النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ طَوَافِ الْقُدُومِ لِلْحَاجِّ أَوَّلَ مَا قَدِمَ مَّةً، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٩٨) رَجُلٌ) قال صاحب ((التنبيه)): لا أعرفه. انتهى(١). (فَقَالَ: أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الْمَوْقِفَ) أي موقف عرفة (فَقَالَ) ابن عمر ◌َّا (نَعَمْ) وفي الرواية التالية: ((قال: وما يمنعك؟)) (فَقَالَ) الرجل السائل (فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَأْتِيَ الْمَوْقِفَ) زاد في الرواية التالية: ((وأنت أحبّ إلينا منه، رأيناه قد فتنته الدنيا، فقال: وأينا لم تفتنه الدنيا؟ (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) (فَقَدْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ وَل38) وفي الرواية التالية: ((رأينا رسول الله وَّ أحرم بالحجّ)) (فَطَافَ بِالْبَيْتِ) زاد في الرواية التالية: ((وسعى بين الصفا والمروة)) (قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَوْقِفَ) يعني أنه ◌َّ ابتدأ بالطواف والسعي قبل خروجه إلى منى وعرفة (فَبِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَحَقُّ أَنْ تَأْخُذَ) بتاء الخطاب، وفي بعض النسخ: ((أن نأخذ)) بنون المتكلّم (أَوْ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿َّ (إِنْ كُنْتَ صَادِقاً) وفي الرواية التالية: ((فسنة الله، وسنّة رسوله ◌َ ل﴿ أحقُّ أن تتبع من سنة فلان، إن كنت صادقاً))، قال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((إن كنت صادقاً)) معناه: إن كنت صادقاً في إسلامك، واتباعك رسول الله وَليه، فلا تعدل عن فعله، وطريقته إلى قول ابن عباس، وغيره. انتهى (٢). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((إن كنت صادقاً)) ورٌَ منه لئلا يذكر ابن عباس بشيء ما ثبت عنه. ويمكن أن يُحمل إطلاق فتيا ابن عباس على الْمُرَاهَق(٣)، فإنه لا يُخاطب بطواف القدوم، أو يكون ابن عباس سئل عن طواف الإفاضة، فأجاب بأنه لا يفعل إلا بعد الوقوف، وهو الحقّ. انتهى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التأويل الذي ذكره القرطبيّ فيه نظر لا يخفى، فإن الروايات التي سنذكرها في المسألة الرابعة لا توافق التأويل المذكور، فإن ابن عباس ﴿ه كان يقول: إذا طاف المحرم بالبيت قبل الوقوف حلّ من إحرامه، فهذا صريح في كونه لا يرى طواف القدوم، وقد خالف بذلك (١) (تنبيه المعلم)) (ص٢١٩). (٢) ((شرح النوويّ)) ٢١٨/٨. (٣) بصيغة اسم المفعول، وهو الذي ضاق عليه الوقت بالتأخير، حتى يخاف فوت الوقوف بعرفة. أفاده في ((النهاية)) ٢٧٤/٢. ٢٨٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج الجمهور، وقولهم الصواب، كما سيأتي هناك - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ظها هذا من أفراد المصنّف تَظّلهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٢٩٩٨/٢٦ و٢٩٩٩] (١٢٣٣)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (٢٢٤/٥)، وفي ((الكبرى)) (٣٩٠٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٦/٢ و٥٦)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (٣٠٤/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٣١/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٧٨/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب الطواف أول ما يقدم الحاجّ مكة، وهو المسمى بطواف القدوم، وهو مذهب الجمهور، وخالف في ذلك ابن عباس ◌ّ، وسيأتي تحقيق الخلاف مستوفَى في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -. ٢ - (ومنها): أن الواجب على المسلم إذا أفتاه عالم بخلاف السنة أن يتّبع السنة، ويَدَعَ فتوى العالم، أيّاً كان ذلك العالم، فإن الحقّ أحقّ أن يتّبع. ٣ - (ومنها): أن العالم قد يقع في مخالفة السنة أحياناً، لا قصداً للمخالفة، وإنما هو لعدم وصولها إليه، أو لتأويله إياها على ما يراه من المعاني، ولكن لا يجوز لمن وصلت إليه، وعلمها، بأن بيّن له عالم غيره بأن وجه الصواب كذا أن يقلّده في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في استحباب طواف القدوم: (اعلم): أن ابن عباس ◌َّ كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي، وأهلّ بالحجّ إذا طاف يحلّ من حجه، وأن من أراد أن يستمرّ على حجه لا يقرب البيت حتى يرجع من عرفة، وكان يأخذ ذلك من أمر النبيّ وَلّ لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يجعلوها عمرة، فقد أخرج البخاريّ في ((باب حجة ٢٨٣ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ طَوَافِ الْقُدُومِ لِلْحَاجِّ أَوَّلَ مَا قَدِمَ مَكَّةَ، ... إلخ - حديث رقم (٢٩٩٨) الوداع)) في أواخر ((المغازي)) من طريق ابن جريج، حدّثني عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا طاف بالبيت، فقد حلّ، فقلت: من أين؟ قال: هذا ابن عباس قال: من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحجّ: ٣٣]، ومن أمر النبيّ ◌َ ◌ّ أصحابه أن يَحِلّوا في حجة الوداع، قلت: إنما كان ذلك بعد الْمُعَرَّف، قال: كان ابن عباس يراه قبلُ وبعدُ. وهذا الذي قاله ابن عباس ظّ خالفه فيه الجمهور، ووافقه فيه ناس قلیل، منهم إسحاق ابن راهويه. وذهب الجمهور إلى أن من أهلّ بالحجّ مفرداً لا يضرّه الطواف بالبيت، أفاده في ((الفتح))(١) . وقال القرطبيّ تَخَّهُ: سؤال السائل لابن عمر - يعني المذكور في حديث الباب - إنما كان عن طواف القدوم، هل يؤخّر إلى أن يوقف بعرفة؟ فأجابه بمنع ذلك، وهو الصحيح الذي لا يُعلم من مذاهب العلماء غيره، وما حكاه هذا الرجل عن ابن عباس لا يُعرف من مذهبه، وكيف وهو أحد الرواة أن النبيّ ◌َل بدأ بالطواف عند قدومه مكة. وقد حمل بعض متأخري العلماء هذا السؤال على أنه فيمن أحرم بالحجّ من مكة، هل يطوف طواف القدوم قبل أن يخرج إلى عرفات؟ قال: فمذهب أبي حنيفة، والشافعيّ أنه يطوف حين يُحرم، كما قال ابن عمر، قال: والمشهور من مذهب أحمد أنه لا يطوف حتى يخرج إلى منى، وعرفات، ثم يرجع، ويطوف، كما قال ابن عباس ظمه، وعن أحمد رواية كمذهب ابن عمر ◌ًا. انتهى كلام القرطبيّ(٢). وقال النوويّ: هذا الذي قاله ابن عمر ◌ّ هو إثبات طواف القدوم للحاج، وهو مشروع قبل الوقوف بعرفات، وبهذا الذي قاله ابن عمر قال العلماء كافّة، سوى ابن عباس، وكلهم يقولون: إنه سنة، ليس بواجب، إلا بعض أصحابنا، ومن وافقه، فيقولون: واجب يجبر تركه بالدم، والمشهور أنه سنة، ليس بواجب، ولا دمَ في تركه، فإن وقف بعرفات قبل طواف القدوم (١) راجع: ((الفتح)) ٥٤٦/٤. (٢) ((المفهم)) ٣/ ٣٦٠. ٢٨٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج فات، فإن طاف بعد ذلك بنيّة طواف القدوم لم يقع عن طواف القدوم، بل يقع عن طواف الإفاضة إن لم يكن طاف للإفاضة، فإن كان طاف للإفاضة وقع الثاني تطوعاً، لا عن القدوم، ولطواف القدوم أسماء: طواف القدوم، والقادم، والورود، والوارد، والتحيّة، وليس في العمرة طواف قدوم، بل الطواف الذي يفعله فيها يقع ركناً لها، حتى لو نوى به طواف القدوم وقع ركناً، ولغت نيته، كما لو كان عليه حجة واجبة، فنوى حجة تطوّع، فإنها تقع واجبة، والله أعلم. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من مشروعية طواف القدوم للحاجّ هو الحقّ؛ لأن النبيّ وَّر، وأصحابه ﴿ّ أول شيء بدءوا به هو الطواف بالبيت، كما قال ابن عمر ظنّهَا، والله تَ قال: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَهُ حَسَنَّةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوْ اَللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَُّ المذكور أولَ الكتاب قال : [٢٩٩٩] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ وَبَرَةَ، قَالَ: سَأَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ ﴿هَا، أَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَقَدْ أَحْرَمْتُ بِالْحَجِّ؟ فَقَالَ: وَمَا يَمْنَعُكَ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ ابْنَ فُلَانٍ يَكْرَهُهُ، وَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْهُ، رَأَبْنَاهُ قَدْ فَتَنَنْهُ الدُّنْيَا (٢)، فَقَالَ: وَأَيُّنَا، أَوْ أَيُّكُمْ لَمْ تَفْتِنْهُ الدُّنْيَا؟ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ وَّهِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَسُنَّةُ اللهِ، وَسُنَّةُ رَسُولِهِ وَلِ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبَعَ(٣) مِنْ سُنَّةِ فُلَانٍ، إِنْ كُنْتَ صَادِقاً). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريباً. (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٧/٨، ٢١٨. (٣) وفي نسخة: ((أن تتّبع)). (٢) وفي نسخة: ((وقد أفتنته)). ٢٨٥ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ طَوَافِ الْقُدُومِ لِلْحَاجُّ أَوَّلَ مَا قَدِمَ مَكَّةَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٠٠) ٣ - (بَيَانُ) بن بشر الأحمسيّ، أبو بشر الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين وقصرها)) ١٨٩١/٤٧. والباقيان ذُكرا قبله. وقوله: (رَأَیْتُ ابْنَ فُلانٍ يَكْرَهُهُ) یرید ابن عبّاس وقوله: (رَأَيْنَاهُ قَدْ فَتَنَتْهُ الدُّنْيَا) تعليل لكون ابن عمر أحبّ إليهم من ابن فلان؛ أي لأنا رأيناه فتنته الدنيا؛ لأنه تولى منصبها، وأنت لم تفتنك؛ لأنك لم تتولّ ذلك. قال النوويّ ◌َخَّتُهُ: ومعنى ((فتنته الدنيا)): لأنه تولّى البصرة، والولايات محلّ الخطر والفتنة، وأما ابن عمر رضيًّا فلم يتولّ شيئاً. وقوله أيضاً: (فَنَتْهُ الذُّنْيَا) قال النوويّ تَخْدَّتُهُ: هكذا في كثير من الأصول: ((فتنته الدنيا))، وفي كثير منها، أو أكثرها: ((أفتنته))، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين، وهما لغتان صحيحتان: ((فَتَنَ))، و((أفتن))، والأولى أصحّ، وأشهر، وبها جاء القرآن، وأنكر الأصمعيّ: أفتن. انتهى(١). وقوله: (وَأَيُّنَا، أَوْ أَيُّكُمْ لَمْ تَفْتِنْهُ الدُّنْيَا) وفي بعض النسخ: ((وأيّنا، أو قال: وأيّكم))، وكلاهما صحيح. وهذا القول قاله ابن عمر ظهردّاً على طعن الرجل على ابن عبّاس بولايته، حيث اعتبرها فتنةً، فرد عليه ابن عمر قائلاً: ((وأينا لم تفتنه الدنيا)»، وهذا من زهده، وتواضعه، وإنصافه به، قاله النوويّ دخلتُ. والحديث من أفراد المصنّف كَّلُهُ، وقد مضى بيان مسائله في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَذَلُهُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٠٠] ( ... )(٢) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ (١) ((شرح النوويّ)) ٢١٨/٨. (٢) قال الجامع عفا الله عنه وعن والديه: هذا الحديث نهاية الألف الثالث، وقد انتهيت منه - بحمد الله تعالى وتوفيقه - قبل المغرب يوم السبت ١٤٢٩/٢/٢٣ هـ ٢٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَأَلْنَا (١) ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلِ قَدِمَ بِعُمْرَةٍ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعاً، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنٍ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعاً، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ). رجال هذا الإسناد: أربعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب. ٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريباً. ٣ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) تقدّم أيضاً قريباً. و(ابن عمر ﴿) ذُكر قبله. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف تَخْذَثُهُ، وهو (١٨٨) من رباعيّات الكتاب. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ. ٣ - (ومنها): أن صحابيّه ظ له أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وهو مدنيّ، وشيخه نسائيّ، ثم بغداديّ، والباقيان مكيّان. شرح الحديث: (عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) وفي رواية للبخاريّ: ((حدّثنا عمرو بن دينار)) (قَالَ: سَأَلْنَا) وفي نسخة: ((سألَتُ)) (ابْنَ عُمَرَ) ﴿هَا (عَنْ رَجُلٍ) أي حكم عمل رجل = الموافق ١/ مارس ٢٠٠٨م، وكانت المدّة التي بين نهاية الألف الثاني، ونهاية الألف الثالث سنة كاملةً وستة أشهر، وذلك لأني انتهيت من الألف الثاني، ودخلت في الثالث ١٤٢٧/٨/٢٥ هـ وهذا من عظيم فضل الله تعالى عليّ، وحسنٍ توفيقه، الحمد لله ربّ العالمين، الحمد لله حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه، مباركاً عليه، كما يحبّ ربنا ويرضى، سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك. (١) وفي نسخة: ((سألت)). ٢٨٧ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ طَوَافِ الْقُدُومِ لِلْحَاجِّ أَوَّلَ مَا قَدِمَ مَكَّةَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٠٠) (قَدِمَ) بكسر الدال، يقال: قَدِمَ من سفره، كعَلِمَ قُدُوماً، وقِدْماناً بالكسر: آب، أي رجع، فهو قادم(١)، والمعنى أتى ذلك الرجل مكة قادماً من بلده (بِعُمْرَةٍ) أي مهلًاً، وملبّياً بعمرة (فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي لم يسع، قال في ((الفتح)): وإطلاق الطواف على السعي إما للمشاكلة، وإما لكونه نوعاً من الطواف، ولوقوعه في مصاحبة طواف البيت. انتهى (٢). (أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟) أي هل حلّ من إحرامه حتى يجوز له أن يجامع أهله؟؛ لتحلّله بالطواف، أم ما زال على إحرامه حتى يسعى بين الصفا والمروة؟، وإنما خصّ إتيان المرأة بالذكر مع أن سائر محرّمات الإحرام كذلك؛ لأنه أعظم المحرّمات في الإحرام(٣). (فَقَالَ) ابن عمر رضي﴿َا (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ نََّ) أي مكة (فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعاً، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنٍ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعاً) أي سعى بينهما سبعة مرّات (وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ) بكسر الهمزة، وضمّها: أي قدوة (حَسَنَةٌ) قال النوويّ كَُّهُ: معناه: لا يحلّ له ذلك؛ لأن النبيّ وَّ ه لم يتحلل من عمرته حتى طاف وسعى، فتجب متابعته، والاقتداء به، وهذا الحكم الذي قاله ابن عمر ﴿ّا هو مذهب العلماء كافّةً، وهو أن المعتمر لا يتحلل إلا بالطواف، والسعي، والحلق، إلا ما حكاه القاضي عياض، عن ابن عباس، وإسحاق ابن راهويه، أنه يتحلل بعد الطواف، وإن لم يَسْعَ، وهذا ضعيف، مخالف للسنة. انتهى كلام النوويّ تَخَّتُهُ(٤). [تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر الحديث ما نصّه: ((قال: وسألنا جابر بن عبد الله ﴿ها، فقال: لا يقربنها حتى يطوف بين الصفا والمروة))، والقائل: ((وسألنا إلخ)) هو عمرو بن دينار، وقوله: ((لا يقربنّها)) بنون التوكيد، والمراد نهي المباشرة بالجماع، ومقدّماته، لا مجرّد القرب منها. قال في ((الفتح)): أجابهم ابن عمر ها بالإشارة إلى وجوب اتباع النبيّ وََّ، لا سيّما في أمر المناسك؛ لقوله وَله: (لتأخذوا عني مناسككم)) (٥)، وأجابهم (١) ((القاموس المحيط)) ١٦٢/٤. (٢) ((الفتح) ٣٦/٥. (٣) راجع: ((الفتح)) ١١٨/٢، كتاب الصلاة، رقم (٣٩٦). (٤) ((شرح النوويّ)) ٢١٩/٨. (٥) رواه مسلم. ٢٨٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج جابر رُّه بصريح النهي، وعليه جمهور الفقهاء، وخالف فيه ابن عبّاس فأجاز للمعتمر التحلّل بعد الطواف، وقبل السعي، قاله في ((الفتح)) (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عمر ضّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٣٠٠٠/٢٦ و٣٠٠١] (١٢٣٤)، و(البخاريّ) في ((الصلاة)) (٣٩٥) و((الحجّ)) (١٦٢٣ و١٦٤٥ و١٦٢٧ و١٦٤٥ و١٧٩٣)، و(النسائيّ) في ((المناسك)) (٢٢٥/٥ و٢٣٥ و٢٣٧) و((الكبرى)) (٣٩٨/٢ و٤٠٨)، و(ابن ماجه) في ((المناسك)) (٢٩٥٩)، و(الحميديّ) في («مسنده)) (٢/ ٢٩٤ و٢٩٨)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٥/٢ و٨٥ و١٥٢ و٣٠٩/٣)، و(ابن خزيمة) في (صحيحه)) (٢٧٦٠)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٤٧٧/٩ و٩/١٠)، و(أبو عوانة) في («مسنده)) (٣٠٥/٢)، و(أبو نعيم) في ((مستخرجه)) (٣٣٢/٣)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٤٤٩/١٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩٧/٥) و((المعرفة)) (٨٣/٤)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان استحباب طواف القدوم لكلّ من قدم مكة للنسك أول قدومه. ٢ - (ومنها): بيان وجوب السعي بين الصفا والمروة في العمرة. ٣ - (ومنها): أنه لا يتحلّل المعتمر من عمرته إلا بعد الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، وهذا مذهب الجمهور، وقد خالف ابن عبّاس پا، فأجاز التحلّل قبل السعي، والحقّ ما عليه الجمهور؛ لأنه وَّه لم يتحلّل من عمرته إلا بعد الطواف والسعي، وقد قال: ((لتأخذوا عني مناسككم))، رواه مسلم. ٤ - (ومنها): وجوب الاقتداء بالنبيّ وَّر في جميع الأحوال، ولا سيّما في المناسك؛ للحديث المذكور. (١) ((الفتح)) ١١٨/٢، كتاب الصلاة، رقم (٣٩٦). ٢٨٩ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ طَوَافِ الْقُدُومِ لِلْحَاجُّ أَوَّلَ مَا قَدِمَ مَكَّةَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٠١) ٥ - (ومنها): بيان استحباب أداء ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم علَّل*، وذهب بعضهم إلى وجوب أدائهما خلفه؛ محتجّاً بالأمر في قوله تعالى: ﴿وَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾، والجمهور على الاستحباب. وقال في ((الفتح)): في الحديث أن السعي واجب في العمرة، وكذا صلاة ركعتي الطواف، وفي تعيينهما خلف المقام خلفٌ، قال: ونَقَل ابن المنذر الاتفاق على جوازهما في أيّ موضع شاء الطائف، إلا أن مالكاً كَرِههما في الْحِجْر، ونقل بعض أصحابنا عن الثوريّ أنه كان يُعَيِّنهما خلف المقام. انتهى(١) . . قال في موضع آخر: وهذا بناءً على أن المراد بمقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه، وهو موجود إلى الآن، وقال مجاهد: المراد بمقام إبراهيم الحرم کلّه، والأول أصحّ، وقد ثبت دلیله عند مسلم من حديث جابر څه. انتهى. [فائدة]: رَوَى الأزرقي في ((أخبار مكة)) بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبيّ وَّز، وأبي بكر وعمر ◌ّ في الموضع الذي هو فيه الآن، حتى جاء سيل في خلافة عمر ظُه، فاحتمله حتى وُجد بأسفل مكة، فأُتي به، فرُبط إلى أستار الكعبة، حتى قَدِمَ عمر، فاستثبت في أمره، حتى تحقّق موضعه الأول، فأعاده إليه، وبَنَى حوله، فاستقرّ ثَمّ إلى الآن، ذكره في ((الفتح))(٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَّتُ المذكور أولَ الكتاب قال: [٣٠٠١] ( .. ) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، جَمِيعاً عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ ﴿َ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنٍ عُيَيْنَةً). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قبل بابين. ٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضاً قبل بابين. (١) ((الفتح)) ٣٦/٥، كتاب العمرة، رقم (١٧٩٣). (٢) ((الفتح)) ١١٧/٢، كتاب الصلاة، رقم (٣٩٥). ٠ ٢٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ، تقدّم قريباً. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) الْبُرْسانيّ، تقدّم أيضاً قريباً. ٥ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز، تقدّم قبل ثلاثة أبواب. والباقون ذُكرواَ في الباب. [تنبيه]: رواية حماد بن زيد، عن عمرو هذه، ساقها أبو عوانة تَظُّ في (مسنده)) (٣٠٥/٢) فقال: (٣٢١٤) - حدّثنا يوسف، نا سليمان بن حرب، نا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر سئل عن شيء من أمر الصفا والمروة، فقال: قدم رسول الله وَيقر، فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعاً، و﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ . انتھی . وأما رواية ابن جريج، عن عمرو، فقد ساقها البيهقيّ كَّثُ في ((الكبرى)) (٩٧/٥) فقال: (٩١٤٥) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، أنبأ عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ ابن جريج، عن عمرو بن دينار، أن رجلاً سأل ابن عمر ظًّا، أيصيب الرجل من امرأته قبل أن يطوف بين الصفا والمروة؟ فقال: أما رسول الله ، فقد طاف بالبيت، ثم ركع ركعتين، ثم طاف بين الصفا والمروة، ثم تلا: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج تَخَُّهُ المذكور أولَ الكتاب قال : [٣٠٠٢] (١٢٣٥) - (حَدَّثَنِي(١) هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو، وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ رَجُلاً (١) وفي نسخة: ((وحدّثني)). ٢٩١ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ طَوَافِ الْقُدُومِ لِلْحَاجُ أَوَّلَ مَا قَدِمَ مَكَّةَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٠٢) مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ لَهُ: سَلْ لِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلِ يُهِلُّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ أَيَحِلُّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ لَكَ: لَا يَحِلُّ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَجُلاً يَقُولُ ذَلِكَ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إِلَّ بِالْحَجِّ، قُلْتُ: فَإِنَّ رَجُلاً كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ، قَالَ: بِتْسَمَا قَالَ، فَتَصَدَّانِ الرَّجُلُ، فَسَأَلَنِي، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: فَقُلْ لَهُ: فَإِنَّ رَجُلاً كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّهِ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَمَا شَأْنُ أَسْمَاءَ وَالزُّبَيْرِ قَدْ فَعَلَا ذَلِكَ؟ قَالَ: فَجِئْتُهُ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَمَا بَالُهُ؟ لَا يَأْتِينِي بِنَفْسِهِ (١) يَسْأَلُنِي، أَظُنُّهُ عِرَاقِيّاً، قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ كَذَبَ، قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ وَِّ، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﴿يَا أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَ عُثْمَانُ، فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا بِعُمْرَةٍ، وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ، أَفَلَا يَسْأَلُونَهُ؟ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ أَوَّلَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي، وَخَالَتِي، حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْدَآنِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيْتِ، تَطُوفَانٍ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلَّانٍ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي، أَنَّهَا أَقْبَلَتْ هِيَ وَأُخْتُهَا، وَالزُّبَيْرُ، وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ، بِعُمْرَةٍ قَطَّ، فَلَمَّا مَسَحُوا الزُّكْنَ حَلُّوا، وَقَدْ كَذَبَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ). رجال هذا الإسناد: ستّة: ١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت٢٥٣) عن (٨٣) سنةً (مد س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩. (١) وفي نسخة: ((نفسه). ٠٠ ٢٩٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج ٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابد فقيهٌ [٩] (ت١٩٧) عن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في ((الإيمان)) ١٦٩/١٦. ٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل الأسديّ، أبو الأسود يتيم عروة المدنيّ، ثقةٌ [٦] مات سنة (١٣١) (ع) تقدم في ((الطهارة)) ٥٧٣/٩. ٥ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب. ٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َّا، تقدّمت أيضاً قبل ثلاثة أبواب. لطائف هذا الإسناد: ١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َذَلُهُ. ٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما مرّ آنفاً. ٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين. ٤ - (ومنها): أن فيه عائشة ثا من المكثرين السبعة، وعروة من الفقهاء السبعة. شرح الحديث: (عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن نوفل الملقّب بيتيم عروة؛ لأن أباه أوصى به إلى عروة عند موته (أَنَّ رَجُلاً) لم يُعرف (١) (مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ) البلد المعروف (قَالَ لَهُ) أي لمحمد بن عبد الرحمن (سَلْ لِي عُرْوَةً بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُل يُهِلُّ) بضمّ أوله، من الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية (بِالْحَجِّ، فَإِذَا طَاقَّ بِالْبَيْتِ أَيَحِلُّ) الهمزة للاستفهام الاستخباريّ، و((يحلّ)) تقدّم أنه بفتح أوله، وضمّه، من الحلّ، ثلاثيّاً، أو من الإحلال رباعيّاً (أَمْ لَا؟) أي أم لا يحلّ إلا بأداء الحج (فَإِنْ قَالَ لَكَ) جواباً (لَا يَحِلُّ) إلا بأداء الحجّ (فَقُلْ لَهُ: إِنَّ رَجُلاً) هو ابن عبّاس ◌ِهَا (يَقُولُ ذَلِكَ) أي يقول: إنه يحلّ بالطواف. [تنبيه]: قال في ((الفتح)): الرجل الذي سأل لم أقف على اسمه، وقوله: (١) ((تنبيه المعلم)) ص٢٢٠. ٢٩٣ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ طَوَافِ الْقُدُومِ لِلْحَاجِّ أَوَّلَ مَا قَدِمَ مَكَّةَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٠٢) ((إن رجلاً يقول ذلك)) عَنَى به ابنَ عباس ﴿مَا، فإنه كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي، وأهلّ بالحج إذا طاف يحلّ من حجه، وأن من أراد أن يستمرّ على حجه لا يَقْرَبُ البيتَ حتى يرجع من عرفة، وكان يأخذ ذلك من أمر النبيّ ◌َّ لمن لم يسق الهدي من أصحابه أن يجعلوها عمرةً، وقد أخرج البخاريّ ذلك في ((باب حجة الوداع)) في أواخر ((المغازي)) من طريق ابن جريج، حدّثني عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا طاف بالبيت، فقد حَلَّ، فقلت: من أين؟ قال: هذا ابن عباس قال: من قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ يَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، ومن أمْر النبيّ ◌َّ و أصحابه أن يحلوا في حجة الوداع، قلت: إنما كان ذلك بعد ذلك الْمُعَرَّف، قال: كان ابن عباس يراه قبلُ وبعدُ. وأخرجه مسلم من وجه آخر، عن ابن جريج بلفظ: كان ابن عباس يقول: لا يطوف بالبيت حاجّ ولا غيره إلا حلّ، قلت لعطاء: من أين تقول ذلك؟ فذكره. ولمسلم من طريق قتادة: سمعت أبا حسان الأعرج قال: قال رجل لابن عباس: ما هذه الْفُتْيَا أن من طاف بالبيت فقد حلّ؟ فقال: سنة نبيكم وَّ، وإن رَغِمتم. وله من طريق وَبَرَة بن عبد الرحمن، قال: كنت جالساً عند ابن عمر، فجاءه رجل، فقال: أيصلح لي أن أطوف بالبيت قبل أن آتي الموقف؟ فقال: نعم، فقال: فإن ابن عباس يقول: لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف، فقال ابن عمر: قد حج رسول الله وَلو، فطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله وقلهو أحقّ أن نأخذ، أو بقول ابن عباس؟ إن كنت صادقاً. وإذا تقرَّر ذلك، فمعنى قوله في حديث أبي الأسود: قد فعل رسول الله وَليد ذلك، أي أمر به، وعُرِف أن هذا مذهب لابن عباس، خالفه فيه الجمهور، ووافقه فيه ناس قليل، منهم إسحاق ابن راهويه، وعُرِف أن مأخذه فيه ما ذُكِرَ، وجواب الجمهور أن النبيّ وَلّ أمر أصحابه أن يفسخوا حجهم، فيجعلوه عمرةً، ثم اختلفوا، فذهب الأكثر إلى أن ذلك كان خاصّاً بهم، وذهب طائفة إلى أن ذلك جائزٌ لمن بعدهم، واتفقوا كلهم أن من أهل بالحجّ مفرداً لا يضرّه الطواف بالبيت، وبذلك احتجّ عروة بأن النبي وَلَّ بدأ بالطواف، ولم يحلّ من ٢٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج حجه، ولا صار عمرةً، وكذا أبو بكر وعمر ﴿هَا. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو بحث مفيدٌ جدّاً. (قَالَ) محمد بن عبد الرحمن (فَسَأَلْتُهُ) أي عروة (فَقَالَ) عروة (لَا يَحِلُّ مَنْ أَهَلَّ) أي أحرم (بِالْحَجِّ إِلَّا بِالْحَجِّ) أي إلا بأداء أفعال الحج المطلوب أداء قبل التحلّل (قُلْتُ: فَإِنَّ رَجُلاً كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ) أي يرى التحلّل بالطواف (قَالَ) عروة (بِتْسَمَا قَالَ) أي بئس القول قوله هذا؛ حيث خالف المشروع (فَتَصَدَّانِي الرَّجُلُ) أي تعرَّض لي، هكذا هو في جميع النسخ بالنون، والأشهر في اللغة: تَصَدَّى لي باللام، قاله النوويّ تَُّ(٢). (فَسَأَلَنِي) أي عما أجاب به عروة (فَحَدَّثْتُهُ) أي الرجل بجواب عروة (فَقَالَ: فَقُلْ لَهُ: فَإِنَّ رَجُلاً كَانَ يُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ) أي التحلّل بالطواف، وتقدّم أن ابن عبّاس ظ﴿ّ أخذه من الآية ﴿ثُمَّ يَجِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِّيقِ﴾، ومن أمر النبيّ وَّهُ من لم يُهد من أصحابه بفسخ الحجّ إلى العمرة، ولكن هذا غير مقبول، فإنه ونَ ﴿ لم يقل لهم: إن مجرد الطواف يتحلّل به الحاجّ، وإنما أمرهم أن يجعلوها عمرةً، لا أنها تكون عمرة بنفس الطواف، فلا يجوز الاستدلال صحيحاً، ولعلّ هذا هو سبب تكذيب عروة لهذا القول في كلامه الآتي، والله تعالى أعلم. (وَمَا شَأْنُ أَسْمَاءَ وَالزُّبَيْرِ) ◌َِّا (قَدْ فَعَلَا ذَلِكَ؟ قَالَ) محمد بن عبد الرحمن (فَجِئْتُهُ) أي عروة (فَذَكَرْتُ لَّهُ ذَلِكَ) أي ما قاله الرجل (فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟) أي السائل (فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي) أي لا أعرف اسمه (قَالَ: فَمَا بَالُهُ؟ لَا يَأْتِينِ بِنَفْسِهِ) وفي نسخة: ((نفسُهُ))، وهو توكيد للفاعل، كما قال في ((الخلاصة)): بِ(النَّفْسِ)) أَوْ بِ((الْعَيْنِ)) الاسْمُ أُكِّدَا مَعَ ضَمِيرٍ طَابَقَ الْمُؤَكَّدَا (يَسْأَلُنِي) أي عما أشكل عليه، وهذا فيه أن من أدب السائل أن يتولّى السؤال بنفسه إذا أمكنه ذلك؛ لأنه يدلّ على تواضعه، بخلاف السؤال بواسطة، إلا للضرورة (أَظُنُّهُ عِرَاقِيّاً) إنما قال هذا؛ لأن أهل العراق معروفون بالتعنّت في المسائل، وقد سأل رجل عراقيّ ابن عمر ظها عن دم البعوض، إذا أصاب الثوب، يعني هل يصلي فيه أم لا؟، فقال ابن عمر رضي﴿ًّا: انظروا إلى أهل (١) ((الفتح)) ٥٤٦/٤. (٢) ((شرح النوويّ)) ٢٢٠/٨. ٢٩٥ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابِ طَوَافِ الْقُدُومِ لِلْحَاجِّ أَوَّلَ مَا قَدِمَ مَكَّةَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٠٢) العراق، قتلوا ابن بنت رسول الله وَلقره، يعني الحسين، وهم يسألون عن دم البعوض. رواه البخاريّ في ((صحيحه)) بنحوه. وفي رواية النسائيّ: عن ابن أبي نُعم: كنت عند ابن عمر، فأتاه رجل، فسأله عن دم البعوض، يكون في ثوبه، أيصلي به؟ فقال ابن عمر: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: مَن يَعْذِرُني من هذا؟ يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله وَّله، سمعت رسول الله ولو يقول: ((هما ريحانتي من الدنيا)). انتهى. يعني الحسن والحسين. (قُلْتُ: لَا أَدْرِي، قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ كَذَبَ) أي فيما نسبه إلى النبيّ وَّ أنه قد فعل ذلك، وكذا فيما نسبه إلى أسماء والزبير ﴿ه (قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ وَلِ) أي أنشأ الحجّ، وأهلّ به، وقد تقدّم أنه كان قارناً (فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ◌َّا أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ) قال النوويّ تَخْتُ: فيه دليل لإثبات الوضوء للطواف؛ لأن النبيّ وَل﴿ فعله، ثم قال رَّى: ((لتأخذوا عني مناسككم))، وقد أجمعت الأئمة على أنه يُشْرَع الوضوء للطواف، ولكن اختلفوا في أنه واجبٌ، وشرط لصحته أم لا؟ فقال مالك، والشافعيّ، وأحمدُ والجمهور: هو شرط لصحة الطواف، وقال أبو حنيفة: مستحبّ، ليس بشرط، واحتَجَّ الجمهور بهذا الحديث، ووجه الدلالة أن هذا الحديث مع حديث: ((خذوا عني مناسككم)) يقتضيان أن الطواف واجبٌ؛ لأن كل ما فعله هو داخل في المناسك، فقد أَمَرَنا بأخذ المناسك، وفي حديث ابن عباس ◌ًا في الترمذيّ وغيره: أن النبيّ وَ ل* قال: ((الطواف بالبيت صلاةٌ، إلا أن الله أباح فيه الكلام))، ولكن رفعه ضعيفٌ، والصحيح عند الحفاظ أنه موقوف على ابن عباس ◌ًا، وتحصل به الدلالة، مع أنه موقوفٌ؛ لأنه قول الصحابي انتشر، واذا انتشر قول الصحابيّ، بلا مخالفة، كان حجةً على الصحيح. انتهى كلام النوويّ ◌َخْذُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ طَافَ) وَ (بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيقِ رَظُه (فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ) برفع ((الطوافُ)) على أنه اسم ((كان)) مؤخّراً، و((أوّلَ)) (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٠/٨. ٢٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج خبرها مقدّماً، ويجوز العكس (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ) قال النوويّ تَخْذُهُ: وكذا قال فيما بعده: ((ولم يكن غيره))، هكذا هو في جميع النسخ ((غيره)) بالغين المعجمة، والياء، قال القاضي عياض: كذا هو في جميع النسخ، قال: وهو تصحيفٌ، وصوابه: ((ثم لم تكن عُمْرَةٌ))، بضم العين المهملة، وبالميم، وكان السائل لعروة إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة، على مذهب من رأى ذلك، واحتج بأمر النبيّ وَّير لهم بذلك في حجة الوداع، فأعلمه عروة، أن النبي وَله لم يفعل ذلك بنفسه، ولا من جاء بعده. انتهى كلام القاضي. وتعقّبه النوويّ، فقال: هذا الذي قاله، من أن قول ((غيره)) تصحيف، ليس كما قال، بل هو صحيح في الرواية، وصحيح في المعنى؛ لأن قوله: ((غيره)) يتناول العمرة وغيرها، ويكون تقدير الكلام: ثم حج أبو بكر، فكان أولَ شيء بدأ به الطوافُ بالبيت، ثم لم يكن غيره، أي لم يُغَيِّر الحج، ولم ينقله، وينسخه إلى غيره، لا عمرة، ولا قران. انتهى كلام النوويّ(١). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي حمل عليه القاضي عياض والنوويّ أن معنى قوله: ((ولم يكن غيره))، وفي لفظ صوّبه عياض: ((ثم لم تكن عمرة)) على نفي فسخ الحج إلى العمرة غير صحيح، فإن ذلك سنة ثابتة على ما قاله المحقّقون، وإن خالف الجمهور، وخصّوه بتلك السنة، وإنما مراد عروة هنا بقوله: (ثم لم تكن عمرةٌ))، أو ((لم يكن غيره))، أي لم يكن الطواف بالبيت إحلالاً من الحجّ، يعني أن مجرّد الطواف بالبيت لا ينتهي به الحجّ، بل لا بدّ من إكمال الحجّ على وجهه، أو فسخه إلى العمرة بالطواف والسعي على وجهه أيضاً، وهذا قاله عروة ردّاً على من زعم أن من طاف بالبيت حلّ من إحرامه، كما هو رأي ابن عبّاس ها، فقد تقدّم أنه كان يذهب إلى أن من لم يسق الهدي، وأهلّ بالحج إذا طاف يحلّ من حجه، وأن من أراد أن يستمرّ على حجه لا يَقْرَبُ البيتَ حتى يرجع من عرفة، فتنبّه. وقال الإمام البخاريّ تَُّهُ في ((صحيحه)): ((باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته إلخ))، فقال ابن بطال: غرضه بهذه الترجمة الردّ (١) ((شرح النوويّ)) ٢٢٠/٨، ٢٢١. ٢٩٧ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ طَوَافِ الْقُدُومِ لِلْحَاجٌ أَوَّلَ مَا قَدِمَ مَكَّةَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٠٢) على من زعم أن المعتمر إذا طاف حَلّ قبل أن يسعى بين الصفا والمروة، فأراد أن يبيّن أن قول عروة: ((فلما مسحوا الركن حَلَّوا)) محمول على أن المراد لما استلموا الحجر الأسود، وطافوا، وسَعَوْا حَلَّوا، بدليل حديث ابن عمر الذي أردفه به في هذا الباب. انتهى. (ثُمَّ عُمَرُ) ابن الخطّاب ◌ُبه، وهو مبتدأ على حذف مضاف، وخبره ما بعده: أي ثم فِعْلُ عمر رَُّه (مِثْلُ ذَلِكَ)، ويَحْتَمِلِ النصب بتقدير فَعَل مثلَ ذلك، يعني أن أول شيء بدأ به هو الطواف بالبيت، كفعل النبيّ وَلِّ، وأبي بكر ◌َُّه ◌ُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ) بن عفّان ◌َبه (فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ) أي ثم لم يتغيّر حجه بسبب الطواف إلى الإحلال، بل بقي على إحرامه بعد الطواف (ثُمَّ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان ﴿َا (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب ﴿َّه (ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّام) ظُه بجرّ الزبير على البدل، أو عطف البيان ((أبي)). [تنبيه]: قوله: ((مع أبي الزبير)) كذا وقع أيضاً عند أكثر رواه البخاريّ، ووقع في رواية الكشميهنيّ: ((ثم حججت مع ابن الزبير)) يعني أخاه عبد الله بن الزبير، قال عياض: وهو تصحيف، قال في ((العمدة)): وجه ذلك أنه وقع في طريق آخر في الحديث على ما يأتي: ((مع أبي الزبير بن العوام))، وفيه بعدَ ذكر أبي بكر، وعمر، ذكر عثمان، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر ﴿ه قال: ((ثم حججت مع أبي الزبير))، فذكره، وقد عُرِف أن قتل الزبير كان قبل موت معاوية، وابن عمر، وكان قتل الزبير بن العوام يوم الْجَمَل في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وقبره بوادي السباع، ناحية البصرة، وكان موت معاوية بن أبي سفيان رضيًّا في رجب سنة تسع وخمسين، وموت عبد الله بن عمر مهما كان سنة ثلاث وسبعين، وقال الواقديّ: سنة أربع وسبعين، وكانت وفاته بمكة. انتھی(١). وقال الحافظ ◌َُّهُ بعد ذكر ما سبق: لا مانع أن يحجّا قبل قتل الزبير، فرآهما عروة، أو لم يقصد بقوله: (ثُمَّ)) الترتيب، فإن فيها أيضاً: ((ثُمّ آخرُ من (١) ((عمدة القاري)) ٢٥٩/٩. ٢٩٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج رأيت فعل ذلك ابن عمر))، فأعاد ذكره مرة أخرى، وأغرب بعض الشارحين، فرجّح رواية الكشميهنيّ موجّهاً لها بما ذكرته، وقد أوضحت جوابه بحمد الله. انتهى كلام الحافظ ◌َُّ، وهو جواب جيّد. (فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ) أي البدء بالطواف بالبيت (ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطّابِ رَُّه (ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا بِعُمْرَةٍ) أي بسبب الطواف، بل بقي على إحرامه بعده (وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ، أَفَلَا يَسْأَلُونَهُ؟) وقوله: (وَلَا أَحَدٌ) اسم ((لا))، أو مبتدأ، وقوله: (مِمَّنْ مَضَى) صفة ((أحدٌ))، والخبر محذوفٌ، أي خالف ذلك، يعني أنه لا يوجد أحدٌ ممن مضى خالف هذا الذي ذكرته مما فعله هؤلاء، وقوله: (مَا كَانُوا يَبْدَءُونَ بِشَيْءٍ) بيان لمعنى قوله: ((ولا أحد إلخ)) (حِينَ يَضَعُونَ أَقْدَامَهُمْ) أي في مكة (أَوَّلَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي) أي أسماء بنت أبي بكر ظّا (وَخَالَتِي) عائشة أم المؤمنين ◌ُّا (حِينَ تَقْدَمَانِ لَا تَبْدَآنِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيْتِ، تَطُوفَانِ بِهِ، ثُمَّ لَا تَحِلَّانِ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي) أسماء (أَنَّهَا أَقْبَلَتْ هِيَ وَأُخْتُهَا) عائشة يها، واستُشكل من حيث إن عائشة ﴿ّا في تلك الحجة لم تطف؛ لأجل حيضها . وأجيب بالحمل على أنه أراد حجة أخرى، غير حجة الوداع، فقد كانت عائشة رضيّا بعد النبيّ وَ ﴿ تحج كثيراً، قاله في (الفتح)) (١). (وَالزُّبَيْرُ) أبوه (وَفُلَانٌ، وَفُلَانٌ) قال في ((الفتح)): كأنها سمّت بعض من عرفته، ممن لم يسق الهدي، ولم أقف على تعيينهم. انتهى(٢). وأما ما قاله صاحب ((التنبيه)): في حفظي أنهما عثمان بن عفّان، وعبد الرحمن بن عوف. انتهى (٣)، فلم يذكر مستنده في ذلك، والله تعالى أعلم. (بِعُمْرَةٍ قَطَّ) هكذا في رواية المصنّف هنا لفظة ((قط))، وليست في رواية (١) ((الفتح)) ٥٤٧/٤. (٣) ((تنبيه المعلم)) (٢٢٠). (٢) ((الفتح)) ٦١٨/٣. ٢٩٩ (٢٦) - بَابُ اسْتِحْبَابٍ طَوَافِ الْقُدُومِ لِلْحَاجِّ أَوَّلَ مَا قَدِمَ مَكَّةَ، ... إلخ - حديث رقم (٣٠٠٢) البخاريّ، وأكثر ما تُستعمل ((قّ)) في النفي ماضياً، قال في ((القاموس)): وتختصّ بالنفي ماضياً، وتقول العامّة: لا أفعله قطّ، وفي مواضع من ((صحيح البخاريّ)) جاء بعد المثبت، منها في (الكسوف)): ((أطول صلاة صليتها قٌ))، وفي ((سنن أبي داود)): ((توضّأ ثلاثاً قطّ))، وأثبته ابن مالك في ((الشواهد)) لغةً، قال: وهي مما خَفِي على كثير من النحاة. انتهى (١)، وقد تقدّم هذا البحث مستوفّى في غير هذا الموضع من هذا الشرح، وبالله تعالى التوفيق. (فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ) أي استلموا الحجر الأسود (حَلُّوا) قال القرطبيّ رَّتُهُ: يعني بذلك لمس الحجر في آخر الطّواف، ولم يذكر السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه قد صار من المعلوم ملازمة السعي للطواف، فاكتفى بذكره عنه، وأيضاً: فقد وردت أخبار عن هؤلاء المذكورين: بأنهم سعوا بعد طوافهم، فتكمل الرواية الناقصة، ويرتفع الإشكال. انتهى(٢). وقال النوويّ كَُّهُ: قولها: ((فلما مسحوا الركن حَلَّوا)) هذا متأوَّل عن ظاهره؛ لأن الركن هو الحجر الأسود، ومسحه يكون في أول الطواف، ولا يحصل التحلل بمجرد مسحه بإجماع المسلمين، وتقديره: فلما مسحوا الركن، وأتموا طوافهم، وسعيهم، وحلقوا، أو قصروا أحلوا، ولا بد من تقدير هذا المحذوف، وإنما حذفته للعلم به، وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل إتمام الطواف، ومذهبنا، ومذهب الجمهور، أنه لا بدّ أيضاً من السعي بعده، ثم الحلق، أو التقصير، وشذّ بعض السلف، فقال: السعي ليس بواجب، ولا حجة لهذا القائل في هذا الحديث؛ لأن ظاهره غير مراد بالإجماع، فيتعيّن تأويله كما ذكرنا؛ ليكون موافقاً لباقي الأحاديث. انتهى (٣). [تنبيه]: قال النوويّ تَخْتُ: المراد بالماسحين مَن سوى عائشة، وإلا فعائشة لم تمسح الركن قبل الوقوف بعرفات في حجة الوداع، بل كانت قارنةً، ومنعها الحيض من الطواف قبل يوم النحر، وهكذا قول أسماء بعد هذا: اعتمرت أنا، وأختي عائشة، والزبير، وفلان، وفلان، فلما مسحنا البيت (١) ((القاموس المحيط)) ٣٨٠/٢. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٢٢/٨. (٢) ((المفهم)) ٣٦٢/٣. ٣٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج أحللنا، ثم أهللنا بالحج، المراد به أيضاً مَن سوى عائشة، وهكذا تأوله القاضي عياض، والمراد الإخبار عن حجتهم مع النبيّ وَّ حجة الوداع على الصفة التي ذكرت في أول الحديث، وكان المذكورون سوى عائشة مُحرمين بالعمرة، وهي عمرة الفسخ التي فسخوا الحجّ إليها، وإنما لم تَسْتَئن عائشة؛ لشهرة قصتها . قال القاضي عياض: وقيل: يَحْتَمِل أن أسماء أشارت إلى عمرة عائشة التي فعلتها بعد الحجّ مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم. قال القاضي: وأما قول من قال: يَحْتَمِل أنها أرادت في غير حجة الوداع، فخطأً؛ لأن في الحديث التصريح بأن ذلك كان في حجة الوداع. انتهى كلام القاضي. وذكر مسلم تَخْشُ بعد هذه الرواية رواية إسحاق بن إبراهيم، وفيها: أن أسماء قالت: خرجنا محرمين، فقال رسول الله وَله: ((من كان معه هديٌ فليُقِم على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌّ فليحلل))، فلم يكن معي هديٌّ، فحللت، وكان مع الزبير هديٌّ، فلم يحلّ، فهذا تصريح بأن الزبير لم يتحلل في حجة الوداع قبل يوم النحر، فيجب استثناؤه مع عائشة، أو يكون إحرامه بالعمرة، وتحلله منها في غير حجة الوداع، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَظّهُ(١). وقوله: (وَقَدْ كَذَبَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ) هذا من كلام عروة تَخْتُهُ، أعاده للتوكيد، يعني أن الرجل الذي ادّعى بأنه وَله، وأصحابه حلّوا بمجرد الطواف كاذبٌ في دعواه؛ لأنهم ما تحلّلوا إلا بعد انتهائهم من أفعال العمرة بالطواف والسعي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((شرح النووي)) ٢٢١/٨، ٢٢٢.