النص المفهرس

صفحات 1-20

التجر المحيط التجارية
في شرح
و
3
لَجَامِعِهِ الفَقِيْرُ المِصَوْلَه الغَنِالْقَدِ
◌ُعَدَابُ الشَّهُ العُلَّمَ بَلِ ◌ّنْ آدَمْ بِمُوسَ الإِتُّوُبِ السُلّوَيّ
مُخْوَيَدْمِ الْعِلْمُ بِمَكّة المُكَّهَة
عَفَا اللّه تعالى عَنْهُ، وعَدُ وَالدِبْه آمين
المَجَلَّدُ الرَّبَعُ وَالِعِشْرون
كِتَابُ الحَجِّ
رقم الأحاديث (٣١٧٨ - ٣٣٩٨)
دارابن الجوزي

بيش

التِ المُطُ العمارية
في شرح
جِهِ الأمْطِ مُسُلُ الحجاج

حقوق الطَّرْع محفوظة ◌ِدارابن الجوزي
الطَّبَعَة الأولى
صَفَرٌ ١٤٣٣هـ
حقوق الطبع محفوظة ١٤٣٣٢هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
ـحـ
ابن.
للنشر والتوزيع
دارابن الجوزي
للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية: الدمام - طريق الملك فهد - ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣، ص ب: ٢٩٨٢
الرمز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ - الرياض - تلفاكس: ٢١٠٧٢٢٨ - جوال: ٠٥٠٣٨٥٧٩٨٨
الإحساء - ت: ٥٨٨٣١٢٢ - جدة - ت: ٦٣٤١٩٧٣ - ٦٨١٣٧٠٦ - ٠٥٦٣٤٧٦٣٨٨ - بيروت - هاتف:
٠٣/٨٦٩٦٠٠ - فاكس: ٠١/٦٤١٨٠١ - القاهرة - ج.م.ع - محمول: ٠١٠٦٨٢٣٧٨٣ - تلفاكس:
٠٢٤٤٣٤٤٩٧٠ - الإسكندرية - ٠١٦٩٠٥٧٥٧٣ - البريد الإلكتروني:
aljawzi@hotmail.com - www.aljawzi.com

٥
(٥٧) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ بِمَنَّى لأَهْلِ السِّقَايَةِ - حديث رقم (٣١٧٨)
براس الرحمن الرحيم
يوم الخميس المبارك العاشر من شهر جمادى الأولى ١٤٢٩/٥/١٠ هـ أول
الجزء الرابع والعشرين من شرح صحيح الإمام مسلم المسمّى «البحر
المحيط النجّاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج، رحمه الله تعالى.
(٥٧) - (بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ بِمَنَّى لأَهْلِ السِّقَايَةِ(١))
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٧٨] (١٣١٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو
أُسَامَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ،
وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ،َ حَدَّثَنِي نَافِعُ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ الْعَبَّاسَ
ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنِّى، مِنْ أَجْلِ
سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ
ثبتٌ، من كبار [٩] (ت٢٠١) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٥١/٦.
٢ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) الثانيّ هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل ثلاثة
أبواب.
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين، وابن نمير)) الأول)) هو: عبد الله بن
نمير، والثاني: ولده محمد بن عبد الله بن نُمیر.
[تنبيه]: قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ)
(١) هكذا ترجم القرطبيّ تَُّ في ((المفهم))، وترجمته أنسب من ترجمة النوويّ كَّفُهُ،
ولذا اخترتها هنا، فتنبّه.

٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال النوويّ تَخْذَلهُ: هكذا هو في معظم النسخ ببلادنا، أو كلها، ووقع في بعض
نسخ المغاربة: ((وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زهير، وأبو أسامة))،
فجعل زهيراً بدل ابن نمير، قال أبو علي الغسانيّ الجيّانيّ، والقاضي: وقع في
رواية ابن ماهان، عن ابن سفيان، عن مسلم، قال. ووقع في رواية أبي أحمد
الْجُلُوديّ، عن ابن سفيان، عن زهير. قالا: وهذا وَهَمٌ، والصواب ابن نمير،
قالا: وكذا أخرجه أبو بكر بن أبي شيبه في ((مسنده))، قال الجيّانيّ: ورواه
الكسائيّ عن إبراهيم بن سفيان كما رواه ابن ماهان على الصواب. انتهى (١).
وقال النوويّ: وإنما ذكر خلف الواسطيّ في كتابه ((الأطراف)): حدّثنا أبو
بكر بن أبي شيبة، حدّثنا ابن نمير، وأبو أسامة، ولم يذكر زهيراً. انتهى.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ◌َا (أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) عمّ النبيّ ◌َّ المتوفّى
سنة (٣٢) تقدّمت ترجمته في ((الإيمان)) ١٥٩/١٣. (اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ وَةِ أَنْ
يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنَّى) المراد بها ليلة الحادي عشر واللتين بعده (مِنْ أَجْلِ
سِقَايَتِهِ) قال القاري تَخَّتُهُ: أي التي بالمسجد الحرام المملوءة من ماء زمرم
المندوب الشرب منها عقب طواف الإفاضة وغيره إذا لم يتيسر الشرب من
البئر؛ للخلق الكثير، وهي الآن بِركة، وكانت حياضاً في يدي قُصَيّ، ثم منه
لابنه عبد مناف، ثم منه لابنه هاشم، ثم منه لابنه عبد المطلب، ثم منه لابنه
العباس، ثم منه لابنه عبد الله، ثم منه لابنه عليّ، وهكذا إلى الآن، لكن لهم
نُوّاب يقومون بها، قالوا: وهي لآل عباس أبداً. انتهى.
وروى الفاكهي بسنده عن عطاء قال: سقاية الحاج زمزم، وقال الأزرقي:
كان عبد مناف يَحْمِل الماء في الروايا والقِرَب إلى مكة، ويسكبه في حياض من
أدم بفناء الكعبة للحجاج، ثم فعله ابنه هاشم بعده، ثم عبد المطلب، فلما حَفَر
زمزم كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم، ويسقي الناس، قال ابن إسحاق:
لما ولي قصي بن كلاب أمر الكعبة كان إليه الحجابة، والسقاية، واللواء،
(١) راجع: ((تقييد المهمل)) ٨٤١/٣، ٨٤٢.

٧
(٥٧) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ بِمَنَّى لأَهْلِ السِّقَايَةِ - حديث رقم (٣١٧٨)
والرِّفادة، ودار الندوة، ثم تصالح بنوه على أن لعبد مناف السقاية، والرفادة،
والبقية للأخوين، ثم ذكر نحو ما تقدم، وزاد: ثم ولي السقاية من بعد
عبد المطلب ولده العباس، وهو يومئذ من أحدث إخوته سنّاً، فلم تزل بيده حتى
قام الإسلام وهي بيده، فأقرّها رسول اللّه ◌َلاير معه فهي اليوم إلى بني العباس.
ورَوَى الفاكهيّ من طريق الشعبيّ قال: تكلم العباس، وعليّ، وشيبة بن
عثمان في السقاية، والحجابة، فأنزل الله: ﴿أَجَعَلْتُ سِقَايَةَ الْحَجْ﴾ الآية إلى قوله:
﴿حَ يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهُ﴾ الآية [التوبة: ١٩ - ٢٤]، قال: حتى تفتح مكة.
ومن طريق ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: أن العباس لما مات أراد
عليّ أن يأخذ السقاية، فقال له طلحة: أشهد لرأيت أباه يقوم عليها، وأن أباك
أبا طالب لنازل في إبله بالأراك بعرفة، قال: فَكَفّ عليّ عن السقاية.
ومن طريق ابن جريج قال: قال العباس: يا رسول الله لو جمعت لنا
الحجابة، والسقاية؟ فقال: ((إنما أعطيتكم ما تُرْزءون، ولم أعطكم ما
تَرزُءون»، الأول بضم أوله، وسكون الراء، وفتح الزاي، والثاني بفتح أوله،
وضم الزاي: أي أعطيتكم ما ينقصكم، لا ما تنقصون به الناس.
وروى الطبرانيّ، والفاكهيّ حديث السائب المخزوميّ، أنه كان يقول:
اشربوا من سقاية العباس، فإنه من السنة، كذا في ((الفتح))(١).
وقال الطبريّ: قال أهل التواريخ: كان أصل السقاية حياضاً من أَدَم
توضع على عهد قُصَيّ بفناء الكعبة، ويستقي فيها الماء للحاج، وأصل الرفادةً
خَرْجاً كانت قريش تخرجه من أموالها إلى قُصي يصنع به طعاماً للحاج يأكله
من ليس له سعة، وما زال ذلك الأمر حتى قام به هاشم، ثم أخوه المطلب،
ثم عبد المطلب، ثم قام به العباس. انتهى(٢).
(فَأَذِنَ لَهُ) أي: أذن النبيّ ◌َّر للعبّاس أن يبيت تلك الليالي بمكة، ويترك
المبيت بمنى، وفي رواية: رَخَّص رسول الله وَّ ر للعباس أن يبيت بمكة أيام
منى من أجل سقايته، والمراد بأيام منى لياليها، كما وقع في رواية البخاري،
وهي ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر.
(١) ((الفتح)) ٤ / ٥٦٦، ٥٦٧.
(٢) راجع: ((المرعاة)) ٣٠٠/٩.

٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
ـبـ
والحديث دليل على مشروعية المبيت في منى ليالي أيام التشريق، وعلى
جواز التخلف عن المبيت فيه لأجل السقاية. واتفق العلماء على ذلك، ثم
اختلفوا هل المبيت فيه واجب أو سنة؟ وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة
الثالثة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١٧٨/٥٧ و٣١٧٩] (١٣١٥)، و(البخاريّ) في
((الحجّ)) (١٦٣٤ و١٧٤٣ و١٧٤٤ و١٧٤٥)، و(أبو داود) في ((المناسك))
(١٩٥٩)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٩٨/٣)، و(أحمد) في ((مسنده» (٢/
١٩ و٢٢ و٢٨ و٨٨)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٢٩٥٧)، و(أبو عوانة) في
((مسنده)) (٣٢٨/٢)، و(أبو نعيم) في (مستخرجه)) (٣٩٠/٣)، و(ابن الجارود)
في ((المنتقى)) (١٣٠/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٣/٥) و((الصغرى)) (٤/
٣٢١) و((المعرفة)) (١٣٨/٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الرخصة في ترك البيتوتة بمنى لأهل السقاية، ويُلحق بهم
غيرهم من أهل الأعذار.
٢ - (ومنها): بيان أن المبيت بمنى ليالي التشريق مأمور به، وهذا متّفقٌ
عليه، لكن اختلفوا في وجوبه، وسيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله
تعالى -.
٣ - (ومنها): أن فيه دليلاً على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك
الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة
المذكورة، وإذا لم توجد، أو ما في معناها، لم يحصل الإذن، وبالوجوب قال
الجمهور، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى.
٤ - (ومنها): أن فيه استئذانَ الأمراء والكبراء فيما يطرأ من المصالح

٩
(٥٧) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ بِمَنَّى لأَهْلِ السِّقَايَةِ - حديث رقم (٣١٧٨)
والأحكام، وأنه ينبغي لمن استؤمر أن يبادر إلى الإذن عند ظهور المصلحة(١).
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ تَخَّلهُ: في هذا الحديث من الفقه ما يدلّ
على أن سقاية الحاجّ ولاية ثابتةٌ لولد العبّاس، لا يُنازعون فيها، وقال بعض
أهل العلم: وفيه إشارة إلى أن الخلافة تكون في ولد العبّاس، وأنه لا ينبغي
أن يُنازعوا فیھا، وأن ذلك یدوم لهم.
قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الاستنباط نظر لا يخفى، فتأمل، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المبيت بمنى ليالي
التشريق :
ذهب مالك كثّفُهُ، وأصحابه إلى أنه واجب، ولو بات ليلة واحدة منها،
أو جُلّ ليلة، وهو خارج عن منى لزمه دم؛ لأثر ابن عباس ظًّا: ((من نَسِي من
نسكه شيئاً، أو تركه، فليهرق دماً))، أخرجه البيهقيّ، وروى مالك في ((الموطٍ))
عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﴿يَا أن عمر بن الخطاب ظُه قال: لا يَبِيتَنّ
أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة. وذهب أبو حنيفة تَّتُ إلى أن عدم
المبيت بمنى ليالي منى مكروه؛ لأنه وَ ليم بات بمنى، وعمر كان يؤدِّب على ترك
المقام بها، ولو بات بغيرها متعمداً لم يلزمه شيءٌ عند أبي حنيفة، وأصحابه؛
لأنهم يرون أن المبيت بمنى لأجل أن يَسْهُل عليه الرمي في أيامه، فلم يكن من
الواجبات عندهم.
وللشافعيّ تَخْلُ في هذه المسألة قولان: أصحهما، وأشهرهما، وأظهرهما
أنه واجب، والثاني أنه سنة، فعلى القول بأنه واجب فالدم واجب في تركه،
وعلى أنه سنة فالدم سنة في تركه، ولا يلزم عندهم الدم إلا في ترك المبيت في
الليالي كلها؛ لأنها عندهم كأنها نسك واحد، وإن ترك المبيت في ليلة من
الليالي الثلاث، ففيه الأقوال المذكورة في ترك الحصاة الواحدة عندهم،
أصحها أن في ترك مبيت الليلة الواحدة مُدّاً والثاني أن فيه درهماً، والثالث أن
فيه ثلث دم، وحكم الليلتين معلوم، والمعتبر في المبيت عندهم الكون بمنى
(١) راجع: ((الفتح)) ٤ /٧٠٦.

١٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
معظم الليل؛ إذ المبيت ورد مطلقاً والاستيعاب غير واجب اتفاقاً، فأقيم
المعظم مقام الكل، ولا فرق بين أول الليل وآخره، وفي قولٍ أن المعتبر الكون
بمنى عند طلوع الفجر، ومن حضر بها قبله فقد أدى واجب المبيت.
وذهب الإمام أحمد تَخَّتُهُ إلى أن المبيت بمنى ليالي منى واجب، فلو ترك
المبيت بها في الليالي الثلاث، فعليه دم على الصحيح من مذهبه، وعنه يتصدق
بشيء، وعنه لا شيء عليه، فإن ترك المبيت في ليلة من لياليها ففيه ما في
الحصاة الواحدة من الأقوال: قيل: مُدّ، وقيل: درهم، وقيل: ثلث دم.
وقال الحافظ تَخُّْ: في الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه
من مناسك الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن
وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد هي، أو ما في معناها لم يحصل الإذن،
وبالوجوب قال الجمهور، وفي قول للشافعيّ، وورواية عن أحمد، وهو مذهب
الحنفية أنه سنة، ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الاختلاف، ولا يحصل
المبيت إلا بمعظم الليل. انتهى، وما ذكره من أخذ الوجوب من الحديث
المذكور واضح.
وقال الحافظ تَّتُهُ: وهل يختص الإذن بالسقاية، وبالعباس، أو بغير
ذلك من الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم؟ فقيل: يختص الحكم بالعباس،
وهو جمود، وقيل: يدخل معه آله، وقيل: قومه، وهم بنو هاشم، وقيل: كل
من احتاج إلى السقاية، فله ذلك، ثم قيل أيضاً: يختص الحكم بسقاية
العباس، حتى لو عُملت سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها في المبيت لأجلها،
ومنهم من عمّمه، وهو الصحيح في الموضعين، والعلة في ذلك إعداد الماء
للشاربين، وهل يختص ذلك بالماء، أو يلتحق به ما في معناه من الأكل
وغيره؟ محل احتمال، وجزم الشافعية بإلحاق من له مال يخاف ضياعه، أو أمر
يخاف فوته، أو مريض يتعاهده بأهل السقاية، كما جزم الجمهور بإلحاق الرعاء
خاصة .
قال الزرقانيّ ◌َّهُ: لكنهم لم يجزموا بذلك بالإلحاق، إنما هو بالنص
الذي رواه مالك، وأصحاب السنن الأربع عن عاصم بن عدي: أن
رسول الله وير أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى.

١١
(٥٧) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي تَرْكُ الْبَيْتُوتَةِ بِمَنَّى لأَهْلِ السِّقَايَةِ - حديث رقم (٣١٧٨)
قال الحافظ: وهو قول أحمد، واختاره ابن المنذر أعني الاختصاص
بأهل السقاية، ورعاء الإبل، والمعروف عن أحمد اختصاص العباس بذلك،
وعليه اقتصر صاحب ((المغني)) حيث قال بعد ذكر حديث ابن عمر: وتخصيص
العباس بالرخصة لعذره دليل على أنه لا رخصة لغيره، وعن ابن عباس قال: لم
يرخص النبيّ ◌َ ﴿ لأحد يبيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته، رواه ابن
ماجه. انتهى، وقال أيضاً: يجوز للرعاة ترك المبيت بمنى ليالي منى،
ويؤخرون رمي اليوم الأول، ويرمون يوم النفر الأول عن الرميين جميعاً لما
عليهم من المشقة في المبيت، والإقامة للرمي؛ لحديث أبي البَدّاح بن عاصم بن
عدي، عن أبيه قال: رخّص رسول الله وَلي لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا
يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، فيرموه في أحدهما، رواه
مالك، والترمذيّ، والنسائيّ، قال الترمذيّ: هذا حديث صحيح، وهو صحيح
كما قال.
وكذلك الحكم في أهل سقاية الحاج لحديث ابن عمر الذي نحن في
شرحه، إلا أن الفرق بين الرعاء وأهل السقاية أن الرعاء إذا قاموا حتى غربت
الشمس فقد انقضى وقت الرعي، وأهل السقاية يشتغلون ليلاً ونهاراً فافترقا،
وصار الرعاء كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة لمرضه، فإذا حضرها تعيّنت
عليه، والرعاء أبيح لهم ترك المبيت لأجل الرعي، فإذا فات وقته وجب
المبيت، وأهل الأعذار من غير الرعاء، كالمرضى، ومن له مال يَخاف ضياعه
ونحوهم، كالرعاء في ترك البيتوتة؛ لأن النبيّ وَل* رخص لهؤلاء تنبيهاً على
غيرهم، أو نقول: نصّ عليه لمعنى وُجد في غيرهم فوجب إلحاقه بهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: أظهر الأقوال عندي - كما قال صاحب
((المرعاة)) - أن المبيت بمنى أيامَ منى نُسُك من مناسك الحجّ يدخل في قول
ابن عباس ظه: ((من نسي من نسكه شيئاً، أو تركه فليهرق دماً))(١)، والدليل
على ذلك ثلاثة أمور:
(١) هذا أثر صحيح موقوفاً على ابن عباس ها، قال النوويّ كَثُ في ((شرح المهذب)»:
وأما حديث: ((من ترك نسكاً فعليه دم))، فرواه مالكٌ، والبيهقيّ، وغيرهما بأسانيد=

١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
[الأول]: أن النبيّ ◌َ ليه بات بها الليالي المذكورة، وقال: ((لتأخذوا عني
مناسككم))، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا البيتوتة بمنى الليالي المذكورة.
صحيحة، عن ابن عباس ﴿يا موقوفاً عليه، لا مرفوعاً، ولفظه عن مالك، عن
=
أيوب، عن سعيد بن جبير: أن ابن عباس ﴿يا قال: ((من نسي من نسكه شيئاً، أو
تركه، فليهرق دماً))، قال مالك: لا أدري قال: ((ترك))، أم ((نسي))، قال البيهقيّ:
وكذا رواه الثوريّ، عن أيوب: ((من ترك، أو نسي شيئاً من نسكه فليهرق له دماً))،
قال البيهقيّ: فكأنه قالهما، يعني البيهقي أن ((أو)) ليست للشك، كما أشار إليه
مالك، بل للتقسيم، والمراد به يُريق دماً، سواء ترك عمداً، أو سهواً، والله أعلم.
انتهى كلام النوويّ كثّفُهُ.
وقال الحافظ كثُّ في ((التلخيص الحبير)): حديث ابن عباس ما موقوفاً عليه
ومرفوعاً: ((من ترك نسكاً فعليه دم))، أما الموقوف فرواه مالك في ((الموطإ))،
والشافعي عنه، عن أيوب، عن سعيد بن جبير عنه، بلفظ: ((من نسي من نسكه
شيئاً، أو تركه، فليهرق دماً))، وأما المرفوع، فرواه ابن حزم، من طريق علي بن
الجعد، عن ابن عيينة، عن أيوب به، وأعلّه بالراوي عن علي بن الجعد، أحمد بن
علي بن سهل المروزيّ، فقال: إنه مجهول، وكذا الراوي عنه علي بن أحمد
المقدسيّ، قال: هما مجهولان. انتهى من ((التلخيص الحبير)).
قال الجامع: فتبيّن بهذا أن هذا الأثر موقوفاً صحيح في غاية الصحّة، وأما
المرفوع، فلا يصحّ، لكن الموقوف له حكم الرفع؛ لأنه مما لا يقال بالرأي،
فالاستدلال به على وجوب الدم في ترك النسك صحيح، لا إشكال فيه، وإن لم
يرد نصّ بذلك، فتأمل.
وقال الشيخ الشنقيطيّ كَلُ في «تفسيره)) ٤٧٣/٤: وجه استدلال الفقهاء به - أي
بأثر ابن عباس ◌ّ المذكور - على سائر الدماء التي قالوا بوجوبها غير الدماء
الثابتة بالنص، أنه لا يخلو من أحد أمرين:
الأول: أن يكون له حكم الرفع؛ بناءً على أنه تعبد، لا مجال للرأي فيه، وعلى
هذا فلا إشكال.
والثاني: أنه لو فُرض أنه مما للرأي فيه مجال، وأنه موقوف ليس له حكم الرفع،
فهو فتوى من صحابيّ جليل، لم يُعْلَم لها مخالف من الصحابة ﴿، وهم خير
أسوة بعد رسول الله ﴾. انتهى كلام الشيخ الشنقيطيّ كَثُّ، وهو تحقيقٌ نفيسٌ
جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب.

١٣
(٥٨) - بَابُ فَضْلِ الْقِيَامِ بِالسِّقَايَةِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى أَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٣١٧٩)
[الثاني]: حديث ابن عمر ◌ًا في الترخيص للعباس الذي نحن في
شرحه .
[الأمر الثالث]: هو ما روي عن عمر بن الخطاب ظه أنه كان يمنع
الحجاج من المبيت خارج منى، ويرسل رجالاً يدخلونهم في منى، وهو من
الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالاقتداء بهم، والتمسك بسنتهم.
والحاصل أن المبيت بمنى ليالي التشريق واجب؛ لهذه الأدلّة المذكورة،
وهذا لمن لا عُذر له، وأما أصحاب الأعذار، كأهل السقاية، والرعاة،
وغيرهم ممن له عذر يمنعه المبيت بها، فيُرخّص له؛ لحديث الباب في أهل
السقاية، وإلحاقاً لغيرهم بهم، كما هو مذهب الجمهور، فتأمل، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخّْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣١٧٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ
(ح) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا
ابْنُ جُرَيْج، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا في الباب، والأبواب الثلاثة قبله.
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، وابن جريج كلاهما، عن عبيد الله هذه
ساقها الإمام البخاريّ تَخْلُهُ، فقال:
(١٧٤٣) - حدّثنا محمد بن عبيد بن ميمون، حدّثنا عيسى بن يونس، عن
عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﴿ه: رَخَّص النبيّ ◌َّ (ح) حدثنا يحيى بن
موسى، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عبيد الله، عن نافع،
عن ابن عمر ﴿ها أن النبيّ ◌َّ أَذِن (ح) وحدّثنا محمد بن عبد الله بن نمير،
حدثنا أبي، حدّثنا عبيد الله، قال: حدّثني نافع، عن ابن عمر ◌َ الله: أن
العباس ظُه استأذن النبيّ وَّ ليبيت بمكة ليالي منى، من أجل سقايته، فأذن
له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَلْتُ وَإِلَيْهِ
أُنِيبُ﴾.
(٥٨) - (بَابُ فَضْلِ الْقِيَامِ بِالسِّقَابَةِ، وَالثَّتَاءِ عَلَى أَهْلِهَا،
وَاسْتِحْبَابِ الشَّرْبِ مِنْهَا)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣١٨٠] (١٣١٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
زُرَيْع، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ
ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَى بَنِي عَمِّكُمْ يَسْقُونَ
الْعَسَلَ، وَاللَّبَنَ، وَأَنْتُمْ تَسْقُونَ النَّبِيذَ، أَمِنْ حَاجَةٍ بِكُمْ، أَمْ مِنْ بُخْلِ؟ فَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ(١)، وَلَا بُخْلِ، قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ،
وَخَلْفَّهُ أُسَامَةُ، فَاسْتَسْقَى، فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ، فَشَرِبَ، وَسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ،
وَقَالَ: ((أَحْسَنْتُمْ، وَأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا))، فَلَا نُرِيدُ تَغْبِيرَ مَا أَمَرَ بِهِ
رَسُولُ اللهِ وَّرِ) .
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ الضَّرِيرُ) أبو عبد الله، أو أبو جعفر التميميّ
البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت٢٣١) (خ م د س) تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٦/٦٠.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) تقدّم قبل باب.
٣ - (حُمَيْدُ الطَّوِيلُ) ابن أبي حميد، أبو عبيدة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٥]
(ت١٧٥) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٦٣٩/٢٣.
(١) وفي نسخة: ((ما بنا حاجة)).

١٥
(٥٨) - بَابُ فَضْلِ الْقِيَامِ بِالسِّقَايَةِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى أَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٣١٨٠)
٤ - (بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ) أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ جليلٌ [٣]
(ت١٠٦) (خت م ٤) تقدّم في ((المقدّمة)) ٦/ ٨٢.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ◌َّا تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف رَّتُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس ﴿مَا حبر الأمة، وبحرها، وأحد العبادلة
الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ) - بضمّ الميم، وفتح الزاي -: نسبة إلى
مزينة، بحذف ياء التصغير، كما قال في ((الخلاصة)):
وَفُعَلِيٍّ فِي فُعَيْلَةَ حُتِمْ
وَفَعَلِيُّ فِي فَعِيلَةَ الْتُزِمْ
قال في ((اللباب: هذه النسبة لولد عثمان وأوس ابني عَمرو بن أُدّ بن
طابخة بن إلياس بن مُضَر، نُسبوا إلى مُزَينة بنت كلب بن وبرة، أم عثمان
وأوس، وهم قبيلة كبيرة. انتهى(١).
(قَالَ) بكر بن عبد الله تَخْتُ (كُنْتُ جَالِساً مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿ّا (عِنْدَ
الْكَعْبَةِ، فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ) أي رجل ساكن البادية، قال صاحب ((التنبيه)): لا
أعرفه (٢). (فَقَالَ) ذلك الأعرابيّ (مَا لِي) ((ما)) استفهامية، أي أيُّ شيء ثبت
لي؟، وقوله: (أَرَى بَنِي عَمِّكُمْ) جملة في محل نصب على الحال، أي حال
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٣٢٦/٢.
(٢) ((تنبيه المعلم)) (ص٢٢٤).

١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
كوني رائياً بني عمّكم، أراد غير بني العبّاس من سائر قريش، وهذا يدلّ على
أن السقاية المختصّة ببني العبّاس هي سقاية النبيذ (يَسْقُونَ الْعَسَلَ، وَاللَّبَنَ، وَأَنْتُمْ
تَسْقُونَ النَّبِيذَ) هو ما يُعمل من الأشربة من التمر، والزبيب، والعسل، وغير
ذلك، يقال: نبذت التمر والزبيب: إذا تركت عليه الماء حتى يشتدّ، قال
النوويّ: بحيث يَطيب طعمه، ولا يكون مسكراً، فأما إذا طال زمنه، وصار
مسکراً، فهو حرام. انتهى.
(أَمِنْ حَاجَةٍ بِكُمْ) أي أهذا من أجل فقركم، وعدم وجود العسل،
واللبن عندكم (أَمْ مِنْ بُخْلٍ؟) أي أم تفعلون هذا مع وجود ذلك؛ لأجل
بخلكم؟ (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿هَا (الْحَمْدُ لِلَّهِ) أي على ما أنعم علينا من نعمه
الجسام (مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ) ((ما)) نافية، و((من)) زائدة، كما قال في
«الخلاصة» :
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَـ((مَا لِبَاغِ مِنْ مَفَرْ))
وفي بعض النسخ: ((ما بنا حاجةٌ)) بحذف ((من)).
(وَلَا بُخْلِ) بالجرّ عطفاً على ((حاجة))، ويجوز رفعه عطفاً على
المحلّ؛ لكون الجارّ زائداً، كما بيّنته آنفاً، أي ليس بنا فقر، ولا بخلٌ،
وإنما نفعل هذا؛ تمسّكاً بما تلقّيناه من النبيّ وَ ﴿، كما بيّنه بقوله: (قَدِمَ)
بكسر الدال (النَّبِيُّ وَ﴿) أي جاء من منى إلى الكعبة، وقوله: (عَلَى رَاحِلَتِهِ)
متعلّق بحال مقدّر، أي حال كونه راكباً على راحلته (وَخَلْفَهُ أُسَامَةُ) بن زيد
حبّ رسول الله وَّةٍ، وابن حبّه، مات سنة (٥٤هـ) تقدّمت ترجمته في
(الإيمان)) ٢٨٤/٤٣. (فَاسْتَسْقَى) أي طلب السُّقيا (فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ)
وأخرج البخاريّ من طريق عكرمة، عن ابن عباس ظها: أن رسول الله وَله
جاء إلى السقاية، فاستسقى، فقال العباس: يا فضلُ اذهب إلى أمك، فأُتِ
رسول الله ◌َ﴿ بشراب من عندها، فقال: ((اسقني))، قال: يا رسول الله إنهم
يجعلون أيديهم فيه، قال: ((اسقني))، فشرب منه، ثم أتى زمزم، وهم
يسقون، ويعملون فيها، فقال: ((اعملوا، فإنكم على عمل صالح))، ثم قال:

١٧
(٥٨) - بَابُ فَضْلِ الْقِيَامِ بِالسِّقَايَةِ، وَالنَّنَاءِ عَلَى أَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٣١٨٠)
((لولا أن تُغْلَبوا(١) لنزلت حتى أضع الحبل على هذه))، يعني عاتقه، وأشار
إلى عاتقه.
وفي رواية الطبرانيّ، من طريق يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، في هذا
الحديث: أن العباس قال له: إن هذا قد مُرِث، أفلا أسقيك من بيوتنا؟ قال:
((لا، ولكن اسقني مما يشرب منه الناس)).
(فَشَرِبَ) وفي رواية الطبرانيّ المذكورة: ((فأُتي به، فذاقه، فقطّب، ثم
دعا بماء، فكسره)). قال: وتقطيبه إنما كان لحموضته، وكسره بالماء؛ ليهون
عليه شربه، قال في ((الفتح)): وعُرف بهذا جنس المطلوب شربه إذ ذاك.
(٢)
.
انتھی
(وَسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ) ◌َبه (وَقَالَ) وَّرِ ((أَحْسَنْتُمْ، وَأَجْمَلْتُمْ) أي فعلتم
الحسن الجميل (كَذَا) أي مثل هذا الصنيع، وهو سقي النبيذ (فَاصْنَعُوا)))
أمرهم وي بأن يثبتوا على سقي النبيذ، فامتثلوا أمره، فلذا قال ابن عبّاس .
(فَلَا نُرِيدُ تَغْيِيرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ وَ ﴿) المعنى: أننا لا نغيّر سقاء النبيذ إلى
سقاء غيره من العسل، واللبن، وإن كان ذلك أولى عند الناس؛ لأننا لا نغيّر
شيئاً أمرنا به وسلم؛ إذ هو الأولى لنا، واللائق بنا، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) قوله: ((لولا أن تغلبوا)) - بضم أوله، على البناء للمجهول -، قال الداوديّ: أي
إنكم لا تتركوني أستقي، ولا أحب أن أفعل بكم ما تكرهون، فتغلبوا، كذا قال،
وقال غيره: معناه: لولا أن تقع لكم الغلبة بأن يجب عليكم ذلك بسبب فعلي،
وقيل: معناه: لولا أن يغلبكم الولاة عليها حرصاً على حيازة هذه المكرمة، قال
الحافظ: والذي يظهر أن معناه: لولا أن تغلبكم الناس على هذا العمل، إذا رأوني
قد عملته؛ لرغبتهم في الاقتداء بي، فيغلبوكم بالمكاثرة لفعلت، ويؤيد هذا ما
أخرجه مسلم من حديث جابر ظه: أتى النبيّ وَّ بني عبد المطلب، وهم يسقون
على زمزم، فقال: ((انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن تغلبكم الناس على
سقايتكم، لنزعت معكم))، قاله في ((الفتح)) (٤/ ٥٦٧).
(٢) ((الفتح)" ٤ / ٥٦٧، ٥٦٨.

١٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
هذا من أفراد المصنّف تَذَتُهُ .
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١٨٠/٥٨] (١٣١٦)، و(أبو داود) في
((المناسك)) (٢٠٢١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦٩/١ و٣٧٢)، و(ابن خزيمة)
في (صحيحه)) (٢٩٤٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٩٠/٣)، و(الطبرانيّ)
في ((الكبير)) (١٣٧/١١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٤٧/٥) و((المعرفة)) (٤/
١٣٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده(١):
١ - (منها): بيان فضل القيام بالسقاية.
ۋە .
٢ - (ومنها): استحباب شرب الحاجّ وغيره من نبيذ سقاية العبّاس
٣ - (ومنها): استحباب الثناء على أصحاب السقاية، وكلّ صانع جميل.
٤ - (ومنها): أنه استدلّ به بعضهم على جواز صدقة آل البيت بعضهم
على بعض، وتُعُقّب بأن هذا ليس بصدقة، وإنما هو ضيافة.
٥ - (ومنها): أن ما وُضع من الماء في المساجد والطرق يجوز أن يشرب
منه الغنيّ؛ لأنه وُضع للكافّة، لا للفقراء، قال مالك: ولم يزل ذلك من أمر
الناس(٢).
٦ - (ومنها): أنه لا ينبغي التقذّر عن شُرب الماء المسبّل؛ لوضع الناس
أيديهم فيه، فقد شرب النبيّ و18َّ من هذه السقاية؛ لما تقدّم من رواية
البخاريّ: ((أن رسول الله ﴿ جاء إلى السقاية، فاستسقى، فقال العباس: يا
فضلُ اذهب إلى أمك، فأت رسول الله ◌َّ بشراب من عندها، فقال:
(اسقني))، فقال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: ((اسقني))،
فشرب منه ... )) الحديث.
(١) المراد: الفوائد التي اشتمل عليها حديث ابن عبّاس ﴿ها، لا خصوص سياق
المصنّف، فيشمل ما ذُكر في الشرح أيضاً، فتنبّه.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ٤٠٨/٣.

١٩
(٥٨) - بَابُ فَضْلِ الْقِيَامِ بِالسِّقَايَةِ، وَالنَّنَاءِ عَلَى أَهْلِهَا، ... إلخ - حديث رقم (٣١٨٠)
٧ - (ومنها): ما قال في ((الفتح)): استُدِلّ بهذا الحديث على أن سقاية
الحاجّ خاصة ببني العباس، قال ابن بزيزة: أراد بقوله: ((لولا أن تُغْلَبوا إلخ))
قصر السقاية عليهم، وأن لا يشاركوا فيها. انتهى.
وأما الرخصة في المبيت، ففيها أقوال للعلماء، هي أوجه للشافعية:
أصحها لا يختص بهم، ولا بسقايتهم، قال: واستَدَلَّ به الخطابيّ على أن
أفعاله وَّ للوجوب، وفيه نظر. انتهى(١).
٨ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الذي أُرصِد للمصالح العامة لا
يحرم على النبيّ وَله، ولا على آله تناوله؛ لأن العباس أَرْصَد سقاية زمزم
لذلك، وقد شرب منها النبيّ وَّر، قال ابن المنير في ((الحاشية)): يُحْمَل الأمرُ
في مثل هذا على أنها مُرْصَدةٌ للنفع العام، فتكون للغنيّ في معنى الهديّة،
وللفقير صدقة.
٩ - (ومنها): أنه لا يكره طلب السقي من الغير، ولا رَدّ ما يُعْرَض على
المرء من الإكرام إذا عارضته مصلحة أولى منه؛ لأن رده وَ ◌ّ لَمّا عَرَض عليه
العباس مما يُؤتى به من بيته؛ لمصلحة التواضع التي ظهرت من شربه مما
يشرب منه الناس.
١٠ - (ومنها): الترغيب في سقي الماء خصوصاً ماء زمزم.
١١ - (ومنها): تواضع النبيّ وَله، وحرص أصحابه على الاقتداء به،
وكراهة التقذّر، والتكرّه للمأكولات والمشروبات.
١٢ - (ومنها): أن الأصل في الأشياء الطهارة؛ لتناوله النبيّ وَلّ من
الشراب الذي غُمِست فيه الأيدي(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَغْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيِّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١) راجع: ((الفتح)) ٤/ ٥٦٨.
(٢) راجع: ((الفتح)) ٥٦٨/٤.

٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(٥٩) - (بَابٌ فِي الصَّدَقَةِ بِلُحُومِ الْهَدْي، وَجُلُودِهَا، وَجِلَالِهَا،
وَلَا يُعْطِي الْجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئاً)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣١٨١] (١٣١٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ، عَنْ عَبْدٍ
الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: أَمَرَنِي
رَسُولُ اللهِنَّهِ أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا، وَجُلُودِهَا، وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ
لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا، قَالَ: ((نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (بَحْبَى بْنُ بَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ
[١٠] (ت٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (أَبُو خَيْئَمَةَ) زهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل
الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢.
٣ - (عَبْدُ الْكَرِيم) بن مالك الْجَزَريّ، أبو سعيد الأمويّ مولاهم،
الْخِضْرميّ(١)، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٥(٢)] (ت١٢٧) (ع) تقدم في ((الصيام)) ٢٦٠٩/١٥.
٤ - (مُجَاهِدٌ) بن جَبْر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه
مشهور [٣] (ت١ أو٢ أو٣ أو ١٠٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
[٣(٣)] (ت٨٦) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٦ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب الهاشميّ الخليفة الراشد، استُشهِد ◌َُّه في
رمضان سنة (٤٠) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
(١) بكسر الخاء وسكون الضاد المعجمتين: نسبة إلى قرية باليمامة.
(٢) جعله في ((التقريب)) من السادسة، والظاهر أنه من الخامسة؛ لأنه رأى أنساً
كما في ((تهذيب التهذيب))، فتنبّه.
(٣) جعله في ((التقريب)) من الثانية، والظاهر أنه من الثالثة، كما يظهر من (تت)).