النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ (١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ّ الطَِّيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم، والجلوس في منازلكم، سواء كان المأذون له رجلاً أجنبيّاً، أو أمرأةً، أو أحداً من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك، وهذا حكم المسألة عند الفقهاء أنها لا يحل لها أن تأذن لرجل، أو امرأة، ولا محرم، ولا غيره في دخول منزل الزوج، إلا من عَلِمت، أو ظنت أن الزوج لا يكرهه؛ لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتى يوجد الإذن في ذلك منه، أو ممن أذن له في الإذن في ذلك، أو عرف رضاه باطراد العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا، ولم يترجح شيء، ولا وجدت قرينة لا يحل الدخول، ولا الإذن. انتهى كلام النوويّ كَُّهُ(١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم. وقال الطيبيّ كَّثُ: قوله: ((أن لا يوطئن ... إلخ)) مشعر بالكناية عن الجماع، فعبّر به عن عدم الإذن مطلقاً تغليظاً وتشديداً. انتهى(٢). (فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِك) أي: الإيطاء المذكور بدون رضاكم بلفظ صريح، أو بقرائن (فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّح) أي: ضرباً ليس بشديد، ولا شاقّ، والْبَرْح: المشقة، والضرب الْمُبَرِّح بضَّم الميم، وفتح الموحدة، وكسر الراء، آخره حاء مهملة: اسم فاعل، من التبريح: وهو الضرب الشديد الشاقّ. وفي هذا الحديث إباحة ضرب الرجل امرأته للتأديب، فإن ضربها الضرب المأذون فيه فماتت منه وجبت ديتها على عاقلة الضارب، ووجبت الكفارة على الضارب(٣). وقال القرطبيّ كَّتُهُ: قوله: ((غير مبرح)) أي: ليس بالحدِّ، وإنما هو تأديب، والمبرِّح: الشديد الشاقّ، والبَرْح: المشقة الشديدة، وفيه إباحة تأديب الرجل زوجته على وجه الرفق. انتهى (٤). (وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ) أي: وجوباً (رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ) المراد بالرزق النفقة، من المأكول والمشروب، وفي معناه سُكناهنّ (بِالْمَعْرُوفِ) أي: على قدر كفايتهنّ، من غير إسراف، وتقتير، أو باعتبار حالكم فقراً وغنّى، وفيه وجوب نفقة (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٣/٨. (٣) ((شرح النوويّ)) ٢٥/٨. (٢) ((الكاشف)) ١٩٦٦/٦. (٤) ((المفهم)) ٣٣٤/٣. ٦٢ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج الزوجة وكسوتها، وذلك ثابت بالكتاب، والسنّة، والإجماع. وقال القرطبيّ كَّلُهُ: قوله: ((بالمعروف أي: بما يُعْرَف من حاله وحالها، وهو حجة لمالك؛ حيث يقول: إن النفقات على الزوجات غير مقدّرات، وإنما ذلك بالنظر إلى أحوالهم وأحوالهن. انتهى. (وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ) أي: بينكم (مَا) موصولة، أو موصوفة (لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ) أي: بعد تركي إياه فيكم، أو بعد التمسّك به، والعمل بما فيه، ويؤيّد الأول قوله: (إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ) أي: في الاعتقاد والعمل، وفي هذا التركيب إبهام وتوضيحٌ، وذلك لبيان أن هذا الشيء الذي تركه فيهم شيءٌ جليلٌ عظيمٌ، فيه جميع المنافع الدينيّة والدنيويّة، ثم لَمّا حصل من هذا التشويق التامّ للسامع، وتوجّه إلى استماع ما يَرِد بعده، واشتاقت نفسه إلى معرفته بيّنه بقوله: (كِتَابَ اللهِ) بالنصب بدل، أو بيان لـ((ما))، جزم به بعضهم، فإن كانت الرواية، وإلا فيجوز رفعه على أنه خبر مبتدإٍ محذوف؛ أي: هو كتاب الله، ولم يذكر السنّة مع أن بعض الأحكام يستفاد منها؛ لاندراجها تحته، فإن الكتاب هو المبيّن للكل، بعضها بلا واسطة، وبعضها بواسطة، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَئِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ الآية [النحل: ٨٩]، كذا في ((شرح المواهب)). وقال القاري كَّلُهُ: إنما اقتصر على الكتاب؛ لأنه مشتمل على العمل بالسنة؛ لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ الآية [النساء: ٥٩]، وقوله: ﴿وَمَآ ءَاتَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَكُمْ عَنّهُ فَأَنْنَهُواْ﴾ الآية [الحشر: ٧]، ويلزم من العمل بالكتاب العمل بالسنة، وفيه إيماء إلى أن الأصل الأصيل هو الكتاب. انتھی(١). (وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ) بالبناء للمفعول، وفي رواية أبي داود، وابن ماجه، والدارميّ، وابن الجارود، والبيهقيّ: ((مسئولون)) (عَنِّي) أي: عن تبليغي وعدمه، قال الطيبيّ كَّلُهُ: قوله: ((تسألون)) عطف على مقدّر؛ أي: قد بلّغتُ ما أرسلت به إليكم جميعاً، غير تارك لشيء مما بَعَثني الله به، وأنتم تُسألون عن (١) ((مرقاة المفاتيح)) ٤٧١/٥. ٦٣ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) ذلك يوم القيامة: هل بلّغكم محمد ◌َليل جميع ما أُمر أن يبلّغ إليكم؟ كما قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلَ﴾ الآية [المائدة: ٦٧]؛ أي: إن لم تُبلّغ الجميع ﴿فَمَا بَلَّنْتَ رِسَالَتَهُ﴾ لأنك كتمت شيئاً مما أُنزل إليك، فما بلّغت جميع ما أنزل إليك، والفاء في قوله: (فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟))) تدلّ على هذا المحذوف؛ أي: إذا كان الأمر على هذا، فبأيّ شيء تجيبون؟ ومن ثَمّ طابق جوابهم السؤال، فأتوا بالألفاظ الجامعة حيث (قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ) ما أنزل إليك (وَأَدَّيْتَ) ما كان عليك (وَنَصَحْتَ) أي: وزدت على ذلك بما نصحتنا من السنن والآداب وغير ذلك. (فَقَالَ) أي: أشار ◌ََّ، ففيه إطلاق القول على الفعل (بِإِصْبَعِهِ) تقدّم أنها عشر لغات، وهي تثليث الهمزة، مع تثليث الباء الموحّدة، والعاشرة أُصبوع، بوزن عصفور، وأفصحها كسر الهمزة، مع فتح الموحّدة، وقوله: (السَّبَّابَةِ) بالجرّ بدلٌ، أو عطف بيان لـ((إِصْبَعه))، وهي الإصبع التي تلي الإبهام، سُمّيت سبّابةٌ؛ لأنها يشار بها عند السبّ، وقوله: (يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ) في محلّ نصب على الحال من فاعل ((قال))؛ أي: رافعاً إياها، أو من السبّابة؛ أي: مرفوعةً. وقال القرطبيّ: قوله: ((يرفعها إلى السَّماء ... إلخ)) هذه الإشارة منه وَل إمَّا إلى السماء؛ لأنها قبلة الدعاء، وأما لعلوّ الله تعالى المعنوي؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان، ولا يختص بجهةٍ. وقد بيّن ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ معگُزْ أَيْنَ مَا كُتُمْ﴾. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قول القرطبيّ هذا فيه نظر لا يخفى، أولاً قوله: إن السماء قبلة الدعاء، من أين له هذا؟ فإن القبلة للدعاء هي القبلة للصلاة، فإنه ◌َ ﴿ كان إذا أراد أن يدعو استقبل القبلة، ولم يثبت أنه كان يستقبل السماء، فتبصّر. وثانياً قوله: ولا يختص بجهة، مخالف للنصوص الكثيرة الدالّة على أنه ◌َُّللَ في جهة العلو، كقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَهُم مِّنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله وَله: ((يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل)) الحديث، ((ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم، ٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج فيسألهم ربهم ... )) الحديث، وغير ذلك، مما ورد في (الصحيحين))، وغيرهما، من النصوص الدالّة على أن الله ◌ُعَلَ فوق عباده، استوى على العرش، فهو في جهة العلو بلا شكّ، وقد بسطت الكلام في هذا في غير هذا الموضع من هذا الكتاب وغيره، وبيّنت فيه أن قول القرطبيّ وغيره من المتأخرين في نفي العلو لله تعالى، حتى قال قائلهم: عَنْ جِهَاتِ السِّتِّ خالٍ مخالف لمذهب السلف، فلا تلتفت إليه؛ إذ فيه الهلاكُ والتلف، فمذهب السلف أعلم وأحكم، فتمسك به تسلم وتغنم، والله تعالى الهادي إلى الطريق الأقوم. (وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ) بفتح حرف المضارعة، وسكون النون، وضمّ الكاف، بعدها تاء، من نَكَت الأرض بالقضيب ونحوه: إذا ضرب، فأثّر فيها، وهذا بعيد من معنى الحديث، وقيل: مجاز من الإشارة بقرينة ((إلى))، وفي ((المرقاة)): ((وينكتها إلى الناس))؛ أي: يشير بها إليهم، كالذي يضرب بها الأرض، والنكت ضرب رأس الأنامل إلى الأرض، وفي نسخة صحيحة بالموحدة، وفي (النهاية)): بالباء الموحدة؛ أي: يميلها إليهم، يريد بذلك أن يُشْهِد الله عليهم، قال النوويّ كَّلُ: هكذا ضبطناه ((ينكتها)) بعد الكاف تاء مثناة من فوقُ، قال القاضي تَّقُ: هكذا الرواية بالتاء المثنّاة فوقُ، وهو بعيد المعنى، قال: قيل: صوابه (ينكبها)) بياء موحدة، قال: ورويناه في ((سنن أبي داود)) بالتاء المثناة من طريق ابن الأعرابيّ، وبالموحدة من طريق أبي بكر التمار، ومعناه: يقلبها، ويرَدِّدها إلى الناس، مشيراً اليهم، ومنه نَكَبَ كنانته: إذا قلبها. انتهى كلام القاضي عياض(١). قال الطيبيّ تعليقاً على كلام عياض هذا: أراد بقوله: ((بعيد المعنى)) أنه غير موافق للّغة، قال الجوهريّ: نكت في الأرض بالقضيب: إذا ضرب في الأرض، فأثّر فيها، وفي ((المُغرِب)): في الحديث: ((نكتت خدرها بإصبعها))؛ أي: نقرت، وضربت، هذا إذا استُعمل بـ((في))، أو بالباء، وفي الحديث (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٤/٨. ٦٥ (١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ◌ِ﴿هَا الطَِّيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) مستعمل بـ((إلى))، فيكون النكت مجازاً عن الإشارة بقرينة ((إلى))، وتقديره ما ذكر من قوله: ((يقلبها إلى الناس مشيراً إليهم)). انتهى كلام الطيبيّ تَخْذّتُهُ(١). وقال القرطبيّ كَّلُ: ((ينكُتُها)): روايتي في هذه اللفظة، وتقييدي على من أعتمده من الأئمة المقيّدين؛ بضم الياء، وفتح النون، وكسر الكاف مشدّدة، وضم الباء بواحدة؛ أي: يُعَدِّلها إلى الناس، وقد رويت: ((يَنْكُبها)) مفتوحة الياء، ساكنة النون، وبضم الكاف؛ ومعناه: يقلبها، وهو قريب من الأول، وقد رويت: ((ينكُتُها)) باثنتين فوقُ، وهي أبعدها. انتهى(٢). («اللَّهُمَّ اشْهَدْ) أي: على عبادك بأنهم قد أقرّوا بأني قد بلّغت، والمعنى: اللهم اشهد أنت؛ إذ كفى بك شهيداً . وقال الزرقانيّ في ((شرح المواهب)): فإن قيل: ليس في هذه الخطبة ذكر شيء من المناسك، فَيَرُدّ ذلك على قول الفقهاء: يعلّمهم الخطيب ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى. وأجيب بأنه مَّ اكتفى بفعله للمناسك عن بيانه بالقول؛ لأنه أوضح، واعتنى بما أهمّه في الخطبة التي قالها، والخطباء بعده ليست أفعالهم قدوة، ولا الناس يعتنون بمشاهدتها ونقلها، فاستُحبّ لهم البيان بالقول، قال: وفيه حجة للمالكيّة وغيرهم أن خطبة عرفة فردة؛ إذ ليس فيه أنه خطب خطبتين. وما روي في بعض الطرق أنه خطب خطبتين فضعيف، كما قاله البيهقيّ وغيره. روى الشافعيّ بسنده عن جابر ظنه قال: راح النبيّ وَّ إلى الموقف بعرفة، فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذّن بلالٌ، ثم أخذ النبيّ وَّ في الخطبة الثانية، ففرغ من الخطبة، وبلال من الأذان، ثم أقام بلالٌ، فصلى الظهر، ثم أقام، فصلى العصر. قال الشوكانيّ في ((النيل)): حديث جابر هذا أخرجه أيضاً البيهقيّ، وقال: تفرّد به إبراهيم بن أبي يحيى، وفي حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم ما يدلّ على أنه وَ﴿ خطب، ثم أذّن بلالٌ، ليس فيه ذكر أخذ النبيّ وَل (١) («الكاشف)) ٦/ ١٩٦٧. (٢) ((المفهم)) ٣٣٥/٣. ٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج في الخطبة الثانية، وهو أصحّ، ويترجّح بأمر معقول، وهو أن المؤذّن قد أُمر بالإنصات للخطبة، فكيف يؤذّن، ولا يستمع الخطبة. قال المحبّ الطبريّ: وذكر الملا في ((سيرته)) أن النبيّ وَّ لما فرغ من خطبته أذّن بلال، وسكت رسول الله وَ ل38، فلما فرغ بلال من الأذان تكلم بكلمات، ثم أناخ راحلته، وأقام بلال الصلاة، وهذا أولى مما ذكره الشافعيّ؛ إذ لا يفوت به سماع الخطبة من المؤذِّن. انتهى كلام الشوكاني. وقال الطبريّ بعد ذكر رواية الملا من سيرته ما لفظه: وهذا وإن كان قريباً مما ذهب إليه الشافعيّ إلا أنه ليس فيه أن الخطبة تكون مع الأذان، ثم إن تلك الكلمات لم يقل: إنها كانت خطبة. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: القول بالخطبة الثانية مما لا دليل عليه، بل الحديث الصحيح حديث جابر ظه هذا ظاهر في أن الخطبة واحدة، وأما ما احتجّ به الشافعيّ ففيه إبراهيم بن أبي يحيى، ضعيف، بل كذّبه بعضهم، وأما ما ذكر في سيرة الملا، فلم يُذكر سنده حتى يُنظر فيه. والحاصل أن خطبة عرفة خطبة واحدة؛ لهذا الحديث الصحيح، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقوله: (اللَّهُمَّ اشْهَدْ)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) كرّره للتأكيد عليهم (ثُمَّ أَذَّنَ) ولفظ ابن ماجه، والدارميّ، والبيهقيّ، وابن الجارود: ((ثم أذّن بلال))، زاد الدارميّ: (بنداء واحد)) (ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ) أي: جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر، وهذا الجمع كجمع المزدلفة جمع نسك عند الحنفيّة، وبعض أصحاب الشافعيّ، وجمع سفر عند الشافعيّ، وأكثر أصحابه، فمن كان حاضراً، أو مسافراً دون مرحلتين، كأهل مكة لم يجز له الجمع عند الشافعيّ كما لا يجوز له القصر. والحديث يدلّ على أن الجمع بين الظهر والعصر بعرفة بأذان واحد وإقامتين، وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: [الأول]: أداؤهما بأذان واحد وإقامتين؛ لحديث جابر نظُه هذا، وإليه (١) ((المرعاة)) ٢٦/٩ - ٢٧. ٦٧ (١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ حِ﴿َّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) ذهب أبو حنيفة، والثوريّ، والشافعيّ، وأبو ثور، وأحمد في رواية، ومالك في رواية، وبه قال ابن القاسم، وابن الماجشون، وابن المواز من المالكيّة. [والقول الثاني]: بإقامتين من غير أذان، وروي ذلك عن ابن عمر، قال ابن قُدامة في شرح قول الخرقيّ: وإن أذّن فلا بأس: كأنه ذهب إلى أنه مخيّر بين أن يؤذّن للأولى، أو لا يؤذّن، وكذا قال أحمد؛ لأن كلّاً مرويّ عن رسول الله وَله، والأذان أولى، وهو قول الشافعيّ، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. انتهى. [والقول الثالث]: بأذانين وإقامتين، وهو الأشهر من مذهب مالك، كما في الجلاب، وهو المذكور في المدوّنة، وروي ذلك عن ابن مسعود نظابه، قال ابن قدامة: واتّباع ما جاء في السنّة أولى(١) . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن من بيان هذه الأقوال، والنظر في أدلّتها أن الصحيح هو المذهب الأول، وهو أنه يجمع بين الصلاتين بأذان واحد، وإقامتين لكلّ صلاة؛ لأن أصحّ ما روي في هذا حديث جابر ظبه المذكور هنا، وهو صريح في أنه ◌َ يّ صلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين، فتبصّر، والله تعالى أعلم. [تنبيه]: اشترط الحنفيّة للجمع بين الظهر والعصر بعرفة الجماعة، فيهما، والإمام الأعظم، أو نائبه، بخلاف الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، فلم يشترطوا له ذلك، وإليه ذهب الثوريّ، والنخعيّ، ولا يشترط ذلك مالك، ولا الشافعيّ، ولا أحمد(٢)، وهو الحقّ؛ لعدم ما يدلّ على الاشتراط المذكور، فتبصّر، والله تعالى أعلم. وقال الطبريّ: قوله: ((ثمّ أذّن، ثم أقام)) قال ابن المنذر: عرف جابر أن وقت الأذان في يوم عرفة عند فراغ الإمام من خطبته، وقال الشافعيّ: يخطب الخطبة الثانية مع استفتاح المؤذِّن بالأذان، ويفرغ مع فراغه، ويستدلّ بحديث رواه عن جابر، فذكر الحديث الذي قدّمناه، قال الطبريّ: وهذا يغاير حديث مسلم من وجهين: أحدهما في وقت الأذان، والثاني في مكان الخطبة، فإن (١) ((المرعاة)) ٩/ ٢٧. (٢) راجع: ((المرعاة)) ٩/ ٢٧. ٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج مسلماً ذكر أن الخطبة كانت ببطن الوادي قبل إتيان الموقف، والشافعيّ ذكر أنها بعد إتيان عرفة، وحديث مسلم أصحّ، ويترجّح بوجه معقول، وهو أن المؤذّنين قد أُمروا بالإنصات كما أُمر به سائر الناس، وكيف يؤذّن من قد أُمر بالإنصات، ثم لا يبقى للخطبة معنى؛ إذ يفوت المقصود منها أكثرَ الناس؛ الاشتغالهم بالأذان عن استماعها . قال البيهقيّ تَخْلُهُ: وهذا التفصيل في ابتداء بلال بالأذان، وأخذ النبيّ وَله في الخطبة الثانية، ففرغ من الخطبة، وبلالٌ من الأذان مما تفرّد به ابن أبي يحيى - أي: وهو ضعيف -. ثم ذكر الطبريّ رواية الملا من سيرته، وذكرناها مع كلامه عليها قبل ذلك، ثم قال الطبريّ: وقال مالك: إن شاء يؤذّن، والإمام يخطب، وإن شاء يؤذّن بعد الفراغ من الخطبة، وقال مرّة أخرى: إذا فرغ الإمام من الخطبة ابتدأ بالأذان، ثم بالإقامة، ثم بالصلاة. قال ابن حزم: وهذا القول الثاني عن مالك هو الصحيح الذي لا يجوز تعدّيه؛ لصحّته عن رسول الله وَله، وبه نأخذ؛ اقتداءً برسول الله بَّ، فلا خير في مخالفته. قال الجامع عفا الله عنه: ما أحسن قول ابن حزم كَُّ هذا؛ فإن واجب كلّ مسلم التمسّك بما صحّ عن رسول الله وَليه، ولا يسع أحداً مخالفته بسبب مخالفة إمامه له، فإن الإمام لا يخالفه قصداً، بل لعدم بلوغه إليه، فهو معذور، وأما أتباعه فلا عذر لهم بعدما تبيّنت لهم السنة، وقامت عليهم الحجة، فليتنبّه المقلّدون لهذه الدقائق، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. [تنبيه]: قال الطبريّ كَّلُهُ: وجمعه وَّ بالناس بعرفة دليلٌ على جواز الجمع في السفر القصير؛ إذ لم يُنقل عن أحد من أهل مكة التخلّف عن الصلاة معه ◌َّر، فإن الجمع بعلّة النسك، وفي المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه بعلّة أصل السفر، والثاني أنه بعّة السفر الطويل، والثالث أنه بعّة النسك، وقال في موضع آخر: قد اختلف أصحابنا، هل كان جمعه وَ له بعلّة مطلق السفر، أو الطويل، أو بعلّة النسك؟ والظاهر أنه بعلّة النسك، حتى يجوز للآفاقيّ والمكيّ، وأهل المزدلفة، وعرفة، وعلى الأول لا يجوز لأهل عرفة، وعلى ٦٩ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ّ الطَِّيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) الثاني لا يجوز لغير الآفاقيّ، ولا خلاف أنه سنّة، حتى لو صلّى كلّ صلاة وحدها في وقتها جاز. انتهى(١). قال الجامع عفا الله عنه: الأرجح الذي يدلّ عليه ظاهر هذا الحديث الصحيح أن الجمع بعلّة النسك؛ لجمع كل من حضر الموقف من الآفاقيّ، وأهل مكة، وغيرهم معه ◌ََّ، فدلّ على أنه للنسك، لا للسفر، ثم إن قوله: (حتى لو صلى كل صلاة ... إلخ)) أين الدليل على جواز هذا؟ بل الظاهر أنه لا يصلي إلا جمعاً وقصراً كما فعل النبيّ وَّ، وكلّ من شهد حجة الوداع معه ◌َّه، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم. (وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئاً) أي: من السنن والنوافل، وذلك للاستعجال بالوقوف. وقال القرطبيّ تَّتُهُ: قوله: ((ولم يُصَلِّ بينهما شيئاً)) أي: لم يُدْخِل بينهما صلاة أخرى، لا نفلاً ولا غيره، وبهذا قال مالك وغيره، وقال ابن حبيب: يجوز أن يتنفل بينهما، وليس بالبيِّن، ولا خلاف في جواز الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة، وإنما اختلفوا فيمن فاته الجمع مع الإمام بعرفة، فالجمهور على أنه يجمع بينهما اتباعاً لفعله وَل﴿، وقال الكوفيون: يصليهما مَنْ فاتتاه لوقتهما، ولا يجوز الجمع إلا مع الإمام، ولم يختلف: أن من صلاهما في وقتهما أن صلاته جائزة إذا لم يكن إماماً . واختلفوا فيمن صلَّى قبل أن يأتي المزدلفة، فذهب الكوفيون: إلى أنهما لا تجزيانه، ويعيدهما، وإن صلاهما بعد مغيب الشفق، وقاله ابن حبيب، وقال مالك: لا يصليهما قبل المزدلفة إلا مِنْ عُذْرٍ به، أو بدابته، ولا يجمع هذا بينهما حتى يغيب الشفق. وقال مالك: يُصلِّيهما لوقتهما. وقيل: تجزئه صلاتهما في وقتهما قبل المزدلفة؛ كان إمام الحاجّ أو غيره، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف، وأشهب من أصحابنا. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قول الكوفيين في عدم إجزاء الصلاة قبل (١) راجع: ((المرعاة)) ٢٨/٩. (٢) ((المفهم)) ٣٣٦/٣ - ٣٣٧. ٧٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج المزدلفة، وأن من صلاها قبلها يلزمه الإعادة هو الأرجح؛ لأنه ونَ ﴾ قال: ((الصلاة أمامك))، فلا صلاة قبل المزدلفة، فتبصّر، والله تعالى أعلم. (ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ وَّ﴾ أي: القصواء، كما في رواية ابن الجارود (حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ) أي: وسار إلى أن أتى أرض عرفات، أو اللام للعهد، والمراد موقفه الخاصّ به وَ ال﴿ (فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ) بالجر على البدليّة (إِلَى الصَّخَرَاتِ) بفتحتين، قال الطيبيّ: أي: منتهياً إليها، وتعقّبه الأبّيّ، فقال: إن كان الوقوف على الصخرات صحّ هذا التقدير، والأظهر أنه تجوّز بالبطن عن الوجه، والتقدير: وجعل وجه ناقته، وهذا إن كانت الصخرات تحاذي في قبلته؛ لأنه إنما وقف مستقبل القبلة. وقال القرطبيّ: يعني أنه علا على الصخرات ناحية منها حتى كانت الصخرات تحاذي بطن ناقته. قال الوليّ العراقيّ: لا حاجة إلى هذا؛ لأن من وقف بحذاء صخرة على ناقة صار بطنها بحذائها؛ أي: إلى جانبها، وليس يشترط في محاذاة بطن الناقة لها أن يكون عالياً عليها. انتهى. وقال الطبريّ: ظاهر قوله: ((جعل بطن ناقته إلى الصخرات)) يدلّ على أنه كان واقفاً على الصخرات، حتى يكون بطن الناقة إليها، ويؤيّده ما رواه ابن إسحاق في ((سيرته)) أنه وَ * قال: ((هذا الموقف)) للجبل الذي كان واقفاً عليه. انتھی . وقال النوويّ تَّتُهُ: في هذا الفصل مسائلُ، وآدابٌ للوقوف، منها: أنه إذا فرغ من الصلاتين عَجَّل الذهاب إلى الموقف، ومنها أن الوقوف راكباً أفضل، وفيه خلاف بين العلماء، وفي مذهبنا ثلاثة أقوال: أصحها أن الوقوف راكباً أفضل، والثاني: غير الراكب أفضل، والثالث: هما سواء. قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى استحباب الركوب في الوقوف؛ اتّباعاً للسنّة، فتفطّن، والله تعالى أعلم. قال: ومنها: أنه يستحب أن يقف عند الصخرات المذكورات، وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، فهذا هو الموقف المستحبّ، وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء ٧١ (١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿مّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) بصعود الجبل، وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقف رسول الله وَله عند الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان، وسيأتي في آخر الحديث بيان حدود عرفات - إن شاء الله تعالى - عند قوله ◌َ : ((وعرفة كلها موقف)) . ومنها: استحباب استقبال الكعبة في الوقوف. ومنها: أنه ينبغي أن يبقى في الوقوف حتى تغرب الشمس، ويتحقق كمال غروبها، ثم يفيض إلى مزدلفة، فلو أفاض قبل غروب الشمس صحّ وقوفه، وحجه، ويجبر ذلك بدم، وهل الدم واجب أم مستحب؟ فيه قولان للشافعيّ: أصحهما أنه سنة، والثاني واجب، وهما مبنيّان على أن الجمع بين الليل والنهار واجب على من وقف بالنهار أم لا، وفيه قولان: أصحهما سنة، والثاني واجب. وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة، وطلوع الفجر الثاني يوم النحر، فمن حَصَل بعرفات في جزء من هذا الزمان صحّ وقوفه، ومن فاته ذلك فاته الحجّ، هذا مذهب الشافعيّ، وجماهير العلماء، وقال مالك: لا يصح الوقوف في النهار منفرداً، بل لا بد من الليل وحده، فإن اقتصر على الليل كفاه، وإن اقتصر على النهار لم يصحّ وقوفه، وقال أحمد: يدخل وقت الوقوف من الفجر يوم عرفة، وأجمعوا على أن أصل الوقوف ركنٌ، لا يصح الحج إلا به، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ تَُّ . قال الجامع عفا الله عنه: قول الإمام أحمد كَخَّتُهُ: إن وقت الوقوف يدخل بطلوع الفجر يوم عرفة هو الأرجح؛ لما أخرجه أحمد، والنسائيّ، وغيرهما بإسناد صحيح عن عروة بن مُضَرِّس الطائيّ ◌َُّه قال: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ في الْمَوْقِفِ، فقلت: جِئْتُ يا رسُولَ اللهِ من جبلي طيء، أَكْلَلْتُ مطيتي، وَأَتْعَبْتُ نفسي، والله ما تَرَكْتُ من جبل إِلَّ وَقَفْتُ عليه، هل لي من حَجِّ؟ فقال رسُولُ اللهِ وَّهِ: ((من أَدْرَكَ مَعَنَا هذه الصَّلَاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ قبل ذلك لَيْلاً أو نَهَاراً، تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَتَهُ))، فقوله وَّر: (ليلاً أو نهاراً)) صريح في أن النهار ٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج كلّه وقت للوقوف كالليل، فمن وقف في أي جزء من أجزاء النهار، أو الليل فقد أدرك الوقوف، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (وَجَعَلَ) وَ (حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ) ((الحبل)) بفتح الحاء المهملة، وسكون الباء الموحّدة، ثم لام: هو المستطيل من الرمل، وقيل: هو الثَّلّ الضخم منه، والْمُشاة بضمّ الميم: جمع ماشٍ، وأُضيف الحبل إليهم؛ لاجتماعهم هناك من الموقف، والمراد به صفّ المشاة، ومُجتمعهم في مشيهم تشبيهاً بحبل الرمل، وقيل: أراد طريقهم الذي يسلكونه في الرمل. وقال النوويّ كَّلُهُ: رُوي حَبْل بالحاء المهملة، وإسكان الباء، ورُوي جبل بالجيم وفتح الباء، قال القاضي عياض كثّتُهُ: الأول أشبه بالحديث، وحَبْلُ المشاة أي: مُجتمعهم، وحبلُ الرَّمْل: ما طال منه، وضَخُم، وأما بالجيم فمعناه طريقهم، وحيث تسلك الرَّجَّالة. انتهى. وتعقّبه الوليّ العراقي بأن ما ذكره من رواية هذه اللفظة بوجهين، وترتيب هذين المعنيين على هذين الوجهين لم أره في كلام القاضي، لا في ((الإكمال))، ولا في ((المشارق))، ولا في كلام غيره أيضاً. انتهى. وقال الطبريّ: حبل المشاة بالحاء المهملة المفتوحة، والموحّدة الساكنة، ثم لام أي: صفّهم، ومُجتمعهم في مشيهم، فكأنه عبّر بحبل المشاة عن المشاة أنفسهم، وقد ضبطه بعضهم بالجيم، وصححه شيخنا ابن الصلاح في ((منسكه))، قال: وبه شَهِدت المشاهدة، وذكره بعض من صنّف في الأمكنة المتعلّقة بالحجيج، وهو الظاهر. انتهى(١). (وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) فيه أنه يستحبّ استقبال القبلة في الوقوف بعرفة (فَلَمْ يَزَلْ) وَلِ (وَاقِفاً) بعرفة (حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً) أي: ذهاباً قليلاً (حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ) أي: قرص الشمس، وهو بضمّ، فسكون: عينها، قال النوويّ تَُّ: هكذا هو في جميع النسخ، وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، قال: قيل: لعل صوابه حين غاب القرص. انتهى كلام القاضي. قال النوويّ: ويَحْتَمِل أن الكلام على ظاهره، ويكون قوله: ((حتى غاب (١) ((المرعاة)) ٢٩/٩. ٧٣ (١٨) - بَابُ ذِكرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْن عَبْدِ اللهِ ( الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) القرص)) بياناً لقوله: ((غربت الشمس، وذهبت الصفرة))، فإن هذه تُطلق مجازاً على مغيب معظم القرص، فأزال ذلك الاحتمال بقوله: ((حتى غاب القرص))، والله أعلم. انتهى(١). وقال القاري: قيل: صوابه حين غاب القرص، وفيه نظر؛ إذ لا يظهر معنى لقوله: ((ذهبت الصفرة قليلاً حين غاب القرص))، وكأن القائل غفل عن قيد القلّة، وذَهِل عن الرواية التي تطابق الدراية. وفيه تنبيهٌ على الاحتياط والمكث بعد الغروب حتى تذهب الصفرة لأجل الحائل من الجبال، وفي وقوفه وَّر على راحلته، وإطالته الوقوف عليها دليلٌ على إباحة ذلك مطلقاً، خلافاً لمن كرهه، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك مقصوراً على ما هو قربةٌ دون غيره من المباح، وعلى ما خفّ أمره دون الأحمال الثقال، والمحامل الثقيلة بالركبان المتعدّدة؛ لما فيه من إتعاب الحيوان من غير ضرورة(٢). وقال القرطبيّ نَّثُهُ: قوله: ((فلم يزل واقفاً بعرفة حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرة قليلاً)) لا خلاف في أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحجّ، وأنه من بعد الزوال، وأنه لا يُجزئ قبله، وأن وقوف الليل يُجزئ، وأكثر العلماء: على أن وقوف النهار يُجزئ إلا مالكاً، فإنه في معروف مذهبه كمن لم يقف، ولا خلاف في أفضلية الجمع بين الوقوفين ليلاً ونهاراً، وفيه دليل: على الاحتياط بأخذ جزء من الليل زائد على مغيب الشمس. قال: وقد رَوَى الترمذيّ حديثاً صحيحاً يرفع الخلاف في هذه المسألة: عن عروة بن مُضرَّس قال: أتيت رسول الله ولي بالمزدلفة حين خرج إلى الصَّلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبل طيء، أكْلَلْتُ راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله ﴾: ((من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه، وقضى تفثه))، قال: هذا حديث حسن صحیح. (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٦/٨. (٢) ((المرعاة)) ٢٩/٩ - ٣٠. ٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج وزاد النسائي: ((ومن لم يدرك مع الإمام والناس؛ فلم يدرك))، فظاهر هذا: أنه لا يلزم الجمع بين وقوف الليل والنهار، بل أيَّهما فعل أجزأ؛ لأن الرواية فيه بـ ((أو)) التي هي لأحد الشيئين، غير أنه قد جاء في كتاب النسائي من حديث عبد الرحمن بن يعمر، قال: شهدت النبيّ وَّ بعرفة، وأتاه ناس من نجد، فأمروا رجلاً، فسأله عن الحجّ، فقال: ((الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل صلاة الصبح، فقد أدرك حجه))، وقال الترمذي: ((من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر)): قال وكيع: هذا الحديث أُمُّ المناسك، وقال: حديث حسن صحيح. انتهى كلام القرطبيّ كَُّهُ(١) وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم. (وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ) بن زيد حِبّه، وابن حبّه ◌َ﴿ُهَا (خَلْفَهُ) فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مُطيقة، وقد تظاهرت به الأحاديث. وقال الطبريّ تَّتُهُ: في إردافه ◌َ ﴿ أسامة رخصة في ركوب اثنين على بعير واحد، وأن ذلك لا ينقص من منصب الجليل شيئاً، وبيان فضل أُسامة بتخصيصه بذلك دون من حضره في ذلك الوقت، وكذلك فضل الفضل بن عبّاس في إردافه في ثاني الحال، وفضل عليّ في استنابته في النحر، وبإشراكه في هدیه. (وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ إِ لَّ) أي: ارتحل، ومَضَى، وقال الطيبيّ تَظُّهُ؛ أي: ابتدأ السير، ودفع نفسه، ونحّاها، أو دفع ناقته وحملها على السير، وقال السيوطيّ: أي: خرج من عرفات، وفي رواية: ((أفاض، وعليه السكينة)) (وَقَدْ شَنَقَ) بفتح الشين المعجمة، والنون المخفّفة، فقاف، أي: ضمّ، وضيّق (لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ) بكسر الزاي، قال الفيّوميّ تَخْذَثُ: الزِّمَام للبعير، جمعه أَزِمّةٌ، وزَمَمته زَمّاً، من باب قتل: شددت عليه زمامه، قال بعضهم: الزمام في الأصل الخيط الذي يُشدّ في الْبُرَة، أو في الْخِشَاش، ثم يُردّ إليه الْمِقْوَد، ثمّ سُمّي به الْمِقْود نفسه. انتهى (٢). ثم فسّر، وبيّن معنى قوله: ((وشنق ... إلخ)) بقوله: (حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا) أي: رأس القصواء (لَيُصِيبُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإصابة (مَوْرَِكَ رَحْلِهِ) قال (١) ((المفهم)) ٣٣٧/٣ - ٣٣٨. (٢) ((المصباح المنير)) ٢٥٦/١. ٧٥ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿ّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) الجوهريّ: قال أبو عبيد: الْمَوْرِك، والمورِكة - يعني بفتح الميم، وكسر الراء -: هو الموضع الذي يَثْنِي الراكب رجله عليه قُدّام واسطة الرحل إذا مَلَّ من الركوب، وضبطه القاضي بفتح الراء، قال: وهو قطعة أَدَم يتورك عليها الراكب، تُجْعَل في مُقَدَّم الرحل، شِبْهُ الْمِخَدَّة الصغيرة، وفي هذا استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة، وبأصحاب الدواب الضعيفة، قاله النوويّ(١). (وَيَقُولُ بِبَدِهِ الْيُمْنَى) أي: يشير بها، ففيه إطلاق القول على الفعل ((أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ))) بالتكرار مرّتين للتأكيد، منصوباً على الإغراء؛ أي: الزموا السكينة، وهي الرفق، والطمأنينة، وعدم الزحام، وفيه أن السكينة في الدفع من عرفات سنةٌ، فإذا وجد فُرْجة يسرع، كما ثبت في الحديث الآخر، (كُلَّمَا أَتَى حَبْلاً مِنْ الْحِبَالِ) بالحاء المهملة المكسورة جمع حَبْل، وهو الثَّلُّ اللطيف من الرمل الضخم، وقد تقدّم قريباً (أَرْخَى لَهَا قَلِيلاً) أي: أرخى للقصواء الزمام إرخاءً قليلاً، أو زماناً قليلاً (حَتَّى تَصْعَدَ) بفتح حرف المضارعة، والعين، من باب تَعِبَ صُعُوداً؛ أي: إلى أن تَعْلُو، فـ((حتى)) غاية للإرخاء، وجوّز النوويّ ضمّ حرف المضارعة، مِن أصعد، قال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٣]، وفيه نظر؛ لأن الإصعاد معناه الإبعاد في الأرض، وليس مراداً هنا، بل المراد العُلُوّ، فتأمل. (حَتَّى أَتَّى الْمُزْدَلِفَةَ) أي: إلى أن وصل إلى المزدلفة المكان المعروف. وأصل المزدلفة: مزتلفة، فأبدل التاء دالاً؛ لقرب المخرج، كما قال في (الخلاصة» : طَاتَا افْتِعَالٍ رُدَّ إِثْرَ مُظْبَقِ فِي اذَّانَ وَازْدَدْ وَاذَّكِرْ دَالاً بَقِي قال النوويّ كَّتُهُ: وأما المزدلفة فمعروفة، سُمِّيت بذلك، من التزلف، والازدلاف، وهو التقرب؛ لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، وتقربوا منها، وقيل: سميت بذلك لمجيء الناس إليها في زُلَفٍ من الليل؛ أي: ساعات، وتسمى جَمْعاً بفتح الجيم، وإسكان الميم، سُمِّيت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها . (١) ((شرح النوويّ)) ١٨٦/٨. ٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج قال: واعلم أن المزدلفة كلها من الحرم، قال الأزرقيّ في ((تاريخ مكة))، والماورديّ، وأصحابنا في كتب المذهب، وغيرهم: حَدُّ مزدلفة ما بين مأُزَمَي عرفة، ووادي مُحَسِّر، وليس الحدان منها، ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب، والجبال الداخلية في الحدّ المذكور. انتهى(١). وقال القرطبيّ تَخُّْهُ: وسمِّيت المزدلفة بذلك؛ لاقتراب الناس بها إلى منى بعد الإفاضة من عرفات، والازدلاف: القرب، يقال: ازدلف القوم؛ إذا اقتربوا، وقال ثعلب: لأنها منزلة قربة لله تعالى، وقال الهروي: سُمِّيت بذلك: لازدلاف الناس بها، والازدلاف: الاجتماع، وقيل: سُمِّيت بذلك: للنزول بها بالليل، وزلف الليل: ساعاته، وتسمَّى أيضاً المزدلفة: بالمشعر؛ لأنها من المشاعر، وهي المعالم، والصواب: أن المشعر موضع مخصوص من المزدلفة، وهو الذي كانت الْحُمْسُ تقف فيه، ولا تتعداه، وتَكْتَفِي بالوقوف فيه عن عرفة. وسُمِّيت منى بذلك: لما يُمنى فيها من الدماء؛ أي: يراق. وقيل: لأن آدم تَمَنَّى الاجتماع مع حواء فیھا. وسُمِّيت عرفة بذلك: لأن جبريل عرَّف بها آدم، فقال: عرفت عرفت، وقيل: سميت عرفة لأن آدم ظلّلا تعرَّف فيه بحواء بعد إنزالهما إلى الأرض، وهي المعرَّف، والتعريف: الوقوف بها. انتهى(٢). (فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ) أي: جمع بينهما في وقت العشاء (بِأَذَاٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنٍ) أي: لكل واحدة منهما. [تنبيه]: اختلف العلماء في الأذان والإقامة للصلاتين المذكورتين على ستة أقوال؛ لاختلاف الآثار في ذلك: (أحدها): أنه يقيم لكلّ منهما، ولا يؤذّن لواحدة منهما، وهو قول القاسم ابن محمد، وسالم، وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر ﴿يا، وبه قال إسحاق ابن راهويه، وأحمد بن حنبل في أحد القولين عنه، وهو قول الشافعيّ، وأصحابه فيما حكاه الخطّابيّ، والبغويّ، وغير واحد، وقال النوويّ في ((شرح (١) (شرح النوويّ)) ١٨٧/٨. (٢) ((المفهم)) ٣٣٦/٣ - ٣٣٧. ٧٧ (١٨) - بَابُ ذِكْرٍ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﴿مّ الطَّوِيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) مسلم)): الصحيح عند أصحابنا أنه يصليهما بأذان للأولى، وإقامتين لكلّ واحدة، وقال في ((الإيضاح)): إنه الأصحّ. (الثاني): أنه يصليهما بإقامة واحدة للأولى، وهو إحدى الروايتين عن ابن عمر ◌ًا، وهو قول سفيان الثوريّ، فيما حكاه الترمذيّ، والخطابيّ، وابن عبد البرّ، وغيرهم. (الثالث): أن يؤذِّن للأولى، ويقيم لكلّ واحدة منهما، وهو قول أحمد بن حنبل في أصحّ قوليه، وبه قال أبو ثور، وعبد الملك بن الماجشون، من المالكيّة، والطحاويّ، وقال الخطابيّ: هو قول أهل الرأي. وذكر ابن عبد البرّ أن الْجُوزجانيّ حكاه عن محمد بن الحسن، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة. (الرابع): أنه يؤذّن للأولى، ويقيم لها، ولا يؤذّن للثانية، ولا يقيم لها، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، حكاه النوويّ، وغيره. قال العينيّ: هذا هو مذهب أصحابنا، وعند زفر بأذان وإقامتين. (الخامس): أنه يؤذّن لكلّ منهما، ويقيم، وبه قال عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود ◌ًّا، وهو قول مالك، وأصحابه، إلا ابن الماجشون، وليس لهم في ذلك حديث مرفوع، قاله ابن عبد البرّ. (السادس): أنه لا يؤذّن لواحد منهما، ولا يقيم، حكاه المحبّ الطبريّ عن بعض السلف. وهذا كله في جمع التأخير. وأما جمع التقديم، كالظهر والعصر بنمرة، ففيه ثلاثة أقوال: (أحدها): أنه يؤذّن للأولى، ويقيم لكل واحدة منهما، وهو قول الشافعيّ، وجمهور أصحابه. (الثاني): أن يؤذّن للأولى، ويقيم لها، ولا يقيم للثانية، وهو مذهب أبي حنيفة. (الثالث): أنه يؤذّن لكلّ منهما، ويقيم، وهو وجه حكاه الرافعيّ عن ابن كجّ، عن أبي الحسين القطان أنه أخرجه وجهاً. قال العينيّ: [فإن قلت]: ما الأصل في هذه الأقوال؟: [قلت]: الذي قال بأذان وإقامتين قال برواية جابر، والذي قال بلا أذان، ولا إقامة، قال بحديث أبي أيوب، وابن عمر، فإنه ليس فيهما أذان، ولا ٧٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج إقامة، وكذا رواه طلق بن حبيب، وابن سيرين، ونافع عن ابن عمر من فعله. والذي قال بإقامة واحدة قال بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما - يعني المذكور في الباب، وكذا رواه ابن عباس ضيًّا مرفوعاً عند مسلم، والذي قال بإقامة للمغرب، وإقامة للعشاء قال بحديث أسامة، وكذا فعله عمر بن الله الخطّاب فهذه الأحاديث التي رويت كلها مسندة، قاله ابن حزم، وقال: أشدّ الاضطراب في ذلك عن ابن عمر طًّا، فإنه روي عنه من فعله الجمع بينهما بلا أذان، ولا إقامة، وروي عنه أيضاً بإقامة واحدة، وروي عنه موقوفاً بأذان واحد، وإقامة واحدة، وروي عنه مسنداً الجمع بينهما بإقامتين، وروي عنه مسنداً بأذان واحد، وإقامة واحدة، قال: وهنا قول سادس لم نجده مرويّاً عن النبيّ وَل﴾، وهو ما رويناه عن ابن مسعود ربه أنه صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة كل واحد منهما بأذان وإقامة، ذكره العينيّ في ((شرح البخاريّ)). وقد مال البخاريّ كَُّ في ((صحيحه)) إلى ما ذهب إليه ابن مسعود فقال: ((باب من أذن، وأقام لكل واحدة منهما)) قال: حدّثنا عمرو بن خالد، حدّثنا زهير، حدّثنا أبو إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: (حج عبد الله ته، فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة، أو قريباً من ذلك، فأمر رجلاً، فأذن، وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه، فتعشى، ثم أمر رجلاً فأذن، وأقام ... )) الحديث. قال في ((الفتح)): وفي هذا الحديث مشروعية الأذان والإقامة لكل من الصلاتين إذا جمع بينهما، قال ابن حزم: لم نجده مرويّاً عن النبيّ وَّهِ، ولو ثبت عنه لقلت به، ثم أخرج من طريق عبد الرزاق، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق في هذا الحديث: قال أبو إسحاق: فذكرته لأبي جعفر، محمد بن علي، فقال: أما نحن أهلَ البيت، فهكذا نصنع. قال ابن حزم: وقد رُوي عن عمر من فعله. قال الحافظ: أخرجه الطحاويّ بإسناد صحيح عنه، ثم تأوله بأنه محمول على أن أصحابه تفرقوا عنه فأَذَّن لهم ليجتمعوا، ليجمع بهم، ولا يخفى تكلفه، ولو تأتى له ذلك في حق عمر، لكونه كان الإمام الذي يقيم للناس حجهم، لم ٧٩ (١٨) - بَابُ ذِكْرِ حَدِيثٍ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَّ الطَِّيلِ ... إلخ - حديث رقم (٢٩٥٠) يتأت له في حق ابن مسعود؛ لأنه إن كان معه ناس من أصحابه لا يحتاج في جمعهم إلى من يؤذن لهم، وقد أخذ بظاهره مالك، وهو اختيار البخاريّ. ورَوَى ابن عبد البر عن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك، حيث أخذ بحديث ابن مسعود، وهو من رواية الكوفيين، مع كونه موقوفاً، ومع كونه لم يروه، ويترك ما روى عن أهل المدينة، وهو مرفوع. قال ابن عبد البر: وأعجب أنا من الكوفيين، حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة، وهو أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وتركوا ما رووا في ذلك عن ابن مسعود، مع أنهم لا يعدلون به أحداً . قال الحافظ تَّتُهُ: الجواب عن ذلك أن مالكاً اعتَمَد على صنيع عمر في ذلك، وإن كان لم يروه في ((الموطأ))، واختار الطحاويّ ما جاء عن جابر . - يعني هذا الحديث أنه جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وهذا قول الشافعيّ في القديم، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن الماجشون، وابن حزم، وقوّاه الطحاويّ بالقياس على الجمع بين الظهر والعصر بعرفة. وقال الشافعي في الجديد، والثوري، وهو رواية عن أحمد: يجمع بينهما بإقامتين فقط، وهو ظاهر حديث أسامة ﴿ه الآتي، حيث قال: ((فأقام المغرب، ثم أناخ الناس، ولم يَحُلُّوا حتى أقام العشاء))، وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات، أخرجه الطحاويّ وغيره، وكأنه يراه من الأمر الذي يتخير فيه الإنسان، وهو المشهور عن أحمد. انتهى(١). قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح المذاهب عندي قول من قال: يصلي الأولى بالأذان والإقامة، والثانية بالإقامة فقط، لحديث جابر ظه هذا، فإنه مرفوع صريح في ذلك، وما عداه إما موقوف، كحديث عمر، وابن مسعود رضيها، أو قابل للتأويل، كحديث أسامة وابن عمر ﴿ها، فيؤول بأنه صلى الأولى بالإقامة مع الأذان، والثانية بالإقامة فقط، وإنما أوّلنا بذلك؛ لأنه لا يمكن أن يُحْمَل على تعدد الواقعة، إذ حجته بَّه واحدة، فتعيّن الجمع بين (١) ((الفتح)) ٦١٩/٤ - ٦٢٠. ٨٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الحج صريح مُفَسَّرٌ، فوجب حمل غيره عليه، والله الروايات، وحديث جابر تعالى أعلم بالصواب. (وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئاً) أي: لم يصلّ بين المغرب والعشاء شيئاً من النوافل والسنن، والنافلة تسمّى سبحةً؛ لاشتمالها على التسبيح، وفي حديث ابن عمر رضيّ: ((ولم يسبّح بينهما، ولا على إثر واحدة منهما))، فقوله: ((ولم يسبّح بينهما)) أي: لم يتنفّل بين الصلاتين، وقوله: ((ولا على إثر واحدة منهما)) أي: ولا عقب كل واحدة من الصلاتين، لا عقب الأولى، ولا عقب الثانية، وهذا تأكيد بالنظر إلى الأولى، وتأسيس بالنظر إلى الثانية. قال في ((الفتح)): ويستفاد منه أنه ترك التنفّل عقب المغرب، وعقب العشاء، ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرّح بأنه لم يتنفّل بينهما، بخلاف العشاء، فإنه يَحْتَمِل أن يكون المراد أنه لم يتنفّل عقبها، لكنه تنفّل بعد ذلك في أثناء الليل، ومن ثمّ قال الفقهاء: تؤخّر سنة العشاء عنهما، ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوّع بين الصلاتين بالمزدلفة؛ لأنهم اتفقوا على أن السنّة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفّل بينهما لم يصحّ أنه جمع بینهما . انتھی. قال الحافظ: ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود ربه الآتي في الباب التالي(١). انتهى. وقال النوويّ كَُّ: الحديث دالّ على الموالاة بين الصلاتين (١) أشار به إلى ما أخرجه البخاريّ كَفُ، من طريق أبي إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، يقول: حج عبد الله كثّفُ، فأتينا المزدلفة، حين الأذان بالعتمة، أو قريباً من ذلك، فأمر رجلاً، فأذن، وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه، فتعشى، ثم أمر - أرى - فأذن، وأقام، قال عمرو: لا أعلم الشك إلا من زهير، ثم صلى العشاء ركعتين، فلما طلع الفجر، قال إن النبيّ ◌َ﴿، كان لا يصلي هذه الساعة، إلا هذه الصلاة، في هذا المكان، من هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان تُحوَّلان عن وقتهما: صلاة المغرب، بعدما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال: رأيت النبيّ وكلفه يفعله. انتهى.