النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
(٢٨) - بَابُ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجّ - حديث رقم (٣٠١٠).
لخروجهم إلى البلاد، يقال لها: الصفرية، يمتارون منها، وقيل: لأنهم كانوا
يخروجون إلى الغارة، فتبقى بيوتهم صفراً.
وفي ((العلم المشهور)) لأبي الخطاب: العرب تقول: صفر، وصفران،
وصفارين، وأصفار، قال: وقيل: إن العرب كانوا يزيدون في كل أربع سنين
شهراً يسمونه صفراً، فتكون السنة ثلاثة عشر شهراً، ولذلك قال وهلهو: ((السنة
اثنا عشر شهراً)). وكانوا يتطيّرون به، ويقولون: إن الأمور فيه منغلقة، والآفات
فيه واقعة. انتهى(١).
(وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ) بفتحتين، وآخره همزة، وتخفف بقلبها ألفاً (الدَّبَرْ)
بفتح المهملة، والموحّدة: أي زال الجرح الذي كان يحصل بظهور الإبل من
الحمل عليها، ومشقّة السفر، فإنه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحجّ (وَعَفَا
الأثرْ) بهمزة، ومثلثة مفتوحتين: أي اندرس، وانمحى أثر الإبل، وغيرها في
سيرها، فإنه ينمحي لطول مرور الزمان والأيام، هذا هو المشهور، وقال
الخطابيّ: المراد أثر الدبر المذكور.
وقال القرطبيّ: و((عفا)) من الأضداد، يقال: عفا الشيء: كثُر، وقلّ،
وظهر، وخفي مثله. انتهى(٢).
وفي رواية النسائيّ: ((وَعَفَا الْوَبَرْ))، أي كثر وَبَرُ الإبل الذي قلعته رحال
الحجّ، و((الوَبَر)) - بفتحتين -: للبعير كالصوف للغنم، وهو في الأصل: مصدرٌ،
من باب تعب، وبَعِيرٌ وَبِرٌ بالكسر كثير الوَبَر، وناقةٌ وَبِرَةٌ، والجمع أوبار، مثل
سبب وأسباب. قاله الفيّوميّ.
(وَانْسَلَخَ صَفَرْ) أي خرج شهر صفر الذي جعلوه بدل المحرّم (حَلَّتْ
الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ) أي صار الإحرام بالعمرة لمن أراد أن يحرم بها جائزاً.
[فائدة]: قال النوويّ كَّلُهُ: هذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر، ويوقف
عليها؛ لأن مرادهم السجع.
وقال الكرمانيّ: ما وجه تعلق انسلاخ صفر بالاعتمار في أشهر الحجّ
الذي هو المقصود من الحديث، والمحرم، وصفر ليسا من أشهر الحجّ؟.
(١) ((عمدة القاري)) ٣٥/٨، ٣٦.
(٢) ((المفهم)) ٣٦٣/٣.

٣٢٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
فأجاب بقوله: لما سمّوا المحرم صفراً، وكان من جملة تصرفاتهم جعل
السنة ثلاثة عشر شهراً، صار صفر على هذا التقدير آخر السنة، وآخر أشهر
الحجّ، إذ لا برء في أقلّ من هذه المدة غالباً، وأما ذكر انسلاخ صفر الذي من
الأشهر الحرم بزعمهم فلأجل أنه لو وقع قتال في الطريق، وفي مكة لقدروا
على المقاتلة، فكأنه قال: إذا انقضى شهر الحج، وأثره، والشهر الحرام جاز
الاعتمار، أو يراد بالصفر المحرم، ويكون ((إذا انسلخ صفر)) كالبيان، والبدل
لقوله: ((إذا برأ الدبر))، فإن الغالب أن البرء من أثر صفر الحج لا يحصل إلا
في هذه المدة، وهي ما بين أربعين يوماً إلى خمسين ونحوه. انتهى(١).
(فَقَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، وَأَصْحَابُهُ) أي دخلوا مكة (صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ) أي صباح
الليلة الرابعة من شهر ذي الحجة، وذلك يوم الأحد (مُهِلِّنَ بِالْحَجِّ) منصوب
على الحال، أي حال كونهم مهلّين بالحجّ وفي رواية: ((وهم يلبّون بالحجّ))،
وهي مفسّرة لقوله: ((مهلّين))، واحتجّ به من قال: كان حجّ النبيّ وَِّ مُفْرِداً،
وأجاب من قال: كان قارناً - وهو الصواب - بأنه لا يلزم من إهلاله بالحج أن
لا يكون أدخل عليه العمرة (فَأَمَرَهُمْ) أي النبيّ وََّ أصحابه ◌ِّهِ (أَنْ يَجْعَلُوهَا
عُمْرَةً) أي يقلبوا الحجة التي قدموا مهلين بها عمرة، فيتحللوا بأفعال العمرة
(فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ) وفي رواية: ((فكبر ذلك عندهم)): أي شقّ عليهم ما
أمرهم به؛ لما كانوا يعتقدونه أوّلاً (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْحِلِّ) كأنهم
كانوا يعرفون أن للحجّ تحلّلين، فأرادوا بيان ذلك، فبيّن لهم النبيّ وَِّ فـ (قَالَ:
((الْحِلُّ كُلُّهُ))) يعني أن المطلوب منهم أن يتحلّلوا كلّ الحلّ، حتى غشيان
النساء، وذلك تمام الحلّ؛ لأن العمرة ليس لها إلا تحلّل واحد.
ووقع في رواية الطحاويّ: ((أيَّ الحلّ نحلّ؟، قال: الحلّ كله))، والله
تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس .
(١) ((عمدة القاري)) ٣٦/٨.
هذا متّفق عليه .

٣٢٣
(٢٨) - بَابُ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - حديث رقم (٣٠١٠)
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠١٠/٢٨ و٣٠١١ و٣٠١٢ و٣٠١٣ و٣٠١٤]
(١٢٤٠)، و(البخاريّ) في ((الجمعة)) (١٠٨٥) و((الحج)) (١٥٦٤) و((المناقب))
(٣٨٣٢)، و(أبو داود) في ((المناسك)) (١٧٩٠ و١٧٩١ و١٧٩٢)، و(النسائيّ)
في ((المناسك)) (١٨٠/٥) وفي ((الكبرى)) (٣٧٩٥ و٣٧٩٦ و٣٧٩٧ و٣٨٥٣
و٣٨٥٤)، و(أحمد) في («مسنده)) (٢٥٢/١)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١٨٥٦)،
و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٢٧٦/٢ - ٢٧٧)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣/
٣٤٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٢٠/١١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤/
٣٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة العمرة في أشهر الحجّ.
٢ - (ومنها): بيان مشروعية فسخ الحج بأعمال العمرة.
٣ - (ومنها): استحباب دخول مكة نهاراً، وهو المرويّ عن ابن
عمر طها، وبه قال عطاء، والنخعيّ، وإسحاق، وابن المنذر، وهو أصحّ
الوجهين لأصحاب الشافعيّ، والوجه الثاني أن دخولها ليلاً أو نهاراً سواء، لا
فضيلة لأحدهما على الآخر، وهو قول طاوس، والثوريّ، وعن عائشة ◌ُّا،
وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز: دخولها ليلاً أفضل من النهار، وقال
مالك: يستحب دخولها نهاراً، فمن جاء ليلاً فلا بأس به، قال: وكان عمر بن
عبد العزيز يدخلها لطواف الزيارة ليلاً .
٤ - (ومنها): أنه احتجّ به من قال: إنه ولي حج مفرداً، والصحيح - كما
تقدم - أنه حج قارناً، وتأويل قول ابن عباس ﴿ه: ((مهلّين بالحجّ)) أي مع
العمرة، ولا بدّ من التأويل؛ لئلا يتعارض مع حديث عمر رظُه في قصّة مجيء
الملك إليه وَله، وأمره له بالإهلال بهما معاً، فقال له: ((قل: عمرة في حجة))،
رواه البخاريّ.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه أهل الجاهلية من اتباع الهوى، وتشريع ما
لم يأذن به الله رَّ، فيُحلّون ما حرّم الله، ويحرّمون ما أحلّ الله، فلذلك
عّفهم، وضللَّهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَِّيِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ يُضَلُّ بِ الَّذِينَ

٣٢٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
كَفَرُوا يُحِلُونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاِقُواْ عِدَةَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ فَيُحِلُواْ مَا حَزَّمَ اللَّهَ زُيُنَ
[التوبة: ٣٧]. والله تعالى
لَهُمْ سُوَّهُ أَعْمَلِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسِ ﴿يَا يَقُولُ: أَهَلَّ
رَسُولُ اللهِ لَّهِ بِالْحَجِّ، فَقَدِمَ لِأَرْبَعِ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، وَقَالَ
- لَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ -: ((مَنْ شَاءَ أَنَّ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، امتنع من القضاء
[١٠] (ت٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٢ - (أَبُوهُ) عليّ بن نصر الْجَهضميّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩]
(ت١٨٧) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٦/٦.
٣ - (أَيُّوبُ) السختيانيّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (أَبُو الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءُ) بتشديد الراء البصريّ، اسمه زياد، وقيل: كُلثوم،
وقيل: أُذينة، وقيل: ابن أُذينة، ثقة [٤] (ت ٩٠) (خ م س) تقدم في
((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٦٩/٤٢.
[تنبيه]: قوله: ((البرّاء) بتشديد الراء، كما أسلفته آنفاً، سُمي به لأنه كان
يبري النَّبْلَ، وهو غير أبي العالية الرِّياحيّ، وقد اشتركا في الرواية عن ابن
عبّاس ◌ًَّا. قاله في ((الفتح))(١) .
والباقيان ذكرا في الإسنادين الماضيين.
وقوله: (أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ وَهُ بِالْحَجِّ) تقدّم أن المراد بالحجّ معه العمرة؛
لأن الصحيح أنه وَ# كان قارناً من أول الأمر؛ لصريح حديث عمر
ـنه
المتقدّم، فتنبّه.
(١) ((الفتح)) ٤٦٢/٣، كتاب الجمعة، رقم (١٠٨٥).

٣٢٥
(٢٨) - بَابُ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - حديث رقم (٣٠١٢)
وقوله: (فَقَدِمَ لِأَرْبَعْ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) أي لأربع ليال مضين من شهر
ذي الحجة، وفي رواية البخاريّ: ((قدم النبيّ ◌َّهَ، وأصحابه لصبح رابعة يلبّون
بالحجّ))، أي في صبح ليلة رابعة لشهر ذي الحجة، وكان ذلك صباح يوم
الأحد.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج كَّلُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠١٢] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو
دَاوُدَ الْمُبَارَكِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ (ح) وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
كَثِيرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، أَمَّا رَوْحٌ، وَيَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، فَقَالًا كَمَا
قَالَ نَصْرٌ: أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِالْحَجِّ، وَأَمَّا أَبُو شِهَابٍ، فَفِي رِوَايَتِهِ: خَرَجْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ، نُهِلُّ بِالْحَجِّ، وَفِي حَدِيثِهِمْ جَمِيعاً: فَصَلَّى الصُّبْحَ بِالْبَطْحَاءِ، خَلَا
الْجَهْضَمِيَّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) التمّار، أبو إسحاق البغداديّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٣٢) (م) تقدم في ((الإيمان)) ٢٧٢/٤١.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ الْمُبَارَكِيُّ) سليمان بن داود، ويقال: ابن محمد بن
سليمان، أبو داود المباركيّ، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن أبي شهاب عبد ربه بن نافع، وأبي حفص الأبّار، وحماد بن
دُلَيل، وإسماعيل بن عياش، ومحمد بن حرب الصنعاني، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم حديثاً واحداً في الحجّ، وروى له النسائيّ بواسطة أبي
بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزيّ، وحدّث عنه أحمد بن حنبل، وابنه
عبد الله بن أحمد، ويحيى بن يعقوب المباركيّ، وخلف بن هشام البزار قرينه،
وغيرهم.
قال أبو زرعة، عن يحيى بن معين: لا بأس به، وقال أبو زرعة: هو ثقةٌ

٣٢٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
شيخٌ، كان يكون ببغداد، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، قال أبو القاسم
البغويّ: مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين، زاد غيره: في ذي القعدة.
قال الحافظ: وقع في كلام بعضهم: ثنا سليمان أبو داود المباركيّ،
فصحّفها آخر: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن محمد، فقد جزم بذلك
الحاكم أبو عبد الله، ورجحه أبو إسحاق الحبّال وغيره، وقال ابن قانع: أبو
داود المباركيّ صالح، وقال أبو عوانة في ((صحيحه)): ثنا محمد بن علي بن
داود، ثنا سليمان أبو داود المباركيّ، وكان من أصحاب الحديث.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: قوله: ((المبارَكيّ)) بفتح الراء: منسوب إلى المبارك، وهي بُليدة
بقرب واسط، بينها وبين بغداد، وهي على طرف دجلة، قاله النوويّ تَخْذَّتُهُ(١).
٣ - (أَبُو شِهَابٍ) عبد ربّه بن نافع الكنانيّ الحناط الكوفيّ، نزيل
المدائن، وهو أبو شهاب الأصغر، صدوقٌ يَهِمُ [٨].
روى عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، والأعمش، وعاصم بن بَهْدلة،
وعاصم الأحول، وعوف الأعرابيّ، وابن إسحاق، ويونس بن عبيد، وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن آدم، ومحمد بن الصلت الأسديّ، وسعيد بن
سليمان الوسطىّ، وأبو داود المباركيّ، وعاصم بن يوسف اليربوعيّ، وغيرهم.
قال عليّ، عن يحيى: لم يكن بالحافظ، قال: ولم يرض يحيى أمره،
وقال الميمونيّ، عن أحمد: كان كوفيّاً، ما علمت إلا خيراً، وقال عبد الله بن
أحمد، عن أبيه: ما بحديثه بأس، فقلت: إن يحيى بن سعيد قال: ليس
بالحافظ، فلم يرض بذلك، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال عثمان الدارميّ، عن
ابن معين: أبو شهاب أحب إلي من أبي بكر بن عياش في كل شيء، وقال
يعقوب بن شيبة: كان ثقةً، وكان كثير الحديث، وكان رجلاً صالحاً لم يكن
بالمتين، وقد تكلموا في حفظه، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال العجليّ:
لا بأس به، وقال مرةً: ثقة، وقال ابن خِرَاش: صدوقٌ، قال عبد الله بن
أحمد، عن أبي داود المباركيّ: مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة، شك
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٦/٨.

٣٢٧
(٢٨) - بَابُ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - حديث رقم (٣٠١٢)
عبد الله، وقال مسلم، عن أحمد بن حنبل: مات سنة (١٧١). رواه إسحاق
القَرَاب في ((تاريخه))، وقال الساجيّ: صدوق يهم في حديثه، وكذا قال
الأزديّ، وزاد: يخطىء، وقال ابن نمير: ثقة صدوقٌ، وقال البزار: ثقةٌ، وقال
الحاكم أبو أحمد: ليس بالحافظ عندهم، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وذكره في
الطبقة السابعة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس
له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ) بن درهم الْعَنْبريّ مولاهم، أبو غسّان البصريّ، ثقةٌ
[٩] (ت٢٠٦) (ع) تقدم في ((الزكاة)) ٢٣٣٢/١٦.
والباقون ذُكروا في هذا الباب والذي قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ) يعني الثلاثة، وهو: روح بن عبادة، وأبو
شهاب الحنّاط، ویحیی بن کثیر.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) ((في)) بمعنى الباء، أي بهذا الإسناد السابق.
[تنبيه]: رواية روح، عن شعبة هذه ساقها أبو عوانة تَّثُ في ((مسنده))
(٢٧٦/٢) فقال:
(٣١٢٥) - حدّثنا الصغانيّ، وأبو أمية، قالا: نا روح بن عبادة، نا
شعبة، عن أيوب، عن أبي العالية البرّاء، عن ابن عباس، أنه قال: أهلّ
رسول الله ◌َ﴿ بالحجّ، فقَدِم لأربع مَضَين من ذي الحجة، فصلى الصبح
بالبطحاء، ثم قال: ((من شاء أن يجعلها عمرة، فليجعلها)). انتهى.
وأما رواية أبي شهاب، عن شعبة، فساقها ابن حبّان تَخّْثُ في ((صحيحه))
(١٠٤/٩) فقال:
(٣٧٩٤) - أخبرنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الصوفيّ، حدّثنا
سليمان بن محمد أبو داود المباركيّ، حدّثنا أبو شهاب، عن شعبة، عن
أيوب، عن أبي العالية، عن ابن عباس، قال: خرجنا مع رسول الله وَّهُ نُهِلّ
بالحجّ، فقَدِمَ لأربع من ذي الحجة، فصلى رسول الله وَلّ الصبح بالبطحاء،
فلما صلى، قال: ((من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها)). انتهى.

٣٢٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وأما رواية يحيى بن كثير، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠١٣] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ
السَّدُوسِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، أَخْبَرَنَا أَيُوبُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، عَنْ ابْنِ
عَبَّاسٍ ﴿هَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، وَأَصْحَابُهُ لِأَرْبَعِ خَلَوْنَ مِنَ الْعَشْرِ، وَهُمْ يُلَبُّونَ
بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً).
رجال هذا الإسناد: ستة :
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) أبو موسى الحمّال البغداديّ، ثقةٌ [١٠]
(ت٢٤٣) (م ٤) تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ السَّدُوسِيُّ) المعروف بعارم، أبو النعمان البصريّ،
ثقةٌ ثبت، تغيّر في الآخر، من صغار [٩].
رَوَى عن جرير بن حازم، ومهديّ بن ميمون، ووهيب بن خالد،
والحمادين، وأبي هلال الراسبيّ، وعبد الوارث بن سعيد، ومعتمر بن سليمان،
وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ثم روى هو والباقون عنه بواسطة عبد الله بن محمد
المسنديّ، وأبي داود السنجيّ، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وحجاج بن الشاعر،
وهارون بن عبد الله الحمّال، وعبد بن حميد، وغيرهم.
قال الذهليّ: ثنا عارم، وكان بعيداً من العرامة، وقال ابن وَارة: ثنا
عارم بن الفضل الصدوق المأمون، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: إذا حدثك
فاختم عليه، وعارم لا يتأخر عن عفّان، وكان سليمان بن حرب يُقَدِّم عارماً
على نفسه، إذا خالفه عارم رجع إليه، وهو أثبت أصحاب حماد بن زيد بعد
ابن مهديّ، قال: وسئل أبي عن عارم، وأبي سلمة، فقال: عارم أحب إليّ،
قال: وسئل أبي عنه، فقال: ثقةٌ، قال: وسمعت أبي يقول: اختلط عارم في
آخر عمره، وزال عقله، فمن سمع منه قبل الاختلاط، فسماعه صحيح، وكتبت

٣٢٩
(٢٨) - بَابُ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - حديث رقم (٣٠١٣)
عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة، ولم أسمع منه بعدما اختلط، فمن سمع منه
قبل سنة عشرين فسماعه جيّد، وأبو زرعة لقيه سنة اثنتين وعشرين، وقال أبو
عليّ محمد بن أحمد بن خالد الزُّريعيّ: ثنا عارم قبل أن يختلط، وقال
البخاريّ: تغير في آخر عمره، قال: وجاءنا نعيه سنة أربع وعشرين، وقال
الآجريّ، عن أبي داود: كنت عند عارم فحدّث عن حماد، عن هشام، عن
أبيه أن ماعزاً الأسلميّ سأل عن الصوم في السفر، فقلت له: حمزة الأسلميّ،
يعني أن عارماً قال هذا، وقد زال عقله، وقال أبو داود: بلغنا أنه أنكر سنة
ثلاث عشرة، ثم راجعه عقله، ثم استَحْكُم به الاختلاط سنة ست عشرة، وقال
أبو داود، عن الْمُقَدَّميّ: مات في صفر سنة أربع، وفيها أرّخه غير واحد،
وقيل: مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
وقال أبو داود: سمعت عارماً يقول: سماني أبي عارماً، وسمّيت نفسي
محمداً، وقال سليمان بن حرب: إذا ذكرتَ أبا النعمان فاذكر ابن عون
وأيوب، وقال العقيليّ: قال لنا جدّي: ما رأيت بالبصرة أحسن صلاة منه،
وكان أخشع من رأيت، وقال النسائيّ: كان أحد الثقات قبل أن يختلط، قال:
وقال سليمان بن حرب: إذا وافقني أبو النعمان فلا أبالي من خالفني، وقال
الدارقطنيّ: تغير بآخره، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقة، وقال
ابن حبان: اختلط في آخره عمره وتغير، حتى كان لا يدري ما يُحَدّث به،
فوقع في حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه
المتأخرون، فإن لم يُعْلَم هذا ترك الكلّ، ولا يُحتج بشيء منها .
قال الحافظ: قرأت بخط الذهبيّ: لم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثاً
منكراً، والقول فيه ما قال الدارقطنيّ، وقال العقيليّ: سماع عليّ البغوي من
عارم سنة سبع عشرة، يعني بعد الاختلاط، وقال سعيد بن عثمان الأهوازيّ:
ثنا عارم ثقةٌ، إلا أنه اختلط، وقال الخطيب: سماع الْكُديميّ منه قبل
اختلاطه، وقال الذهليّ: ثنا محمد بن الفضل عارم، وكان بعيداً من العرامة،
صحيح الكتاب، وكان ثقةً، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ رجل صالحٌ، وليس
يُعْرَف إلا بعارم، وفي ((الزهرة)): روى عنه البخاريّ أكثر من مائة حديث.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب تسعة أحاديث فقط برقم (١٢٤٠)

٣٣٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
و(١٤٠٦) و(١٥٣٦) و(١٨٥٢) و(١٩٦١) و(٢٠٥٣) و(٢١٢٠) و(٢٤٨٢)
و(٢٨٧٧).
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (خَلَوْنَ مِنَ الْعَشْرِ) أي مضين من عشر ذي الحجة، وهو بمعنى
قوله الماضي: ((لأربع مضين من ذي الحجة)).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ◌َُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠١٤] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ .
قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ إِلَه
الصُّبْحَ بِذِي طَوِّى، وَقَدِمَ لِأَرْبَعْ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُحَوِّلُوا
إِحْرَامَهُمْ بِعُمْرَةٍ، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَّهُ الْهَدْيُّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم قريباً.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضاً قريباً.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِذِي طَوِّى) قال النوويّ كَُّ: هو بفتح الطاء، وضمها،
وكسرها، ثلاث لغات، حكاهنّ القاضي وغيره، والأصح الأشهر الفتح، ولم
يذكر الأصمعيّ، وآخرون غيره، وهو مقصورٌ منونٌ، وهو وادٍ معروف بقرب
مكة، قال القاضي: ووقع لبعض الرواة في البخاريّ، بالمد وكذا ذكره ثابت.
انتهى(١).
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٧/٨.

٣٣١
(٢٨) - بَابُ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - حديث رقم (٣٠١٥)
وهو غير الوادي المقدّس المذكور في القرآن، فإنه طوى بالضمّ، ولا
إضافة فيه، وهو موضع بالشام عند الطور.
وقال الفيّومِيّ نَُّ: ذو طوى: وادٍ بقرب مكة، على نحو فرسخ، ويُعرف
في وقتنا بالزاهر، في طريق التنعيم، ويجوز صرفه ومنعه، وضمّ الطاء أشهر من
كسرها، فمن نوّنه جعله اسماً للوادي، ومن منعه جعله اسماً للبقعة مع العلميّة،
أو منعه للعلميّة مع تقدير العدل عن طاو. انتهى(١).
وقال الأبيّ تَظُّ: طوى واد بقرب مكة، وفي طائه الحركات الثلاث مع
القصر، ولبعض رواة البخاريّ فيه المدّ، قال الأصمعيّ: وأما طواء الذي
بطريق الطائف فهو بالفتح والمدّ، وقال غيره: وكذلك طواء الذي باليمن بالفتح
والمدّ أيضاً. انتهى (٢).
قال النوويّ كَّلُ: وفي هذا الحديث دليل لمن قال: يستحب للمحرم
دخول مكة نهاراً، لا ليلاً، وهو أصح الوجهين لأصحابنا، وبه قال ابن عمر،
وعطاء، والنخعيّ، وإسحاق ابن راهويه، وابن المنذر، والثاني دخولها ليلاً
ونهاراً سواء، لا فضيلة لأحدهما على الآخر، وهو قول القاضي أبي الطيّب،
والماورديّ، وابن الصباغ، والعبدريّ من أصحابنا، وبه قال طاوس، والثوريّ،
وقالت عائشة، وسعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز: يستحب دخولها ليلاً،
وهو أفضل من النهار. انتهى.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَظُّ المذكور أولَ الكتاب
قال :
[٣٠١٥] (١٢٤١) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثْنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا
قَالَ: قَالَ
أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَن الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
(١) ((المصباح المنير)) ٣٨٢/٢.
(٢) ((شرح الأبيّ)) ٣٧٢/٣.

٣٣٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
رَسُولُ اللهِوَهِ: ((هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْهَدْيُ، فَلْبَحِلَّ
الْحِلَّ كُلَّهُ، فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»).
رجال هذا الإسناد تسعة:
١ - (الْحَكَمُ) بن عتيبة، تقدّم قريباً.
٢ - (مُجَاهِدُ) بن جبر، تقدّم قريباً أيضاً.
والباقون ذُكروا في الباب والذي قبله.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِ﴿ّ) أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا
بِهَا) أي بأدائها، والفراغ من أعمالها (فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْهَدْيُ، فَلْيَحِلَّ) بفتح
أوله، من الحلّ ثلاثيّاً، أو بضمّه، من الإحلال رباعيّاً، كما تقدّم غير مرّة،
وقوله: (الْحِلّ) منصوب على المصدر، وقوله: (كُلَّهُ) بالنصب توكيد لـ («الحلَّ))،
أي الحلّ التامّ، والمعنى أنه يفعل جميع ما كان حراماً عليه بسبب الإحرام
بالعمرة، وقوله: (فَإِنَّ الْعُمْرَةَ إلخ) تعليل للأمر بالحلّ؛ أي لأن العمرة (قَدْ
دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ))) يعني أن نية العمرة دخلت في نية الحجّ،
بحيث إن من نوى الحجَّ شُرع له الفراغ منه بعمل العمرة، وهذا هو الصواب
في معنى الحديث، فهو دليل على مشروعيّة فسخ الحجّ إلى العمرة، وقد تقدّم
البحث عنه مستوفّى. ومن لا يرى الفسخ يقول: معناه حلّت العمرة في أشهر
الحجّ، وصحّت بمعنى دخلت في وقت الحجّ، وشهوره، وبطل ما كان عليه
أهل الجاهلية من عدم حلّ العمرة في أشهر الحجّ.
وهذا المعنى بعيد عن مقصود الحديث؛ لأن جواز العمرة بيّنه النبيّ وَلّ
قولاً وفعلاً، وأبطل ما تعتقده الجاهلية قبل هذا حيث اعتمر عُمَره الثلاث في
أشهر الحج، فقد اعتمر، عمرة الحديبية في ذي القعدة، وكذا عمرة القضية،
وعمرة الجعرانة، فكلها في ذي القعدة، وهو من أشهر الحرم، ثم قرن الرابعة
مع حجته، فكيف يقال: إن الصحابة لم يعلموا جواز العمرة في أشهر الحج
حتى أمرهم بالفسخ، وقد شاهدوا هذه العُمَر كلها، ثم إنه قال لهم عند
الميقات: ((من شاء أن يهلّ بعمرة، وحجة فليفعل))، فجوّز لهم الاعتمار في

٣٣٣
(٢٨) - بَابُ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - حديث رقم (٣٠١٦)
أشهر الحج عند الميقات، فأيّ معنى لكون الفسخ حتى يعلموا جواز العمرة في
أشهر الحج؟، إن هذا لشيء بعيد(١).
وأيضاً لا معنى لسؤال سراقة ربه بقوله: ((عمرتنا هذه ألعامنا هذا، أو
للأبد؟))، مشيراً إلى العمرة التي فسخوا بها الحجّ، ثم يجيبه وَّ بقوله: ((لا،
بل للأبد))، والله تعالى أعلم.
وتأوله بعضهم على أن أفعال العمرة دخلت في أفعال الحجّ، فلا يجب على
القارن إلا إحرام واحد، وطواف واحد، وهكذا، وهذا أيضاً بعيد، فإن النبيّ وَّ
قاله مجيباً لسؤالهم: ألعامنا هذا، أم للأبد؟ فلا تقارب بينه وبين هذا التأويل.
وتأوله القائلون بعدم وجوب العمرة بأن المراد أنه سقط افتراضها بالحجّ،
فكأنها دخلت فيه، وهذا أبعد من الذي قبله، بل هو باطل، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ها هذا من أفراد المصنّف تَخْذُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠١٥/٢٨] (١٢٤١)، و(أبو داود) في
((المناسك)) (١٧٩٠)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (١٨١/٥) و((الكبرى)) (٢/
٣٦٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٤٠/٣)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده))
(٣٤٤/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٦/١ و٣٤١)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٧٢/٢)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٦٠/١١ - ٦١)، و(أبو نعيم) في
((مستخرجه)) (٣٤٣/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٨/٥)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخْذَثُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١٦] (١٢٤٢) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ الضُّبَعِيَّ، قَالَ: تَمَثَّعْتُ،
(١) راجع: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميّة كلّمُ ٥٧/٢٦.

٣٣٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
فَتَهَانِي نَاسٌ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَنِي بِهَا، قَالَ: ثُمَّ
انْطَلَقْتُ إِلَى الْبَيْتِ، فَنِمْتُ، فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَحَجّ
مَبْرُورٌ، قَالَ: فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ،
سُنَّهُ أَبِي الْقَاسِمِ وََّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبو جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ) - بضمّ الضاد المعجمة، وفتح الموحّدة، بعدها
عين مهملة - وهو: نصر بن عمران بن عصام البصريّ، نزيل خُرَاسان، ثقةٌ ثبتٌ
[٣] (ت١٢٨) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
والباقون هم المذكورون قبله.
لطائف هذا الإسناد :
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف كَثُ، وله فيه شيخان قرن
بینھما .
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذي روى عنهم الجماعة بلا واسطة،
وهم المذكورون في قولي:
ذَوُو الأُصُولِ السِّنَّةِ الْوُعَاءُ
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَةْ
الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَةْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرٍ نَصْرٌ
وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَارٍ كَذَا
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع.
شرح الحديث:
عن شُعْبَةَ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ) بالجيم، والراء (الضُّبَعِيَّ، قَالَ:
تَمَثَّعْتُ) أي أهللت بالتمتّع (فَنَّهَانِي نَاسٌ) أي ممن لا يرى التمتّع، قال
الحافظ: لم أقف على أسمائهم، وكان ذلك في زمن عبد الله بن الزبير

٣٣٥
(٢٨) - بَابُ جَوَازِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - حديث رقم (٣٠١٦)
وكان ينهى عن المتعة، كما رواه مسلم من حديث أبي الزبير عنه، وعن جابر،
ونقل ابن أبي حاتم عن ابن الزبير، أنه كان لا يرى التمتع إلَّ للمحصر، ووافقه
علقمة، وإبراهيم، وقال الجمهور: لا اختصاص بذلك للمحصر. انتهى(١).
(فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَنِي بِهَا)
(عَنْ ذَلِكَ) أي من التمتّع (فَأَتْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) ﴿َا
أي بالاستمرار على عمرته (قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَّتُ إِلَى الْبَيْتِ) الحرام (فَنِمْتُ) بكسر
النون؛ لأنه من باب علم، ولا يقال: نُمْتُ بضمّ النون، كما اشتهر على ألسنة
العامّة، فإنه لحنٌ، فتنبّه. (فَأَتَّانِي آتٍ فِي مَنَامِي، فَقَالَ: عُمْرَةٌ) بالرفع على أنه
خبر لمحذوف، أي هذه عمرةٌ، ويجوز النصب على تقدير الفعل، أي: فعلت
عمرة، وقوله: (مُتَقَبَّلَةٌ) صفة لـ((عمرة)) (وَحَجِّ مَبْرُورٌ) قال ابن خالويه: المبرور:
المقبول، وقال غيره: الحجّ المبرور: هو الذي لا يخالطه شيء من الإثم،
ورجحه النوويّ، وقال القرطبيّ: الأقوال التي ذُكرت في تفسيره متقاربة
المعنى، وهي أنه الحج الذي وُفِّيت أحكامه، ووقع موقعاً لما طُلب من
المكلف على الوجه الأكمل. انتهى، وسيأتي تمام البحث فيه في بابه(٢).
(قَالَ) أبو جمرة (فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) يَا (فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ، فَقَالَ: اللهُ
أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ) كرّره تأكيداً لفرحه؛ لَموافقته ما يعتقده من السنّة (سُنَّةُ أَبِي
الْقَاسِمِوَ﴿) برفع ((سنّةُ)) على أنه خبر مبتدٍ محذوف: أي هذه سنةُ، ويجوز فيه
النصب بتقدير فعل: أي وافقت سنّة أبي القاسم وَّر، أو على الاختصاص.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر هذا الحديث: قال أبو جمرة:
فقال لي: أقم عندي، فأجعل لك سهماً من مالي، قال شعبة: فقلت: لِمَ؟
فقال: للرؤيا التي رأيت. انتهى.
وقوله: (فقال لي) أي قال لي ابن عباس، وقوله: (فأجعل لك) أي فأنا
أجعل لك، ويروى: ((وأجعل لك)) بالواو التي تدل على الحال، ويروى:
((اجعل)) بدون الفاء والواو.
وقوله: (سهماً) أي نصيباً .
(١) ((الفتح)) ٤٦٩/٤، و((عمدة القاري)) ٩/ ٢٠٢.
(٢) (باب فضل الحج والعمرة)) برقم (١٣٤٩) برقم محمد فؤاد تَّتُهُ.

٣٣٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وقوله: (لِمَ) استفهام عن سبب ذلك، وقوله: (للرؤيا) أي لأجل الرؤيا
المذكورة التي رأيتُ، وهو بلفظ المتكلم، وسببه أن الرؤيا الصالحة جزء من
ستة وأربعين جزءاً من النبوة.
ويؤخذ منه إكرام من أخبر المرء بما يَسُرّه، وفَرَح العالم بموافقته الحقّ،
والاستئناس بالرؤيا لموافقة الدليل الشرعيّ، وعَرْضُ الرؤيا على العالم،
والتكبير عند المسرّة، والعمل بالأدلة الظاهرة، والتنبيه على اختلاف أهل
العلم؛ ليُعْمَل بالراجح منه، الموافق للدليل، قاله في ((الفتح))(١)، والله تعالى
أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس رضـ
(المسألة الثانية): في تخريجه:
هذا متّفقٌ عليه.
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠١٦/٢٨] (١٢٤٢)، و(البخاريّ) في ((الحجّ))
(١٥٦٧ و١٦٨٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٢/١)، و(الحاكم) في ((مستدركه))
(٥٤٢/٣)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٤٣/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى))
(٢٤/٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ﴾ .
(٢٩) - (بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْيٍ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ)
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٠١٧] (١٢٤٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعاً عَن
ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ وَِّ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ،
أَبِي حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةٍ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ،
ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجّ).
(١) ((الفتح)) ٤٦٩/٤.

٣٣٧
(٢٩) - بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْىِ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ - حديث رقم (٣٠١٧)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو
البصريّ، ثقة [٩] (ت١٩٤) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٢٨/٦.
٢ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السّدوسيّ، تقدّم قريباً.
٣ - (أَبُو حَسَّانَ) الأعرج الأجرد البصريّ، مشهور بكنيته، واسمه
مسلم بن عبد الله، صدوقٌ، رُمي برأي الخوارج [٤] قُتل سنة (١٣٠) (خت م
٤) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٤٢٤/٣٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َّلُهُ.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: قتادة، عن أبي حسّان، وهو
من رواية الأقران أيضاً؛ لأن كليهما من الطبقة الرابعة، وفيه ابن عبّاس ◌ًُّا من
العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَ﴿هَا) أنه (قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِلَهِ الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ)
ميقات أهل المدينة (ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَهَا) أي جعل لها علامةً تُعرف بها أنها
هديٌ، يقال: أشعرت البدنةَ إشعاراً: إذا حَزَزتُ سنامها حتى يسيل الدم، فيُعلَمَ
أنها هدي، فهي شعيرة، قاله الفيّوميّ كَثُ.
وقال في ((العمدة)): ((الإشعار)): في اللغة: الإعلام، مأخوذ من الشُّعُور،
وهو العلم بالشيء، من شَعَر يَشْعُر، كنصر ينصر، وقال الراغب: الشَّعَر
معروف، قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾ الآية [النحل: ٨٠] ومنه
استعيرت شَعَرتُ كذا: أي علمت علماً في الدقّة، كإصابة الشعر، وسمي
الشاعر شاعراً لفطنته، ودقة معرفته ﴿لَا تُحِلُواْ شَعََبِرَ اَللَّهِ﴾ الآية [المائدة: ٢] أي ما
يُهدى إلى بيت الله، سمي بذلك؛ لأنها تُشْعَر، أي تُعلَّم بأن تُدمى بشعيرة، أي
حديدة. انتهى.

٣٣٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
وفي الشرع: هو أن يُشَقّ أحد سنامي البدن، ويُطعن فيه حتى يسيل
دمها؛ ليُعرف أنها هديٌ، وتتميّز إن خُلِطت، وتُعرف إن ضلّت، ويَرتدع عنها
السُّرّاق، ويأكلها الفقراء، إذا ذُبحت في الطريق لخوف الهلاك. انتهى.
(فِي صَفْحَةٍ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ) ((الصفحة)): الجانب، و((السنام)): أعلى ظهر
البعير، و((الأيمن)) صفة ((صفحة))، وذكّره لمجاورته لـ((سنام))، وهو مذكّر، أو
على تأويل ((صفحة)) بجانب.
وقال النوويّ كَُّ: أما الإشعار، فهو أن يجرحها في صفحة سنامها
اليمنى بِحَرْبة، أو سكين، أو حديدة، أو نحوها، ثم يَسْلُت الدم عنها، وأصل
الإشعار، والشعور: الإعلام، والعلامة، وإشعار الهدي؛ لكونه علامة له، وهو
مستحبّ؛ لِيُعْلَم أنه هديٌ، فإن ضلّ ردّه واجده، وان اختلط بغيره تميز، ولأن
فيه إظهار شعار الله تعالى، وفيه تنبيه غير صاحبه على فعل مثل فعله.
وأما صفحة السنام، فهي جانبه، والصفحة مؤنثة، فقوله: ((الأيمن)) بلفظ
التذكير يتأول على أنه وصفٌ لمعنى الصفحة، لا للفظها، ويكون المراد
بالصفحة الجانب، فكأنه قال: جانب سنامها الأيمن. انتهى(١).
وفي رواية النسائيّ: ((أشعر بُدنه مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ))، وفي رواية:
((فأشعر في سنامها من الشقّ الأيمن))، وفي رواية: ((أشعر الهدي في جانب
السنام الأيمن)).
(وَسَلَتَ الدَّمَ) وفي رواية النسائيّ: ((وَسَلَتَ الدم عنها))، بمهملة، ولام،
ثم مثناة: أي مسحه، وأماطه، وأزاله عن صفحة سنامها، زاد في رواية أبي
داود: (بيده))، وفي أخرى عنده: ((بإصبَعِه))، قال الخطابيّ كَُّ: سَلَتَ الدم
بيده: أي أماطه بإصبعه، وأصل السَّلْت: القطع، يقال: سَلَتَ الله أنف فلان
- من باب قتل -: أي جدعه. انتهى.
(وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ) تقليد الهدي: هو أن يعلّق بعنق البعير قطعة من جلد؛
ليُعلَم أنه هديٌ، فيكفّ الناس عنه، قاله الفيّوميّ نَُّهُ.
وقال في ((اللسان)): القلادة: هي ما يُجعل في العنق، يكون للإنسان،
(١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٨/٨.

(٢٩) - بَابُ تَقْلِيدِ الْهَدْىِ، وَإِشْعَارِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ - حديث رقم (٣٠١٧)
٣٣٩
والفرس، والكلب، والبدنة التي تُهدَى، ونحوها. انتهى.
وقال في ((الفتح)) عند قول البخاريّ تَخُّْهُ: ((بابُ تقليد النعل)) ما نصّه:
يَحْتَمِل أن يريد الجنس، ويَحْتَمِل أن يريد الوحدة، أي النعل الواحدة، فيكون
فيه إشارة إلى من اشترط نعلين، وهو قول الثوريّ، وقال غيره: تجزئ
الواحدة، وقال آخرون: لا تتعيّن النعل، بل كل ما قام مقامها أجزأ، حتى أُذُن
الإداوة، ثم قيل: الحكمة في تقليد النعل أن فيه إشارةً إلى السفر، والْجِدّ فيه،
فعلى هذا يتعين، والله أعلم.
وقال ابن الْمُنَيِّر في ((الحاشية)): الحكمة فيه أن العرب تعتدّ النعل
مركوبةً؛ لكونها تقي عن صاحبها، وتَحْمِل عنه وَعْرَ الطريق، وقد كَنَى بعضُ
الشعراء عنها بالناقة، فكأن الذي أهدى خرج عن مركوبه لله تعالى، حيواناً
وغيره، كما خرج حين أحرم عن ملبوسه، ومن ثم استُحِبّ تقليد نعلين، لا
واحدة، وهذا هو الأصل في نذر المشي حافياً إلى مكة. انتهى(١).
(ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ) قال النوويّ تَخْلَُّ: هذه الراحلة غير التي أشعرها، وفيه
استحباب الركوب في الحجّ، وأنه أفضل من المشيّ، وقد سبق بيانه مرات.
(فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ) أي البيداء الذي أمام ذي الحليفة (أَهَلَّ
بِالْحَجِّ) أي مع العمرة، كما سبق أن الصحيح أنه وَّ كان قارناً من أول الأمر
بعدما جاءه الأمر من ربه، وأمره أن يقول: ((عمرة في حجة)).
وتقدّم أيضاً أن إهلاله وَ لتر كان في محل صلاته حينما انبعثت به راحلته،
وأما في البيداء فإهلال آخر سمعه ابن عبّاس ﴿هَا، فأخبر به، ولم يسمع ما
قبله، وسمعه ابن عمر ﴿يا، فأخبر به، فكان الأخذ به أخذاً بزيادة الثقة،
فتفطّن.
وقال النوويّ تَخْلُهُ: وفيه استحباب الإحرام عند استواء الراحلة، لا قبله،
ولا بعده، قال: وأما إحرامه الطيور بالحج فهو المختار، وقد سبق بيان الخلاف
في ذلك واضحاً. انتهى (٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع
والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(١) ((الفتح)) ٦٥٦/٤، ٦٥٧.
(٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢٩/٨.

٣٤٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ّ هذا من أفراد المصنّف رَحْذُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠١٧/٢٩ و٣٠١٨] (١٢٤٣)، و(أبو داود) في
((المناسك)) (١٧٥٢)، و(الترمذيّ) في ((الحجّ)) (٩٠٦)، و(النسائيّ) في
((المناسك)) (١٧٠/٥ و١٧٢ و١٧٤) و((الكبرى)) (٣٥٩/٢)، و(ابن ماجه) في
((المناسك)) (٣٠٩٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٧٩/٧)، و(الطيالسيّ)
في ((مسنده)) (٢٦٩٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢١٦/١ و٢٥٤ و٢٨٠ و٣٣٩
و٣٤٤ و٣٤٧ و٣٧٢)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٦٥/٢ -٦٦)، و(ابن خزيمة)
في ((صحيحه)) (٢٥٧٥ و٢٦٠٩ و٢٥٧٦)، و(ابن حبّان) في (صحيحه))
(٤٠٠٢)، و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٤٢٤)، و(أبو عوانة) في ((مسنده))
(٤٢٧/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٤٣/٣ - ٣٤٤)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (١٢٩٠١/١٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٣٢/٥)، و(البغويّ) في
((شرح السنّة)) (١٨٩٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب إشعار الهدي، وفائدة الإشعار الإعلام بأنها
صارت هدياً؛ ليتبعها من يحتاج إلى ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميّزت،
أو ضلّت عرفت، أو عطبت عرفها المساكين بالعلامة، فأكلوها، مع ما في
ذلك من تعظيم شعار الشرع، وحثّ الغير عليه. قاله الحافظ نَُّهُ.
وقال الشاه وليّ الله الدهلويّ تَخْتُ: السرّ في الإشعار التنويه بشعائر الله،
وأحكام الملة الحنيفية، يرى ذلك منه الأقاصي والأداني، وأن يكون فعل
القلب منضبطاً بفعل ظاهر. انتهى.
وقال النوويّ تَخّْتُهُ: في هذا الحديث استحباب الإشعار والتقليد في
الهدايا، من الإبل، وبهذا قال جماهير العلماء، من السلف والخلف، وقال أبو
حنيفة: الإشعار بدعةٌ؛ لأنه مُثْلَةٌ، وهذا يخالف الأحاديث الصحيحة المشهورة
في الإشعار، وأما قوله: إنه مُثْلة، فليس كذلك، بل هذا كالفَصْد، والحجامة،
والختان، والكيّ، والوَسْم.