النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ (٦٦) - بَابُ اسْتِخْبَابِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣١) (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٣١/٦٦ و٣٢٣٢ و ٣٢٣٣ و٣٢٣٤ و٣٢٣٥ و٣٢٣٦ و٣٢٣٧] (١٣٢٩)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٥٠٥)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (٢٠٢٣)، و(النسائيّ) في ((القبلة)) (٦٣/٢) و((الكبرى)) (٢٧١/١)، و(مالك) في ((الموظٍّ)) (٣٩٨/١)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١١٥/١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٣/٢ و٥٥)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٢٠٤)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٣٤٥/١)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٦/٢ -٣٢٧) و((المعرفة)) (١٦٠/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (٤٤٧)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): رواية المصنف هنا: ((جعل عمودين عن يساره، وعموداً عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه))، وفي رواية أيوب: ((قال: بين العمودين تلقاء وجهه))، وفي رواية عبيد الله: ((بين العمودين المقدّمين))، وفي رواية سالم، عن أبيه: ((صلّى بين العمودين اليمانيين))، وكلّها عند المصنّف. وفي رواية للبخاريّ: ((جَعَل عموداً عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه)) . قال الحافظ ولي الدين العراقيّ كَخَُّهُ: قوله: ((جعل عموداً عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه))، كذا في رواية البخاريّ عن إسماعيل بن أبي أويس، وكذا في رواية أبي داود عن القعنبي، كلاهما عن مالك، وفي رواية البخاريّ، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك: ((جعل عمودین عن يساره، وعموداً عن يمينه)). ونقل ابن عبد البر في ((التمهيد)) اللفظ الأول عن الأكثر من رواة ((الموطا)): منهم يحيى بن يحيى الأندلسيّ، والقعنبيّ، وابن القاسم، وأبو مصعب، وابن بُكير، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن سليمان، وأحمد بن إسماعيل، وابن مهديّ، من رواية أحمد بن سنان القطّان عنه، والشافعيّ، من رواية أبي يحيى، محمد بن سعيد العطار، عنه. ونقل اللفظ الثاني عن إسحاق بن الطبّاع، ومكيّ بن إبراهيم، وأبي قلابة، عن بشر بن عمر، وبندار، عن ابن مهديّ، كلهم عن مالك. ١٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ونقل اللفظ الثالث عن يحيى بن يحيى النيسابوريّ، وبندار، عن بشر بن عمر، والربيع، عن الشافعيّ، كلهم عن مالك، قال: ورواه عثمان بن عمر، عن مالك، فقال فيه: ((جعل عمودين عن يمينه، وعمودين عن يساره))، وقال: ولم يُتَابَع على هذه الرواية، قال: والرواية الأولى أولى بالصواب، إن شاء الله. وصحح البيهقيّ أيضاً هذه الرواية. وقال الحافظ العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): وهي موافقة لكونه مقابل الباب، وفي رواية في ((الصحيح)) أيضاً: ((صلى بين العمودين اليمانيين)). وإذا تقرر ترجيح الرواية الأولى، فلا ينافيها قوله في الرواية الثانية: ((عموداً عن يمينه، وعموداً عن يساره))؛ لأن معناها: صلى بين عمودين، وإن كان بجانب أحد العمودين عمود آخر، ولا قوله في الرواية الأخيرة: ((بين العمودين اليمانيين))، فإن العَمَد الثلاثة، أحدها يمانيّ، وهو الأقرب إلى الركن اليمانيّ، والآخر، وهو الأقرب إلى الحجر شاميّ، والأوسط بينهما، إن قُرن بالأول، قيل: اليمانيان، وإن قرن بالثاني، قيل: الشاميان، ذكره المحبّ الطبريّ، وهو واضح. وأما الرواية الثالثة، فإنه يَتَعَذَّر الجمع بينها، وبين الأولى، فهي ضعيفة؛ الشذوذها، ومخالفتها رواية الأكثرين، كما تقدم. وأما الرواية الرابعة، فهي مقطوع بوهمها؛ إذ ليس هناك أربعة أعمدة، حتى يكون عن يمينه اثنان، وعن يساره اثنان. انتهى (١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب دخول الكعبة، لكنه مشروط بأن لا يؤذي أحداً، وسيأتي البحث فيه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): بيان جواز الصلاة في الكعبة، وسيأتي بيان اختلاف العلماء في ذلك في المسألة السادسة - إن شاء الله تعالى -. (١) ((طرح التثريب)) ١٣٦/٥ - ١٣٧. ١٦٣ (٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجٌ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣١) ٣ - (ومنها): رواية الصحابيّ، عن الصحابيّ، وسؤال المفضول مع وجود الأفضل، والاكتفاء به. ٤ - (ومنها): الاحتجاج بخبر الواحد. ٥ - (ومنها): اختصاص السابق بالبقعة الفاضلة. ٦ - (ومنها): السؤال عن العلم، والحرص فيه. ٧ - (ومنها): فضيلة ابن عمر رضيها حيث كان شديد الحرص على تتبع آثار النبيّ وَّ؛ ليعمل بها . ٨ - (ومنها): أن الفاضل من الصحابة ﴿ه قد يغيب عن النبيّ وَّ في بعض المشاهد الفاضلة، ويحضره من هو دونه، فيَطَّلِعِ على ما لم يَطّلع عليه؛ لأن أبا بكر وعمر ﴿ه وغيرهما، ممن هو أفضل من بلال عظاته، ومن ذكر معه، لم يشاركوهم في ذلك. ٩ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ ◌َُّ استَدَلّ بهذا الحديث على أن الصلاة إلى مقام إبراهيم غير واجبة، وعلى جواز الصلاة بين السواري في غير جماعة. ١٠ - (ومنها): ما قيل: إن السترة إنما يشرع اتخاذها حيث يخشى المرور، فإنه والف صلى بين العمودين، ولم يصلّ إلى أحدهما، لكن هذا - كما قال الحافظ - فيه أنه إنما ترك ذلك للاكتفاء بالقرب من الجدار؛ إذ كان بين مصلاه وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع، ولذلك استَدَلّ النسائيّ به على مقدار الدنو من السترة. ١١ - (ومنها): أن قول العلماء: تحية المسجد الحرام الطواف مخصوص بغير داخل الكعبة؛ لكونه والر جاء، فأناخ عند البيت، فدخله، فصلى فيه ركعتين، فكانت تلك الصلاة، إما لكون الكعبة كالمسجد المستقلّ، أو هو تحية المسجد العامّ. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ذكر الحافظ تَّلُهُ، ولي فيه نظر؛ إذ تحية المسجد الحرام ركعتان، كسائر المساجد؛ لأنه داخل في عمومها، وأما ما ثبت من أنه * أول ما بدأ به في حجه الطواف، فلا يتنافى معه؛ لأنه طاف، ثم صلى ركعتين، والنهي إنما جاء عن الجلوس قبل الركعتين. ١٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج والحاصل: أن السنة لمن أحرم بأحد النسكين أن يبدأ بالطواف، ومعلوم أن الطواف بعده ركعتان، وأما غيره فإن أراد أن يطوف طاف، وصلى ركعتين، وإلا صلى ركعتين، بدليل حديث الباب، والله تعالى أعلم بالصواب. ١٢ - (ومنها): بيان مشروعية إغلاق الكعبة، ويقاس عليها غيرها من المساجد، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اُللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]: إن المراد إغلاقها في غير وقت الصلاة. وبوّب الإمام البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)) على هذا الحديث: ((باب الأبواب، والغَلَق للكعبة والمساجد)). وقال ابن بطال تَخْتُ: اتخاذ الأبواب للمساجد واجب؛ لِتُصان عن مكان الرِّيَبِ، وتنزّه عما لا يصلح فيها من غير الطاعات، قاله وليّ الدين كَظُّهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: ويدلّ له حديث عائشة ◌َّا، قالت: ((أمر رسول الله وَ﴿ ببناء المساجد في الدور، وأن تُنَظَّف، وتُطَيَّب))، وهو حديث صحيح رواه أصحاب السنن إلا النسائيّ، وعن سمرة بن جندب رظه، قال: ((أمرنا رسول الله ﴿ أن نتخذ المساجد في ديارنا، وأمرنا أن ننظفها)). رواه أحمد بإسناد صحيح، والترمذي، وصححه، والمراد بالدار: المحلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الخامسة): في هذا الحديث استحباب دخول الكعبة، اقتداء بالنبيّ وََّ، وهذا متَّفقٌ عليه، وقد ورد الترغيب فيه في حديث رواه البيهقيّ، من حديث ابن عباس ظها، قال: قال رسول الله وَله: ((من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة مغفوراً له))، قال البيهقيّ: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف. وقال المحب الطبريّ: هو حديث حسنٌ غريبٌ. قال الجامع عفا الله عنه: كيف يكون حسناً، وقد تفرّد عبد الله بن المؤمّل، وهو ضعيف؟ والحقّ أنه ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. ومحلّ استحبابه إذا لم يؤذ بدخوله أحداً لزحمة ونحوها، قال (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٣٣. ١٦٥ (٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجٌّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣١) الشافعيّ كْتُ: وأستحب دخول البيت إن كان لا يؤذي أحداً بدخوله، ورَوَی أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، عن عائشة ﴿ّا قالت: خرج النبيّ وَّ من عندي، وهو قرير العين، طيِّب النفس، فرجع إليّ، وهو حزين، فقلت له، فقال: ((إني دخلت الكعبة، ووددت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي))، لفظ الترمذيّ، وقال: حسن صحيح، ورواه الحاكم في ((مستدركه))، وصححه، ولعلّ معناه: إتعابهم بتجشم المشقة في الدخول، مع تعسّر ذلك. قال الجامع عفا الله عنه: قول الترمذيّ: ((حسن صحيح))، وكذا تصحيح الحاكم فيه نظر، بل هو ضعيف؛ لأن في سنده إسماعيل بن عبد الملك، قال عنه أحمد: منكر الحديث. وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)) عن ابن عباس ظها أنه قال: يا أيها الناس إن دخولكم البيت ليس من حجكم في شيء، وعن إبراهيم النخعيّ في الحاج: إن شاء دخل الكعبة، وإن شاء لم يدخلها، وعن خيثمة: لا يضرك والله أن لا تدخله، وعن عطاء: إن شئت فلا تدخله، قال وليّ الدين تَظُّ: وما ذكره هؤلاء لا ينافي استحباب دخوله، وإنما ذكروا ذلك؛ لئلا يتوهم وجوبه أيضاً، فإنه ليس من جملة المناسك، بل هو مستحبّ مستقلٌّ، والله أعلم. انتهى(١). وقال في ((الفتح)): وحَكَى القرطبيّ عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج. وردّه بأن النبيّ وَّه إنما دخله عام الفتح، ولم يكن محرماً. قال: وأما ما رواه أبو داود، والترمذي، وصححه هو، وابن خزيمة، والحاكم عن عائشة ريا: أنه خرج من عندها وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب، فقال: ((دخلت الكعبة، فأخاف أن أكون شققت على أمتي))، فقد يُتَمَسّك به لصاحب هذا القول المحكيّ؛ لكن عائشة لم تكن معه في الفتح، ولا في عمرته، بل ثبت أنه لم يدخل في الكعبة في عمرته، فتعيّن أن القصة كانت في حجته، وهو المطلوب، وبذلك جزم البيهقيّ، وإنما لم يدخل في (١) ((طرح التثريب)) ١٣٠/٥ - ١٣١. ١٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج الكعبة في عمرته؛ لِما كان في البيت من الأصنام، والصور، وكان إذ ذاك لا يتمكن من إزالتها، بخلاف عام الفتح. ويَحْتَمِل أن يكونِ وَّ قال ذلك لعائشة يقا بعد رجوعه، فليس في السياق ما يمنع ذلك، ونُقل عن جماعة من العلماء أنه لم يدخل الكعبة في حجته، أفاده في ((الفتح))(١). قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الذي ذكره الحافظ بأنه قال لها ذلك في المدينة، وأنه ليس في السياق ما يمنعه، عندي بعيد، بل السياق يأباه، إلا بتكلف، فإن قوله: ((خرج من عندها، وهو قرير العين، ثم رجع وهو كئيب)) ظاهر في كون ذلك في مكة، والقول بأنه لم يدخل في حجته البيت لا دليل عليه، فالظاهر ما جزم به البيهقيّ، من أنه دخل في حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة في الكعبة: قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ تَخّْثُ ما حاصله: في هذا الحديث جواز الصلاة في الكعبة، وهذه الصلاة، وإن كانت نافلة، فالفريضة في معناها؛ لأن الأصل استواء الفرض والنفل في الأركان والشرائط، إلا ما استثني بدليل. وبهذا قال الشافعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأحمد، والجمهور، كما حكاه النوويّ. وقال الترمذيّ: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم لا يرون بالصلاة في الكعبة بأساً، وقال مالك بن أنس: لا بأس بالصلاة النافلة في الكعبة، وكَرِه أن تصلى المكتوبة في الكعبة، وقال الشافعيّ: لا بأس أن تصلى المكتوبة، والتطوع في الكعبة؛ لأن حكم المكتوبة والنافلة في الطهارة والقبلة سواء. انتھی . وقال بجواز الصلاة مطلقاً في الكعبة من المالكية: أشهب، وصححه منهم ابن العربيّ، وابن عبد البرّ، والمشهور من مذهب مالك جواز صلاة النافلة فيها، والمنع من الفرض، والسنن؛ كالوتر، وركعتي الفجر، وركعتي الطواف. وقَيّد ابن بطال عنه ذلك بالطواف الواجب، وإطلاق الترمذيّ عن مالك (١) ((الفتح)) ٥٢٦/٤. ١٦٧ (٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣١) تجويز النافلة تبعه عليه ابن العربيّ، فَيَحْتَمِل أنه مقيَّد بما حكيته، ويَحْتَمِل أن الرواية عن مالك في ذلك مختلفة. وقد حُكي عن عطاء بن أبي رباح تجويز النفل فيها، دون الفرض، فإن كان يقول به على إطلاقه، فهو (مذهب ثالث) في المسألة. وفيها (مذهب رابع)، وهو منع الصلاة فيها مطلقاً، حكاه القاضي عياض، عن ابن عباس، وهو أحد القولين عن مالك، كما حكاه ابن العربي، وقال به من أصحابه: أصبغ، وحكاه ابن بطال عن محمد بن جرير الطبريّ، وبه قال بعض الظاهرية. وتمسك هؤلاء بأن الله أمر باستقباله، والمصلي فيه مستدبر لبعضه. ورَوَى الأزرقيّ أن ابن عباس قال لسماك الحنفيّ: ائتم به كله، ولا تجعلن شيئاً منه خلفك، قال ابن عبد البرّ: لا يصح في هذه المسألة إلا أحد قولين: إما الصحة مطلقاً، أو الفساد مطلقاً، والصواب عندي قول الصحة مطلقاً، ثم بسط ذلك. وفيه (مذهب خامس): وهو أن التفريق بين الفرض والنفل إنما هو في الاستحباب، فلو صلى الفرض فيها صح، وارتكب خلاف الأولى. و(مذهب سادس): وهو التفريق في الفرض بين التعمد والنسيان، فيصح مع النسيان دون التعمد. وتردد الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)) عن مالك، فقال: كره الفرض، أو منعه، وعلل تجويز النفل بأنه مظنة التخفيف في الشروط. انتهى كلام وليّ الدين تَخُّْهُ ببعض اختصار(١). وقال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ كَُّ: اختلف الفقهاء في الصلاة في الكعبة الفريضة والنافلة، فقال مالك: لا يُصَلَّى فيها الفرضُ، ولا الوترُ، ولا ركعتا الفجر، ولا ركعتا الطواف، ويصلَّى فيها التطوع، وذكر ابن خواز منداد عن مالك وأصحابه، فيمن صلى في الكعبة الفريضة، أو صلى على ظهرها: أعاد ما دام في الوقت في المسألتين جميعاً، وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، (١) ((طرح التثريب)) ١٣٨/٥. ١٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج والثوريّ: يصلي في الكعبة الفرض والنوافل كلها، وقال الشافعيّ: إن صلى في جوفها مستقبلاً حائطاً من حيطانها فصلاته جائزة، وإن صلى نحو الباب، والباب مفتوح فصلاته باطلة؛ لأنه لم يستقبل منها شيئاً. وقال مالك: من صلى على ظهر الكعبة مكتوبةً أعاد في الوقت، وقد رُوي عن بعض أصحاب مالك: يُعيد أبداً، وقال أبو حنيفة: من صلى على ظهر الكعبة فلا شيء عليه، واختَلَف أهل الظاهر فيمن صلى في الكعبة، فقال بعضهم: صلاته جائزة، وقال بعضهم: لا صلاة له في نافلة ولا فريضة؛ لأنه قد استدبر بعض الكعبة، واحتج قائل هذه المقالة بقول ابن عباس : أُمر الناس أن يصلّوا إلى الكعبة، ولم يؤمروا أن يصلّوا فيها . قال أبو عمر: لا يصح في هذه المسألة إلا أحد قولين: إما أن يكون من صلى في الكعبة صلاته تامةً، فريضة كانت أو نافلة؛ لأنه قد استقبل بعضها، وليس عليه إلا ذلك، أو تكون صلاته فاسدةً، فريضةً كانت أو نافلةً من أجل أنه لم يحصل له استقبال بعضها، إذا صلى داخلها إلا باستدبار بعضها، ولا يجوز ذلك عند من ذهب إلى أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده في كل باب، والصواب من القول في هذا الباب عندي قول من أجاز الصلاة كلها في الكعبة، إذا استقبل شيئاً منها؛ لأنه قد فَعَلَ ما أُمر به، ولم يأت ما نُهِي عنه؛ لأن استدبارها ههنا ليس بضدّ استقبالها؛ لأنه ثابت معه في بعضها، والضد لا يثبت مع ضده، ومعلوم أن المأمور باستقبال الكعبة لم يؤمر باستقبال جميعها، وإنما توجه الخطاب إليه باستقبال بعضها، والمصلي في جوفها قد استقبل جهة منها، وقطعةً وناحيةً، فهو مستقبل لها بذلك، وقد ثبت عن النبيّ ◌َّ أنه صلى فيها ركعتين، وهو المبيّن عن الله مراده، وكل موضع يجوز فيه صلاة النافلة جازت فيه صلاة الفريضة قياساً ونظراً؛ إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له، على أنه لا يجب لأحد أن يتعمد صلاة الفريضة فيها، ولو صلى فيها ركعتين نافلة لم يكن بذلك بأس، فإن صلى أحد فيها فريضة فلا حرج، ولا إعادة . [فإن قيل]: إن النافلة قد تجوز على الدابة للمسافر إلى غير القبلة، ولا تجوز كذلك الفريضة، فلم قيست النافلة على الفريضة؟ ١٦٩ (٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجٌّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣١) [قيل له]: ذلك موضع خصوص بالسنّة؛ لضرورة السفر، كما تجوز صلاة الفريضة للخائف المطلوب راكباً، مستقبل القبلة، وغير مستقبلها؛ لضرورة الخوف، وليس ذلك بمبيح له الصلاة المفروضة على الدابة في حال الأمن من غير ضرورة، ولا بمبيح ذلك له ترك استقبال القبلة من غير ضرورة، وكذلك الصلاة على الدابة للمتطوع المسافر ليس ذلك بمبيح له الصلاة النافلة، ولا الفريضة على الأرض إلى غير القبلة في الحضر؛ لأنها في السفر حال ضرورة خُصَّت بالسنة، والإجماع، وأما غير ذلك مما تنازع فيه العلماء من هذا الباب، فالواجب أن لا يُفَرَّق فيه بين صلاة النافلة والفريضة، كما أنها لا تفترق في الطهارة، واستقبال القبلة، وقراءة القرآن، والسهو، وسائر الأحكام، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن عبد البرّ كَّتُهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الإمام ابن عبد البرّ ◌َخْشُهُ في هذا البحث، وأعطى المسألة حقّها بما لا مجال للتعليق عليه. والحاصل أن ما صححه تَخّْثُ من تصحيح الصلاة في الكعبة مطلقاً، كما هو رأي الجمهور هو الصواب الذي لا محيد عنه؛ لقوّة حجته، وأما الأقوال الأخرى فمما لا دليل عليها، فلا ينبغي الالتفات إليها، ولا الاشتغال بها، فتبصر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة السابعة): في اختلاف الروايات في إثبات صلاته وَيقول في الكعبة : (اعلم) أن هذه الرواية فيها إثبات صلاته وص يقول فيها. وفي (الصحيحين)) عن ابن عباس عنه: ((أن رسول الله وَ لو دخل البيت، فكبّر في نواحيه، ولم يصلّ فيه))، ولفظ مسلم: ((ودعا، ولم يصلّ)). وإنما تلقى ابن عباس ذلك عن أسامة بن زيد، ففي ((صحيح مسلم)) عنه: أخبرني أسامة بن زيد: ((أن النبيّ وَّ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصلّ فيه حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين، وقال: هذه القبلة)). (١) ((التمهيد)) ٣١٨/١٥ - ٣٢١. ١٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج والعمل على الإثبات، فإنه مقدم على النفي، قال ابن بطال: الآثار أنه صلى أكثر، ولو تساوت في الكثرة، لكان الأخذ بالمثبت أولى من النافي، فقد رَوَى أَنه ◌ََّ صلى في البيت غيرَ بلال جماعةٌ، منهم: أسامة بن زيد، وعمر بن الخطاب، وجابر، وشيبة بن عثمان، وعثمان بن طلحة، من طُرُق حِسَان، ذكرها الطحاويّ كلها في ((شرح معاني الآثار)). وقال ابن عبد البرّ: رواية أنه صلى أولى من رواية أنه لم يصلّ؛ لأنها زيادة مقبولة، وليس قول من قال: لم يفعل بشهادة. وقال النوويّ: أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال؛ لأنه مثبت، فمعه زيادة عِلم، فوجب ترجيحه، وكذا حَكَى ابن العربي عن العلماء، ثم قال: وهذا إنما يكون لو كان الخبر عن اثنين، فأما وقد اختلف قول ابن عمر، فأثبت مرة، ونفى أخرى، وقول النفي رواية ابن عباس، فلا أدري ما هذا؟ انتھی. قال وليّ الدين رَّتُهُ: وفيه نظر من وجهين: [أحدهما]: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر عن واحد، أو اثنين، فالإثبات مقدم، ولو كان الاختلاف على واحد. [الثاني]: أن ذكر ابن عمر سهو، فإنه لم يرد عنه النفي، ولعله أراد أسامة، فسبق قلمه إلى ابن عمر. فأما نفي أسامة، فقد سبق، وأما إثباته، فروى الإمام أحمد في ((مسنده)) عن أبي الشعثاء، قال: خرجت حاجّاً، فجئت حتى دخلت البيت، فلما كنت بين الساريتين مضيت حتى لزمت الحائط، فجاء ابن عمر، فصلى أربعاً، فلما صلى، قلت له: أين صلى رسول الله صل﴿ من البيت؟ فقال: أخبرني أسامة بن زيد أنه صلى ههنا، فقلت: كم صلى؟ فقال: على هذا أجدني ألوم نفسي، إني مکثت معه عمراً، فلم أسأله، كم صلى؟)). ويوافق هذه الرواية لفظ رواية مسلم من رواية عبد الله بن عون، عن نافع، عن ابن عمر، فإن فيها بعد ذكر أسامة، وبلال، وعثمان: ((فقلت: أين صلى النبيّ وَّليه؟ قالوا: ههنا، قال: ونسيت أن أسألهم، كم صلى؟)) ومقتضاها ١٧١ (٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣١) نسبة ذلك إلى جميعهم، والمشهور عن أسامة النفي، كما تقدم(١). وقال القاضي عياض تََّثُ: إن أهل الحديث وهّنوا هذه الرواية، فقال الدار قطنيّ: وَهِمَ ابن عون هنا، وخالفه غيره، فأسندوه عن بلال وحده. قال القاضي: وهذا هو الذي ذكره مسلم في باقي الطرق، إلا أن في رواية حرملة، عن ابن وهب: ((فأخبرني بلال، أو عثمان بن طلحة)). هكذا هو عند عامة شيوخنا، وفي بعض النسخ: ((وعثمان))، قال: وهذا يَعْضِد رواية ابن عون، والمشهور انفراد بلال برواية ذلك. [فإن قلت]: كيف الجمع بين إثبات بلال، ونفي أسامة، مع دخولهما مع النبيّ وَّ في مرة واحدة؟ [قلت]: أجيب عنه بأوجه: [أحدها]: قال النوويّ: وأما نفي أسامة فسببه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبيّ وَلّ يدعو، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والنبيّ وَلّر في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبيّ وَّة، فرآه بلال؛ لقربه، ولم يره أسامة؛ لبُعده واشتغاله، وكانت صلاته خفيفة، فلم يرها أسامة، لإغلاق الباب مع بُعده واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملاً بظنه، وأما بلال فتحققها، فأخبر بها . [الثاني]: أنه يَحْتَمِل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة، فلم يشهد صلاته. أجاب به الشيخ محب الدين الطبريّ. انتهى(٢). قال الحافظ: ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسيّ في ((مسنده))، عن ابن أبي ذئب، عن عبد الرحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، عن أسامة، قال: ((دخلت على رسول الله وَ﴾ في الكعبة، فرأى صُوَراً، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به، فضرب به الصور»، فهذا إسناد جيّد. قال القرطبيّ: فلعله استَصْحَب النفي لسرعة عوده. انتهى، وهو مفرّع على أن هذه القصة وقعت عام الفتح، فإن لم يكن، فقد روى عمر بن شبة في (١) سيأتي أن هذه الرواية شاذّة، فلا يُعتمد عليها، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (٢) ((طرح التثريب)) ١٣٥/٥. ١٧٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج (كتاب مكة))، من طريق علي بن بَذِيمة، وهو تابعيّ، وأبوه - بفتح الموحدة، ثم معجمة، بوزن عظيمة - قال: ((دخل النبيّ وَلّ الكعبة، ودخل معه بلال، وجلس أسامة على الباب، فلما خرج وجد أسامة، قد احتبى، فأخذ بحبوته، فحلّها ... )) الحديث، فلعله احتبى، فاستراح، فنعس، فلم يشاهد صلاته، فلما سئل عنها نفاها، مستصحباً للنفي، لقصر زمن احتبائه، وفي كل ذلك إنما نفى رؤيته، لا ما في نفس الأمر. هذا جمع بطريقة الترجيح. ومنهم من جمع بينهما بغير ترجيح أحدهما على الآخر، وذلك من أوجه : [أحدها]: حمل الصلاة المثبتة على اللغوية، والمنفية على الشرعية، وهذه طريقة من يكره الصلاة داخل الكعبة، فرضاً ونفلاً، وقد تقدم البحث فيه، ويردّ هذا الحمل ما تقدم في بعض طرقه، من تعيين قدر الصلاة، فظهر أن المراد بها الشرعية، لا مجرد الدعاء. قال الحافظ أبو عمر كَّتُهُ في ((التمهيد)» بعد أن أورد آثاراً، ما نصّه: فهذه آثارٌ تَشْهَد لصحة قول ابن عمر عن بلال: إن رسول الله وَّ صلى فيها الصلاة المعهودة، لا الدعاء. انتهى (١). [ثانيها]: قال القرطبيّ: يمكن حمل الإثبات على التطوع، والنفي على الفرض، وهذه طريقة المشهور من مذهب مالك، وقد تقدم البحث فيها . [ثالثها]: قال المهلّب شارح البخاريّ: يَحْتَمِل أن يكون دخول البيت وقع مرتين، صلى في إحداهما، ولم يصلّ في الأخرى. وقال ابن حبان: الأشبه عندي في الجمع أن يُجعل الخبران في وقتين، فيقال: لمّا دخل الكعبة في الفتح صلى فيها، على ما رواه ابن عمر، عن بلال، ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها؛ لأن ابن عباس نفاها، وأسنده إلى أسامة، وابنُ عمر أثبتها، وأسند إثباته إلى بلال، وإلى أسامة أيضاً، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض. قال الحافظ: وهذا جمع حسن، لكن تعقبه النوويّ بأنه لا خلاف أنه وَله (١) ((التمهيد لابن عبد البرّ)) ٣١٨/١٥. ١٧٣ (٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهٍ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣١) دخل في يوم الفتح، لا في حجة الوداع، ويشهد له ما روى الأزرقي في ((كتاب مكة)) عن سفيان، عن غير واحد من أهل العلم أنه ◌َّ إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حج، فلم يدخلها، وإذا كان الأمر كذلك، فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين، ويكون المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة: وحدة السفر، لا الدخول، وقد وقع عند الدارقطنيّ من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع، والله تعالى أعلم. قال: ويؤيد الجمع الأول ما أخرجه عمر بن شبة في ((كتاب مكة)) من طريق حماد، عن أبي حمزة، عن ابن عباس، قال: ((قلت له: كيف أصلي في الكعبة؟ قال: كما تصلي في الجنازة، تسبّح، وتكبّر، ولا تركع، ولا تسجد)»، وسنده صحيح. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: أحسن الأجوبة عندي جواب من حمل نفي أسامة على نفي علمه، فلا ينافي إثبات بلال، وأما ابن عباس، فنفيه مستند إلى غيره، فجوابه جواب مستنده، وأما ما نُقِل من إثبات أسامة، فإن صح، فجوابه ما أجاب به ابن حبان، من تعدد الواقعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الثامنة): لم يبيّن في رواية المصنف هنا، ولا في أكثر الروايات عدد ركعات صلاته و 9، بل في حديث ابن عمر ها أنه قال: ونسيت أن أسأله - يعني بلالاً - كم صلى؟ لكن في أوائل الصلاة من ((صحيح البخاريّ) عن مسدد، عن يحيى، عن سيف، عن مجاهد، قال: ((أُتي ابن عمر . ، فقيل له: هذا رسول الله وَلو دخل الكعبة، قال ابن عمر: فأقبلت، والنبيّ وَّل قد خرج، وأجد بلالاً قائماً بين البابين، فسألت بلالاً، فقلت: صلى رسول الله وَلهم في الكعبة؟ قال: نعم؛ ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره، إذا دخلت، ثم خرج، فصلى في وجه الكعبة ركعتين)). وقد أعادها البخاري في ((باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى))، رواها عن أبي نعيم، عن سيف، وليس فيها هذه الزيادة، وهي أن صلاته في الكعبة كانت (١) ((الفتح)) ٥٢٩/٤ - ٥٣١. ١٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ركعتين، نعم رواها النسائيّ من رواية أبي نعيم، وفيها ذكر الركعتين، وروى النسائي أيضاً عن ابن أبي مليكة أن ابن عمر، قال: ((دخل رسول الله وَلقه الكعبة ... )) الحديث، وفيه: ((فسألت بلالاً، هل صلى رسول الله وَّ في الكعبة؟ قال: نعم ركعتين بين الساريتين)). قال وليّ الدين العراقيّ ◌َّثُهُ: ولم يستحضر النوويّ تَُّ في ((شرح مسلم)) رواية البخاري، فاقتصر على ذكر ما في ((سنن أبي داود)) بإسناد فيه ضعف، عن عبد الرحمن بن صفوان، قال: ((قلت لعمر بن الخطاب نظـ ـة: كيف صنع رسول الله وَّل ﴿ حين دخل الكعبة؟ قال: صلى ركعتين))، ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) من هذا الوجه، عن صفوان، أو ابن صفوان: ((أن النبيّ وَّه صلى في البيت ركعتين حين دخله)). قال وليّ الدين: ولم أتوقف في رواية البخاريّ لاستغراب كونه 18 صلى ركعتين، فإن هذا هو المعروف من عادته، إنما توقفت فيها لقول ابن عمر: ونسيت أن أسأله، كم صلى؟ وهو في ((الصحيحين))، قال: وقال والدي: يَحْتَمِل أنه لم يسأله عن ذلك، وإنما أخبره به بلال بغير سؤال، وفيه بُعد؛ لأنه لم يكن حينئذ يلوم نفسه على ترك السؤال؛ الحصول مقصوده بدونه، ويَحْتَمِل أن ابن عمر حُدّث به من قبل أن يسأل بلالاً، ثم سأل بلالاً بعد ذلك، أو حدّث به بلال بعد ذلك، فذكر فيه أنه صلى ركعتين، وفيه بُعد أيضاً؛ لأن بعض من حدثه عنه بكونه لم يسأل بلالاً عن ذلك إنما سمع منه بعد وفاة بلال. ويَحْتَمِل أن ابن عمر، وإن سمع من بلال أنه صلى ركعتين، لم يكتف بذلك في أنه لم يصلّ غيرهما؛ لأن من صلى أربعاً أو أكثر يصدق عليه أنه صلى ركعتين على القول بأن مفهوم العدد ليس بحجة، كما هو المرجح في الأصول، فيكون الذي نسي أن يسأله عنه، هل زاد على الركعتين شيئاً، أم لا؟ انتهى كلام وليّ الدين تَقْذُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: ولا يخفى بُعد الاحتمال الأخير أيضاً، والله تعالى أعلم. (١) ((طرح التثريب)) ١٣٨/٥ - ١٣٩. ١٧٥ (٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجٌ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣١) وقال الحافظ كَّلُهُ: وقد استَشكّل الإسماعيليّ، وغيره هذا - يعني قوله: صلى ركعتين - مع أن المشهور عن ابن عمر من طريق نافع، وغيره، عنه؛ أنه قال: ((ونسيت أن أسأله كم صلى))، فدل على أنه أخبره بالكيفية، وهي تعيين الموقف في الكعبة، ولم يخبره بالكمية، ونسي هو أن يسأله عنها . والجواب عن ذلك أن يقال: يَحْتَمِل أن ابن عمر اعتمد في قوله في هذه الرواية: ((ركعتين)) على القدر المتحقق له، وذلك أن بلالاً أثبت له أنه صلى، ولم يُنقل أن النبيّ وَّه تنفّل في النهار بأقل من ركعتين، فكانت الركعتان متحققاً وقوعهما، لِما عُرف بالاستقراء من عادته. فعلى هذا، فقوله: ((ركعتين)) من كلام ابن عمر، لا من كلام بلال، وقد وجدت ما يؤيد هذا، ويستفاد منه جمع آخر بين الحديثين، وهو ما أخرجه عمر بن شبة في ((كتاب مكة)) من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، في هذا الحديث: ((فاستقبلني بلال، فقلت: ما صنع رسول الله وَل ههنا؟ فأشار بيده؛ أي: صلى ركعتين بالسبابة والوسطى)). فعلى هذا، فيُحْمَل قوله: ((نسيت أن أسأله كم صلى)) على أنه لم يسأله لفظاً، ولم يجبه لفظاً، وإنما استفاد منه صلاة الركعتين بإشارته، لا بنطقه، وأما قوله في الرواية الأخرى: ((نسيت أن أسأله كم صلى))، فيُحْمَل على أن مراده أنه لم يتحقق هل زاد على ركعتين، أو لا؟ وأما قول بعض المتأخرين: يُجمع بين الحديثين بأن ابن عمر نسي أن يسأل بلالاً، ثم لقيه مرة أخرى، فسأله، ففيه نظر، من وجهين: أحدهما: أن الذي يظهر أن القصة - وهي سؤال ابن عمر عن صلاته في الكعبة - لم تتعدد؛ لأنه أتى في السؤال بالفاء المعقبة في الروايتين معاً، فقال في هذه: فأقبلت، ثم قال: فسألت بلالاً، وقال في الأخرى: فبدرت، فسألت بلالاً، فدل على أن السؤال عن ذلك كان واحداً في وقت واحد. ثانيهما: أن راوي قول ابن عمر: ((ونسيت)) هو نافع مولاه، ويبعد مع طول ملازمته له إلى وقت موته أن يستمر على حكاية النسيان، ولا يتعرض الحكاية الذكر أصلاً. والله تعالى أعلم. وأما ما نقله عياض أن قوله: ((ركعتين)) غلط من يحيى بن سعيد القطان، ١٧٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج لأن ابن عمر قد قال: ((نسيت أن أسأله كم صلى)) قال: وإنما دخل الوهم عليه من ذكر الركعتين بعد، فهو كلام مردود، والمغلُّط هو الغالط، فإنه ذكر الركعتين قبل، وبعد، فلم يَهِم من موضع إلى موضع، ولم ينفرد يحيى بن سعيد بذلك حتى يغلط، فقد تابعه أبو نعيم، عند البخاريّ، والنسائي، وأبو عاصم عند ابن خزيمة، وعمر بن علي عند الإسماعيليّ، وعبد الله بن نمير عند أحمد، كلهم عن سيف، ولم ينفرد به سيف أيضاً، فقد تابعه عليه خُصيف، عن مجاهد، عند أحمد، ولم ينفرد به مجاهد عن ابن عمر، فقد تابعه عليه ابن أبي مليكة عند أحمد، والنسائي، وعمرو بن دينار، عند أحمد أيضاً باختصار، ومن حديث عثمان بن أبي طلحة، عند أحمد، والطبراني بإسناد قويّ، ومن حديث أبي هريرة عند البزار، ومن حديث عبد الرحمن بن صفوان، قال: «فلما خرج سألت من كان معه؟ فقالوا: صلى ركعتين عند السارية الوسطى))، أخرجه الطبراني بإسناد صحيح، ومن حديث شيبة بن عثمان، قال: ((لقد صلى ركعتين عند العمودين))، أخرجه الطبراني بإسناد جيد. فالعجب من الإقدام على تغليط جبل من جبال الحفظ بقول من خفي عليه وجه الجمع بين الحديثين، فقال بغير علم، ولو سكت لسلِم. انتهى كلام الحافظ تَخَذْتُهُ(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الحافظ في وجه الجمع بين الحديثين أقرب مما تقدم، وحاصله أن ابن عمر ﴿ًّا فَهِم من إشارة بلال نظُه أنه صلى ركعتين، ثم ندم على عدم تثبته بالسؤال اللفظي عن عدد الركعات، فبهذا تجتمع الروايتان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٢] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ أَبُو كَامِلِ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، حَدَّثَنَا (١) ((الفتح)) ٥٣٠/٤ - ٥٣١. ١٧٧ (٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجٌّ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣٢) أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنٍ عُمَرَ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِع ◌َ لَهِ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَنَزَلَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَأَرْسَلٌ إِلَى عُثْمَانَ بْنٍ طَلْحَةَ، فَجَاءَ (١) بِالْمِفْتَحِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ النَِّيُّ ◌َهِ، وَبِلَالٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَأَمَرَ بِالْبَابِ، فَأُغْلِقَ، فَلَبِثُوا فِيهِ مَلِيّاً، ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَادَرْتُ النَّاسَ، فَتَلَقَّيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ خَارِجاً، وَبِلَالٌّ عَلَى إِثْرِهِ، فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ نَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، قَالَ: وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى؟). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُوِ الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت٢٣٤) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ١٩٠/٢٣. ٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت٢٤٠) (ع) ((تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٣ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت٢٣٧) (خت م دَ ت س) ((تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٤ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) الْجَهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت١٧٩) (ع) ((تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥. ٥ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجةٌ عابدٌ [٥] (ت١٣١) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص ٣٠٥. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَوْمَ الْفَتْح) قال النوويّ رَّتُهُ: هذا دليل على أن هذا المذكور في أحاديث الباب من دخوله وَل الكعبة، وصلاته فيها كان يوم الفتح، وهذا لا خلاف فيه، ولم يكن يوم حجة الوداع، والله أعلم. انتھی. وقال الحافظ وليّ الدين كَّلُهُ: دخوله وَّ الكعبة كان في الفتح، كما هو (١) وفي نسخة: ((فجاءه)) . ١٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج في ((الصحيحين)) من حديث ابن عمر ◌ًا، ولم يدخل الكعبة في عمرته كما في ((الصحيحين)) عن عبد الله بن أبي أوفى ﴿يا، ولم ينقل فيما أعلم دخوله في حجه، ولعل تركه الدخول في عمرته وحجته؛ لئلا يتوهم كونه من المناسك، وليس منها، وإنما هو سنّة مستقلة كما قدمته، وقال البيهقيّ: دخوله كان في حجته، وحديث ابن أبي أوفى في عمرته، فلا معارضة بينهما، وما ذكره من أن دخوله في حجته مردود، وإنما كان في الفتح كما قدمته. وقال النوويّ في ((شرح مسلم)): لا خلاف في أن دخوله كان يوم الفتح، ولم يكن في حجة الوداع، ثم قال بعد ذلك: قال العلماء: وسبب عدم دخوله - أي: في عمرته - ما كان في البيت من الأصنام والصُوَر، ولم يكن المشركون يتركونه ليغيّرها، فلما فتح الله تعالى عليه مكة دخل البيت، وصلى فيه، وأزال الصور قبل دخوله. قال وليّ الدين تَخُّْ: لو كان المعنى ما ذكره لدخل في حجة الوداع، فلعل المعنى الذي أبْديته أوجَه، والله أعلم. انتهى (١). وقال أبو الوليد الأزرقيّ في ((تاريخ مكة)): حدّثني جدّي، قال: سمعت سفيان يقول: سمعت غير واحد من أهل العلم يذكرون أن رسول الله والله إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح، ثم حجّ فلم يدخلها . قال الحافظ العراقيّ كَخْلُهُ في ((إحياء القلب الميت بدخول البيت)): وإنما أريدَ بذلك بعد الهجرة، فأما قبل الهجرة، وهو بمكة، ففي ((طبقات ابن سعد)) عن عثمان بن طلحة في أثناء قصة أنه وَلّ دخلها، على أن في بعض الروايات أنه دخلها يوم الفتح مرتين، رواه الدارقطنيّ عن ابن عمر ﴿ًا، قال: دخل النبيّ وَّه البيت، ثم خرج، وبلال خلفه، فقلت لبلال: هل صلى رسول الله وَله؟ قال: لا، فلما كان من الغد دخل، فسألت بلالاً هل صلى؟ قال: نعم، قال: وقد ورد أيضاً ما يدلّ على أنه دخلها في حجة الوداع، فذكر حديث عائشة ◌َّ المتقدّم، وفيه: ((أني دخلت الكعبة))، وكأن وجه ذلك أن عائشة رضيًّا إنما كانت معه في حجة الوداع. انتهى. (١) ((طرح التثريب)) ١٣١/٥ - ٠١٣٢ ١٧٩ (٦٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ دُخُولِ الْكَعْبَةِ لِلْحَاجٌ وَغَيْرِهِ ... إلخ - حديث رقم (٣٢٣٢) قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم لك أن حديث عائشة ظّا ضعيف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. وقوله: (بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ) بكسر الفاء، مثلُ كتاب: الْوَصِيدُ، وهو سعةٌ أمام البيت، وقيل: ما امتَدّ من جوانبه (١). وقوله: (فَجَاءَ(٢) بِالْمِفْتَحِ) وفي نسخة: ((فجاءه بالمِفْتَح))، وهو بكسر الميم، وسكون الفاء، وفي الرواية الأخرى: ((بالمفتاح))، وهما لغتان، قال الفيّوميّ كَُّهُ: الْمِفْتاح: الذي يُفتح به الْمِغلاق، والْمِفْتَح مثله، وكأنه مقصور منه، وجمع الأول: مَفاتيح، وجمع الثاني: مفاتح، بغير ياء. (٣) انتھی(٣). وقوله: (فَلَبِثُوا فِيهِ مَلِيّاً) بفتح الميم، وكسر اللام، وتشديد الياء؛ أي: طويلاً، قال في ((القاموس)): والْمَليّ: الْهَوِيّ من الدهر، والساعة الطويلة من النهار. انتهى (٤). وقوله: (عَلَى إِثْرِهِ) بكسر الهمزة، وسكون المثلّثة، لغة في أَثَره بفتحتين، قال الفيّوميّ كَُّهُ: وجئتُ في أَثَرِهِ بفتحتين، وإِثْرِهِ بكسر الهمزة، والسكون؛ أي: تبعته عن قرب. انتهى(٥). وقوله: (وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى؟) هذا يتعارض مع ما وقع في ((صحيح البخاريّ)) في أوائل ((الصلاة)) قال: حدّثنا مسدد، حدّثنا يحيى، عن سيف، قال: سمعت مجاهداً، قال: ((أُتِي ابنُ عمر ﴿هَا، فقيل له: هذا رسول الله 18 دخل الكعبة، قال ابن عمر: فأقبلت والنبيّ ◌َّ قد خرج، وأجد بلالاً قائماً بين البابين، فسألت بلالاً، فقلت: صلى رسول الله وَّر في الكعبة؟ قال: نعم ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره إذا دخلت، ثم خرج، فصلى في وجه الكعبة رکعتین)). (١) ((المصباح المنير)) ٤٨٢/٢. (٣) ((المصباح المنير)) ٤٦١/٢. (٥) ((المصباح المنير)) ٤/١. (٢) وفي نسخة: ((فجاءه)). (٤) ((القاموس المحيط)) ٣٩١/٤. ١٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وقد تقدّم الجمع بين الروايتين في المسألة الثامنة من مسائل الحديث الماضي، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َّثُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٢٣٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ نَافِعِ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ عَامَ الْفَتْحِ، عَلَى نَاقَةٍ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، حَتَّى أَنَاخَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَقَالَ: (اثْنِي بِالْمِفْتَاحِ))، فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ، فَأَبَتْ أَنْ تُعْطِيَهُ، فَقَالَ: وَاللهِ لَتُعْطِينَهُ(١)، أَوْ لَيَخْرُ جَنَّ هَذَا السَّيْفُ مِنْ صُلْبِي، قَالَ: فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ حَمَّادِ بْنِ زَبْدٍ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ [١٠] (ت٢٤٣) (م ت س ق) ((تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥. ٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، الإمام الحجة الثقة الحافظ الثبت الفقيه، من كبار [٨] (ت١٩٨) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) جـ١ ص٣٨٣. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (فَذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ) تقدّم أن اسمها سُلافةٌ - بضمّ السين المهملة، وتخفيف اللام، وبالفاء. وقوله: (وَاللهِ لَتُعْطِينَهُ) اللام هي لام القسم، والفعل مرفوع بثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة التي تُرفع بثبوت النون، وتُجزم وتنصب بحذفها، والهاء هو المفعول الثاني، والأول مقدّر؛ أي: لتُعطينه إياي، وفي بعض النسخ: ((لتُعطّه)) بنون التوكيد المشدّدة. (١) وفي نسخة: ((لتُعْطِنَّهُ)).