النص المفهرس

صفحات 381-400

٣٨١
(٣١) - بَابُ جَوَازِ التَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ، وَالْقِرَانِ - حديث رقم (٣٠٣٣)
رجال هذا الإسناد: ثلاثة :
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المشهور، تقدّم قريباً.
و ((ابنُ شهاب)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية الليث، عن ابن شهاب هذه ساقها يعقوب بن سفيان تَظَّتُهُ
في ((المعرفة والتاريخ)) (٢١٠/١) فقال:
حدّثنا أبو صالح، وابن بكير، ومحمد بن خلاد، عن الليث، حدّثني ابن
شهاب، أن حنظلة بن عليّ الأسلميّ أخبرِه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال
رسول الله وَّرُ: ((والذي نفس محمد بيده، لَيُهِلَّن ابن مريم بفَجِّ الرَّوْحاء حاجّاً، أو
معتمراً، أو لَيَثْنِيَنَّهُمَا)). انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٣٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ عَلِيِّ الْأَسْلَمِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ
١٩٠
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ،
صدوقٌ [١١] (ت٣ أو ٢٤٤) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار
[٧] (ت١٥٩) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمَا) أي حديث ابن عيينة، والليث بن سعد، كلاهما
عن الزهريّ.
[تنبيه]: رواية يونس بن يزيد، عن الزهريّ هذه لم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .

٣٨٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(٣٢) - (بَابُ بَيَانِ عَدَدِ عُمَرِ النَّبِيِّ وَّهِ، وَزَمَانِهِنَّ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٣٤] (١٢٥٣) - (حَدَّثَنَا هَذَابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ،
أَنَّ أَنَساًّ ◌َبِهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَِّ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ،
إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَتِهِ: عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً
مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنْ جِعْرَانَةَ، حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ،
فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَتِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ) بن الأسود القيسيّ، أبو خالد البصريّ، ويقال له:
هُذْبة، ثقة عابد، من صغار [٩] مات سنة بضع و(١٣٠) (خ م د) تقدم في
((الإيمان)) ١٥١/١١.
٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى الْعَوذيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدوسيّ، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٤ - (أَنَسٌ رَُّبه) تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف رَّتُهُ، وهو (١٨٩) من رباعيّات
الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفاً .
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار.
٥ - (ومنها): أن فيه أنساً ظلله أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦)
حديثاً .
شرح الحديث:
عن قَتَادَةَ (أَنَّ أَنَساً بَظُبِهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ)

٣٨٣
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ عُمَرِ النَّبِيِّ نَّهِ، وَزَمَانِهِنَّ - حديث رقم (٣٠٣٤)
بضمّ، ففتح: جمع عمرة (كُلَّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ) بفتح القاف، وكسرها،
وجمعه: ذوات القعدة، وذوات القَعَدات، والتثنية: ذواتا القَعدة، وذواتا
القَعدتين، فَثَنَّوا الاسمين، وجمعوهما، وهو عزيز؛ لأن الكلمتين بمنزلة كلمة
واحدة، ولا تتوالى على كلمة علامتا تثنية، ولا جمع، قاله الفيّوميّ ◌َّتُهُ(١).
(إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ) بفتح الحاء وكسرها .
قال في ((الفتح)): قوله: ((إلا التي مع حجته)) استَشْكّل ابن التين هذا
الاستثناء، فقال: هو كلام زائد، والصواب: ((أربع عمر، في ذي القعدة، عمرة
من الحديبية)) الحديث، قال: وقد عَدَّ التي مع حجته في الحديث، فكيف
يستثنيها أوّلاً؟
وأجاب القاضي عياض بأن الرواية صواب، وكأنه قال: في ذي القعدة
منها ثلاث، والرابعة عمرته في حجته، أو المعنى كلها في ذي القعدة، إلا التي
اعتمر في حجته؛ لأن التي في حجته كانت في ذي الحجة. انتهى(٢).
(عُمْرَةً) بالنصب على البدليّة من ((أربع))، أو مفعولاً لفعل مقدّر، أي:
أعني، ويجوز النصب خبراً لمحذوف، أي إحداها، أو مبتدأ خبره ((في ذي
القعدة، وقوله: (مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ) متعلّق بصفة لـ((عمرةٌ))، وهو بتخفيف الياء الثانية،
وتُشدَّد، أحد حدود الحرم، على تسعة أميال من مكة، وقوله: (أَوْ زَمَنَ
الْحُدَيْبِيَةِ) ((أو)) فيه للشكّ من الراوي.
[تنبيه]: قال الفيّوميّ ◌َّتُهُ: ((الحديبية)): بئر بقرب مكة، على طريق جدة،
دون مرحلة، ثم أطلق على الموضع، ويقال: بعضه في الحلّ، وبعضه في
الحرم، وهو أبعد أطراف الحرم عن البيت، ونَقَل الزمخشريّ، عن الواقديّ
أنها على تسعة أميال من المسجد، وقال أبو العباس أحمد الطبريّ في ((كتاب
دلائل القبلة)): حَدُّ الحرم من طريق المدينة ثلاثة أميال، ومن طريق جُدّة عشرة
أميال، ومن طريق الطائف سبعة أميال، ومن طريق اليمن سبعة أميال، ومن
طريق العراق سبعة أميال.
قال في ((المحكم)): فيها التثقيل والتخفيف، ولم أر التثقيل لغيره، وأهل
(١) ((المصباح المنير)) ٥١٠/٢.
(٢) ((الفتح)) ١٢/٥، ١٣.

٣٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
الحجاز يخففون، قال الطرطوشيّ في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُِّينًا
هو صلح الحديبية، قال: وهي بالتخفيف، وقال أحمد بن يحيى: لا يجوز فيها
غيره، وهذا هو المنقول عن الشافعيّ، وقال السهيليّ: التخفيف أعرف عند
أهل العربية، قال: وقال أبو جعفر النحاس: سألت كل من لَقِيت ممن أَثِق
بعلمه من أهل العربية عن الحديبية، فلم يختلفوا في أنها مخففة، ونَقَل البكريّ
التخفيف عن الأصمعيّ أيضاً، وأشار بعضهم إلى أن التثقيل لم يُسمَع من
فصيح، ووجهه أن التثقيل لا يكون إلا في المنسوب، نحو الإسكندرية، فإنها
منسوبة إلى الإسكندر، وأما الحديبية، فلا يُعقَل فيها النسبة، وياء النسب في
غير منسوب قليل، ومع قلّته فموقوف على السماع، والقياس أن يكون أصلها
حَدْباة بألف الإلحاق ببنات الأربعة، فلما صُغِّرت انقلبت الألف ياءً، وقيل:
حديبية، ويشهد لصحة هذا قولهم: لُيَيلِيَة، بالتصغير، ولم يرد لها مكبّر، فقدَّره
الأئمة ليلاةً؛ لأن المصغر فرع المكبّر، ويمتنع وجود فرع بدون أصله، فقُدِّر
أصله؛ ليجري على سنن الباب، ومثله مما سمع مصغراً دون مكبّره، قالوا في
تصغير غلمة، وصبية: أغيلمة، وأصيبية، فقدّروا أصله: أغلمة، وأصبية، ولم
ينطقوا به؛ لما ذكرت، فافهمه، فلا محيد عنه، وقد تكلمت العرب بأسماء
مصغرة، ولم يتكلموا بمكبّرها، ونقل الزجاجيّ، عن ابن قتيبة: أنها أربعون
اسماً. انتهى كلام الفيّوميّ تَظُّهُ(١).
ثم إن عمرة الحديبية قد ثبت أنه ◌َّلّ أحرم بها من ذي الحليفة، ولكن لم
يؤدها، فعدّها هنا محمول على أنه همّ بالدخول محرماً بها، إلا أنه صُدَّ عنها،
وأُحصر منها فإطلاق العمرة عليها، مع عدم أفعالها باعتبار النية المترتب عليها
المثوبة (٢).
وقال القرطبيّ ◌َّتُهُ: قوله: ((عمرة من الحديبية)) يعني: التي صدَّه فيها
المشركون عن البيت، فحلّ فيها من الحديبية، وحلق، ونحر، ورجع إلى
المدينة؛ كما صالحهم عليه، ثم إنه اعتمر في السَّنة الثانية عمرة القضاء،
وسُمِّيت بذلك، وبعمرة القضية أيضاً؛ لأنه إنما اعتمرها في السَّنة الثانية على ما
(١) ((المصباح المنير)) ١٢٣/١، ١٢٤.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٣٢/٥.
٠

٣٨٥
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ عُمَرِ النَِّّ لَهَ وَزَمَانِهِنَّ - حديث رقم (٣٠٣٤)
كان قاضاهم عليه؛ أي: صالحهم، وذلك: أنهم كانوا اشترطوا عليه أن لا
يدخل عليهم مكة في سنتهم تلك، بل في السَّنة الثانية، ولا يدخلها عليهم
بشيء من السِّلاح إلا بالسيف وقِرابه، وأنه لا يمكث فيها أكثر من ثلاثة أيام،
إلى غير ذلك من الشروط التي هي مذكورة في كتب السِّير، فوقَى لهم النبيّ وَّ
بذلك. انتهى (١).
(فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ) بصيغة اسم الفاعل، أي العام
الذي بعد عام الحديبية، وهي عمرة القَضاء (فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنْ جِعْرَانَةَ)
- بكسر الجيم، وسكون العين، وقيل: بكسر العين، وتشديد الراء - قال
الفيّوميّ دَّثُهُ: ((والجعرانة)): موضع بين مكة والطائف، وهي على سبعة أميال
من مكة، وهي بالتخفيف، واقتصر عليه في ((البارع))، ونقله جماعة عن
الأصمعيّ، وهو مضبوط كذلك في ((المحكم))، وعن ابن المدينيّ: العراقيون
يثقلون الجعرانة، والحديبية، والحجازيون يخففونهما، فأخذ به المحدّثون،
على أن هذا اللفظ ليس فيه تصريح بأن التثقيل مسموع من العرب، وليس
للتثقيل ذكر في الأصول المعتمدة، عن أئمة اللغة، إلا ما حكاه في ((المحكم))
تقليداً له في الحديبية، وفي ((العباب)): والجعرانة بسكون العين، وقال
الشافعيّ: المحدّثون يخطئون في تشديدها، وكذلك قال الخطابيّ. انتهى(٢).
(حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ) أي بعد فتح مكة (فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ
حَجَّتِهِ) يعني التي قرنها مع حجته.
قال القرطبيّ كَثّلُ: وأما عمرته من جعرانة فكانت بعد منصرفه من حنين،
ومن الطائف، وبعد قسم غنائم حنين بجعرانة، وأما عمرته مع حجته فهي التي
قرنها مع حجته على رواية أنس، أو أردفها على ما ذكرناه عن ابن عمر، واعتمد
مالك في ((موطئه)): على أنه وَّرَ اعتمر ثلاث عُمَر: إحداها في شوال، فأسقط
التي مع حجته بناءً منه على أن النبيّ وَ ﴿ كان مفرداً بالحج، وأما هذه العُمرة
المنسوبة إلى شوال فهي - والله أعلم -: عمرة الجعرانة، أحرم بها في أخريات
شوال، وكمَّلَها في ذي القعدة، فصدقت عليها النِّسبتان، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٣٦٦/٣.
(٢) (المصباح المنير)) ١٠٢/١.

٣٨٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
ولا يُعلم للنبيّ وَِّ عُمرة غير ما ذكرناه مما اتُّفق عليه، واختُلف فيه،
وقد ذكر الدار قطني: أنه والم خرج معتمراً في رمضان(١)، وليس بالمعروف.
وأما قول ابن عمر: إنه اعتمر في رجب؛ فقد غلَّطَتْهُ في ذلك عائشة،
ولم ينكر عليها، ولم ينتصر، فظهر: أنه كان على وَهْم، وأنه رجع عن ذلك.
وأما حَجُّهُ بَّر: فلم يُختلف أنه إنما حج في الإسلام حجَّة واحدة، وهي
المعروفة بحجّة الوداع، وأما قبل هجرته: فاختُلف هل حجَّ واحدة - كما قال
أبو إسحاق السَّبيعيّ -، أو حجَّتين؛ كما قال غيره، وسيأتي عدد غزواته في
الجهاد - إن شاء الله تعالى - انتهى(٢) .
وقال النوويّ تَخْلُ: الحاصل من رواية أنس، وابن عمر اتفاقهما على
أربع عُمَر، وكانت إحداهن في ذي القعدة عام الحديبية سنة ست من الهجرة،
وصُدُّوا فيها، فتحلّلوا، وحُسِبت لهم عمرة، والثانية: في ذي القعدة، وهي سنة
سبع، وهي عمرة القضاء، والثالثة: في ذي القعدة سنة ثمان، وهي عام الفتح،
والرابعة مع حجته، وكان إحرامها في ذي القعدة، وأعمالها في ذي الحجة.
وأما قول ابن عمر: إن إحداهنّ في رجب، فقد أنكرته عائشة، وسكت
(١) رواه الداقطنيّ في ((سننه)) ١٨٨/٢، قال في ((الفتح)): أخرجه الدارقطني من طريق
العلاء بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد، عن أبيه، عن عائشة،
وقال: إن إسناده حسنٌ، وقال صاحب ((الهدي)): إنه غلط؛ لأن النبيّ وَّ لم يعتمر
في رمضان.
قال الحافظ: ويمكن حمله على أن قولها: ((في رمضان)) متعلق بقولها: ((خرجت)) -
يعني قولها: ((خرجت مع رسول الله ﴿ ﴿ في عمرة رمضان)) - ويكون المراد سفر
فتح مكة، فإنه كان في رمضان، واعتمر النبيّ ◌َّه في تلك السنة من الجعرانة،
لكن في ذي القعدة، وقد رواه الدارقطنيّ بإسناد آخر إلى العلاء بن زهير، فلم يقل
في الإسناد: ((عن أبيه))، ولا قال فيه: ((في رمضان)). انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن التأويل الذي ذكره الحافظ بعيد، والذي قاله
صاحب ((الهدي)) من أن في الحديث غلطاً هو الأقرب، ويؤيّد هذا الرواية
المذكورة بعده، فإنها تدلّ على اضطرابه وعدم ضبطه، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٢) ((المفهم)) ٣٦٦/٣ - ٣٦٨.

٣٨٧
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ عُمَرِ النَّبِيِّ وَّهِ، وَزَمَانِهِنَّ - حديث رقم (٣٠٣٤)
ابن عمر حين أنكرته، قال العلماء: هذا يدلّ على أنه اشتبه عليه، أو نسي، أو
شكّ، ولهذا سكت عن الإنكار على عائشة، ومراجعتها بالكلام، فهذا الذي
ذكرته هو الصواب الذي يتعيّن المصير إليه.
وأما القاضي عياض، فقال: ذَكَر أنس أن العمرة الرابعة كانت مع
حجته، فيدلّ على أنه كان قارناً، قال: وقد ردّه كثير من الصحابة، قال: وقد
قلنا: إن الصحيح أن النبيّ وَّلهم كان مفرداً، وهذا يردّ قول أنس، وردّت عائشة
قول ابن عمر، قال: فحصل أن الصحيح ثلاث عُمَر، قال: ولا يُعلم للنبيّ وَله
اعتمار، إلا ما ذكرناه، قال: واعتمد مالك في ((الموطأ)) على أنهن ثلاث عُمَر.
انتهى كلام القاضي.
وتعقّبه النوويّ، فقال: وهو قول ضعيفٌ، بل باطلٌ، والصواب أنه وَلّ
اعتمر أربع عُمَر، كما صرح به ابن عمر، وأنس، وجزما الرواية به، فلا يجوز
ردّ روايتهما بغير جازم، وأما قوله: إن النبيّ ◌َّ كان في حجة الوداع مفرداً،
لا قارناً، فليس كما قال، بل الصواب أن النبيّ ◌َ ﴿ كان مفرداً في أول
إحرامه، ثم أحرم بالعمرة، فصار قارناً، ولا بد من هذا التأويل، قال العلماء:
وانما اعتمر النبيّ وَّل هذه العُمَر في ذي القعدة؛ لفضيلة هذا الشهر، ولمخالفة
الجاهلية في ذلك، فإنهم كانوا يرونه من أفجر الفجور، كما سبق، ففعله وله
مرات في هذه الأشهر؛ ليكون أبلغ في بيان جوازه فيها، وأبلغ في إبطال ما
كانت الجاهلية عليه. انتهى كلام النوويّ تَخْذَتْهُ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ تَّتُ تحقيق حسنٌ، إلا قوله:
إنه سير كان مفرداً في أول إحرامه إلخ، فقد قدّمنا أن هذا خلاف الصحيح، بل
الصواب أنه وَ ه كان قارناً من أول ما أنشأ الإحرام؛ كما بيّنه حديث عمر رَُّه
في قصّة إتيان الملك له وسلّ بوادي العقيق، ولِما أخرجه أحمد، وابن ماجه،
بإسناد صحيح، وصححه ابن حبّان، عن أنس ظ ◌ُبه قال: إنا عند ثَفِنات ناقة
رسول الله وسلّ عند المسجد، فلما استوت به، قال: ((لبيك بحجة وعمرة معاً))،
وذلك في حجة الوداع. انتهى لفظ ابن حبّان.
(١) (شرح النوويّ)) ٢٣٥/٨، ٢٣٦.

٣٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
فهذا حديث صحيح ونصّ صريح في أنه وعليه أنشأ الإحرام من أول الأمر
قارناً، وما عدا ذلك من الروايات فتؤوّل على ما يوافق هذا المعنى، وقد مرّ
توجيهها، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو
المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس ظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠٣٤/٣٢ و٣٠٣٥] (١٢٥٣)، و(البخاريّ) في
((العمرة)) (١٧٧٨ و١٧٧٩ و١٧٨٠) و((الجهاد)) (٣٠٦٦) و((المغازي)) (٤١٤٨)،
و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٩٩٤)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٨١٥)،
و(أحمد) في («مسنده)) (١٣٤/٣ و٢٤٥ و٢٥٦)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه))
(٣٠٧١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٧٦٤)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٥/
٢٥٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٤٨/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤/
٣٤٥ و١٠/٥ و٥٦/٩)، و(البغويّ) في ((شرح السنّة)) (١٨٤٦)، والله تعالى
أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان عدد عُمَر النبيّ وَّر، وهي أربع.
٢ - (ومنها): بيان استحباب العمرة في أشهر الحج؛ لِما لها من الفضل،
ولمخالفة أهل الجاهليّة، حيث كانوا يرونه من أفجر الفجور، كما سبق بيانه.
٣ - (ومنها): بيان أنه والرّ كان قارناً في حجته، وهذا هو الصحيح من
أقوال العلماء، كما أسلفت حججه قريباً، وأما الأحاديث الدالّة على أنه وَلّ
كان متمتّعاً فتؤوّل على أنه أمر بالتمتّع، فنُسب إليه، أو المراد به التمتّع
اللغويّ؛ لأن القران يُسمّى تمتّعاً، حيث تمتّع القارن بعمل الحج، ولم يحتج
إلى عمل مفرد للعمرة، وإطلاق التمتّع على القران هو الذي كان عُرف
الصحابة ﴿ه، كما تقدّم بيانه عن ابن القيّم ◌َّتُهُ.
٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى صحة قول الجمهور: إنه لا يجب القضاء

٣٨٩
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ عُمَرِ النَّبِيِّ وَّه وَزَمَانِهِنَّ - حديث رقم (٣٠٣٥)
على من صُدّ عن البيت، خلافاً للحنفية، ولو كانت عمرة القضيّة بدلاً عن عمرة
الحديبية، لكانتا واحدةً، وإنما سُمِّيت عمرة القضيّة، والقضاء؛ لأن النبيّ وَّ-
قاضى قريشاً فيها، لا أنها وقعت قضاءً عن العمرة التي صُدّ عنها؛ إذ لو كان
كذلك، لكانتا عمرةً واحدةً، قاله في ((الفتح))(١).
٥ - (ومنها): أنّ في عدّهم عمرةَ الحديبية التي صُدّ عنها ما يدلّ على
أنها عمرة تامّةٌ.
٦ - (ومنها): أن من نوى فعل خير، ومنع مانع يثاب عليه كاملاً، فقد
صحّ في هذا الحديث أن عمرة الحديبية سُمّيت، فكانت الرابعة من عُمَرِهِ وََّ،
ولم يفعل من أعمالها شيئاً، لا هو ولا أصحابه، إلا الإهلال بها فقط، حيث
صُدّوا عن البيت.
٧ - (ومنها): بيان إباحة الغنائم، وهي من خصوصيّات النبيّ وَطّ، فقد
سبق حديث جابر ظه، قال: قال رسول الله وَالت: ((أُعطيت خمساً ... ))
فذكره، وفيه: ((وأُحلّت لي الغنائم، ولم تحلّ لأحد قبلي ... )) الحديث.
٨ - (ومنها): بيان مشروعيّة قسمة الغنائم، حيث قسم ◌َّ غنائم حنين
بالجعرانة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠٣٥] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا
هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسأَ: كَمْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ؟ قَالَ: حَجَّةً
وَاحِدَةً، وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ هَذَّابٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
(١) ((الفتح)) ١٣/٥.

٣٩٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
[تنبيه]: رواية عبد الصمد، عن همّام هذه لم أجد من ساقها بتمامها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخُّْ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٠٣٦] (١٢٥٤) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى،
أَخْبَرَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: كَمْ غَزَوْتَ مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَّرَ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ(١)، قَالَ: وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ نَِّ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ، وَأَنَّهُ حَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً، حَجَّةَ الْوَدَاعِ،
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَبِمَكَّةَ أُخْرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ
[١٠] (ت٢٣٤) وهو ابن (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى) الأشيب، أبو عليّ البغداديّ، قاضي الموصل
وغيرها، ثقةٌ [٩] (ت٩ أو ٢١٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٣٢١/٥٥.
٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل
الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره [٧] (ت٢ أو ٣ أو
١٧٤) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٦٢.
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف رواية زهير، عن أبي إسحاق، وإنما
روى عنه بعد الاختلاط كما سلف آنفاً؟.
[أُجيب]: بأنه لم ينفرد به، بل تابعه عليه شعبة، وهو ممن روى عنه قبل
اختلاطه، وكذا تابعه إسرائيل بن يونس، وهو وإن كان متأخّراً إلا أنه يحفظ
أحاديث أبي إسحاق حفظاً جيّداً، كما نُقل عن عبد الرحمن بن مهديّ أنه قال:
إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة، والثوري. وهذا غاية في الوصف
بالإتقان.
(١) وفي نسخة: ((سبع عشرة غزوةً)).

٣٩١
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ عُمَرِ النَّبِيِّ وَلِهِ، وَزَمَانِهِنَّ - حديث رقم (٣٠٣٦)
فأما رواية شعبة، فقد أخرجها البخاريّ، في ((كتاب المغازي)) من
«صحیحه))، فقال:
حدّثني عبد الله بن محمد، حدّثنا وهب، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق:
كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبيّ وَّر من غزوة؟ قال: تسع
عشرة، قيل: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة، قلت: فأيُّهم كانت أولَ؟
قال: العسيرة، أو العشير، فذكرت لقتادة، فقال: العشيرة.
وأما رواية إسرائيل، فأخرجها البخاريّ أيضاً، فقال في الكتاب المذكور:
حدّثنا عبد الله بن رجاء، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: سألت
زيد بن أرقم بظلاله، كم غزوت مع رسول الله وَله؟ قال: سبع عشرة، قلت: كم
غزا النبيّ ◌َّر؟ قال: تسع عشرة.
٤ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ
مكثرٌ اختلط بآخره [٣] (ت ١٢٩) أو قبل ذلك (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣.
٥ - (زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ) بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ
الشهير، نزل الكوفة، ومات بها سنة (٦ أو٦٨) (ع) تقدم في ((المساجد
ومواضع الصلاة)) ١٢٠٨/٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ◌َّلُهُ .
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من زهير بن معاوية، والباقيان بغدادیّان.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من مشاهير الصحابة ﴿ه، شهد الخندق وما
بعدها، كما ذكر هنا أنه غزا مع رسول الله وَ ر سبع عشرة غزوة، وأنزل الله
تعالى في تصديقه ((سورة المنافقون)»
عنه
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ، أنه (قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ
أَرْقَمَ) رَُ (كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ) زيد ◌َُّهُ (سَبْعَ عَشْرَةَ) وفي
بعض النسخ: ((سبع عشرة غزوةً (قَالَ) أبو إسحاق (وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ)

٣٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ) قال في ((الفتح)): كذا قال، ومراده الغزوات
التي خرج النبيّ وَّ فيها بنفسه، سواء قاتل، أو لم يقاتل، لكن رَوَى أبو
يعلى، من طريق أبي الزبير، عن جابر: أن عدد الغزوات إحدى وعشرون،
وإسناده صحيح، وأصله في مسلم، فعلى هذا، ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين
منها، ولعلهما الأَبْواء وبُوَاط، وكأن ذلك خَفِي عليه؛ لصغره، ويؤيد ما قلته ما
وقع عند مسلم بلفظ: قلت: ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير، أو
العشيرة. انتهى. والعشيرة هي الثالثة.
وأما قول ابن التين: يُحْمَل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة أول ما
غزا هو، أي زيد بن أرقم، والتقدير: فقلت: ما أول غزوة غزاها؟، أي:
وأنت معه، قال: العشير، فهو مُحْتَمِل أيضاً، ويكون قد خَفِي عليه اثنتان مما
بعد ذلك، أو عدَّ الغزوتين واحدةً، فقد قال موسى بن عقبة: قاتل رسول الله وَلـ
بنفسه في ثمان: بدر، ثم أُحد، ثم الأحزاب، ثم المصطلق، ثم خيبر، ثم
مكة، ثم حنين، ثم الطائف. انتهى.
وأهمل غزوة قريظة؛ لأنه ضمها إلى الأحزاب؛ لكونها كانت في إثرها،
وأفردها غيره؛ لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره عدّ
الطائف وحنين واحدةً؛ لتقاربهما .
فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم، وقول جابر، وقد توسع ابن سعد،
فبلّغ عدّة المغازي التي خرج فيها رسول الله وَليل بنفسه سبعاً وعشرين، وتبع في
ذلك الواقديّ، وهو مطابق لما عدّه ابن إسحاق، إلا أنه لم يُفرد وادي القرى
من خيبر، أشار إلى ذلك السهيليّ، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى
هذا يُحمَل ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن سعيد بن المسيِّب، قال:
غزا رسول الله ﴿ أربعاً وعشرين، وأخرجه يعقوب بن سفيان، عن سلمة بن
شَبيب، عن عبد الرزاق، فزاد فيه: أن سعيداً قال أوّلاً: ثماني عشرة، ثم قال:
أربعاً وعشرين، قال الزهريّ: فلا أدري أَوَهِمَ، أو كان شيئاً سمعه بعدُ؟
قال الحافظ: وحمْله على ما ذكرته يدفع الوهم، ويجمع الأقوال، والله
أعلم.
وأما البعوثُ والسرايا، فعَدَّ ابن إسحاق ستّاً وثلاثين، وعدّ الواقديّ ثمانياً

٣٩٣
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ عُمَرِ النَّبِيِّ وَّهِ، وَزَمَانِهِنَّ - حديث رقم (٣٠٣٦)
وأربعين، وحَكَى ابن الجوزيّ في ((التلقيح)) ستّاً وخمسين، وعدّ المسعوديّ
ستين، وبلّغها الحافظ العراقيّ في ((نظم السيرة)) زيادة على السبعين، ووقع عند
الحاكم في ((الإكليل)) أنها تزيد على مائة، فلعله أراد ضمّ المغازي إليها. انتهى
كلام الحافظ تَذَتْهُ(١).
وسيأتي البحث في هذا مستوفّى في ((الجهاد والسير)) حيث يذكره
المصنّف تَخْذَثُ هناك - إن شاء الله تعالى -.
(وَأَنَّهُ) وَِّ (حَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً) زاد في رواية البخاريّ: ((لم
يَحُجَّ بَعْدَهَا))، وقوله: (حَجَّةَ الْوَدَاعِ) بالنصب على البدليّة من ((حجةً))، أو
مفعولاً لفعل محذوف، أي: أعني، ويحتمل الرفع على تقدير مبتدإ، أي: هِي
حجةُ الوداع (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) السَّبيعيّ، وهو موصول بالإسناد المذكور (وَبِمَكَّةَ
أُخْرَى) يعني أنه حج حجة أخرى بمكة قبل أن يهاجر، قال في ((العمدة)): وهذا
يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة إلَّا حجة واحدة، وليس كذلك، بل حجّ قبل
الهجرة مراراً عديدة. انتهى(٢).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((لم يحج بعدها))؛ يعني ولا حج قبلها، إلا أن
يريد نفي الحج الأصغر، وهو العمرة فلا، فإنه اعتمر قبلها قطعاً.
وقوله: قال أبو إسحاق: ((وبمكة أخرى)) وغرضه أن لقوله: ((بعدما
هاجر)) مفهوماً، وأنه قبل أن يهاجر كان قد حَجّ، لكن اقتصاره على قوله:
((أخرى)) قد يوهم أنه لم يحجّ قبل الهجرة إلا واحدةً، وليس كذلك، بل حجّ
قبل أن يهاجر مراراً، قال الحافظ: بل الذي لا أرتاب فيه، أنه لم يترك الحجّ،
وهو بمكة قطّ؛ لأن قريشاً في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحجّ، وإنما يتأخر
منهم عنه من لم يكن بمكة، أو عاقه ضعف، وإذا كانوا، وهم على غير دينٍ
يَحرِ صون على إقامة الحجّ، ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم
من العرب، فكيف يُظَنّ بالنبيّ وَلِّ أنه يتركه، وقد ثبت من حديث جبير بن
مطعم، أنه رآه في الجاهلية واقفاً بعرفة، وأن ذلك من توفيق الله له، وثبت
(١) ((الفتح)) ٧/٩، ٨، كتاب المغازي، رقم (٣٩٤٩).
(٢) ((عمدة القاري)) ٤١/١٨.

٣٩٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متواليةً. انتهى كلام
الحافظ تَّتُهُ، وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم ربه متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠٣٦/٣٢] (١٢٥٤)، و(البخاريّ) في
((المغازي)) (٤٩٤٩ و٤٤٠٤ و٤٤٧١)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (١٦٧٦)،
و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٩٤/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٦٨/٤ و٣٧٠
و٣٧٣)، و(سعيد بن منصور) في ((سننه)) (٣٦١/٢)، و(عبد بن حميد) في
(مسنده)) (١١٣/١)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٥٦/٤)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٣٤٨/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (١٨٧/٥ و١٨٨ و١٨٩)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣٤٢/٤) و((المعرفة)) (١٩٩/٢)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠٣٧] (١٢٥٥) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
بَكْرِ الْبُرْسَانِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءٍ يُخْبِرُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَابْنُ عُمَرَ، مُسْتَنِدَيْنٍ إِلَى حُجْرَةٍ عَائِشَةَ، وَإِنَّا
لَنَسْمَعُ ضَرْبَهَا بِالسِّوَاكِ تَسْتَنُّ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، اعْتَمَرَ
النَّبِيُّ ◌َِّ فِي رَجَبٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَيْ أُمَّتَاهُ، أَلَا تَسْمَعِينَ مَا
يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَتْ: وَمَا يَقُولُ؟ قُلْتُ: يَقُولُ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ وَّ فِي
رَجَبٍ، فَقَالَتْ: يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَعَمْرِي مَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، وَمَا
اعْتَمَرَ مِنْ عُمْرَةٍ، إِلَّا وَإِنَّهُ لَمَعَهُ، قَالَ: وَابْنُ عُمَرَ يَسْمَعُ، فَمَا قَالَ: لَا، وَلَا
نَعَمْ، سَكَتَ).

٣٩٥
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ عَدَدٍ عُمَرِ النَّبِيِّ لَهُ، وَزَمَانِهِنَّ - حديث رقم (٣٠٣٧)
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ الْبُرْسَانِيُّ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) تقدّم أيضاً قبل بابين.
٤ - (عَطَاءُ) بنَّ أبي رباح، تقدّم أيضاً قبل بابين.
٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قريباً.
٦ - (وَابْنُ عُمَرَ) ﴿هَا، تقدّم أيضاً قريباً.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف نَّلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له
البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والإخبار.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عمر ظًُّا من
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
عن عَطَاء بن أبي رباح أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا
ـا (مُسْتَنِدَيْنِ إِلَى حُجْرَةٍ عَائِشَةَ) ﴿ّا (وَإِنَّا لَنَسْمَعُ ضَرْبَهَا) أي
وَابْنُ عُمَرَ)
ضربها أسنانها (بِالسِّوَاكِ تَسْتَنُّ) جملة حالية من ((ضربها))، أي حال كونها تستاك
(قَالَ) عروة (فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر، وقوله: (اعْتَمَرَ
التَّبِيُّ ◌َّهِ فِي رَجَبٍ) استفهام بتقدير همزة الاستفهام (قَالَ) ابن عمر (نَعَمْ) أي
اعتمر فيه، وفي الرواية التالية: ((فقال له عروة: يا أبا عبد الرحمن، كم اعتمر
رسول الله وَ﴾؟ فقال: أربع عُمَر، إحداهنّ في رجب)).
(فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ) ◌ِؤُّنَا (أَيْ أُمَّتَاهُ) ((أي)) حرف نداء للبعيد، كما قال في
((الخلاصة)) :
وِلِلْمُنَادَى النَّاءِ أَوْ كَانَّاءِ ((يَا» وَ«أَيْ» وَ«آ) كَذَا «أَيَا» ثُمَّ «هَيَا)»
و((أُمَّتاه)) هي في الأصل ((أُمّي))، ثم حُذفت الياء، وعُوّض عنها التاء،

٣٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
فصار: أي أمّت، بفتح التاء وكسرها، ثم لحقتها ألف، ثم هاء السكت، وهي
ساكنة، والظاهر أن ضمها في النسخ غلطٌ، قال في ((الخلاصة)):
وَفِي النِّدَا أَبَتَ أَمَّتَ عَرَضْ وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ وَمِنَ الْيَا التَّا عِوَضْ
قال في ((الفتح)): وقول عروة لهذا بالمعنى الأخصّ؛ لكونها خالته،
وبالمعنى الأعمّ؛ لكونها أم المؤمنين. انتهى(١).
(أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ((ما)» هنا اسم موصول مفعول به
لـ(تسمعين)) (قَالَتْ: وَمَا يَقُولُ) و((ما)) هنا استفهاميّة، أي: أيّ شيء يقوله
(قُلْتُ: يَقُولُ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ بِّهِ فِي رَجَبٍ، فَقَالَتْ: يَغْفِرُ اللهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ)
وفي الرواية التالية: ((يرحم الله أبا عبد الرحمن))، هو عبد الله بن عمر، ذكرته
بكنيته؛ تعظيماً له، ودعت له إشارةً إلى أنه نسي(٢). (لَعَمْرِي) قال النوويّ كَُّهُ :
هذا دليلٌ على جواز قول الإنسان: لعمري، وكرهه مالك؛ لأنه من تعظيم
غير الله تعالى، ومضاهاته بالحلف بغيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن مثل هذا لا يُراد به الحلف، وإنما هو
كقولهم: ما له تربت يداه، وعقرى حلقى، وأما لو أريد به الحلف فلا يجوز؛
لأنه حلف بغير الله تعالى، فافهم، والله تعالى أعلم.
(مَا) نافية (اعْتَمَرَ)؛ أي رسول الله وَّهِ (فِي رَجَبٍ)؛ أي لم يعتمر النبيّ وَّ
في شهر رجب أصلاً (وَمَا) نافية أيضاً (اعْتَمَرَ مِنْ عُمْرَةٍ) (من)) زائدة، كما قال
في ((الخلاصة)) :
وَزِيدَ فِي نَفْي وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغْ مِنْ مَفَرْ
(إِلَّ وَإِنَّهُ)؛ أَي ابن عمر (لَمَعَهُ)؛ أي مع النبيّ بَّه، وهذا قالته مبالغة في
نسبته إلى النسيان، ولم تُنكر عائشة رضيّا على ابن عمر إلا قوله: إحداهنّ في
رجب (قَالَ) عروة (وَابْنُ عُمَرَ يَسْمَعُ) جملة في محلّ نصب على الحال (فَمَا)
نافية (قَالَ: لَا) نفياً لردّها عليه (وَلَا نَعَمْ) موافقَةً لها (سَكَتَ) قال النوويّ نَظْلُهُ :
سكوت ابن عمر على إنكار عائشة ﴿ها يدلّ على أنه كان اشتبه عليه، أو نَسِي،
أو شكّ.
(١) (الفتح)) ١١/٥.
(٢) ((الفتح)) ١١/٥.

٣٩٧
(٣٢) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ عُمَرِ النَّبِّ وَّهِ، وَزَمَانِهِنَّ - حديث رقم (٣٠٣٧)
يدلّ على أنه كان على
وقال القرطبيّ نَّثُهُ: عدم إنكاره على عائشة
وهم، وأنه رجع لقولها .
وقد تعَسَّف من قال: إن ابن عمر أراد بقوله: ((اعتمر في رجب)) عمرة
قبل هجرته؛ لأنه وإن كان محتملاً، لكن قول عائشة ﴿ثقا: ما اعتمر في رجب
يلزم منه عدم مطابقة ردِّها عليه لكلامه، ولا سيما، وقد بيّنت الأربع، وأنها لو
كانت قبل الهجرة، فما الذي كان يمنعه أن يُفْصِح بمراده، فيرجع الإشكال؟
وأيضاً: فإن قول هذا القائل: لأن قريشاً كانوا يعتمرون في رجب، يحتاج إلى
نقل، وعلى تقديره، فمن أين له أنه وَّ وافقهم؟ وهَبْ أنه وافقهم، فكيف
اقتصر على مرة؟. قاله في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظّ هذا متّفقٌ عليه بالسياق التالي.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠٣٧/٣٢ و٣٠٣٨] (١٢٥٥)، و(البخاريّ) في
(«العمرة)) (١٧٧٥ و١٧٧٦ و١٧٧٧) و((المغازي)) (٤٢٥٣ و٤٢٥٤)، و(أبو داود)
في ((المناسك)) (١٩٩٢)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٩٣٦ و٩٣٧)، و(النسائيّ)
في ((الكبرى)) (٤٢٢١ و٤٢٢٢)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٩٩٨)،
(وأحمد) في ((مسنده)) (٧٠/٢ و٧٣ و١٣٩ و١٤٣ و١٥٥)، و(ابن خزيمة) في
((صحيحه)) (٣٠٧٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٩٤٥)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٣٤٩/٣)، و(عبد بن حميد) في ((مسنده)) (٩٠٩)، و(الطبراني) في
((الكبير)) (٤١٣/١٢) و((الأوسط)) (١٣٢/٣)، و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٣/
٦١٤)، و(البيهقيّ) في (الكبرى)) (١٠/٥ -١١)، و(الضاء) في ((المختارة)) (٢/
٣٣٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((الفتح)) ١٣/٥، ١٤.

٣٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
١ - (منها): بيان عدد عُمر النبيّ و9َّ، كما هو واضح في الرواية التالية.
٢ - (ومنها): بيان أن الصحابيّ الجليل المكثر الشديد الملازمة للنبيّ وَل
قد يَخْفَى عليه بعض أحواله، وقد يدخله الوهم والنسيان؛ لكونه غير معصوم،
قاله في ((الفتح))(١) .
وقال الإمام ابن حبّان ◌َظُّ في ((صحيحه)): في قول ابن عمر .
((اعتمر رسول الله وَ﴿ أربع عُمَر، إحداهن في رجب)) أبين البيان أن الْخَيِّرَ
المتقِن الفاضل قد يَنْسَى بعض ما يسمع من السنن، أو يشهدها؛ لأن
المصطفى 38 ما اعتمر إلا أربع عمر: الأولى عمرة القضاء، سنة القابل من
عام الحديبية، وكان ذلك في رمضان(٢)، ثم العمرة الثانية حين فتح مكة، وكان
فتح مكة في رمضان، ثم خرج منها وَّ قِبَل هوازن، وكان من أمره ما كان،
فلما رجع، وبلغ الجعرانة قسم الغنائم بها، واعتمر منها إلى مكة، وذلك في
شوال، واعتمر العمرة الرابعة في حجته، وذلك في ذي الحجة، سنة عشرة من
الهجرة. انتهى كلام ابن حبّان تَذَتُهُ(٣).
٣ - (ومنها): أن فيه ردَّ بعض العلماء على بعض، وحسن الأدب في
الردّ، وحسن التلطف في استكشاف الصواب، إذا ظَنّ السامع خطأ المحدث،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠٣٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ،
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ
جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةٍ عَائِشَةَ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ الضُّحَى فِي الْمَسْجِدِ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ
صَلَائِهِمْ؟ فَقَالَ: بِدْعَةٌ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَم اعْتَمَرَ
(١) ((الفتح)) ١٣/٥.
(٢) هذا فيه نظر؛ لأنها كانت في ذي القعدة، لا في رمضان، كما سبق في حديث
أنس رڅته، فتنبه.
(٣) ((صحيح ابن حبان)) ٢٦١/٩.

(٣٢) - بَابُ بَيَانِ عَدَدِ عُمَرِ النَّبِيِّ وَِّ، وَزَمَانِهِنَّ - حديث رقم (٣٠٣٨)
٣٩٩
رَسُولُ اللهِ وَِّ؟ فَقَالَ: أَرْبَعَ عُمَرٍ، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نُكَذِّبَهُ، وَنَرُدَ
عَلَيْهِ، وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: أَلَا تَسْمَعِينَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ
إِلَى مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَتْ: وَمَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ ◌َلـ
أَرْبَعَ عُمَرٍ، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ
رَسُولُ اللهِنَّهِ، إِلَّ وَهُوَ مَعَهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِیمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابین.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦]
(ت١٣٢) (ع) تقدّم في ((شرح المقدّمة)) ج١ ص٢٩٦.
٤ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (الْمَسْجِدَ) يعني مسجد المدينة النبويّة.
وقوله: (فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ... إلخ) ((إذا)) هنا هي الفجائيّة؛ أي ففاجأنا
جلوس ابن عمر ظها، وفي رواية لأحمد: ((فإذا ابن عمر مستند إلى حجرة
عائشة ثنا)).
وقوله: (فَقَالَ: بِدْعَةٌ) قال النوويّ كَُّ: هذا قد حمله القاضي وغيره
على أن مراده أن إظهارها في المسجد، والاجتماع لها هو البدعة، لا أن أصل
صلاة الضحى بدعة. انتهى(١).
وقال في ((الفتح)) ما ملخّصه: وقد جاء عن ابن عمر ط﴿ها أيضاً الجزم
بكونها محدثة، فروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح، عن مجاهد، عن ابن
عمر أنه قال: إنها محدثة، وإنها لمن أحسن ما أحدثوا.
ورَوَى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن الحكم بن الأعرج، عن الأعرج،
قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى؟ فقال: بدعةٌ، ونعمت البدعة.
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٣٧/٨.

٤٠٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم، عن أبيه قال: لقد قُتِل
عثمان، وما أحد يسبّحها، وما أحدث الناس شيئاً أحبّ إليّ منها.
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن الشعبيّ، عن ابن عمر قال: ما
صليت الضحى منذ أسلمت، إلا أن أطوف بالبيت، أي: فأصلي في ذلك
الوقت، لا على نية صلاة الضحى، بل على نية الطواف، ويَحْتَمِل أنه كان
ينويهما معاً.
وقد جاء عن ابن عمر أنه كان يَفْعَل ذلك في وقت خاصّ، فجاء من
طريق نافع، أن ابن عمر كان لا يصلي الضحى إلا يوم يَقْدَم مكة، فإنه كان
يَقْدَمها ضحى، فيطوف بالبيت، ثم يصلي ركعتين، ويوم يأتي مسجد قباء.
ورَوَى ابن خزيمة من وجه آخر، عن نافع، عن ابن عمر: كان النبيّ
لا يصلي الضحى، إلا أن يَقْدَم من غيبة.
وقال سعيد بن منصور: حدّثنا ابن عيينة، عن عبد الله بن دينار: أن ابن
عمر كان لا يصلي الضحى، إلا أن يأتي قباء.
وهذا يَحْتَمل أيضاً أن يريد به صلاة تحية المسجد في وقت الضحى، لا
صلاة الضحى، ويَحْتَمل أن يكون ينويهما معاً، كما قلناه في الطواف.
وفي الجملة ليس في أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة
الضحى؛ لأن نفيه محمول على عدم رؤيته، لا على عدم الوقوع في نفس
الأمر، أو الذي نفاه صفة مخصوصةٌ، قال عياض وغيره: إنما أنكر ابن عمر
ملازمتها، وإظهارها في المساجد، وصلاتها جماعة؛ لأنها مخالفة للسنة،
ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود ظنه أنه رأى قوماً يصلونها،
فأنكر عليهم، وقال: إن كان ولا بُدّ ففي بيوتكم. انتهى ما في (الفتح)) (١)،
وهو بحث مفيدٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَقَالَ: أَرْبَعَ عُمَرٍ) بنصب ((أربع)) بتقدير: ((اعتَمَر))، ويجوز رفعه
على تقدير: هي أربع عمر.
ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ: ((قال: أربع))، قال في ((الفتح)): كذا
(١) ((الفتح)) ٥٢/٣، ٥٣.