران.
٤ - (ومنها): أن عائشة يا حبيبة رسول الله وَلؤل، وبنت حبيبه ضيها، أفقه
النساء مطلقاً، وأفضل أزواج النبيّ وَ ر إلا خديجة، ففيه خلاف، ومن المكثرين
السبعة، روت (٢٢١٠) والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطاب (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ
أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيَقِ، أَخْبَرَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ) بنصب ((عبد الله)) على المفعولية،
وظاهره أن سالماً كان حاضراً لذلك، فيكون من روايته، عن عبد الله بن
محمد، وقد صرّح بذلك أبو أويس، عن ابن شهاب، لكنه سماه عبد الرحمن بن
محمد، فَوَهِم، أخرجه أحمد، وأغرب إبراهيم بن طهمان، فرواه عن مالك،
عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أخرجه الدارقطنيّ في ((غرائب مالك))،
والمحفوظ الأول، وقد رواه معمر، عن ابن شهاب، عن سالم، لكنه اختصره.
وأخرجه مسلم في الرواية التالية من طريق نافع، عن عبد الله بن محمد بن
أبي بكر(١)، عن عائشة، فتابع سالماً فيه، وزاد في المتن: ((ولأنفقت كنز
الكعبة))، قال الحافظ: ولم أر هذه الزيادة إلا من هذا الوجه، ومن طريق
أخرى، أخرجها أبو عوانة، من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن
الزبير، عن عائشة.
(عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَّهِ﴾ ◌َّا (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ن ◌َِّ قَالَ: ((أَلَمْ تَرَيْ)
خطاب للمرأة، وجزمه بحذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة التي رفعها
(١) وقع في السند التالي: عبد الله بن أبي بكر بن أبي قحافة، منسوباً إلى جدّه، وسننبّه
عليه هناك - إن شاء الله تعالى -.

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
بثبوت النون، ونصبها، وجزمها بحذفها؛ أي: ألم تعلمي (أَنَّ قَوْمَكِ) أي:
قريشاً (حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ) لتضرّرها بالسيول، أو لاحتراقها بسبب شِرارة مِجْمَرَةٍ
امرأة من قريش، أجمرتها .
أخرج عبد الرزاق، ومن طريقه الحاكم، والطبرانيّ من حديث أبي
الطُّفيل، قال: ((كانت الكعبة في الجاهليّة مبنية بالرَّضْم، ليس فيها مَدَر، وكانت
قدر ما يقتحمها الْعَنَاق، وكانت ثيابها توضع عليها تُسْدَل سَدْلاً، وكانت ذات
ركنين، كهيئة هذه الحلقة (١) فأقبلت سفينة من الروم، حتى إذا كانوا قريباً من
جُدّة انكسرت، فخرجت قريش لتأخذ خشبها، فوجدوا الروميّ الذي فيها
نجّاراً، فقَدِمُوا به، وبالخشب ليبنوا به البيت، فكانوا كلما أرادوا القرب منه
لهدمه بدت لهم حيّة فاتحة فاها، فبعث الله طيراً أعظم من النسر، فغرز مخالبه
فيها، فألقاها نحو أجياد، فهدمت قريش الكعبة، وبنوها بحجارة الوادي،
فرفعوا في السماء عشرين ذراعاً، فبينما النبيّ وَل* يحمل الحجارة من أجياد،
وعليه نَمِرة، فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه، فبدت عورته من
صغرها، فنودي: يا محمد خمّر عورتك، فلم يُرَ عرياناً بعد ذلك، وكان بين
ذلك، وبين المبعث خمس سنين))، قال معمر: وأما الزهريّ، فقال: ((لما بلغ
رسول الله * الحلم أجمرت امرأة الكعبة، فطارت شرارة من مجمرها في
ثياب الكعبة، فاحترقت، فتشاورت قريش في هدمها، وهابوه، فقال الوليد:
إن الله لا يُهلك من يريد الإصلاح، فارتقى على ظاهر البيت، ومعه العباس،
فقال: اللَّهم لا نريد إلا الإصلاح، ثم هدم، فلما رأوه سالماً تابعوه))، قال
عبد الرزاق: وأخبرنا ابن جريج، قال: قال مجاهد: ((كان ذلك قبل المبعث
بخمس عشرة سنة))، وكذا رواه ابن عبد البرّ من طريق محمد بن جبير بن مطعم
بإسناد له، وبه جزم موسى بن عقبة في ((مغازيه))، والأول أشهر، وبه جزم ابن
إسحاق.
ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدّم وقته على الشروع في البناء.
وذكر ابن إسحاق: ((أن السيل كان يأتي، فيصيب الكعبة، فيتساقط من
(١) إشارة إلى حلقة مدوّرة رُسمت في نسخة. ((الفتح)) ٤٨٦/٤.