النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
(٦٠) - بَابُ جَوَازِ الإِشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ، وَإِجْزَاءِ الْبَقَرَةِ وَالْبَدَنَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣١٨٩)
وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه(١).
وقوله: (أَيُشْتَرَكُ فِي الْبَدَنَّةِ مَا يُشْتَرَكُ فِي الْجَزُورِ؟) ببناء الفعلين للمفعول.
وقوله: (مَا يُشْتَرَكُ فِي الْجَزُورِ؟) قال النوويّ ◌َّتُهُ: هكذا في النسخ: ((ما
يُشتَرك))، وهو صحيح، وتكون ((ما)) بمعنى ((مَنْ))، وقد جاز ذلك في القرآن
وغيره، ويجوز أن تكون مصدرية، أي اشتراكاً كالاشتراك في الجزور. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن الوجه الثاني هو الأوضح؛ إذ
الأول يلزم منه ارتكاب المجاز، وأيضاً يلزم منه بناء الفعل للفاعل، حتى تكون
((ما)) فاعلاً، فإن صحّت الرواية بالوجهين، فذاك، وإلا فالأقرب بناؤه
للمفعول، وكون ((ما)) مصدريّة، لا موصولاً اسميّاً، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ كَّلُهُ بعد ذكر الاختلافات في الاشتراك في الهدي ما
نصّه: وهذا الخلاف إنما هو في الإبل والبقر، وأما الغنم، فلا يجوز الاشتراك
فيها اتفاقاً، وقد قدمنا أن اسم البدنة مأخوذ من البدانة، وهي عِظَم الجسم،
وأن الجزور من الْجَزْر، وهو: القطع، وأن الجزور من الإبل، والجزرة من
الغنم، وقد فَرّق في حديث جابر بين البُدن والجزور؛ لأنه أراد بالبدنة ما ابْتُدئ
هديه عند الإحرام، وبالجزور ما اشتُرِي بعد ذلك للنحر، فكأنه ظهر للسائل:
أن شأن هذه، أخف في أمر الاشتراك مما أهدي من البُدن، فأجابه بما في
معناه: أن الجزور لَمّا اشتريت للنسك صار حكمها حكم البدن.
قال: وقد سمعت من بعض مشايخنا أن البدنة في هذا الحديث من
الإبل، والجزور فيه من البقر، وكأن السائل سأله عن البقرة؛ هل يَشتَرِك فيها
سبعة كما يُشتَرك في البدنة؟ فقال: هي منها في حكم المسؤول عنه، وكأن هذا
السائل لم يسمع في هذا ذكر البقر، فسأل عنها، والله أعلم. انتهى كلام
القرطبيّ كَّهُ (٢).
وقوله: (مَا هِيَ إِلَّ مِنْ الْبُدْنِ) قال النوويّ ◌َظَُّهُ: قال العلماء: الْجَزُور -
بفتح الجيم - وهي البعير، قال القاضي: وفرّق هنا بين البدنة والجزور؛ لأن
البدنة والهدي ما ابْتُدِئ إهداؤه عند الإحرام، والجزور ما اشتُرِي بعد ذلك
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٢٢٤.
(٢) ((المفهم)) ٤١٩/٣، ٤٢٠.

٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
لُيُنْحَر مكانها، فَتَوَهَّم السائل أن هذا أحقّ في الاشتراك، فقال في جوابه:
الجزور لَمّا اشتُرِيت للنسك صار حكمها كالبُدْن. انتهى(١).
وقوله: (وَحَضَرَ جَابِرُ الْحُدَيْبِيَةَ) أشار به إلى أن قول جابر هڅئه: اشتركنا
مع النبيّ ◌َّ في الحجّ والعمرة، محمول على عمرة الحديبية؛ لأنه حضرها.
وقوله: (اشْتَرَكْنَا كُلَّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ) ((كلّ)) يَحْتَمِل أن يكون فاعلاً
(اشترك)) على لغة («أكلوني البراغيث))، ويَحتَمِل أن يكون مبتدأ خبره الجارّ
والمجرور بعده، أي مشترك في بدنة، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال القرطبيّ كَُّ: تمسَّك الجمهور من السلف وغيرهم بهذه
الأحاديث على جواز الاشتراك في الهدي، وممن قال بهذا ابن عمر، وأنس،
وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وطاووس، وسالم، وعمرو بن دينار،
والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب
الرأي، حكاه ابن المنذر، قال: وقد روينا عن ابن عباس: أنه قال: البدنة عن
سبعة، وإن تمتعوا، وبه قال عطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار، والثوري،
والشافعيّ، قال: وقد روينا عن سعيد بن المسيب: أنه قال: تجزئ الجزور عن
عشرة، وبه قال إسحاق.
قال القرطبيّ: وظاهر ما حكاه ابن المنذر: أنهم اشتركوا في الثمن،
وأنهم سوّوا في ذلك بين الهدي الواجب والتطوّع، من غير تقييد، ولا
تفصيل، وقد فصّل غيره الخلاف فقال: إن الشافعيّ يجيزه في الواجب،
وإن كان بعضهم يريد اللحم، وبعضهم يريد الفدية. وأبو حنيفة يجيزه إذا
أراد جميعهم الفدية، حكاه الإمام أبو عبد الله، وقال: عندنا في التطوع
قولان.
قال ابن المنذر، وقال مالك: لا يشترك في شيء من الهدي، ولا من
البُدن، ولا النسك في الفدية، ولا في شيء مما ذكرناه.
قال القرطبيّ: وكأن هذا الذي صار إليه مالك مستنده قول الله تعالى:
◌َا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأقلّ ما يطلق عليه اسم الهدي شاة، ولم
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٨/٩.

٤٣
(٦٠) - بَابُ جَوَازِ الإِشْتِرَاكِ فِي الْهَدْىِ، وَإِجْزَاءِ الْبَقَرَةِ وَالْبَدَنَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣١٨٩)
يقل فيه أحدٌ أنه جزءٌ مُسمَّى من اللحم، وقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ
أَوْ شٍُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقد فسَّر النبيّ وَّ النسك بشاة في حديث كعب بن
عجرة به، وكان ذلك أقلّ ما ينطلق عليه الاسم، فكان هو المتعيِّن، ولأنهم
قد اتفقوا: على أنه لا يجوز في الهدايا المريض البيِّن المرض، ولا المعيب
بنقص عضو، وإذا كان كذلك مع صدق الاسم عليه فأحرى وأولى ألا يجوز
جزءٌ من اللحم.
واعتَذَر عن حديث جابر ه: بأن ذلك كان في التطوع، وهو مستند
أحد القولين المتقدمين، وليس بالمشهور عن مالك، وبأن تلك الأحاديث ليس
فيها تصريح بالاشتراك في الثمن، فلعلَّه قصد التشريك في الثواب، أو التشريك
في قسمة الجزور، حتى تقسم البدنة أو الجزور سَبْعَ قِسَم بين سبعة نَفَر، والله
أعلم.
وقد أشار إلى هذا جابر به فقال: أمرنا رسول الله وَلّ إذا أحدلنا أن
نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية، فإنه مشعر بأن التشريك إنما وقع بعد
انفراد المهدي بالهدي، فتأمله. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: إنما نقلت كلام القرطبيّ هذا بطوله، وإن تقدّم
ذكر الخلاف في المسألة؛ ليَعلم المنصفون كيف أدّى التقليد بأهله إلى ردّ
النصوص الواضحة إلى غير معناها الواضح؛ فكأن من يحاول هذه المحاولة
يريد أن يجعل مذهب من قلّده أصلاً، والنصوص فرعاً عليه، ومما يؤسف له
أن بعضهم يتفوّه بهذا، ويصرّح به، فيقول: كلّ حديث صحّ، وخالف مذهبنا،
فهو إما منسوخٌ، أو مؤوّل، سبحانك هذا بهتان عظيم.
فيا أيها المنصفون اعلموا أن الله تعالى إنما ضمن الهداية والفلاح في
اتباع النصوص، لا في تقليد فلان وفلان، فقال تعالى: ﴿فَلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِء
وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّوَرَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[الأعراف: ١٥٧]، وقال: ﴿وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال:
ج
﴿وَإِنِ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤]، وقال: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوَ
(١) ((المفهم)) ٤١٨/٣، ٤١٩.

٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ
تَسْلِيمًا ﴾﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللَّهُ وَرَسُولُهُ:
أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اَللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا مُبِينًا
(٣٦)
[الأحزاب: ٣٦].
فيا أيها العاقل الواجب عليك إذا خالف مذهب نصّاً صريحاً أن تتبع
النصّ، وتعتذر عن إمامك عن مخالفته له، لا أن تحاول في ردّ ذلك النصّ
وتأويله بما يوافق رأيه؛ لأن الله تعالى جعل التحاكم عند الاختلاف إلى النص،
لا إلى أحد من أصحاب الآراء، فقال تعالى: ﴿فَإِن نَزَعْنُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ
وَأَّسُولِ إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ الآية [النساء: ٥٩].
٨
﴿رَبَّنَا لَا تُرْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَُّنكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ
اللهم أرنا الحقّ حقّاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا
اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٠] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يُحَدِّثُ عَنْ حَجَّةٍ
النَّبِّ وَِّّ قَالَ: فَأَمَرَنَا إِذَا أَخْلَلْنَا أَنْ نُهْدِيَ، وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ مِنَّا فِي الْهَدِيَّةِ، وَذَلِكَ
حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
كلهم ذُكروا في الباب وفيما قبله.
وقوله: (فَأَمَرَنَا إِذَا أَحْلَلْنَا) بالهمزة رباعيّاً، ويقال: حلّ ثلاثيّاً أيضاً،
يقال: حلّ المحرم حِلّا بالكسر، وأحلّ إحلالاً: إذا خرج من إحرامه، فهو
مُحلّ، وحِلّ أيضاً تسمية بالمصدر، وحلالٌ أيضاً (١).
وقوله: (أَنْ نُهْدِيَ) بضمّ أوله، من الإهداء رباعيّاً، يقال: أهديت الْهَدي
إلى الحرم: إذا سقته إليه.
(١) راجع: ((المصباح)) ١٤٧/١.

٤٥
(٦٠) - بَابُ جَوَازِ الإِشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ، وَإِجْزَاءِ الْبَقَرَةِ وَالْبَدَنَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣١٩١)
وقوله: (وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ مِنَّا) بفتح النون والفاء: جماعة الرجال من ثلاثة
إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال فيما زاد على العشرة(١).
وقوله: (فِي الْهَدِيَّةِ) بتخفيف الياء التحتانيّة، وتشديدها، واحدة الهدي،
قال الفيّوميّ تَظَلُ: الهدي: ما يُهدى إلى الحرم من النَّعَم يُثقّلُ، ويُخفّف،
الواحدة هَديّةٌ بالتثقيل، والتخفيف أيضاً، وقيل: المثقّل جمع المخفّف.
(٢)
انتھی(٢).
وقوله: (وَذَلِكَ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا مِنْ حَجِّهِمْ) يعني أمْره ◌َّ للصحابة
الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلّوا بعمل العمرة، ثم يُهلّوا بالحج، فيصيروا
متمتّعين، ولذا أمرهم بالهدي؛ لوجوبه عليهم بقوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْمُْرَةِ إِلَى
اَلَْحِ لَّمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْحَدِيَّ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦].
وقوله: (فِي هَذَا الْحَدِيثِ) لعله أشار به إلى حديثه الطويل الذي تقدّم في
(صفة حجة النبيّ وَل ))، أي إن هذا الحديث من جملة الحديث الطويل، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣١٩١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ،
عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا نَتَمَتَّعُ مَعَ رَسُولِ اللهِوَهِ بِالْعُمْرَةِ،
فَتَذْبَحُ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، نَشْتَرِكُ فِيهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بشير بن القاسم بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي
خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت١٨٣) وقد
قارب (٨٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقة [٥]
(ت١٤٥) (خت م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
(١) ((المصباح المنير)) ٢/ ٦١٧.
(٢) ((المصباح المنير)) ٦٣٦/٢.

٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
٣ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (كُنَّا نَتَمَثَعُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِالْعُمْرَةِ) قال النوويّ كَُّ: هذا فيه
دليل للمذهب الصحيح عند الأصوليين أن لفظ ((كان)) لا يقتضي التكرار؛ لأن
إحرامهم بالتمتع بالعمرة إلى الحج مع النبيّ وَّهِ إنما وُجِد مرةً واحدةً، وهي
حجة الوداع. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي صححه النوويّ تَخْلُّ من أن لفظ
((كان)) لا يقتضي التكرار، خلاف التحقيق، بل التحقيق أنه يفيد التكرار والدوام
إلا لقرينة، كهذا الحديث، فكون حجته 98 واحدة هو الذي صرف دلالته عن
التكرار والدوام، وقد أشبعت البحث في هذا في ((التحفة المرضيّة))، و((شرحها))
في الأصول، فلتُراجع عند قولي:
وَلَفْظُ ((كَانَ)) لِدَوَامِ الْفِعْلِ مَعْ تَكْرَارِهِ عَلَى الْقَوِيِّ الْمُتَّبَعْ
والحديث من أفراد المصنّف تَخْذُهُ، وقد مضى البحث فيه مستوفّى في
شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٢] (١٣١٩) - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ
ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: ذَبَحَ
رَسُولُ اللهِ عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ شهير [١٠]
(ت٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٦/٣٥.
٢ - (يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ) الْهَمدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ
متقنٌّ، من كبار [٩] (ت٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢١/٥.
(١) ((شرح النوويّ)) ٦٩/٩.

٤٧
(٦٠) - بَابُ جَوَازِ الإِشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ، وَإِجْزَاءِ الْبَقَرَةِ وَالْبَدَنَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣١٩٢)
والباقون ذُكروا قبله.
لطائف هذا الاسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َّلُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه جابراً ظلبه من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) ◌َظُه، وفي الرواية التالية من طريق يحيى الأمويّ: قال ابن
جريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله ﴿ًا، فصرّح ابن جريج
بالإخبار، وأبو الزبير بالسماع، فزالت تهمة التدليس عنهما (قَالَ: ذَبَحَ
رَسُولُ اللهِ وَ﴾﴾ وفي الرواية التالية: ((نحر)) مكان (ذبح))، والفرق بين النحر
والذبح أن النحر يكون في اللَّة - بفتح اللام، وتشديد الموحدة - وهي الوَهْدة
التي بين أصل العنق والصدر، والذبحُ يكون في الحلق، فالذبح هو قطع
العروق التي في أعلى العُنُق تحت اللحيين، قال ابن عابدين تَخْتُ: النحر قطع
العروق في أسفل العنق عند الصدر، والذبح قطعها في أعلاه تحت اللحيين،
وفي (تكملة البحر)): ولا بأس بالذبح في الحلق كلِّه، أسفلِهِ وأوسَطِهِ، وأعلاه؛
لأن ما بين اللبة واللحيين هو الحلق، ولأن كله مُجْتَمَعُ العروق، فصار حكم
الكل واحد. انتهى، وفي ((البدائع)): الذبح هو فَرْيُ الأوداج، ومحله ما بين
اللبة واللحيين، والنحرُ فَرْيُ الأوداج، ومحله آخر الحلق. انتهى، ذكر هذا كلّه
في ((المرعاة))(١) .
(عَنْ عَائِشَةً) أي لعائشة ﴿ّا، ولسائر نسائه، كما سيأتي في الحديث
التالي (بَقَرَةً) ويَحْتَمِل أنه ذبح عن عائشة وحدها بقرةً، وجعل بقرة أخرى عن
الكل تمييزاً لها؛ لأنها انفردت بسبب موجبٍ وهو القران؛ لأنها أردفت الحج
على عمرتها، وهنّ لمّا اشتركن في سببٍ غيرِهِ أشرك بينهنّ، ويكون في ذلك
(١) ((المرعاة)) ٢٠٤/٩.

٤٨
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
تخصيص وتفضيل؛ لأن الواجب في ذلك شاة، أو سبع بدنة، أو بقرةٍ، كما
فَعَل في حق صواحبها، ولعل إيثار البقر؛ لأنه المتيسر حينئذ، وإلا فالإبل
أفضل منه، وقيل: إنه لبيان الجواز (يَوْمَ النَّحْرِ) أي في حجته، كما في رواية
محمد بن بكر التالية قال: ((نحر رسول الله وَ﴿ عن عائشة بقرةً في حجته))،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه
التكلان .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر ظه هذا من أفراد المصنّف تَّلهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١٩٢/٦٠ و٣١٩٣] (١٣١٩)، و(أحمد) في
«مسنده)) (٣٧٨/٣)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣١٨/٢)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٣٩٤/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٨/٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في نحر البقر، وذبحها :
ذهب جمهور العلماء إلى أن نحر البقر جائز، وإن كان الذبح مستحبّاً
عندهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَن تَذْبَهُواْ بَقَرَةٌ﴾ الآية [البقرة: ٦٧]،
وخالف الحسن بن صالح، ومجاهد فاستحبّا نحرها، وقال مالك: إن ذَبح
الجزور من غير ضرورة، أو نَحَر الشاة من غير ضرورة لم تؤكل.
وقال ابن قدامة كَّثُ في ((المغني)): لا خلاف بين أهل العلم في أن
المستحب نحر الإبل، وذبح ما سواها، قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ
وَأَنْحَرْ ﴾﴾ [الكوثر: ٢]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةٌ﴾
[البقرة: ٦٧]، ومعنى النحر أن يضربها بِحَرْبة، أو نحوها في الوَهْدة التي بين
أصل عنقها وصدرها، فإن ذُبح ما يُنحَر، أو نُحِر ما يُذْبَح فجائز، هذا قول
أكثر أهل العلم، منهم: عطاء، والزهريّ، وقتادة، ومالك، والليث، والثوريّ،
وأبو حنيفة، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وحُكي عن داود أن الإبل لا
تباح إلا بالنحر، ولا يباح غيرها إلا بالذبح؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ
يَأْمُ كُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقْرَةُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴾﴾، والأمر يقتضي

٤٩
(٦٠) - بَابُ جَوَازِ الإِشْتِرَاكِ فِي الْهَدْىٍ، وَإِجْزَاءِ الْبَقَرَةِ وَالْبَدَنَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣١٩٣)
الوجوب، وحُكي عن مالك أنه لا يجزئ في الإبل إلا النحر.
وحجة الأولين قوله ◌َ﴾: ((أمرر الدم بما شئت))، وعن عائشة ؤها قالت:
نحر رسول الله وَّر في حجة الوداع بقرة واحدة. انتهى مختصراً.
وقال ابن رُشْد تَّتُ: اتفقوا على أن الذكاة في بهيمة الأنعام نَحْرٌ،
وذَبْحٌ، وأن من سنة الغنم والطير الذبح، وأن من سنة الإبل النحر، وأن البقر
يجوز فيها الذبح والنحر، واختلفوا هل يجوز النحر في الغنم والطير والذبح في
الإبل؟ فذهب مالك إلى أنه لا يجوز النحر في الغنم والطير، ولا الذبح في
الإبل، وذلك في غير موضع الضرورة، وقال قوم: يجوز جميع ذلك من غير
كراهة، وبه قال الشافعيّ، وأبو حنيفة، والثوريّ، وجماعة العلماء، وقال
أشهب: إن نحر ما يذبح أو ذبح ما ينحر أُكِل، ولكنه يكره، وفرّق ابن بكير
بين الغنم والإبل فقال: يؤكل البعير بالذبح ولا تؤكل الشاة بالنحر، ولم
يختلفوا في جواز ذلك في موضع الضرورة.
وسبب اختلافهم معارضة الفعل للعموم، فأما العموم فقوله وَله: ((ما أنهر
الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوا))، متّفقٌ عليه، وأما الفعل فإنه ثبت أن
رسول الله * نَحَر الإبل والبقر، وذبح الغنم، وإنما اتفقوا على جواز ذبح
البقر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةُ﴾. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من ذكر المذاهب وأدلّتها أن
ما ذهب إليه الجمهور أن المستحبّ نحر الإبل، وذبح البقر، فإن ذبح ما يُنحر،
أو نحر ما يُذبح جاز؛ لقوّة حجته، كما سلف آنفاً، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْلَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣١٩٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ جُرَيْج (ح) وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ،َ حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ،
ء
(١) راجع: ((المرعاة)) ٢٠٢/٩ - ٢٠٤.

٥٠
البحر المحيط التجاي شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَحَرَ رَسُولُ اللهِوَِّ عَنْ
نِسَائِهِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بَكْرٍ: عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً فِي حَجَّتِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ) أبو عثمان البغداديّ، تقدّم قريباً.
٢ - (أَبُوهُ) يحيى بن سعيد بن أبان الأمويّ الكوفيّ، نزيل بغداد، تقدّم
أيضاً قريباً .
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (نَحَرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ نِسَائِهِ) وفي حديث عن عائشة
أيضاً: ((أن رسول الله ﴿ ﴿ نحر عن أزواجه بقرة في حجة الوداع))، أخرجه
أحمد، وأبو داود، والنسائيّ في ((الكبرى))، وابن ماجه، كلهم من رواية
يونس، عن الزهريّ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﴿ّ، لفظ
أحمد، ولفظ الثلاثة: ((بقرةً واحدةً))، وعن أبي هريرة ◌َظُه: ((أن رسول الله وَاهـ
ذبح عمن اعتمر من نسائه بقرةً بينهن))، أخرجه أبو داود، والنسائيّ في
((الكبرى))، وابن ماجه، والحديثان سكت عنهما أبو داود، والمنذريّ.
وقد روى مالك في ((الموطإ)»، والبخاريّ في ((صحيحه)) من طريقه في
((باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهنّ))، عن يحيى بن سعيد، عن
عمرة بنت عبد الرحمن، أنها سمعت عائشة ﴿ها تقول: ((خرجنا مع رسول الله
لخمس بقين من ذي القعدة، لا نَرَى إلا الحج ... )) الحديث، وفيه: قالت:
((فدُخِل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: نحر رسول الله عن
أزواجه))، وللشيخين من رواية سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد بلفظ:
((ذبح)).
قال ابن بطال تَخّْتُ: أخذ بظاهره جماعة، فأجازوا الاشتراك في الهدي،
والأضحية، ولا حجة فيه؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون عن كل واحدة بقرة، وأما
رواية يونس، عن الزهريّ، عن عمرة، عن عائشة ثنا: ((أن رسول الله وَ له نحر
عن أزواجه بقرة واحدة))، فقد قال إسماعيل القاضي: تفرد يونس بذلك، وقد
خالفه غيره. انتهى.

٥١
(٦٠) - بَابُ جَوَازِ الإِشْتِرَاكِ فِي الْهَدْىِ، وَإِجْزَاءِ الْبَقَرَةِ وَالْبَدَنَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣١٩٣)
قال الحافظ تَخْذَلُ: رواية يونس أخرجها النسائيّ، وأبو داود، وغيرهما،
ويونس ثقة حافظ، وقد تابعه معمر عند النسائيّ أيضاً، ولفظه أصرح من لفظ
يونس، قال: ((ما ذَبَحَ عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة))، وروى النسائي
أيضاً من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ظراته قال:
((ذبح رسول الله ﴿ ﴿ عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهنّ))، صححه
الحاكم، وهو شاهدٌ قويّ لرواية الزهريّ.
وأما ما رواه عَمَّار الدُّهْنيّ عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن
عائشة ﴿ّ، قالت: ((ذبح عنا رسول الله وَ﴾ يوم حججنا بقرةً بقرةً))، أخرجه
النسائي أيضاً، فهو شاذٌ مخالفٌ لما تقدم، وقد رواه البخاريّ في ((الأضاحي))،
ومسلم أيضاً من طريق ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، بلفظ: ((ضحّى
رسول الله ◌َ﴿ عن نسائه البقر))، ولم يذكر ما زاده عمار الدُّهْنيّ. انتهى كلام
الحافظ تَخْذَلهُ .
وتعقبه الزرقانيّ، فقال: لا شذوذ فيه، فإن عماراً الدهنيّ - بضم
المهملة، وإسكان الهاء، ونون - ثقة صدوقٌ، من رجال مسلم، والأربعة،
فزيادته مقبولة فإنه قد حفظ ما لم يحفظ غيره، وزيادته ليست مخالفة لغيره فإن
رواية معمر: ((ما ذَبَح إلا بقرة)) المراد بها جنس بقرة، أي لا بعيراً، ولا غنماً،
فلا تنافي الرواية الصريحة أنّ عن كل واحدة بقرةً، فمن شرط الشذوذ أن يتعذر
الجمع، وقد أمكن، فلا تأييد فيها لرواية يونس التي حكم إسماعيل القاضي
بشذوذها؛ لأنه انفرد بقوله: ((واحدة))، وإسماعيل من الحفاظ لا يجهل أن
يونس ثقة حافظ، وإنما حكم بشذوذ روايته ومخالفة غيره له على القاعدة أن
الشاذ ما خالف الثقة فيه الملأ، وحديث أبي هريرة لا شاهد فيه، فضلاً عن
قُوّته؛ إذ قوله: ((ذبح بقرة بينهن)) لا صراحة فيه أنه لم يذبح سواها، وإن كان
ظاهره ذلك فتعارضه الرواية الصريحة في التعدد. انتهى.
وردّ بعض المحقّقين على الزرقانيّ تعقّبه هذا، فقال: وفي هذا التعقب
نظر؛ لأن عماراً ويونس اختلفا في ذلك، وعمار وإن كان ثقةً صدوقاً فلا
يساوي يونس؛ لأنه ثقة حافظ، كما تقدم في كلام الحافظ، وقال في ((التقريب))
عن عمار الدُّهْنيّ: صدوقٌ، فإذا تعارضا في الوحدة والتعدد تَرَجَّح حديث

٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
يونس، وقول الزرقانيّ: إن زيادته ليست مخالفة لغيره ليس بصحيح، فإن رواية
يونس صريحة في نحر البقرة الواحدة عن أزواجه، ورواية عمار صريحة في
التعدد، ولا يمكن الجمع بينهما، ولا يصح إرادة الجنس في رواية معمر؛ للتاء
الفارقة بين الواحدة والجنس، قال العينيّ: الفرق بين البقرة والبقر كتمرة وتمر،
وعلى تقدير عدم التاء يَحْتَمِل التضحية بأكثر من واحدة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بما ذُكر أن تعقّب الزرقانيّ غير صحيح،
وأن الصواب مع الحافظ في قوله: إن رواية عمار الدُّهْنيّ: ((بقرةً بقرةً)) شاذّة،
والصحيح ما رواه يونس وغيره: بقرة واحدة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى
الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: قد تقدّم أنه اتَّفَقَ من قال بالاشتراك على أنه لا يكون في أكثر
من سبعة إلا إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيِّب، فقال: تجزئ عن عشرة،
وبه قال إسحاق ابن راهويه، وابن خزيمة من الشافعية، واحتج لذلك في
((صحيحه))، وقوّاه، وبه قال ابن حزم، وبسط في إثباته، واستدلّ لذلك بما تقدم
من أحاديث عائشة، وأبي هريرة، وجابر .
وأجاب الجمهور عن ذلك بوجوه، قال الشوكانيّ: قد استدلّ بقول عائشة
المذكور على أن البقرة تجزئ عن أكثر من سبعة، فإن الظاهر أنه لم يتخلَّف
أحد من زوجاته يومئذ، وهن تسع، ولكن لا يخفى أن مجرد هذا الظاهر لا
تُعارض به الأحاديث الصريحة الصحيحة الواردة في إجزاء البقرة عن سبعة فقط
الْمُجْمَع على مدلولها .
وقيل: إن البقرة كانت عن سبع منهنّ، وعن الباقية لعله ذبح غير البقر،
ولا يخفى ما فيه.
وأجاب ابن القيم بأن أحاديث السبعة أكثر وأصح، وحاصله أن الروايات
في ذلك مختلفة، وحديث عائشة يدل على الإجزاء لأكثر من سبعة، لكن
أحاديث الإجزاء لسبعة فقط أكثر وأصح، فتقدم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قال ابن القيّم تَُّ تحقيق نفيسٌ جدّاً.
وخلاصته أن البقرة تُجزئ عن سبعة فقط؛ لتصريح الأحاديث الصحيحة

٥٣
(٦٠) - بَابُ جَوَازِ الإِشْتِرَاكِ فِي الْهَدْيِ، وَإِجْزَاءِ الْبَقَرَةِ وَالْبَدَنَةِ ... إلخ - حديث رقم (٣١٩٣)
بذلك، فتقدّم على ما اقتضاه مفهوم حديث عائشة ◌َّا هذا من أنه وَّ ذبح بقرة
عن أزواجه، وهنّ أكثر من سبعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: اختُلِف في أن البقرة المذكورة في حديث عائشة ضائها عند
مالك، والشيخين كانت أضحية أو هدياً، وبكلا اللفظين وردت الروايات،
فَرَوَى البخاريّ في ((الأضاحي))، ومسلم أيضاً من طريق ابن عيينة، عن
عبد الرحمن بن القاسم، بلفظ: ((ضحّى رسول الله (َ ﴿ عن نسائه بالبقر))،
وأخرجه مسلم من طريق ابن الماجشون، عن عبد الرحمن، بلفظ: ((أهدى))
بدل ((ضحى))، قال الحافظ: والظاهر أن التصرف من الرواة؛ لأنه ثبت في
الحديث ذكر النحر كما تقدم، فحمله بعضهم على الأضحية، فإن رواية أبي
هريرة ظه صريحة في أن ذلك كان عمن اعتمر من نسائه، فقويت رواية من
رواه بلفظ: ((أهدى))، وتبيّن أنه هدي التمتع، فليس فيه حجة على مالك في
قوله: ((لا ضحايا على أهل منى))، وتبيّن توجيه الاستدلال به على جواز
الاشتراك في الهدي، والأضحية. انتهى كلام الحافظ.
وهذا كما ترى يدل على أنه مال إلى أن البقرة المذكورة كانت هدياً،
ونَحَى في ((كتاب الأضاحي)) إلى كونها أضحية، حيث قال: قوله: ((ضحى
النبيّ (﴿ ﴿ عن أزواجه بالبقر)) ظاهر في أن الذبح المذكور كان على سبيل
الأضحية، وحاول ابن التين تأويله ليوافق مذهبه، فقال: المراد أنه ذبحها وقت
ذبح الأضحية، وهو ضُحى يوم النحر، قال: وإن حُمِل على ظاهره، فيكون
تطوعاً، لا على أنها سنة الأضحية، كذا قال، ولا يخفى بُعده.
واستدل به الجمهور على أن أضحية الرجل تجزئ عنه، وعن أهل بيته،
وخالف في ذلك الحنفية، وادَّعَى الطحاوي أنه مخصوص، أو منسوخ، ولم
يأت لذلك بدلیل. انتهى.
وهذا كما ترى رَجَّحَ ها هنا خلاف ما رجحه في ((كتاب الحج)).
وذهب ابن القيم: إلى أن الصواب رواية الهدي، فقد قال بعد ذكر
مذهب ابن حزم: إن الحاج شُرع له التضحية مع الهدي: والصحيح إن شاء الله
أن هدي الحاجّ له بمنزلة الأضحية للمقيم، ولم ينقل أحد أن النبيّ وَل﴿ ولا
أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية، بل كان هديهم هو أضاحيهم، فهو هدي

٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
بمنى وأضحية بغيرها، وأما قول عائشة رضيؤُها: ((ضَخَّى عن نسائه بالبقر))، فهو
هدي أُطلِقٍ عليه اسم الأضحية، وأنهنّ كنّ متمتعات، وعليهن الهدي، فالبقر
الذي نحره عنهنّ هو الهدي الذي يلزمهن. انتهى.
لكن تبويب البخاري في ((كتاب الأضاحي)) على حديث عائشة المذكور:
((باب الأضحية للمسافر، والنساء))، و((باب من ذبح ضحية غيره))، يدل على أنه
حَمَل الحديث على الأضحية، ولذلك استُدِلّ به لمالك على أن التضحية بالبقر
أفضل، خلافاً للجمهور؛ إذ قالوا: إن الأفضل البدنة؛ لقوله وفّيقول: ((من راح في
الساعة الأولى - أي إلى الجمعة - فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة
الثانية فكأنما قرب بقرة ... )) إلى آخره، مع أنه ليس في حديث عائشة تفضيل
البقر، ولا عموم لفظ، إنما هي قضية عين محتملة لأمور، فلا حجة فيها
لمالك.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الجمهور من تفضيل البدنة على البقرة
في التضحية هو الراجح؛ لصريح حديث الجمعة المذكور في ذلك، فتأمّل،
والله تعالى أعلم.
واستُدِلّ به أيضاً على الأضحية على النساء، والأضحية على المسافر،
وعلى الحاج بمنى، وغير ذلك من المسائل ليس هذا موضع تفصيلها .
وقد ترجم البخاريّ كَّلُ على حديث عائشة غيّا كما تقدم: ((باب ذبح
الرجل عن نسائه من غير أمرهنّ))، قال الحافظ: أما قوله من غير أمرهنّ،
فأخذه من استفهام عائشة ﴿ها عن اللحم لَمّا دُخِل به عليها، ولو كان ذبحه
بعلمها لم تحتج إلى الاستفهام، لكن ليس ذلك دافعاً للاحتمال، فيجوز أن
يكون علمها بذلك تقدم، بأن يكون استأذنهنّ في ذلك، لكن لما أُدخل اللحم
عليها احتَمَلَ عندها أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه، وأن يكون غير
ذلك، فاستفهمت عنه لذلك.
وقال النوويّ: هذا محمول على أنه وَّ﴿ استأذنهنّ في ذلك، فإن تضحية
الإنسان عن غيره لا يجوز إلا بإذنه. انتهى(١).
(١) راجع: ((المرعاة)) ٢٠٤/٩ - ٢٠٧.

٥٥
(٦١) - بَابُ نَحْرِ الْبُدْنِ قِيَاماً مُقَيَّدَةً - حديث رقم (٣١٩٤)
قال الجامع عفا الله عنه: ما استدلّ به البخاريّ كَُّ من حديث عائشة
حيث ترجم لجواز ذبح الرجل عن نسائه من غير أمرهنّ هو الظاهر من
الحديث، وهو الأرجح عندي، فأين النصّ الذي يدلّ على وجوب الاستئذان
في ذلك حتى يُعارَضَ به ما دلّ عليه هذا الحديث؟ فتبصّر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ .
(٦١) - (بَابُ نَحْرِ الْبُدْنِ قِيَاماً مُقَيِّدَةً)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣١٩٤] (١٣٢٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ،
عَنْ يُونُسَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَّى عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ
بَارِكَةً، فَقَالَ: ابْعَنْهَا قِيَاماً (١)، مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ نَبِيَّكُمْ وَِّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْبَى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ
مولاهم،، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت١٨٢) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٧/٧٨.
٣ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ
وَرِعٌ [٥] (ت١٣٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٣.
٤ - (زِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ) - بجيم، وموحّدة، مصغّراً - ابن حيّة بن مسعود بن
مُعَتِّب الثقفيّ البصريّ، ثقةٌ، يرسل [٣] (ع) تقدم في ((الصيام)) ٢٤/ ٢٦٧٥.
[تنبيه]: زياد بن جُبير هذا ليس له في ((الصحيحين))، سوى هذا الحديث،
وحديث آخر تقدّم في ((الصيام))، وقد سبق حديث آخر في ((باب ما يُندب
للمحرم وغيره قتله من الدوابّ))(٢) من طريق زيد بن جُبير، عن ابن عمر، وهو
(١) وفي نسخة: ((قَائِمَةً)».
(٢) تقدّم برقم [٩/ ٢٨٧٠] (١٢٠٠).

٥٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
غير زياد بن جبير هذا، وليس أخاً له أيضاً؛ لأن زيداً طائيّ كوفيّ، وزياداً ثقفيّ
بصريّ، لكنهما اشتركا في اتّحاد اسم أبويهما، وفي كونهما ثقةً، وفي روايتهما
عن ابن عمر طًا(١).
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله بن عمر بن الخطّاب ﴿ها، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَخْذَلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما مرّ قريباً.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر طّا من
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ) وقد صرّح يونس بالسماع عن زياد عند إسحاق ابن
راهويه في («مسنده))، فقال: أخبرنا النضر بن شُميل، حدّثنا شعبة، عن يونس،
سمعت زياد بن جبير يقول: انتهيت مع ابن عمر، فإذا رجل قد أضجع بدنته،
وهو يريد أن ينحرها، فقال: قياماً مقيدةً سنة محمد وَله .
(أَنَّ ابْنَ عُمَرَ) ﴿َا (أَتَى عَلَى رَجُلٍ) قال الحافظ تَُّهُ: لم أقف على
اسمه (وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً) منصوب على الحال، وهو اسم فاعل، مِن بَرَك
البعير بُرُوكاً، من باب قعد: إذا وقع على بَرْكه، وهو صدره، وأبركته أنا، وقال
بعضهم: هو لغة، والأكثر: أنخته، فبَرَكَ، قاله الفيّوميّ ◌َظَّتُهُ(٢).
وفي رواية البخاريّ: ((قد أناخ بدنته ينحرها))، زاد أحمد، عن إسماعيل
ابن عُليّة، عن يونس: (لينحرها بمنّى)) (فَقَالَ: ابْعَثْهَا) أي أَثِرِها، يقال: بَعَثتُ
الناقة: إذا أثرتَها (قِيَاماً) وفي نسخة: ((قائمةً))، وقوله: ((قياماً)) أي عن قيام،
و ((قياماً)) مصدر، بمعنى قائمةٍ، وهي حال مقدَّرة، أو قوله: ((ابعثها)): أي
(١) ذكر في ((الفتح)) نحو هذا، فراجعه في ٤/ ٦٦٤، ٦٦٥.
(٢) ((المصباح المنير)) ٤٥/١.

٥٧
(٦١) - بَابُ نَحْرِ الْبُدْنِ قِيَاماً مُقَيَّدَةً - حديث رقم (٣١٩٤)
أقمها، أو العامل محذوف، تقديره: انحرها، وقد وقع في رواية عند
الإسماعيليّ: ((انحرها قائمة))(١).
قال القاري تَخْذّتُهُ: قوله: ((قياماً)) حال مؤكدة، أي قائمةً، وقد صحّت
الرواية بها، وعاملها محذوف دلّ عليه أول الكلام، أي انحرها قائمةً، لا
ابعثها؛ لأن البعث إنما يكون قبل القيام، اللهم إلا أن تُجعَل حالاً مقدرةً، أي
ابعثها مُقَدِّراً قيامها. انتهى.
(مُقَيَّدَةً) منصوب على الحال، من الأحوال المترادفة، أو المتداخلة،
ومعناه: معقولة الرِّجل، وهي قائمة على الثلاث، ولأبي داود، من حديث
جابر ربه: ((أن النبيّ وَّ، وأصحابه كانوا ينحرون البَدَنة معقولةَ اليسرى،
قائمةً على ما بقي من قوائمها))، وقال سعيد بن منصور: حدّثنا هشيم، أخبرنا
أبو بِشْر، عن سعيد بن جبير: رأيت ابن عمر ينحر بدنته، وهي معقولة إحدى
يديها. (سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ رِهِ) بنصب ((سنّة)) بعامل مضمر، أي فاعلاً بها سنةَ
محمد ◌ّله، أو التقدير: متبعاً سنة محمد رَله، ويجوز رفعه خبراً لمحذوف، أي
هو سنّة محمد رَّ﴿، ويدلّ عليه رواية الحربيّ في ((المناسك)) بلفظ: فقال له:
((انحرها قائمةً، فإنها سنّة محمد بنٍَّ))، قاله في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر طًّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١٩٤/٦١] (١٣٢٠)، و(البخاريّ) في ((الحجّ))
(١٧١٣)، و(أبو داود) في (المناسك)) (١٧٦٨)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢/
٤٥٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣/٢ و٨٦ و١٣٩)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٢٨٩٣)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٥٩٠٣)، و(الدارميّ) في
(سننه)) (٦٦/٢)، و(ابو عوانة) في ((مسنده)) (٨٧/٥)، و(أبو نعيم) في
(١) ((الفتح)) ٤ / ٦٦٥.
(٢) ((الفتح)) ٤ / ٦٦٥.

٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
((مستخرجه)) (٣٩٤/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٧/٥) و((الصغرى)) (٤/
٤٤٤) و((المعرفة)) (٢٦١/٤)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٩٥٧)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب نحر الإبل قياماً مقيدةً، قال الباجيّ: وهو
مذهب مالك، وجمهور الفقهاء، غير الحسن البصريّ في قوله: تنحر باركة،
والأصل في ذلك حديث أنس به عند البخاريّ أن النبيّ وَّ و نحر بيده سبعة
يُدن قياماً. قيل: إنما كان ذلك في الإبل؛ لأنه أمكن لمن ينحرها؛ لأنه يطعن
في لبّتها، وأما البقر والغنم التي سنّتها الذبح، فإن إضجاعها أمكن لتناول
ذبحها، فالسنة إضجاعها .
وقال ابن قدامة كَّثُهُ: السنّة نحر الإبل قائمةً معقولةً يدها اليسرى،
فيضربها بالحربة في الوَهْدة التي بين أصل العنق والصدر، وممن استحب
ذلك مالك، والشافعيّ، وإسحاق، وابن المنذر، واستحب عطاء نحرها
باركة، وهذا مخالف للسنّة، وجوز الثوريّ، وأصحاب الرأي كل ذلك، ولنا
حديث ابن عمر ظًا عند الشيخين، وحديث جابر عند أبي داود، وفي قول الله
تعالى: ﴿وَجَتْ جُنُوبُهَا﴾ دليل على أنها تنحر قائمة، ويروى في تفسير قوله
تعالى: ﴿فَأَذَّكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفٌ﴾ أي قياماً، وتجزئه كيفما نحر، قال
أحمد: ينحر البُدن معقولةً على ثلاث قوائم، وإن خَشِي عليها أن تنفر
أناخها. انتهى (١).
وبذلك قالت الحنفية، قال في ((الهداية)): الأفضل في البُدن النحر،
وفي البقر، والغنم الذبح، ثم إن شاء نحر الإبل في الهدايا قياماً، أو
أضجعها، وأيَّ ذلك فعل فهو حسن، والأفضل أن ينحرها قياماً؛ لما رُوي
أنه { * نحر الهدايا قياماً، وأصحابه كانوا ينحرونها قياماً معقولة يدها
اليسرى. انتهى.
وقال ابن الهمام تَخُّْ بعد ذكر حديث جابر، عن أبي داود المتقدم:
(١) ((المغني)) ٤٣١/٣.

٥٩
(٦٢) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ بَعْثِ الْهَدْيِ إِلَى الْحَرَمِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ الذَّهَابَ ... إلخ - حديث رقم (٣١٩٥)
وإنما سنّ النبيّ وَّوَ النحر قياماً عملاً بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾
[الحجّ: ٣٦]، والوجوب السقوط، وتحققه في حال القيام أظهر، قال:
والاستدلال بقول الله تعالى: ﴿فَذَّكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَنَّ﴾ أظهر، وقد فسّره
ابن عباس بقوله: قياماً على ثلاث قوائم، وهو إنما يكون بعقل الركبة،
والأولى كونه اليسرى؛ للإتباع، رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم،
قال: والحاصل أن القيام أفضل، فإن لم يتسهّل فالقعود أفضل من الاضطجاع.
(١) .
انتھی(١
٢ - (ومنها): أن فيه تعليمَ الجاهل، وعدم السكوت على مخالفة السنّة،
وإن كان مباحاً.
٣ - (ومنها): أن قول الصحابيّ: من السنّة كذا مرفوع حكماً عند
الشيخين؛ لاحتجاجهما بهذا الحديث في ((صحيحيهما))، كما قال في ((ألفيّة
الحدیث» :
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ نَحْوُ (مِنَ السُّنَّةِ)) فِي الصَّوَابِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٦٢) - (بَابُ اسْتِحْبَابٍ بَعْثِ الْهَدْي إِلَى الْحَرَمِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ
الذَّهَابَ بِنَفْسِهِ، وَاسْتِحْبَابٍ تَقْلِيدِهِ، وَفَتْلِ الْقَلَائِدِ، وَأَنَّ بَاعِنَهُ
لَا يَصِيرُ مُحْرِماً، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بِذَلِكَ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٩٥] (١٣٢١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، قَالَا:
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يُّهْدِي
مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَقْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئً، مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ).
(١) راجع: ((المرعاة)) ٢٢٧/٩.

٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحَْى) التميميّ المذكور قبله.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر، تقدّم قريباً.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم أيضاً قريباً.
٤ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم قبل باب.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم، تقدّم قريباً.
٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم أيضاً قريباً .
٧ - (عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة المدنيّة، ثقة [١٠] ماتت قبل
المائة، أو بعدها (ع) تقدمت في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤١٧.
٨ - (عَائِشَةُ) هُوّا، تقدمت قريباً.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف نَّثُ، وله فيه إسنادان فرّق بينهما
بالتحويل؛ لاختلاف كيفيّة التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه يحيى، فما أخرج
له أبو داود، وابن ماجه، وابن رمح، فانفرد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من ابن شهاب، وفيه رواية تابعيّ عن
تابعي وتابعيّة.
شرح الحديث:
(عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة (أَنَّ عَائِشَةَ)
(قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلَهِ يُهْدِي) بضمّ أوله، من الإهداء رباعيّاً، يقال:
أهديت للرجل كذا بالألف: إذا بعثت به إليه إكراماً، فهو هديّةٌ بالتثقيل لا غير،
وأهديتُ إلى الحرم: سقته، قاله الفيّومِيّ ◌َقْذُهُ. (مِنَ الْمَدِينَةِ) النبويّة (فَأَقْتِلُ) من
باب ضرب، يقال: فَتَله: لَوَاه، كفتّله بالتشديد (قَلَائِدَ هَدْيِهِ) جمع قلادة: هو ما
يُجعل في العنق، ولم يتبيّن في هذه الرواية جنس القلائد، وسيأتي من رواية
ابن عون، عن القاسم، عن عائشة ﴿ّا قالت: ((أنا فتلت تلك القلائد من عهن
كان عندنا))، ولفظ البخاريّ: ((فتلت قلائدها من عِهْنٍ كان عندي)) (ثُمَّ لَا