النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
(٢٩) - بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْىِ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ - حديث رقم (٣٠١٧)
قال: وأما محل الإشعار، فمذهبنا، ومذهب جماهير العلماء، من السلف
والخلف أنه يستحب الإشعار في صفحة السنام اليمنى، وقال مالك: في
الیسری، وهذا الحدیث یردّ علیه. انتهى.
٢ - (ومنها): استحباب سوق الهدي من الميقات.
٣ - (ومنها): استحباب تقليد الهدي، وهو أن يُجعل في عنقه ما يُستدلّ
به على أنه هديٌ، وهو متفق عليه في الإبل، والبقر، واختلفوا في تقليد الغنم،
قال النوويّ كَّلُهُ: وأما تقليد الغنم، فهو مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، من
السلف والخلف، إلا مالكاً، فانه لا يقول بتقليدها، قال القاضي عياض: ولعله
لم يبلغه الحديث الثابت في ذلك، قال النوويّ: قد جاءت أحاديث كثيرة
صحيحة بالتقليد، فهي حجة صريحة في الردّ على من خالفها، واتفقوا على أن
الغنم لا تُشْعَر؛ لضعفها عن الجرح، ولأنه يستتر بالصوف، وأما البقرة
فيستحب عند الشافعيّ وموافقيه الجمع فيها بين الإشعار والتقليد، كالإبل.
انتھی .
٤ - (ومنها): استحباب كون ما يُقلّد به نعلين، قال النوويّ كَّتُهُ: في
الحديث استحباب تقليد الإبل بنعلين، وهو مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، فإن
قلَّدها بغير ذلك، من جلود، أو خيوط مفتولة، ونحوها فلا بأس. انتهى، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم إشعار الهدي:
(اعلم): أن حديث الباب يدلّ على أن الإشعار سنة، وبه قال الجمهور،
ومنهم الأئمة الثلاثة. وذهب أبو حنيفة إلى أن الإشعار بدعة مكروه؛ لأنه مثلة،
وتعذيب للحيوان، وهو حرام، وإنما فعله النبيّ ◌َّ ر لأن المشركين لا يمتنعون
عن التعرّض للهدي إلا بالإشعار.
ورُدّ عليه بأن قوله هذا مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار،
وليس هو مُثلة، بل هو كالفصد، والحجامة، والختان، والكيّ؛ للمصلحة،
وأيضاً إن تعرض المشركين في ذلك الوقت بعيد؛ لقوة الإسلام.
وقد قيل: إن كراهة أبي حنيفة له إنما كان من أهل زمانه، فإنهم كانوا

٣٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
يبالغون فيه بحيث يُخاف سراية الجراحة، وفساد العضو، كذا في
((اللمعات))(١).
قال في ((الفتح)): وبمشروعية الإشعار قال الجمهور، من السلف
والخلف، وذكر الطحاويّ في ((اختلاف العلماء)) كراهته عن أبي حنيفة، وذهب
غيره إلى استحبابه؛ للاتباع حتى صاحباه أبو يوسف، ومحمد، فقالا: هو
حسن، قال: وقال مالك: يختصّ الإشعار بما لها سنام، قال الطحاويّ: ثبت
عن عائشة، وابن عباس التخيير في الإشعار وتركه، فدلّ على أنه ليس بنسك،
لكنه غير مكروه؛ لثبوت فعله عن النبيّ وَلـ .
قال الحافظ: وأبعدَ مَن مَنَع الإشعار، واعتلّ باحتمال أنه كان مشروعاً
قبل النهي عن المثلة، فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار في
حجة الوداع، وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان.
وقال الخطابيّ وغيره: اعتلال من كره الإشعار بأنه من المثلة مردود، بل
هو باب آخر كالكيّ، وشقّ أذن الحيوان؛ ليصير علامة، وغير ذلك من الوسم،
وكالختان، والحجامة، وشفقةُ الإنسان على المال عادةٌ، فلا يخشى ما توهّموه
من سريان الجرح حتى يفضي إلى الهلاك، ولو كان ذلك هو الملحوظ لقيّده
الذي كرهه به، كأن يقول: الإشعار الذي يفضي بالجرح إلى السراية حتى تهلك
البدنة مكروه، فكان قريباً .
وقد كثر تشنيع المتقدّمين على أبي حنيفة في إطلاقه كراهة الإشعار،
وانتصر له الطحاويّ في ((المعاني))، فقال: لم يكره أبو حنيفة أصل الإشعار،
وإنما كره ما يُفعل على وجه يخاف منه هلاك البُدْن، كسراية الجرح، ولا سيما
مع الطعن بالشفرة، فأراد سدّ الباب عن العامة؛ لأنهم لا يُراعون الحدّ في
ذلك، وأما من كان عارفاً بالسنة في ذلك فلا.
وفي هذا تعقّب على الخطابيّ حيث قال: لا أعلم أحداً كره الإشعار إلا
أبا حنيفة، وخالفاه صاحباه، فقالا بقول الجماعة. انتهى.
وروي عن إبراهيم النخعيّ أيضاً أنه كره الإشعار، ذكر ذلك الترمذيّ،
(١) راجع: ((المرعاة)) ١٩٢/٩.

٣٤٣
(٢٩) - بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْىِ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ - حديث رقم (٣٠١٧)
قال: سمعت أبا السائب يقول: كنا عند وكيع، فقال له رجل: روي عن
إبراهيم النخعيّ أنه قال: الإشعار مُثلة، فقال وكيع: أقول لك: أشعر
رسول الله وَر، وتقول قال إبراهيم؟ ما أحقّك بأن تحبس. انتهى.
وفيه تعقّب على ابن حزم في زعمه أنه ليس لأبي حنيفة في ذلك سلف،
وقد بالغ ابن حزم في هذا الموضع، ويتعيّن الرجوع إلى ما قال الطحاويّ، فإنه
أعلم من غيره بأقوال أصحابه. انتهى كلام الحافظ تَظُّهُ(١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الأدلّة أن مشروعية
الإشعار هو الحقّ، ومن قال بأنه بدعة، فيُعتذر عنه بأنه لم تبلغه السنة، أو
بلغته عن طريق غير مرضيّ عنده، أو تأوّله بتأويل أخطأ فيه.
والحاصل أن الإشعار سنة ثابتة عن رسول الله وَله، وعن أصحابه
الكرام ﴿ه، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: قال الحافظ تَّتُهُ: اتفق من قال بالإشعار بإلحاق البقر في ذلك
بالإبل، إلا سعيد بن جبير، واتفقوا على أن الغنم لا تُشعر؛ لضعفها، ولكون
صوفها، أو شعرها يستر موضع الإشعار، وأما على ما نُقل عن مالك، فلكونها
ليست من ذات أسنمة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في محل الإشعار:
قال النوويّ دَخَّلهُ: مذهبنا، ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف
أنه يستحبّ الإشعار في صفحة السنام اليمنى، وقال مالك في اليسرى، وهذا
الحديث يردّ عليه. انتهى.
وقال ابن قدامة تَخَّتُهُ: السنّة الإشعار في صفحاتها اليمنى، وبهذا قال
الشافعيّ، وأبو ثور، وقال مالك، وأبو يوسف: بل تُشعر في صفحاتها
اليسرى، وعن أحمد مثله؛ لأن ابن عمر فعله. ولنا ما روى ابن عباس أن
النبيّ ◌َ﴿ صلى بذي الحليفة، ثم دعا ببدنة، وأشعرها من صفحة سنامها
الأيمن ... الحديث، رواه مسلم.
(١) ((الفتح)) ٤ /٦٤٩، ٦٥٠.

٣٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وأما ابن عمر فقد روي عنه كمذهبنا رواه البخاريّ، معلّقاً، ثم فعلُ
النبي ﴿ أولى من قول ابن عمر، وفعله بلا خلاف؛ ولأن النبيّ وَّ: ((كان
یعجبه التیمن في شأنه کله)). انتهى.
وقال البخاريّ تَُّ في ((صحيحه)): ((باب من أشعر، وقّد بذي الحليفة،
ثم أحرم): وقال نافع كان ابن عمر ﴿ّ إذا أهدى من المدينة قلّده، وأشعره
بذي الحليفة، يطعن في شقّ سنامه الأيمن بالشفرة، ووَجْهُهَا قِبَل القبلة، باركةً.
قال الحافظ: وصله مالك في ((الموطإ))، قال: عن نافع، عن عبد الله بن
عمر أنه كان إذا أهدى هدياً من المدينة - على ساكنها الصلاة، والسلام -
قلّده، وأشعره بذي الحليفة، يقلّده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد، وهو
موجّه للقبلة، يقلّده بنعلين، ويشعره من الشقّ الأيسر، ثم يُساق معه حتى يوقف
به مع الناس بعرفة، ثم يُدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم منى غداة النحر
نحره. وعن نافع، عن ابن عمر، كان إذا طعن في سنام هديه، وهو يشعره،
قال: ((بسم الله، والله أكبر)). وأخرج البيهقيّ في ((سننه)) (٢٣٢/٥) من طريق
ابن وهب، عن مالك، وعبد الله بن عمر، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان
يشعر بدنه من الشقّ الأيسر، إلا أن تكون صعاباً، فإذا لم يستطع أن يُدخل
بينها أشعر من الشقّ الأيمن، وإذا أراد أن يشعرها وجّهها إلى القبلة.
وتبيّن بهذا أن ابن عمر كان يطعن في الأيمن تارة، وفي الأيسر أخرى
بحسب ما يتهيّأ له ذلك. انتهى كلام الحافظ تَُّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من التحقيقات أن
الأرجح أن السنة الإشعار في الصفحة اليمنى؛ لحديث ابن عباس ◌ًا، ولا
حجة في فعل ابن عمر ها مع صحة المرفوع، فتبصّر بالإنصاف، والله
تعالى الهادي إلى سواء السبيل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب.
(المسألة السادسة): في ذكر بحث جامع لمسائل الهدي:
(اعلم): أنه قد عقد العلامة ابن رشد كَّثُ في كتابه (بداية المجتهد،
ونهاية المقتصد)) باباً جامعاً لأقوال العلماء فيما يتعلّق بالهدي، أحببت إيراده
هنا؛ لكونه يجمع شتات الأقوال.

٣٤٥
(٢٩) - بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْىِ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ - حديث رقم (٣٠١٧)
قال رَخْتُ: إن النظر في الهدي يشتمل على معرفة وجوبه، وعلى معرفة
جنسه، وعلى معرفة سِنِّهِ، وكيفية سَوْقه، ومن أين يساق؟، وإلى أين يُنتَهَى
بسوقه؟ وهو موضع نحره، وحكم لحمه بعد النحر.
فنقول: إنهم قد أجمعوا على أن الهدي المسوق في هذه العبادة منه
واجب، ومنه تطوع، فالواجب منه ما هو واجب بالنذر، ومنه ما هو واجب في
بعض أنواع هذه العبادة، ومنه ما هو واجب؛ لأنه كفارة.
فأما ما هو واجب في بعض أنواع هذه العبادة، فهو هدي المتمتع
باتفاق، وهدي القارن باختلاف، وأما الذي هو كفارة فهدي القضاء على
مذهب من يشترط فيه الهدي، وهدي كفارة الصيد، وهدي إلقاء الأذى
والتفث، وما أشبه ذلك من الهدي الذي قاسه الفقهاء في الإخلال بُنُسكِ نُسُكٍ
منها على المنصوص عليه.
فأما جنس الهدي، فإن العلماء متفقون على أنه لا يكون الهدي إلا من
الأزواج الثمانية التي نص الله عليها، وأن الأفضل في الهدايا هي الإبل، ثم
البقر، ثم الغنم، ثم المعز، وإنما اختلفوا في الضحايا.
وأما الأسنان فإنهم أجمعوا أن الثنيّ فما فوقه يجزي منها، وأنه لا
يجزىء الجذع من المعز في الضحايا والهدايا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي
بردة: ((تجزي عنك، ولا تجزي عن أحد بعدك)) متّفق عليه، واختلفوا في
الجذع من الضأن، فأكثر أهل العلم يقولون بجوازه في الهدايا والضحايا، وكان
ابن عمر يقول: لا يجزي في الهدايا إلا الثنيّ من كل جنس، ولا خلاف في
أن الأغلى ثمناً من الهدايا أفضل، وكان الزبير يقول لبنيه: يا بَنِيَّ لا يُهدينّ
أحدكم لله من الهدي شيئاً يستحي أن يهديه لكريمه، فإن الله أكرم الكرماء،
وأحق من اختير له، وقال رسول الله وَس18 في الرقاب - وقد قيل له: أيها
أفضل؟ - فقال: ((أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها))، متّفقٌ عليه، وليس في عدد
الهدي حد معلوم، وكان هدي رسول الله وَله مائة، متّفقٌ عليه.
وأما كيفية سوق الهدي، فهو التقليد والإشعار بأنه هدي؛ لأن
رسول الله وَُّ خرج عام الحديبية، فلما كان بذي الحليفة قَلِّد الهدي، وأشعره

٣٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وأحرم(١)، وإذا كان الهدي من الإبل والبقر، فلا خلاف أنه يُقَلِّد نعلاً أو
نعلين، أو ما أشبه ذلك لمن لم يجد النعال.
واختلفوا في تقليد الغنم، فقال مالك وأبو حنيفة: لا تقلد الغنم، وقال
الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، وداود: تقلد؛ لحديث الأعمش، عن إبراهيم،
عن الأسود، عن عائشة، أن النبيّ وَّرِ أهدى إلى البيت مَرّةً غنماً، فقلّده.
واستحبوا توجيهه إلى القبلة في حين تقليده، واستحب مالك الإشعار من
الجانب الأيسر؛ لما رواه عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان إذا أهدى هدياً من
المدينة قلّده، وأشعره بذي الحليفة، قلّده قبل أن يشعره، وذلك في مكان
واحد، وهو موجه للقبلة، يقلّده بنعلين، ويشعره من الشق الأيسر، ثم يُساق
معه حتى يوقف به مع الناس بعرفة، ثم يُدفع به معهم إذا دفعوا، وإذا قَدِم منى
غداة النحر نحره قبل أن يَحلِق أو يقصر، وكان هو ينحر هديه بيده، يَصُفُّهُنّ
قياماً، ويوجههن للقبلة، ثم يأكل، ويطعم.
واستحب الشافعي، وأحمد، وأبو ثور الإشعار من الجانب الأيمن(٢)؛
لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله وَ ثير، صلى الظهر بذي
الحليفة، ثم دعا ببدنه، فأشعرها من صفحة سنامها الأيمن، ثم سَلَتَ الدم
عنها، وقلّدها بنعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت على البيداء أهلّ بالحج.
وأما من أين يساق الهدي؟ فإن مالكاً يرى أن من سنته أن يُساق من
الحلّ، ولذلك ذهب إلى أن من اشترى الهدي بمكة، ولم يُدخله من الحل أن
عليه أن يَقِفه بعرفة، وإن لم يفعل فعليه البدل، وأما إن كان أدخله من الحل،
فيستحب له أن يَقِفه بعرفة، وهو قول ابن عمر، وبه قال الليث. وقال
الشافعي، والثوري، وأبو ثور: وقوف الهدي بعرفة سنة، ولا حرج على من لم
يقفه كان داخلاً من الحل أو لم يكن، وقال أبو حنيفة: ليس توقيف الهدي
بعرفة من السنة.
(١) حديث صحيح.
(٢) تقدّم أن هذا هو المذهب الراجح؛ لموافقته فعل النبيّ وَّ، وأما فعل ابن عمر ـ
فموقوف لا يعارض المرفوع، فتنبّه.

٣٤٧
(٢٩) - بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْىِ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ - حديث رقم (٣٠١٧)
وحجة مالك في إدخال الهدي من الحل إلى الحرم، أن النبيّ وَل وكذلك
فعل، وقال: ((خذوا عني مناسككم)). وقال الشافعي: التعريف سنّة مثل
التقليد، وقال أبو حنيفة: ليس التعريف بسنة، وإنما فعل ذلك رسول الله وَل﴾؛
لأن مسكنه كان خارج الحرم، وروي عن عائشة التخيير في تعريف الهدي أو
لا تعریفه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح قول من قال باستحباب
التعريف؛ اتباعاً لفعل النبيّ وَ ه، وأما القول بالوجوب فيحتاج إلى دليل، وليس
حديث: ((خذوا عنّي مناسككم)) دليلاً على الوجوب؛ لأنهم متّفقون في أشياء
على أنها مستحبّة مع أن الحديث يشملها، والله تعالى أعلم.
وأما محله فهو البيت العتيق، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ
الْعَتِّيقِ﴾ [الحجّ: ٣٣]، وقال: ﴿هَدَيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وأجمع العلماء
على أن الكعبة لا يجوز لأحد فيها ذبح، وكذلك المسجد الحرام، وأن المعنى
في قوله: ﴿هَدِّيَّا بَلِغَ اٌلْكَعْبَةِ﴾ أنه إنما أراد به النحر بمكة؛ إحساناً منه
لمساكينهم وفقرائهم. وكان مالك يقول: إنما المعنى في قوله: ﴿هَدّيًا بَلِغَ
اُلْكَعْبَةِ﴾ مكة. وكان لا يجيز لمن نحر هديه في الحرم إلا أن ينحره بمكة.
وقال الشافعي، وأبو حنيفة: إن نحره في غير مكة من الحرم أجزأه، وقال
الطبري: يجوز نحر الهدي حيث شاء المهدي، إلا هدي القران، وجزاء
الصيد، فإنهما لا ينحران إلا بالحرم.
وبالجملة فالنحر بمنى إجماع من العلماء، وفي العمرة بمكة إلا ما
اختلفوا فيه من نحر المحصر. وعند مالك إن نحر للحج بمكة، والعمرة بمنى
أجزأه، وحجة مالك في أنه لا يجوز النحر بالحرم إلا بمكة قوله ويلقى: ((وكل
فجاج مكة وطرقها منحر))(١)، واستثنى مالك من ذلك هدي الفدية، فأجاز ذبحه
بغير مكة.
وأما متى ينحر؟، فإن مالكاً قال: إن ذبح هدي التمتع، أو التطوع قبل
يوم النحر لم يجزه، وجوّزه أبو حنيفة في التطوع، وقال الشافعي: يجوز في
(١) حديث صحيح.

٣٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
كليهما قبل يوم النحر، ولا خلاف عند الجمهور أن ما عُدل من الهدي بالصيام
أنه يجوز حيث شاء؛ لأنه لا منفعة في ذلك، لا لأهل الحرم ولا لأهل مكة،
وإنما اختلفوا في الصدقة المعدولة عن الهدي، فجمهور العلماء على أنها
لمساكين مكة والحرم؛ لأنها بدل من جزاء الصيد الذي هو لهم، وقال مالك:
الإطعام كالصيام يجوز بغير مكة.
وأما صفة النحر فالجمهور مجمعون على أن التسمية مستحبة فيها؛ لأنها
ذكاة، ومنهم من استحب مع التسمية التكبير.
ويستحب للمهدي أن يلي نحر هديه بيده، وإن استخلف جاز، وكذلك
فعل رسول الله وَ﴾ في هديه، ومن سنتها أن تُنحَر قياماً؛ لقوله ◌َالَ: ﴿فَذَّكُرُواْ
اسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَفَّ ﴾ [الحجّ: ٣٦].
وأما ما يجوز لصاحب الهدي من الانتفاع به وبلحمه، فإن في ذلك
مسائل مشهورة:
(أحدها): هل يجوز له ركوب الهدي الواجب أو التطوع؟ فذهب أهل
الظاهر إلى أن ركوبه جائز، من ضرورة ومن غير ضرورة، وبعضهم أوجب
ذلك، وكره جمهور فقهاء الأمصار ركوبها من غير ضرورة، والحجة للجمهور
ما أخرجه مسلم والنسائيّ عن جابر رَظُه، وقد سئل عن ركوب الهدي، فقال:
سمعت رسول الله وَ لا يقول: ((اركبها بالمعروف، إذا أُلجئت إليها حتى تجد
ظهراً))، ومن طريق المعنى أن الانتفاع بما قُصد به القربة إلى الله تعالى منعه
مفهوم من الشريعة، وحجة أهل الظاهر ما رواه مالك، عن أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله وليه، رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال:
((اركبها))، فقال: يا رسول الله إنها هدي، فقال: ((اركبها ويلك)) في الثانية، أو
الثالثة .
وأجمعوا على أن هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يأكل منه صاحبه كسائر
الناس، وأنه إذا عطب قبل أن يبلغ محله خَلَّى بينه وبين الناس، ولم يأكل منه،
وزاد داود: ولا يطعم منه شيئاً أهل رفقته؛ لما ثبت أن رسول الله وَ له، بعث
بالهدي مع ناجية الأسلمي، وقال له: ((إن عَطِب منها شيء، فانحره، ثم اصبُغْ

٣٤٩
(٢٩) - بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْىِ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ - حديث رقم (٣٠١٧)
نعليه في دمه، وخلّ بينه وبين الناس))(١)، ورُوي عن ابن عباس هذا الحديثُ،
فزاد فيه: ((ولا تأكل منه أنت، ولا أهل رفقتك))، وقال بهذه الزيادة داود، وأبو
ثور.
واختلفوا فيما يجب على من أكل منه، فقال مالك: إن أكل منه وجب
عليه بدله، وقال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وابن حبيب من
أصحاب مالك: عليه قيمة ما أكل، أو أمر بأكله، طعاماً يتصدق به، ورُوي
ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وجماعة من التابعين.
وما عطب في الحرم قبل أن يصل مكة، فهل بلغ محله أم لا؟ فيه
الخلاف مبني على الخلاف المتقدم، هل المحل هو مكة، أو الحرم؟.
وأما الهدي الواجب، إذا عطب قبل محله، فإن لصاحبه أن يأكل منه؛
لأن عليه بدله، ومنهم من أجاز له بيع لحمه، وأن يستعين به في البدل، وكَرِهِ
ذلك مالك. واختلفوا في الأكل من الهدي الواجب إذا بلغ محله، فقال
الشافعي: لا يُؤكل من الهدي الواجب كُلِّهِ، ولحمُهُ كُلُّهُ للمساكين، وكذلك جُلُّه
إن كان مُجَلَّلا، والنعل الذي قلّد به، وقال مالك: يؤكل من كل الهدي
الواجب إلا جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفدية الأذى، وقال أبو حنيفة: لا
يؤكل من الهدي الواجب إلا هدي المتعة، وهدي القران.
وعمدة الشافعي تشبيه جميع أصناف الهدي الواجب بالكفارة، وأما من
فرّق، فلأنه يظهر في الهدي معنيان: أحدهما: أنه عبادة مبتدأة، والثاني: أنه
كفارة، وأحد المعنيين في بعضها أظهر، فمن غَلَّب شبَهه بالعبادة على شبَهه
بالكفارة في نوع من أنواع الهدي، كهدي القران، وهدي التمتع، وبخاصة عند
من يقول: إن التمتع والقران أفضل، لم يشترط أن لا يأكل؛ لأن هذا الهدي
عنده هو فضيلة، لا كفارة تدفع العقوبة، ومن غَلَّب شبهه بالكفارة قال: لا
يأكله؛ لاتفاقهم على أنه لا يأكل صاحب الكفارة من الكفارة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الرأي الأول هو الأرجح؛
لظهور مُتمسّكه، والله تعالى أعلم.
(١) حديث صحيح رواه أبو داود، وغيره.

٣٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال: ولَمّا كان هدي جزاء الصيد، وفدية الأذى ظاهر من أمرهما أنهما
كفارة، لم يختلف هؤلاء الفقهاء في أنه لا يأكل منهما. انتهى المقصود من
كلام العلامة ابن رُشد رحمه الله تعالى، وهو بحث نفيس يجمع أقوال أهل
العلم في موضع واحد بحيث يمكن الإحالة عليه فيما بعدُ - إن شاء الله تعالى -
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠١٨] ( ... ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ شُعْبَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نَّه
لَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: صَلَّى بِهَا الظُّهْرَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَام) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما
وَهِمَ [٩] (ت٢٠٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ،
رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت١٥٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٥٦/١٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية هشام الدستوائيّ، عن قتادة هذه ساقها ابن حبّان ◌َّهُ في
((صحيحه)) (٣١٢/٩) فقال:
(٤٠٠٠) - أخبرنا زكريا بن يحيى الساجيّ بالبصرة، قال: حدّثنا محمد بن
المثنى، قال: حدّثنا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن قتادة، عن أبي
حسان الأعرج، عن ابن عباس، أن نبيّ الله﴿ ﴿ لَمّا أتى ذا الحليفة أشعر
الهدي في جانب السنام الأيمن، ثم أماط الدم، وقّده نعليه، ثم ركب راحلته،
فلما استوت به البيداء أحرم، وأهلّ بالحجّ. انتهى، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

٣٥١
(٢٩) - بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْىِ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ - حديث رقم (٣٠١٩)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠١٩] (١٢٤٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ
الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
حَسَّانَ الْأَعْرَجَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْهُجَيْم لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا هَذَا الْفُتْبَا الَّتِي
قَدْ تَشَغَفَتْ، أَوْ تَشَغَّبَتْ بِالنَّاسِ: أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، فَقَدْ حَلَّ، فَقَالَ: سُنَّةُ
نَبِّكُمْ وَِّ، وَإِنْ رَغَمْتُمْ).
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى ذكر حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا
وتالييه في أحاديث فسخ الحج إلى العمرة المتقدّمة، كما لا يخفى على من
تأمّله، ورجال إسناده سبعة، وهم المذكورون قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ قَتَادَةَ) بن دِعامة أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَسَّانَ الْأَعْرَجَ، قَالَ: قَالَ
رَجُلٌ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه(١). (مِنْ بَنِي الْهُجَيْم) بضمّ الهاء
مصغّراً، قال ابن الأثير تَّقُ: بنو الْهُجيم بن عمرو بن تميم بن مُّرّ بن أُدّ: بطنٌ
من تميم. انتهى(٢). (لِاِبْنِ عَبَّاسِ) ﴿مَا (مَا) استفهاميّة (هَذَا الْفُنْيَا) قال
النوويّ كَّلُهُ: هكذا هو في معظم النسخ: ((هذا الفتيا))، وفي بعضها: ((هذه))،
وهو الأجود، ووجه الأول أنه أراد بالفتيا الإفتاء، فوصفه مذكراً، ويقال: فُتْيَا
وفَتْوَى. انتهى. (الَّتِي قَدْ تَشَغَّفَتْ، أَوْ تَشَغَّبَتْ بِالنَّاسِ) وفي الرواية التالية: ((إن
هذا الأمر قد تفَشّع بالناس))، قال النوويّ تَّقُهُ: أما اللفظة الأولى، فبشين، ثم
غين معجمتين، ثم فاء، والثانية كذلك، لكن بدل الفاء باء موحدة، والثالثة
بتقديم الفاء، وبعدها شين، ثم عين، ومعنى هذه الثالثة: انتشرت، وفشت بين
الناس، وأما الأولى، فمعناها: عَلِقَت بالقلوب، وشُغِفوا بها، أي وسوستهم،
وفرّقتهم، كأنها دخلت شِغَاف قلوبهم.
(١) ((تنبيه المعلم)) ص٢٢١.
(٢) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢/ ٤٤٤، ٤٤٥.

٣٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وأما الثانية، فرُويت أيضاً بالعين المهملة، وممن ذكر الروايتين فيها
المعجمة والمهملة: أبو عبيد، والقاضي عياض، ومعنى المهملة: أنها فَرَّقَت
مذاهب الناس، وأوقعت الخلاف بينهم، ومعنى المعجمة: خَلَطَت عليهم
أمرهم. انتهى.
وقال في ((كشف المشكل)): قوله: ((تشغفت الناس)) هذه الكلمة تُروى
على ستة أوجه:
[أحدها]: ((تشغفت)) أي حَلّت شغاف قلوبهم، فشغلتها .
[والثاني]: تشعبت بالناس: أي تفرقت بهم.
[والثالث]: شعبت الناس.
[والرابع]: شعّبت بالتشديد والتخفيف، ومعناهما: فرقتهم.
[والخامس]: شغبت: أي أوجبت الشغب، والاختلاف بينهم، والشغب
ها هنا هَيَجَان الشرّ والمنازعة.
[والسادس]: أن هذا الأمر قد تفشغ الناس، والمعنى: تفشغ فيهم: أي
كَثُر، يقال: تفشغ في رأسه الشيب، أي كثر، وانتشر، قال الأصمعي: تفشغ
الشيء: فشا وكثُر. انتهى(١).
وقوله: (أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ) يَحْتَمِل فتح همزة ((أَنَّ) ويكون المصدر
المؤوّل خبراً لمحذوف، أي: هي حلُّ من طاف بالبيت، ويَحتَمِل أن تكون
بالكسر، وتكون الجملة بياناً للفتيا (فَقَدْ حَلَّ) أي من إحرامه (فَقَالَ) ابن
عبّاس ﴿هَا (سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ وََّ) برفع ((سنّةُ)) خبراً لمحذوف، أي هي سنته وَِّ (وَإِنْ
رَغَمْتُمْ) بفتح أوله، وثانيه، وبكسر ثانيه أيضاً: أي وإن ذَلَلتم، قال
الفيّوميّ نَّتُهُ: الرَّغَام بالفتح: التراب، ورَغَمَ أنفه رَغْماً، من باب قَتَلَ، وَرَغِمَ
من باب تَعِبَ لغةٌ، كنايةٌ عن الذّلّ، كأنه لَصِقَ بالرَّغَام. انتهى(٢).
وفي الرواية التالية: ((قيل لابن عبّاس: إن هذا الأمر قد تفشّغ بالناس،
من طاف بالبيت فقد حلّ، الطواف عمرة، فقال: سنة نبيّكم ◌َّ، وإن رغمتم)).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر من مجموع الروايات أن مراد ابن
(١) كشف المشكل)) ٢/ ٣٥٠، ٣٥١.
(٢) ((المصباح المنير» ٢٣١/٢.

٣٥٣
(٢٩) - بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْىِ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ - حديث رقم (٣٠١٩)
ـّ بهذا أن من طاف بالبيت، أي وسعى بعده وجب عليه أن يتحلّل،
عبّاس
فهو عبارة عن فسخ الحجّ إلى العمرة، لا أنه يريد أن مجرّد الطواف بالبيت
يتحلّل به، بدليل احتجاجه في رواية عطاء الآتية بأمر النبيّ ◌َلغير أصحابه أن
يتحلّلوا، ومعلوم أنه وَّ إنما أمرهم أن يتحلّلوا بالطواف والسعي، والحلق، أو
التقصير، وكان ذلك على رأس المروة، كما هو مصرّح به في حديث
جابر ه، فقد تقدّم بلفظ: ((حتى إذا كان آخر طوافه على المروة ... إلى أن
قال: فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلّ، وليجعلها عمرة))، فقد تبيّن أنه ما
أمرهم إلا بعد السعي، وأما الشرّاح فقد حملوا كلام ابن عباس هذا على أنه
يرى أن مجرد الطواف يكون عمرة كاملة.
ومما يؤيّد ما قلناه من أن ابن عبّاس يعني فسخ الحجّ ما تقدّم في الباب
الماضي عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((هذه عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن
عنده الهدي، فليحلّ الحلّ كله، فإن العمرة قد دخلت في الحجّ إلى يوم
القيامة)).
ثم إن حمل كلام ابن عبّاس على الفسخ هو الذي استظهره الأبيّ تَخُّْهُ
في ((شرحه))، وعبارته بعد ذكر تأويلات الشرّاح: ولولا تفسيرهم مذهبه بما
ذكروا لكان الأظهر، أو يتعيّن تفسيرها - يعني فتيا ابن عبّاس - بالفسخ؛ لأنه
يجيزه، ويشهد لتفسيرها به استبعاد السائل بقوله: ((الطواف عمرة))؛ لأن المعنى
أنه يجيز الفسخ في العمرة (١)، لا الطواف وحده عمرة، وإذا فسّرت فتياه بما
ذُكر لم يمكن استبعاده، ويشهد أيضاً لتفسيرها بالفسخ قول عطاء: ((وكان يأخذ
ذلك من أمر النبيّ وَلّ حين أمرهم أن يحلّوا في حجة الوداع))؛ لأن الذي
أمرهم به فيها إنما هو الفسخ، وإذا فُسّرت بالفسخ لم يُشكل قوله: ((سنة
نبيّكم ﴿))؛ لأنه وَّر أمر به في حجة الوداع، وما أمر به سنة، وأما إذا فسّرت
بما ذكروا، فإنه يُشكل قوله: ((سنة نبيكم وَّة))، فإنه يَّ لم يفعله، ولم يأمر به.
انتهى كلام الأبيّ كَُّ، فراجعه(٢) .
(١) وقع في النسخة: ((في العمرة)) والظاهر أنه بـ((إلى العمرة))، فتأمل.
(٢) راجع: ((شرح الأبيّ تَذُّ)) ٣٧٥/٣.

٣٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
قال الجامع: هذا الذي قاله الأبيّ كَُّ تحقيق نفيسٌ جدّاً، وحاصله أن
الأولى حمل فتيا ابن عبّاس ◌ًَّا هذه على أنها فتيا بفسخ الحجّ إلى العمرة لمن
لم يُهد، وهذا الذي قلناه هو الذي مشى عليه ابن القيّم: في ((زاد المعاد))(١)
فقد أورد هذا الحديث في جملة الأحاديث التي ساقها لإثبات الفسخ، وتأبيده،
حيث عدّ ابن عبّاس ﴿مّ ممن يرى الفسخ دائماً، بل يوجبه، كما أسلفنا تحقيقه
في محلّه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ: هذا الذي ذكره ابن عباس هو مذهبه، وهو خلاف مذهب
الجمهور من السلف والخلف، فإن الذي عليه العلماء كافّةً، سوى ابن عباس
أن الحاجّ لا يتحلل بمجرد طواف القدوم، بل لا يتحلل حتى يقف بعرفات،
ويرمي، ويحلق، ويطوف طواف الزيارة، فحينئذ يحصل التحللان، ويحصل
الأول باثنين من هذه الثلاثة التي هي: رمي جمرة العقبة، والحلق، والطواف.
وأما احتجاج ابن عباس بالآية، فلا دلالة له فيها؛ لأن قوله تعالى:
﴿َحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِّيقِ﴾ معناه: لا تُنحَر إلا في الحرم، وليس فيه تعرّض
للتحلّل من الإحرام، لأنه لو كان المراد به التحلّل من الإحرام لكان ينبغي أن
يتحلل بمجرد وصول الهدي إلى الحرم، قبل أن يطوف.
وأما احتجاجه بأن النبيّ وَّر أمرهم في حجة الوداع بأن يحلوا، فلا دلالة
فيه؛ لأن النبيّ وَ﴿ أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة في تلك السنة، فلا يكون
دليلاً في تحلل من هو ملتبس بإحرام الحجّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله تلك السنّة ليس عليه دليل، بل هو مخالف
لقوله وقال: ((بل لأبد الأبد))، فمن أين له تخصيصه بتلك السنة؟، وهذا هو
الذي أراده ابن عبّاس ◌ِّ في هذا الحديث، فإنه يرى أن كلّ من جاء حاجّاً،
وليس معه هدي، فعليه أن يتحلّل بأداء العمرة، كما أمر ◌َل ◌ّ أصحابه بذلك،
وفعلوه، فتبصّر بالإنصاف.
وقال القاضي عياض: قال المازريّ: وتأوّل بعض شيوخنا قول ابن
عباس في هذه المسألة على من فاته الحج، أنه يتحلل بالطواف والسعي، قال:
(١) راجع: ((زاد المعاد)) ١٨٥/٢ - ١٨٧.

٣٥٥
(٢٩) - بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْىِ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ - حديث رقم (٣٠٢٠)
وهذا تأويل بعيد؛ لأنه قال بعده وكان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاجّ
ولا غيره إلا حلّ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب،
وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
ـيّ هذا من أفراد المصنّف تَُّهُ .
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠١٩/٢٩ و٣٠٢٠] (١٢٤٤)، و(النسائيّ) في
(«الكبرى» (٣٩٧/٢)، و(الطيالسيّ) في («مسنده)) (٣٥١/١)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٢٧٨/١ و٢٨٠ و٣٤٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٠٣/٢)، و(أبو
نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٤٤/٣ - ٣٤٥)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢١٣/١٢)،
و(ابن الجعد) في ((مسنده)) (١٥٤/١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه
المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظْتُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠٢٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ
إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ بَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ، قَالَ: قِيلَ لِاِبْنِ
عَبَّاسِ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ تَفَشَّغَ بِالنَّاسِ: مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ، فَقَدْ حَلَّ، الطَّوَانُ
عُمْرَةٌ، فَقَالَ: سُنَّةُ نَبِّكُمْ، وَإِنْ رَغَمْتُمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السَّرَخسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١]
(ت٢٥٣) (خ م د ت ق) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٩٣.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرميّ،
أبو إسحاق البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت٢١١) (م « ت س) تقدم في ((صلاة
المسافرين وقصرها)) ١٦٠٩/٤.
٣ - (هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى) الْعَوذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ
[٧] (ت٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٧٠.
والباقون ذُكروا قبله.

٣٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقوله: (إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ تَفَشَّغَ بِالنَّاسِ) بتقديم الفاء على الشين: أي كثر
وانتشر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠٢١] (١٢٤٥) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ،
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي عَطَاءُ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسِ يَقُولُ: لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ
حَاجٌ، وَلَا غَيْرُ خَّاَجِّ إِلَّ حَلَّ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللهِ
تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَمِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ،
فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ، وَقَبْلَهُ، وَكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرٍ
النَّبِّ وَّهِ حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) البُرْسانيّ، تقدّم أيضاً قبل باب.
٣ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضاً قبل
باب.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم قريباً.
و(ابن عبّاس پھا) ذُكر قبله.
شرح الحديث:
به (يَقُولُ: لَا يَطُوفُ
عن عَطَاء بن أبي رباح أنه (قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ)
بِالْبَيْتِ حَاجٌ) أي مهلّ بالحاجّ (وَلَا غَيْرُ حَاجٌّ) وهو المعتمر (إِلَّا حَلَّ) أي بعد
أن يسعى؛ لأن مراد ابن عبّاس ﴿مّ فسخ الحجّ بعمل العمرة، كما أسلفنا
تحقيقه في الحديث الماضي، قال ابن جريج: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ) أي ابن أبي رباح
(مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟) أي ما هي حجة ابن عبّاس في ذلك؟ (قَالَ) عطاء (مِنْ
قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مِلُّهَا﴾) أي محل الهدي، وانتهاؤه إلى (﴿اَلْبَيْتِ
الْعَتِيقِ﴾) وهو الكعبة كما قال تعالى: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾. (قَالَ) ابن جريج
(قُلْتُ: فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ) بفتح الراء: أي بعد التعريف، أي الوقوف

٣٥٧
(٣٠) - بَابُ جَوَازِ التَّقْصِيرِ لِلْمُعْتمِرِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ - حديث رقم (٣٠٢٢)
بعرفة، يقال: عَرَّف الناس: إذا شهدوا عرفة، قاله في ((العمدة))(١).
وقال ابن الأثير: يريد بالْمُعَرَّف بعد الوقوف بعرفة، وهو التعريف أيضاً،
والْمُعَرَّف في الأصل: موضع التعريف، ويكون بمعنى المفعول. انتهى(٢).
(فَقَالَ) عطاء (كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ الْمُعَرَّفِ، وَقَبْلَهُ) يعني أنه
يرى أن من طاف بالبيت يحلّ سواء كان بعد الوقوف بعرفة، أو قبله (وَكَانَ
يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ ◌َِّ حِينَ أَمَرَهُمْ) أي أمر أصحابه (أَنْ يَحِلُّوا) بفتح
أوله، وضمّه، كما سبق غير مرّة. (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) أي أمرهم بفسخ الحجّ
إلى العمرة عام حجة الوداع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ◌َّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠٢١/٢٩] (١٢٤٥)، و(البخاريّ) في
((المغازي)) (٤٣٩٦)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٠٣/٢)، و(أبو نعيم) في
(مستخرجه)) (٣٤٥/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٨/٥)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَيْهِ تَوَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٣٠) - (بَابُ جَوَازِ التَّقْصِيرِ لِلْمُعْتمِرِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخّْثُ المذكور أولَ الكتاب
قال:
[٣٠٢٢] (١٢٤٦) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ
(١) ((عمدة القاري)) ٣٧/١٨.
(٢) ((النهاية في غريب الأثر)) ٢١٨/٣.

٣٥٨
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لِي مُعَاوِيَةُ: أَعَلِمْتَ أَنّي
قَصَّرْتُ مِنْ رَأْسٍ رَسُولِ اللهِ نَّهِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ؟ فَقُلْتُ لَهُ: لَا أَعْلَمُ هَذَا (١)
إِلَّا حُجَّةً عَلَيْكَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قريباً.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (هِشَامُ بْنُ حُجَيْرٍ) مصغّراً المكيّ، صدوقٌ له أوهام [٧]، تقدم في
((المقدمة)) ١٩/٤.
[تنبيه]: إنما أخرج المصنّف تَخْلَثُ لهشام بن حجير ما توبع عليه، فحديث
الباب تابعه فيه الحسن بن مسلم في السند التالي، وحديث قصّة سليمان؛ تابعه
فيه أبو الزناد، عن الأعرج، كما سيأتي برقم (١٦٥٤)(٢)، فتنبّه.
٤ - (طَاؤُسُ) بن كيسان، تقدّم قبل باب.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) ◌َّ تقدّم في السند الماضي.
٦ - (مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أُميّة الأمويّ، أبو
عبد الرحمن الخليفة الصحابيّ، أسلم رَظُه قبل الفتح، وكتب الوحي،
ومات في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في ((الصلاة))
٨٥٨/٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وابن حُجير.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ عن صحابيّ.
(١) وفي نسخة: ((هذه).
(٢) رقم الأستاذ محمد فؤاد كَُّهُ.

٣٥٩
(٣٠) - بَابُ جَوَازِ التَّقْصِيرِ لِلْمُعْتمِرِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ - حديث رقم (٣٠٢٢)
شرح الحديث:
(عَنْ طَاؤُسِ) أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ﴿ّا (قَالَ لِي مُعَاوِيَةٌ) بن أبي
(أَعَلِمْتَ) الهمزة للاستفهام (أَنِّي قَصَّرْتُ) بتشديد الصاد المهملة،
سفيان
من التقصير، وفي لغة يجوز تخفيفها، قال الفيّوميّ تَخْتُهُ: وقَصُرَ الشيءُ بالضمّ
قِصَراً، وزانُ عِنَبٍ: خلاف طال، فهو قصير، والجمع قِصَارٌ، ويتعدَّى
بالتضعيف، فيقال: قَصَّرتُهُ، وعليه قوله تعالى: ﴿مُحِلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، وفي
لغة: قَصَرته، من باب قَتَلَ، وأقصرته: إذا أخذت من طوله. انتهى (١). (مِنْ
رَأْسِ رَسُولِ اللهِّهِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ) أي عند المكان المعروف بهذا الاسم، وهو
في الأصل واحدة المرو، وهي الحجارة الْبِيض، ثم سُمّي به الجبل المعروف
بمكة.
(بِمِشْقَصٍ) - بكسر الميم، وإسكان الشين المعجمة، وفتح القاف - قال
أبو عبيد وغيره: هو نَصْلُ السهم إذا كان طويلاً، ليس بعريض، جمعه
مَشاقص، فإذا كان عريضاً فهو مَعْبَلة، وجمعه معابل، وقال أبو حنيفة
الدِّينَوَرِيّ: هو كل نَصْل فيه عَيْرٌ (٢)، وهو الناتئ وسط الحربة، وقال الخليل:
هو سهم فيه نصل عريضٌ، يُرْمَی به الوحش. انتهى.
قال الحافظ تَّتُهُ: وهذا يُشعر بأن ذلك كان في نسك، إما حج، أو
عمرة، وقد ثبت أنه حلق في حجته، فتعيّن أن يكون في عمرة، ولا سيما وقد
روى مسلم في هذا الحديث أن ذلك كان بالمروة، ولفظه: ((قصّرت عن
رسول الله ◌َ﴿ بمشقص على المروة))، أو ((رأيته يُقَصَّر عنه بمشقص، وهو على
المروة)).
وهذا يَحْتَمل أن يكون في عمرة القضيّة، أو الجعرانة، لكن وقع عند
مسلم من طريق أخرى عن طاوس بلفظ: ((أما علمت أني قصّرت عن
رسول الله وَل﴿ بمشقص، وهو على المروة، فقلت له: لا أعلم هذه إلا حجة
(١) ((المصباح المنير)) ٥٠٥/٢.
(٢) بفتح، فسكون.

٣٦٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
عليك))، وبيّن المراد من ذلك في رواية النسائيّ، فقال بدل قوله: ((فقلت له:
لا .. إلخ)): يقول ابن عباس: ((وهذه على معاوية أن ينهى الناس عن المتعة،
وقد تمتّع رسول الله (وَ ل))، ولأحمد من وجه آخر عن طاوس عن ابن عباس،
قال: ((تمتع رسول الله وَل﴿ حتى مات)) الحديث، وقال: أول من نهى عنها
معاوية، قال ابن عباس: فعجبت منه، وقد حدثني أنه قصّر عن رسول الله وَله
بمشقص. انتهى.
وهذا يدلّ على أن ابن عبّاس حمل ذلك على وقوعه في حجة الوداع؛
لقوله لمعاوية: ((إن هذه حجة عليك))، إذ لو كان في العمرة لما كان فيه على
معاوية حجة.
وأصرح منه ما وقع عند أحمد من طريق قيس بن سعد، عن عطاء: ((أن
معاوية حدّث أنه أخذ من أطراف شعر رسول الله وَر في أيام العشر بمشقص
معي، وهو محرم))، وفي كونه في حجة الوداع نظر؛ لأن النبيّ وٍَّ لم يحلّ
حتى بلغ الهدي محله، فكيف يقصّر عنه على المروة.
وقد بالغ النوويّ هنا في الردّ على من زعم أن ذلك كان في حجة
الوداع، فقال: هذا الحديث محمول على أن معاوية قصّر عن النبيّ وَّ في
عمرة الجعرانة؛ لأن النبيّ وَّل في حجة الوداع كان قارناً، وثبت أنه حلق
بمنى، وفرّق أبو طلحة شعره بين الناس، فلا يصحّ حمل تقصير معاوية على
حجة الوداع، ولا يصحّ حمله أيضاً على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع؛
لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلماً، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو
الصحيح المشهور، ولا يصحّ قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أن
النبيّ وَّ كان متمتّعاً؛ لأن هذا غلط فاحش، فقد تظاهرت الأحاديث في
مسلم وغيره أن النبيّ وَ ل ◌ّ قيل له: ((ما شأن الناس حلّوا من العمرة، ولم
تحلّ أنت من عمرتك؟، فقال: إني لبّدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحلّ
حتى أنحر)).
قال الحافظ: ولم يذكر الشيخ هنا ما مرّ في عمرة القضيّة، والذي رجحه