النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
(٦٤) - بَابُ مَا يَفْعَلُ بِالْهَدْىِ إِذَا عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٣٢١٩)
بعث بثمان عشرة بدنة مع رجل، فأمره فيها بأمره، فانطلق، ثم رجع إليه،
فقال: أرأيت إن أُزحف عليّ منها شيء؟ قال: ((انحرها، ثم اصبغ نعلها في
دمها، ثم اجعلها على صفحتها، ولا تأكل منها أنت، ولا أحد من أهل
رفقتها)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢١٩] (١٣٢٦) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى،
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ ذُؤَيْباً أَبَا قَبِيصَةَ
حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِهِ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: ((إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ،
فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتاً، فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا،
وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٠) (م د) تقدم في ((الإيمان)) ٨/ ١٣٧.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت١٨٩)
(ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥/ ٥٥٧.
٣ - (سَعِيدٌ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ،
ثقة حافظ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت٦ أو ١٥٧) (ع)
تقدم في ((الإيمان)» ١٢٧/٦.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من
كبار [٤] (ت١١٧) (ع) تقدم في (المقدمة)) ٦/ ٧٠.
٥ - (سِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ) بن المحبّق، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو جبير،
ويقال: أبو بشر الْهُذليّ البصريّ، ولد يوم حُنين، وله رؤية، ثقةٌ [٢].
قال وكيع عن أبيه، عن سنان: وُلدتُ يوم حرب، كان لرسول الله وَّةٍ،
فسمّاني سناناً .
رَوى عن النبيّ وَّـ، وعن أبيه، وعمر بن الخطاب، وابن عباس.

١٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وروى عنه قتادة، وقيل: لم يسمع منه، وحبيب بن عبد الله الأزدي،
وسلمة بن جنادة الهذليّ، وغيرهم.
قال خليفة: ولاه زياد غزو الهند سنة خمسين، وله خبر عجيب في غزو
الهند، قال إبراهيم بن الجنيد: قلت لابن معين: إن يحيى بن سعيد يزعم أن
قتادة لم يسمع من سنان بن سلمة الهذليّ حديث ذؤيب الخزاعيّ في البدن،
فقال: ومن يشك في هذا، إن قتادة لم يسمع منه، ولم يلقه؟ قيل: مات في
آخر أيام الحجاج.
وذكره ابن حبان في ((الصحابة))، فقال: وُلد يوم حنين، وأحاديث قتادة
عنه مدَلَّسة، مات في آخر ولاية الحجاج، وذكر عمرُ بن شبة أن مُعصباً
استخلفه على البصرة لما خرج لقتال عبد الملك بن مروان، وذلك سنة اثنتين
وسبعين، وقال ابن أبي حاتم: روى عن النبيّ وَّ مرسلاً، وقال في
((المراسيل)): سئل أبو زرعة هل له صحبة؟ فقال: لا، ولكن وُلد في عهد
النبيّ ◌َِّ، وقال العجليّ: هو تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من
تابعي أهل البصرة، وذكره في موضع آخر، فقال: كان معروفاً قليل الحديث.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا
الكتاب هذا الحديث فقط .
٦ - (ذُؤَيْبٌ أَبُو قَبِيصَةَ) هو: ذُؤيب بن حَلْحَلة بن عمرو بن كُليب
الْخُزاعيّ، والد قبيصة، رَوَى عن النبيّ ◌ََّ في الْبُدن إن عَطِب منها شيء، وعنه
ابن عباس ﴿هَا، قال ابن الْبَرْقيّ: جاء عنه حديث واحد، وقال المفضل
الغلابيّ، عن ابن معين: أُتِي النبيّ ◌َّ بقبيصة بن ذُؤيب ليدعو له بعد وفاة
أبيه، وهذا يدلّ أن ذؤيباً مات في عهد النبيّ وَّ، وقد قال ابن عبد البرّ:
ذؤيب بن حلحلة، ويقال: ابن حَبِيب بن حلحلة، كان صاحب بُدن النبيّ وَله
وشَهِد الفتح، وكان يسكن قُدَيداً، وعاش إلى زمن معاوية ظُبه، قال: وأما أبو
حاتم، ففرّق بين ذؤيب بن حلحلة، وبين ذويب بن حبيب، والصواب أنهما
واحد، وكذا قال ابن سعد، وأبو القاسم البغويّ، وأنه بقي إلى زمن
معاوية

١٢٣
(٦٤) - بَابُ مَا يَفْعَلُ بِالْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ - حديث رقم (٣٢١٩)
أخرج له المصنّف، وأبو داود في ((التفرد))، وابن ماجه، وله عندهم هذا
الحديث فقط .
و((ابن عبّاس)) رَُّبه ذُكر قبله.
وقوله: ((إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ) يقال: عَطِبَ الشيءُ، من باب تَعِبَ:
هلك، والمراد هنا قرب هلاكه، بدليل قوله: ((فخشيت)).
وقوله: (وَلَا تَطْعَمْهَا) من باب تَعِب، وتمام شرح الحديث يُعلم مما
مضی .
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ذؤيب بن حلحلة ظه هذا من أفراد
المصنّف رَحْذَلُهُ .
[تنبيه]: هذا الحديث مما انتقده الحفّاظ على مسلم تَخْتُهُ، فقد انتقده
الحافظ أبو عمّار الشهيد (ت٣١٧هـ) تَّتُهُ، فقال: ووجدت فيه - أي في
((صحيح مسلم)) ــ حديثَ سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سنان بن سلمة،
عن ابن عباس أن ذؤيباً الْخُزاعي حدّث عن النبيّ وَلّ: كان يبعث معه
بالبُدن ... الحديث، ورواه معمر بن راشد، عن قتادة نحوه، ورواه همام، عن
قتادة، عن سنان، ولم يذكر ابن عباس، وأرسله، وهذا حديث لم يسمعه قتادة
من سنان بن سلمة، وسمعه من سنان أبو التيّاح الضبعيّ. حدّثنا محمد بن
جعفر، حدّثنا أبو بكر - وهو ابن أبي الأسود - قال: قال يحيى القطّان: لم
يسمع قتادة من سنان بن سلمة حديث الْبُدْن، وسمعت عبد الله بن موسى بن
أبي عثمان البغداديّ يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع قتادة من
سنان بن سلمة حديث الْبُدْن، إنما هو مرسل، قال أبو الفضل: قلت: وقد
سمع قتادة من أخيه موسى بن سلمة، وسنان وموسى أخوان. انتهى كلام
الحافظ الشهيد رَقَدْتُ(١) .
وانتقده أيضاً الحافظ رشيد الدين العطار (٥٨٤ - ٦٦٢هـ) تَخْثُهُ، فقال في
(١) تقدّم ذكره في ((مقدّمة شرح المقدّمة)) ج١ ص١٤٨، وإنما أَعَدْتُه لطول العهد به.

١٢٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
((غرر الفوائد)): أخرج مسلم تَخْلَثُ في ((كتاب الحج)) حديث سعيد بن أبي
عروبة، عن قتادة، عن سنان بن سلمة، عن ابن عباس، أن ذؤيبا أبا قبيصة
حدثه، أن رسول الله وَله ((كان يبعث معه بالبُدن ... )) الحديث.
قال الرشيد: وهذا الإسناد غير متصل عند جماعة من أهل النقل، فإن
قتادة لم يسمع هذا الحديث من سنان بن سلمة، قاله الإمامان: يحيى بن سعيد
القطان، ويحيى بن معين، وناهيك بهما جلالةً، ومعرفةً بهذا الشأن، وذكر
الحافظ أبو الفضل المقدسيّ أيضاً، أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه،
عمدتها ما قاله يحيى القطان وابن معين.
قال الرشيد: ومما يؤيد ذلك أن سنان بن سلمة هذا هو سنان بن سلمة بن
المحبِّق معدود في الصحابة ﴿ه، وله أيضاً رواية عن النبي وَّ، وقد نصّ
الإمام أبو حاتم الرازي على أن قتادة لم يَلْقَ من أصحاب النبي ◌َّ إلا أنس بن
مالك، وعبد الله بن سَرْجِسَ، وذكر البخاريّ في ((تاريخه)) أنه سمع أنساً، وأبا
الطفيل، ولم يذكر له من الصحابة غيرهما .
والعذر لمسلم تَخُّْ أنه إنما أخرج هذا الحديث بهذا الإسناد، في
الشواهد؛ ليبيّن - والله أعلم - أنه قد رُوي من غير وجه، عن ابن عباس، وإلا
فقد أخرجه قبل ذلك من حديث أبي التياح، عن موسى بن سلمة، عن ابن
عباس ﴿ًا متصلاً، فثبت اتصاله في الكتاب. انتهى كلام رشيد الدين
العطّار ◌َذَلهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد الحافظ رشيد الدين العطّار تَخْلُ فيما
أجاب به عن المصنّف تَخْذَلُ، وخلاصته أن الانتقاد مدعوم بأن المصنّف إنما
أورده في المتابعة، لا في الأصول؛ ليُبيّن أن الحديث مروي بُطرُق،
والمتابعات يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢١٩/٦٤] (١٣٢٦)، و(ابن ماجه) في
(١) تقدّم نقل كلام الرشيد ثلُ هذا في ((مقدّمة شرح المقدّمة)) ج١ ص١٢٠ - ١٢١،
وإنما أعدته؛ لما ذكرته.

١٢٥
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْخَائِضِ - حديث رقم (٣٢٢٠)
((المناسك)) (٣١٠٥)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٠٠/٣)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٢٢٥/٤)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٥٧٨)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٤٠١/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٢٩/٤ - ٢٣٠)، و(البيهقيّ)
في ((الكبرى)) (٢٨٤/٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٦٥) - (بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْخَائِضِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٢٠] (١٣٢٧) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ
يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌّ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ
عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ))، قَالَ زُهَيْرٌ: يَنْصَرِفُونَ كُلَّ وَجْهٍ، وَلَمْ يَقُلْ: فِي).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وستأتي تراجمهم في شرح الحديث التالي، وزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ◌َُه تقدّم
أيضاً قبل بابين.
وقوله: (يَنْصَرِفُونَ فِي كُلُّ وَجْهٍ) أي في كل طريق بعد انقضاء أيام منى،
منهم من يطوف ومنهم من لم يطف، وقال القاري: أي بعد حجهم في كل
طريق طائفاً وغير طائف.
وقوله: (لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ) أي النفر الأول، وهو الذي يكون في اليوم الثاني
من التشريق لمن تعجل، أو النفر الثاني، وهو في اليوم الثالث لمن تأخر، أو
لا يخرجنّ أحدٌ من مكة، والمراد به الآفاقيّ.
وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ) أي ابن حرب شيخه الثاني (يَنْصَرِفُونَ كُلَّ وَجْهٍ، وَلَمْ
يَقُلْ: فِي) يعني أن زهير بن حرب قال في روايته: ((ينصرفون كلّ وجه)) بنصب
(كلَّ)) على الظرفيّة بدل قول سعيد: ((في كلّ وجه)) بـ((في)) الجارّة، وهذا من ورع
المصنّف واحتياطه، وتدقيق التمسّك بألفاظ الشيوخ؛ أداءً للأمانة العلميّة، ببيان

١٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
اختلافهم في الألفاظ، وإن لم يختلف المعنى، وتمام شرح الحديث، وبيان
مسائله يأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى - وإنما أخّرته إليه؛ لأنه
اللفظ المتّفق عليه، بخلاف هذا، فإنه من أفراد المصنّف ◌َُّهُ .
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّقُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٢٢١] (١٣٢٨) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً،
وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنٍ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ
الْحَائِضِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) تقدّم قبل بابین.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٣ - (سُلَيْمَانُ الْأَحْوَلُ) هو: سليمان بن أبي مسلم المكيّ، خال ابن أبي
نَجِيح، قيل: اسم أبيه عبد الله، ثقة [٥] (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٨/٦٥.
٤ - (ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله، تقدّم قريباً.
٥ - (طَاوُسُ) بن كيسان، تقدّم أيضاً قريباً.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ◌َّهَا، ذُكر في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َُّ، وله فيه شيخان قرن
بينهما؛ لاتفاقهما في كيفيّة التحمّل والأداء، وأما قوله: ((واللفظ لسعيد))، فأراد
به اختلافهما في لفظ المتن، فلفظ سعيد هو الذي مرّ في الحديث الماضي،
وأما ما هنا فهو لفظ أبي بكر، شيخه الثاني.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي بكر، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، سوى أبي بكر، فكوفيّ، وطاوس
وابنه، فیمانیّان.

١٢٧
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْخَائِضِ - حديث رقم (٣٢٢١)
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن
عبّاس ◌ُوًَّا حبر الأمة وبحرها، وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله
تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌َّهَا أنه (قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ) كذا هو في هذه الرواية بالبناء
لما لم يُسَمَّ فاعله، والمراد به النبيّ وَّر، وكذا قوله: ((خُفْف))، وقد رواه
سفيان أيضاً عن سليمان الأحول، عن طاوس، في الرواية السابقة، فصرّح فيه
بالرفع، حيث قال ابن عباس : ((كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال
رسول الله ◌َ﴾: لا ينفرن أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت)).
قال في ((الفتح)): وأخرجه مسلم هو، والذي قبله عن سعيد بن منصور،
عن سفيان بالإسنادين فرّقهما، فكأن طاوساً حدّث به على الوجهين، ولهذا وقع
في رواية كلٌّ من الروايين عنه ما لم يقع في رواية الآخر. انتهى.
(أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ) أي الطواف به، كما رواه أبو داود،
وقوله: ((بالبيت)) خبر ((كان)) (إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ) بصيغة المجهول، من التخفيف، أي
طوافُ الوداع (عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ) وفي معناها النفساء، وعلى هذا الاستثناء
اتفاق جميع أهل العلم، واستدُلّ به على أن الطهارة شرط لصحة الطواف، وقد
تقدم الكلام في ذلك، وصنيع البغويّ يدل على أن قوله: ((إلا أنه خفف عن
المرأة الحائض)) تتمة قوله: ((لا ينفرنّ أحدكم، إلخ))، وليس كذلك، فإنه قد
انتهى إلى قوله: ((بالبيت))، والاستثناء المذكور إنما هو تتمة قول ابن
عباس ها، وهو دليل على سقوط طواف الوداع عن المرأة الحائض، فلا
يكون واجباً عليها، ولا يلزمها دم بتركه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّها هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٢٠/٦٥ و٣٢٢١ و٣٢٢٢] (١٣٢٧ و١٣٢٨)،

١٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
و(البخاريّ) في ((الحيض)) (٣٢٩) و((الحجّ)) (١٧٥٥)، و(أبو داود) في
((المناسك)) (٢٠٠٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٦٦/٢)، و(ابن ماجه) في
(المناسك)) (٣٠٧٠)، و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (١٣١/١)، و(الحميديّ) في
((مسنده)) (٢٣٣/١)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٢٢/١)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٢٩٩٩ و٣٠٠٠)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٠٢/٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦١/٥) و((الصغرى)) (٣٥٦/٤) و((المعرفة)) (٤/
١٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب طواف الوداع؛ للأمر المؤكّد به في قوله ◌َمليار:
((لا ينفرنّ))، وللتعبير في حق الحائض بالتخفيف، والتخفيف لا يكون إلا من
أمر مؤكّد، قال النوويّ تَخُّْ: في الحديث دلالة لمن قال بوجوب طواف
الوداع، وأنه إذا تركه لزمه دم، وهو الصحيح في مذهبنا، وبه قال أكثر
العلماء. انتهى.
٢ - (ومنها): بيان سقوطه عن الحائض، ومثلها النفساء، ولا يلزمهما
بتركه دم، قال النوويّ كَّلُهُ: الحديث دليل لوجوب طواف الوداع على غير
الحائض، وسقوطه عنها، ولا يلزمها دم بتركه، هذا مذهب الشافعيّ، ومالك،
وأبي حنيفة، وأحمد، والعلماء كافةً، إلا ما حكاه ابن المنذر عن عمر، وابن
عمر، وزيد بن ثابت ﴿ه أنهم أمروها بالْمُقام لطواف الوداع، دليل الجمهور
هذا الحديث، وحديث صفية ◌ّا المذكور بعده. انتهى، وسيأتي تحقيق
الخلاف في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): أنه استدلّ به من قال بوجوب الطهارة للطواف بالبيت،
وهو استدلال واضح.
٤ - (ومنها): بيان أن وقت طواف الوداع هو آخر الأمر من شؤون
الحجاج عند مفارقة البيت الحرام، قال ابن قدامةِ كَخَّلُهُ: ووقته بعد فراغ المرء
من جميع أموره؛ ليكون آخر عهده بالبيت، على ما جرت به العادة في توديع
المسافر إخوانه وأهله، ولذلك قال النبيّ وَله: ((حتى يكون آخر عهده بالبيت)).
انتھی.

١٢٩
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْخَائِضِ - حديث رقم (٣٢٢١)
٥ - (ومنها): بيان أن قوله وَله: ((لا ينفرنّ إلخ)) فيه دلالة على أن طواف
الوداع لا يجب إلا على من أراد الخروج من مكة من أهل الآفاق، فلا يجب
على أهل مكة؛ لأنهم لا ينفرون، قال ابن قدامة كَُّ: ومن كان منزله في
الحرم، فهو كالمكيّ لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم قريباً منه
فظاهر كلام الخرقيّ أنه لا يخرج حتى يوقّع البيت، وهذا قول أبي ثور، وقال
أصحاب الرأي في أهل المواقيت: إنهم بمنزلة أهل مكة في عدم وجوب
طواف الوداع.
قال: ولنا عموم قوله ◌َله: ((لا ينفرنّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت))،
ولأنه خارج من مكة، فلزمه التوديع كالبعيد. انتهى (١)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم طواف الوداع:
قال النوويّ تَخْلَفُهُ: في الحديث دلالة لمن قال بوجوب طواف الوداع،
وأنه إذا تركه لزمه دم، وهو الصحيح في مذهبنا، وبه قال أكثر العلماء، منهم
الحسن البصريّ، والحكم، وحمادٌ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأحمدُ، وإسحاق،
وأبو ثور، وقال مالك، وداود، وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، وعن
مجاهد روایتان کالمذهبین. انتھی.
قال في ((الفتح)): والذي رأيته في ((الأوسط)) لابن المنذر أنه واجب؛
للأمر به، إلا أنه لا يجب بتركه شيء. انتهى.
قال الشوكانيّ تَخّْتُهُ: قد اجتمع في طواف الوداع أمره وَّه به ونهيه عن
تركه، وفعله الذي هو بيان للمجمل الواجب، ولا شك أن ذلك يفيد الوجوب.
وقال ابن قدامة تَّثُ: طواف الوداع واجب ينوب عنه الدم إذا تركه،
وبهذا قال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ والشافعيّ، وقال أيضاً: من أتى مكة
لا يخلو إما أن يريد الإقامة بها، أو الخروج منها، فإن أقام بها فلا وداع
عليه؛ لأن الوداع من المفارق، لا من الملازم، سواء نوى الإقامة قبل النفر أو
بعده، وبهذا قال الشافعيّ، وقال أبو حنيفة: إن نوى الإقامة بعد أن حَلّ له
(١) («المغني)) ٢٣٧/٣.

١٣٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
النفر لم يسقط عنه الطواف، وهذا فيه نظرٌ؛ لأنه غير مفارق، فلا يلزمه وداع،
كمن نواها قبل حل النفر، وإنما قال النبيّ وَله: ((لا ينفرن أحدٌ حتى يكون آخر
عهده بالبيت))، وهذا ليس بنافر.
فأما الخارج من مكة فليس له أن يخرج حتى يُؤَدِّع البيت بطواف، وهو
واجب من تركه لزمه دم، وبذلك قال الحكم، وحمادٌ، والثوريّ، وإسحاق،
وأبو ثور، وقال الشافعيّ في قول له: لا يجب بتركه شيء، وبه قال مالك،
كما تقدم، لأنه يسقط عن الحائض، فلم يكن واجباً .
قال: ولنا ما روى ابن عباس ﴿ّ قال: ((أمر الناس أن يكون آخر
عهدهم بالبيت، إلخ)). ولمسلم قال: قال رسول الله وَله: ((لا ينفرنّ أحد حتى
يكون آخر عهده بالبيت))، وليس في سقوطه عن المعذور ما يجوز سقوطه
لغيره، كالصلاة تسقط عن الحائض، وتجب على غيرها، بل تخصيص الحائض
بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها؛ إذ لو كان ساقطاً عن الكل لم يكن
لتخصيصها بذلك معنى. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من بيان أقوال أهل العلم
في هذه المسألة، وأدلّتهم أن الأرجح قول الجمهور، وهو وجوب طواف
الوداع على الآفاقيّ، إلا الحائض والنفساء؛ لوضوح أحاديث الباب في ذلك،
فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيهات]:
(الأول): قال ابن قدامة كَذَتُهُ: إن أخّر طواف الزيارة، فطافه عند
الخروج، ففيه روايتان: إحداهما: يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنه أُمر أن يكون
آخر عهده بالبيت، وقد فعل، ولأن ما شُرع لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب
من جنسه، كتحية المسجد بركعتين، تجزئ عنهما المكتوبة، وعنه - أي عن
الإمام أحمد - لا يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنهما عبادتان واجبتان، فلم
تجزئ إحداهما عن الأخرى، كالصلاتين الواجبتين. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الرواية الأولى أرجح؛ لظهور
(١) ((المغني)) لابن قدامة كَم ٢٣٦/٣، ٢٣٧.

١٣١
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْخَائِضِ - حديث رقم (٣٢٢١)
حجتها، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(الثاني): إن طاف للوداع، ثم اشتغل بتجارة، أو إقامة فعليه إعادته،
وبهذا قال عطاء، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وأبو ثور.
وقال أصحاب الرأي: إذا طاف للوداع بعدما حلّ له النفر أجزأه، وإن
أقام شهراً، أو أكثر؛ لأنه طاف بعدما حل له النفر، فلم يلزمه إعادته، كما لو
نفر عقيبه .
وحجة الأولين ظاهر قوله وَل﴾: ((لا ينفرنّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده
بالبيت))، ولأنه إذا أقام بعده خرج عن أن يكون وداعاً في العادة، فلم يجزئه،
كما لو طافه قبل حل النفر، قاله ابن قدامة ◌َّتُهُ .
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه الأولون أرجح؛
لظاهر الحديث، فتأمله، والله تعالى أعلم.
فأما إن قضى حاجةً في طريقه، أو اشترى زاداً، أو شيئاً لنفسه في طريقه
لم يُعِده؛ لأن ذلك ليس بإقامة تُخرِج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت،
وبهذا قال مالك، والشافعي، قال ابن قدامة: ولا نعلم مخالفاً لهما، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(الثالث): إن خرج قبل طواف الوداع رجع فطاف، إن كان بالقرب، وإن
بَعُدَ بعث بدم، هذا قول عطاء، والثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق وأبي ثور.
قال ابن قدامة تَقْدُ: والقريب هو الذي بينه وبين مكة دون مسافة القصر،
والبعيد من بلغ مسافة القصر، نَصّ عليه أحمد، وهو قول الشافعيّ، وقال
الثوريّ: حدّ ذلك الحرم، فمن كان في الحرم فهو قريب، ومن خرج منه فهو
بعيد، وإن لم يمكنه الرجوع لعذر، فهو كالبعيد، ولو لم يرجع القريب الذي
يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في طواف الوداع للحائض:
قال الإمام ابن المنذر تَّتُهُ: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على
الحائض التي قد أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب، وابن
عمر، وزيد بن ثابت، أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضاً لطواف الوداع،

١٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وكأنهم أوجبوه عليها، كما يجب عليها طواف الإفاضة؛ إذ لو حاضت قبله لم
يسقط عنها، ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح إلى نافع، عن ابن عمر رضي﴿يا قال:
طافت امرأة بالبيت يوم النحر، ثم حاضت، فأمر عمر بحبسها بمكة بعد أن
ينفر الناس حتى تطهر، وتطوف بالبيت، قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر،
وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر، فخالفناه؛ لثبوت حديث عائشة.
وأشار برجوع ابن عمر إلى ما أخرجه البخاريّ في ((صحيحه)) بعد حديث
ابن عبّاس هذا عن طاوس قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر، ثم
سمعته يقول بعدُ: إن الله رَكْ رخّص لهنّ.
وأشار برجوع زيد بن ثابت إلى ما يأتي لمسلم في الحديث التالي.
وقد روى ابن أبي شيبة من طريق القاسم بن محمد: كان الصحابة
يقولون: إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض، فقد فرغت، إلا عمر، فإنه كان
يقول: يكون آخر عهدها بالبيت، وقد وافق عمر على رواية ذلك عن النبيّ وَل
غيره، فروى أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، والطحاويّ، واللفظ لأبي داود، من
طريق الوليد بن عبد الرحمن، عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفيّ، قال:
أتيت عمر، فسألته عن المرأة تطوف بالبيت يوم النحر، ثم تحيض، قال: ليكن
آخر عهدها بالبيت، فقال الحارث: كذلك أفتاني، وفي رواية أبي داود: هكذا
حدثني رسول الله التى.
واستدل الطحاويّ بحديث عائشة ﴿يا على نسخ حديث الحارث في حق
الحائض، وكذلك استدل على نسخه بحديث أم سليم ظ﴿يا عند أبي داود
الطيالسيّ أنها قالت: حِضتُ بعدما طُفت بالبيت، فأمرني رسول الله وَل قر أن
أنفر. انتهى (١).
وقال ابن قدامة تَخْتُ: المرأة إذا حاضت قبل أن تُوَدِّع خرجت، ولا وداع
عليها، ولا فدية، وهذا قول عامة فقهاء الأمصار، وقد رُوي عن عمر، وابنه
أنهما أمرا الحائض بالمقام لطواف الوداع، وكان زيد بن ثابت يقول به، ثم
رجع عنه، كما روى مسلم، ورُوي عن ابن عمر أنه رجع إلى قول الجماعة
(١) راجع: ((الفتح)) ٧١٨/٤.

١٣٣
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْخَائِضِ - حديث رقم (٣٢٢٢)
أيضاً (١)، وقد ثبت التخفيف عن الحائض بحديث صفية رضيها حين قالوا: يا
رسول الله إنها حائض، فقال: ((أحابستنا هي؟)) قالوا: يا رسول الله إنها قد
أفاضت يوم النحر، قال: ((فلتنفر إذاً))، ولا أمرها بفدية ولا غيرها، وفي
حديث ابن عباس : ((أُمِر الناسُ أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه
خُفّف عن المرأة الحائض))، والحكم في النفساء كالحكم في الحائض. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من بيان أقوال أهل العلم في
هذه المسألة أن الحقّ هو ما عليه الجمهور من أن الحائض ومثلها النفساء لا
يجب عليها طواف الوداع، ويُعتذر عن عمر رظُه بأنه لم يبلغه حديث الرخصة،
وإلا لكان أولى الناس عملاً به، ورجوعاً إليه، كما فعل ابنه عبد الله، وكما
ـّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
فعل زید بن ثابت
والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٢٢] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْیَی بْنُ سَعِيدٍ، عَن
ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِم، عَنْ طَاوُسَّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، إِذْ
قَالَ زَيْدُ بَّنُ ثَابِتٍ: تُفْتِي أَنْ تَصْدُرّ الَّحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ؟
فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِمَّا لَا فَسَلْ (٢) فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ، هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ؟ قَالَ: فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ:
مَا أَرَاكَ إِلَّ قَدْ صَدَقْتَ).
(١) رجوع ابن عمر صحيح، فقد روى البخاريّ في ((صحيحه)) من طريق عبد الله بن
طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: ((رُخِّص للحائض أن تنفر إذا أفاضت))،
قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفر، ثم سمعته يقول بعدُ: إن النبيّ وَلّ
رَأَخَّص لهنّ. قال الحافظ: قوله: ((ثم سمعته يقول بعدُ)) إن ذلك كان قبل موت ابن
عمر بعام، كما وقع للطحاويّ من رواية عُقَيل، عن الزهري، عن طاوس. انتهى.
(٢) وفي نسخة: ((فاسأل)).

١٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِم) بن يَنّاق، تقدّم قريباً.
والباقون ذكروا في الباب، وقبله بباب.
شرح الحديث:
(عَنْ طَاؤُسٍ) أنه (قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿هَا (إِذْ قَالَ زَيْدُ بْنُ
ثَابِتٍ) رَبِهِ، و((إِذَ)) ظرفيّة متعلّقة بـ(كنت))، أي وقت قوله (تُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ
الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ؟) هذا الكلام استفهام إنكاريّ بتقدير
همزة الاستفهام، وفي رواية النسائيّ في ((الكبرى)): عن طاوس قال: ((كنت عند
ابن عباس، فقال له زيد بن ثابت: أأنت الذي تفتي المرأة الحائض أن تنفر قبل
أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال له ابن عباس: سل فلانة الأنصارية، هل
أمرها رسول الله وَلهم أن تنفر؟ فسألها، ثم رجع، وهو يضحك، فقال: الحديث
كما حدثتني))(١).
وللإسماعيلي بعد قوله: ((أنت الذي إلخ)): ((قال: نعم، قال: فلا تفت
بذلك، قال: فسل فلانة))، والباقي نحو سياق مسلم، وزاد في إسناده عن ابن
جريج قال: وقال عكرمة بن خالد، عن زيد وابن عباس نحوه، وزاد فيه:
((فقال ابن عباس: سل أم سليم، وصواحبها هل أمرهن رسول الله صل* بذلك؟
فسألهنّ، فقلن: قد أمرنا رسول الله ﴿ ﴿ بذلك)).
قال الحافظ ◌َُّ: وقد عُرِف برواية عكرمة الماضية، أن الأنصارية هي
أم سليم، وأما صواحبها فلم أقف على تسميتهنّ. انتهى (٢).
[تنبيه]: أخرج البخاريّ كَّلُ في ((صحيحه))، من طريق أيوب، عن
عكرمة، أن أهل المدينة سألوا ابن عباس ها عن امرأة طافت، ثم حاضت،
قال لهم: تنفر، قالوا: لا نأخذ بقولك، وندع قول زيد، قال: إذا قدمتم
المدينة فسلوا، فقدِموا المدينة، فسألوا، فكان فيمن سألوا أم سليم، فذكرت
حديث صفية. رواه خالد، وقتادة، عن عكرمة. انتهى.
(١) ((السنن الكبرى)) ٢/ ٤٦٧.
(٢) ((الفتح)) ٤/ ٧٢٠، ٧٢١.

١٣٥
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْخَائِضِ - حديث رقم (٣٢٢٢)
قوله: ((فكان فيمن سألوا أم سليم))، قال في ((الفتح)): في رواية الثقفيّ:
((فسألوا أم سليم وغيرها، فذكرت صفيةً))، كذا ذكره مختصراً وساقه الثقفيّ
بتمامه، قال: ((فأخبرتهم أن عائشة قالت لصفية: أفي الخيبة أنت، إنك
لحابستنا، فقال رسول الله وَ له: ((ما ذاك؟)) قالت عائشة: صفية حاضت، قيل:
إنها قد أفاضت، قال: ((فلا إذاً))، فرجعوا إلى ابن عباس، فقالوا: وجدنا
الحديث كما حدثتناه)).
وقوله: ((رواه خالد)) يعني الحذاء، وقتادة عن عكرمة، أما رواية خالد
فوصلها البيهقيّ من طريق معلى بن منصور، عن هشيم، عنه، عن عكرمة، عن
ابن عباس قال: ((إذا طافت يوم النحر، ثم حاضت فلتنفر))، وقال زيد بن
ثابت: ((لا تنفر حتى تطهر، وتطوف بالبيت))، ثم أرسل زيد بعد ذلك إلى ابن
عباس: إني وجدت الذي قلت كما قلت.
وأما رواية قتادة، فوصلها أبو داود الطيالسيّ في ((مسنده))، قال: حدّثنا
هشام هو الدستوائيّ، عن قتادة، عن عكرمة، قال: ((اختَلَف ابن عباس،
وزيد بن ثابت، في المرأة إذا حاضت، وقد طافت بالبيت يوم النحر، فقال
زيد: يكون آخر عهدها بالبيت، وقال ابن عباس: ((تنفر إن شاءت))، فقالت
الأنصار: لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيداً، فقال: سلوا صاحبتكم،
أم سليم، يعني فسألوها، فقالت: حِضتُ بعدما طفت بالبيت، فأمرني
رسول الله ◌َ أن أنفر، وحاضت صفية، فقالت لها عائشة: حبستنا، فأمرها
النبيّ وَ ﴿ أن تنفر))، ورواه سعيد بن أبي عروبة في ((كتاب المناسك)) عن قتادة،
عن عكرمة نحوه، وقال فيه: ((لا نتابعك إذا خالفت زيد بن ثابت))، وقال فيه:
((وأنبئت أن صفية بنت حيي حاضت بعدما طافت بالبيت يوم النحر، فقالت لها
عائشة: الخيبة لك، حبستنا، فذكروا ذلك للنبيّ وَلغيره، فأمرها أن تنفر))، وهكذا
أخرجه إسحاق في ((مسنده)) عن عبدة، عن سعيد، وفي آخره: ((وكان ذلك من
شأن أم سليم أيضاً، أفاده في ((الفتح)) (١).
ـُ (ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿هَا (إِمَّا لَا) قال
(فَقَالَ لَهُ) أي لزيد بن ثابت
(١) راجع: ((الفتح)) ٧٢٠/٤.

١٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
النوويّ تَخْلُهُ: ((إمّا لا)) بكسر الهمزة، وفتح اللام، وبالإمالة الخفيفة، هذا هو
الصواب المشهور، وقال القاضي عياض: ضبطه الطبريّ، والأصيليّ: ((إِمّا لِي))
بكسر اللام، قال: والمعروف في كلام العرب فتحها، إلا أن تكون على لغة
من یمیل.
وقال المازريّ: قال ابن الأنباريّ: قولهم: ((افعل هذا إما لا)) فمعناه:
افعل كذا وكذا، إن كنت لا تفعل غيره، فدَخَلت ((ما)) زائدة على ((إن))، كما
قال الله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦]، فاكتَفَوْا بـ(لا)) عن
الفعل، كما تقول العرب: إن زارك فزره، وإلا فلا. انتهى (١).
وقال ابن الأثير كَثِّتُهُ: في ((النهاية)): ((إمّا لا)) هذه الكلمة تَرِد في
المحاورات كثيراً، وقد جاءت في غير موضع من الحديث، وأصلها ((إن))،
و((ما))، و((لا)»، فأدغمت النون في الميم، و((ما)) زائدة في اللفظ، لا حكم لها،
وقد أمالت العرب ((لا)) إمالةً خفيفةً، قال: والعوام يشبعون إمالتها، فتصير ألفها
ياء، وهو خطأ، ومعناه: إن لم تفعل هذا، فليكن هذا. انتهى (٢).
وقوله: (فَسَلْ) وفي نسخة: ((فاسأل))، وهما فعلا أمر، قال الفيّوميّ في
مادّة ((سأل)) ما نصّه: والأمر من سأل اسأل بهمزة وصل، فإن كان معه واو
جاز الهمز؛ لأنه الأصل، وجاز الحذف؛ للتخفيف، نحو: واسألوا، وسَلُوا،
وفيه لغة سال يسال، من باب خاف، والأمر من هذه: سَلْ، وفي المثنّى
والمجموع: سَلَا، وسَلُوا على غير قياس - أي لأن القياس يقتضي أن يقال:
سالا، وسالوا، كخافا، وخافوا. انتهى (٣).
وقوله: (قُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ) قد تبيّن بما سبق من الروايات أنها أم سليم
الأنصاریّة والدہ أنس پا.
(هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ) أي بأن تنفر قبل أن تطوف للوداع (رَسُولُ اللهِ،
قَالَ) طاوس (فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ) رَبُّه أي بعدما سأل فلانة الأنصاريّة (إِلَى
(١) راجع: إكمال المعلم)) ٤١٧/٤، و((شرح النوويّ)) ٧٩/٩، ٨٠.
(٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ١/ ٧٢.
(٣) ((المصباح المنير)) ١/ ٢٩٧.

١٣٧
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَنِ الْخَائِضِ - حديث رقم (٣٢٢٢)
(يَضْحَك) جملة حاليّة من الفاعل (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة
ابْنِ عَبَّاسٍ) .
أيضاً، إما متداخلة، أو مترادفة (مَا) نافية (أَرَاَكَ إِلَّا قَدْ صَدَقْتَ) أي فيما حدّثت
به أنه ولي أمر الحائض بأن تنفر بلا طواف الوداع، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس
هذا متّفقٌ عليه .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٢٢/٦٥] (١٣٢٨)، و(البخاريّ) في ((الحجّ))
(١٧٥٨ و١٧٥٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٠١)، و(الشافعيّ) في ((مسنده))
(١٣٢/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٦/١ و٣٤٨)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٣٢٧/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٠٢/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(١٦٣/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سقوط طواف الوداع عن الحائض، ومثلها النفساء.
٢ - (ومنها): أن فيه مناقشةَ العلماء لتحقيق الحقّ، وإظهار الخفيّ، لا
للمجادلة، والمماراة، فإن ذلك ممنوع.
٣ - (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة لابن عبّاس ◌َّا في سعة علمه، فإن
زيداً به من العلماء الراسخين، وممن شهد له النبيّ وَّ بالعلم، ولا سيّما
علم الفرائض الذي يقال فيه: إنه نصف العلم، فقد قال فيه ويلافي: ((أفرضكم
زيد))، قال الحافظ كَّلُهُ: وهو حديث حسنٌ، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن،
وصححه الترمذيّ، وابن حبان، والحاكم من رواية أبي قلابة، عن أنس، وأُعِلّ
بالإرسال، ورجحه الدارقطنيّ، والخطيب، وغيرهما، وله متابعات وشواهد،
ذكرتها في ((تخريج أحاديث الرافعيّ)). انتهى كلام الحافظ تَظْذّتُهُ(١).
ومع ذلك فقد حجّه ابن عبّاس چا، وذلك مصداق دعائه ٹے له ـ فيما
(١) ((الفتح)) ٢٠/١٢، كتاب الفرائض.

١٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
أخرجه الشيخان، والإمام أحمد - بقوله: ((اللهم علّمه الكتاب))، لفظ البخاريّ،
ولفظ أحمد: ((اللهم فقهه في الدين، وعلّمه التأويل»، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّقُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٢٢٣] (١٢١١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ
قَالَتْ: حَاضَتَّ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُبَيِّ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَذَكَرْتُ حِيضَتَهَا
لِرَسُولِ اللهِ وَلِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟)) قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَفَاضَتْ، وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((فَلْتَنْفِرْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قريباً.
والباقون كلّھم تقدّموا قبل بابين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف (وَعُرْوَةَ) بن الزبير (أَنَّ
عَائِشَةَ) ◌َا (قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُبَيٍّ) - بضمّ الحاء، وكسرها، والضمّ
أشهر - ابن أخطب بن سعيد بن ثعلبة بن عبيد بن كعب الإسرائيليّة، أم المؤمنين
من أولاد هارون بن عمران ظلّا، سباها رسول الله وَل عام خيبر، ثم أعتقها،
ثم تزوجها، رَوَت عن النبيّ وَّ، وروى عنها ابن أخيها، ومولياها: كنانة،
ويزيد بن معتب، وعلي بن الحسين بن علي، ومسلم بن صفوان، وإسحاق بن
عبد الله بن الحارث، وذكر ابن عبد البر أن صفية التي روى عنها إسحاق غير
صفية بنت حيي، وكذا قال في صفية التي روى عنها مسلم بن صفوان.
قال الواقديّ: ماتت في خلافة معاوية سنة خمسين، وقال غيره: ماتت
قبل ذلك سنة ست وثلاثين، حَكَى ذلك ابن حبان بعد أن قدَّم أنها ماتت في
خلافة معاوية، قال الحافظ: وهو الذي لا يتجه غيره، فإن في ((الصحيحين))

١٣٩
(٦٥) - بَابُ وُجُوبٍ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَسُقُوطِهِ عَن الْخَائِضِ - حديث رقم (٣٢٢٣)
تصريح عليّ بن الحسين بسماعه منها، وكان مولده بعد سنة ست وثلاثين
قطعاً. انتهى.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب حديث واحد سيأتي في ((كتاب
السلام)) برقم (٢١٧٥) حديث: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى
الدم ... )) الحديث.
(بَعْدَمَا أَفَاضَتْ) أي طافت طواف الإفاضة، وهو الذي يُسمّى طواف
الزيارة، وهو طواف الركن، وسُمّي بذلك لأن الغالب أنه يُفعل يوم النحر،
يُفيض الحاجّ من منى إلى مكة، فيطوف، ثم يرجع، والإفاضة الزَّحْف، والدَّفْعُ
في السير بكثرة، ومنه الإفاضة من عرفة، ولا تكون إلا عن تفرّق وجمع،
وأصل الإفاضة الصبّ، فاستُعيرت للدفع في السير، وأصله: أفاض نفسَهُ، أو
راحلَتَهُ، فرفضوا ذكر المفعول حتى أشبه غير المتعدّي(١). (قَالَتْ عَائِشَةُ:
فَذَكَرْتُ حِيضَتَهَا) بكسر الحاء المهملة: أي الحالة التي عليها من الحيض،
ويَحْتَمِل أن يكون بفتح الحاء، وهي المرّة من الحيض (لِرَسُولِ اللهِ وَِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟))) أي هل هي مانعتنا من الخروج إلى المدينة
بلزوم الإقامة في مكة لأجلها إلى أن تطوف بعد فراغها من الحيض؟ ظنّ وَيه
أنها لم تطف طواف الإفاضة (قَالَتْ) عائشة ◌ِ﴿يَا (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا قَدْ
كَانَتْ أَفَاضَتْ) أي طافت طواف الإفاضة، فقولها: (وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ) عطف
تفسير (ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((فَلْتَنْفِرْ))) أي فلتُسرع
الخروج من مكة راجعة إلى المدينة؛ لتمام حجها، وعدم بقاء شيء عليها، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢٢٣/٦٥ و٣٢٢٤ و٣٢٢٥ و٣٢٢٦ و٣٢٢٧
(١) ((النهاية)) لابن الأثير ٤٨٤/٣، ٤٨٥، و((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٢٨/٥.

١٤٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
و٣٢٢٨ و٣٢٢٩ و٣٢٣٠] (١٢١١)، و(البخاريّ) في ((الحيض)) (٣٢٨)
و((الحجّ)) (١٧٥٧) و((المغازي)) (٤٤٠١)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٩٤٣)،
و(النسائيّ) في ((الحيض)) (١٩٤/١) و((الكبرى)) (٤٦٤/٢ - ٤٦٥)، و(ابن ماجه)
في ((المناسك)) (٣٠٧٢)، و(مالك) في ((الموظٍّ)) (٤١٢/١)، و(الشافعيّ) في
(مسنده)) (١٣١/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (١٠٢/١)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٩٩/٦ و١٩٢ - ١٩٣ و٢٠٧)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢/
١٨٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٥٦٨/٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى))
(٤٩٦)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٣٠٠٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٢١١ - ٢١٣)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (١٢١/١ و٢٧٣/٨) و((الكبير))
(٢٦٧/٢٣)، و(الطحاويّ) في ((شرح معاني الآثار)) (٢٣٤/٢)، و(أبو عوانة)
في «مسنده)) (٣٢٣/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٤٠٢/٣)، و(البيهقيّ) في
(«الكبرى» (١٦٢/٥) و((الصغرى)) (٣٥٧/٤) و((المعرفة)) (١٤٧/٤)، و(البغويّ)
في ((شرح السنّة)) (١٩٧٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في ((فوائده:
١ - (منها): بيان أن طواف الوداع غير واجب على الحائض، فلها النفر
من غير أن تفعله، ولا دم عليها، وبهذا قال جمهور العلماء من السلف
والخلف، قال ابن عبد البرّ: هو مجمع من فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء
عليه، لا خلاف بينهم فيه. انتهى، وحَكَى الطحاويّ عن طائفة وجوبه عليها
كغيرها، وقد تقدّم تحقيق البحث في المسألة الخامسة في شرح ثاني أحاديث
الباب.
٢ - (ومنها): بيان أن طواف الإفاضة ركن لا بدّ منه؛ لقوله وَ﴿ لمّا لم
يعلم أن صفيّة طافت للإفاضة: ((أحابستنا هي؟))، وهو كذلك بالإجماع.
٣ - (ومنها): بيان اشتراط الطهارة في صحّة الطواف، وهو كذلك عند
الجمهور كما تقدّم.
٤ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين كَخْدَثُ: مقتضى قوله وَله: ((أحابستنا
هي؟)) أنها لو لم تكن طافت للإفاضة لم يَرْحَل حتى تطهر من الحيض،
وتغتسل، وتطوف، ثم يَحْتَمِل أن ذلك على سبيل اللزوم، وهو ظاهر التعبير